النص المفهرس

صفحات 301-320

الحديث التاسع
٩/٩/٥٥ - قال: المصنف، ولمسلم عنها، قالت: سمعت
رسول الله * يقول: ((لا صلاة بحضرة طعام، ولا وهو يدافعه
الأخبئان)»(١).
الكلام عليه من وجوه :
أحدها: الأخبثان: [الغائط والبول](٢)، وقد ورد مصرحاً به
في بعض الأحاديث(٣).
ثانيها: تقدم الكلام في الحديث قبله على حكم الصلاة بحضرة معنى:
((الأخبتين)
الطعام.
ثالثها: اختلف العلماء كما قال صاحب القبس(٤): في علة علة النهي عن
الصلاة وقت
مدافعـة
الأخبثين
(١) مسلم (٥٦٠)، وأبو داود (٨٩)، وأحمد في المسند (٤٢/٦، ٥٤،
٧٣)، وأبو عوانة (٢٦٨/١)، والطحاوي في المشكل (٤٠٤/٢)،
والحاكم (١٦٨/١)، والبيهقي (٧١/٣)، وابن أبي شيبة، والبغوي
(٨٠١، ٨٠٢)، وصححه ابن خزيمة (٩٣٣).
(٢) تقديم وتأخير بين النسخ.
(٣) عند ابن حبان (٢٠٧٣).
(٤) القبس (٣٤٩/١، ٣٥٠) مع اختلاف يسير في النقل.
٣٠١

۔۔
النهي عن الصلاة مع مدافعة الأخبثين، فقيل: علته عدم الخشوع
والإقبال على أفعال الصلاة.
وقيل: علته أنه انصب للخروج، فإذا حقنه فكأنه حبسه في
ثوبه .
وقيل: إذا حقنه كأنه نقض طهارته فيكون مصلياً بغير طهارة.
وهذا بعيد كما قاله الشيخ تقي الدين: لأنه إحداث سبب آخر في
النواقض من غير دليل صريح فيه فإن استند في ذلك إلى [ ](١).
هذا الحديث فليس / [بصريح](٢) فيما ذكره، وإنما غايته أن يكون
مناسباً أو محتملاً(٣).
رابعها: ظاهر الحديث أن المعتبر مدافعة الأخبثين معاً
لا أحدهما، وليس كذلك بل كل واحد منهما مستقل بالكراهة (٤).
لا يلزم وجود
الأخيثين معاً
وإنما يكفي
أحدمما
(١) في ن زيادة (غير).
(٢) في ن ب (صحيح)، وما أثبت يوافق إحكام الأحكام (٧٤/٢) مع
الحاشية.
(٣) قال ابن حبان - رحمنا الله وإياه - (٣٥٧/٣): المرء مزجور عن الصلاة.
عند وجود البول والغائط، والعلة المضمرة في هذا الزجر هي أن يستعجله
أحدهما حتى لا يتهيأ له أداء الصلاة على حسب ما يجب من أجله،
والدليل على هذا تصريح الخطاب ولا هو يدافعه الأخبثان، ولم يقل ولا
هو يجد الأخبثين.
انظر: تعقب ابن العربي على هذا، ونسبة إلى الإِمام أحمد في عارضة.
الأحوذي (٢٣٥/١).
(٤) قال ابن حبان - رحمنا الله وإياه ـ- بعد ما سبق: ((والجمع بين الأخبثين =
٣٠٢

لحديث عبد الله بن أرقم: ((إذا أراد أحدكم الغائط فليبدأ به قبل
الصلاة)) رواه مالك(١) وغيره. وإن كان الغائط لا ينفك عن البول
غالباً، فإنه قد لا يدافعه البول معه لحقته.
قال الشيخ تقي الدين: ومدافعة الأخبثين إما أن تؤدي إلى
[الإخلال](٢) بركن أو شرط أو لا، فإن أدت امتنع الدخول، فإن
دخل واختلا فسدت، وإن لم يؤد إلى ذلك، فالمشهور فيه الكراهة.
ونقل عن مالك أن ذلك مؤثر في الصلاة بشرط شغله عنها، حكم صلاته
وأنه قال: يعيد في الوقت وبعده، وتأوله بعض أصحابه على أنه
إن صلى على
هذه الحال
شغله حتى أنه لا يدري كيف صلى فهو الذي يعيد قبل وبعد، وإلاّ
فإن كان خفيفاً فهو الذي يعيد في الوقت.
قال القاضي عياض: وكلهم مجمعون على أنه / [إن](٣) بلغ
=
قصد به وجودهما معاً، وانفراد كل واحد منهما لا اجتماعهما دون
الانفراد».
(١) مالك في الموطأ (١٥٩/١)، وأبو داود المنذري طبعة فقي (٨٤/١)،
والترمذي (١٨٤)، وكذا أخرجه النسائي (٢١٠/٢)، وابن ماجه
(٢٠٢/١)، وابن حبان، وصححه ابن خزيمة (٩٣٢، ١٦٥٢)، والحاكم
(١٦٨/١)، ووافقه الذهبي، والدارمي (٣٣٢/١)، وأحمد (٤٨٣/٣)،
والحميدي (٨٧٢)، وابن أبي شيبة (٤٢٣/٢)، عبد الرزاق (١٧٥٩).
(٢) في ن ب (الاختلال)، ما أثبت يوافق إحكام الأحكام (٦٩/٢) مع
الحاشية .
(٣) زيادة من ن ب، والنص ساقه في إحكام الأحكام وهي ساقطة فيه
(٧٠/٢).
٣٠٣

به ما لا يعقل به صلاته، ولا يضبط حدودها أنه لا يجوز له الدخول
فيها، [وأنه] (١) يقطع الصلاة وإن أصابه ذلك فيها، قال: وهذا الذي
قدمناه في التأويل. وكلام القاضي فيه بعض [احتمال](٢).
والتحقيق: ما أشرنا إليه أولاً، لأنه إن منع من ركن أو شرط
امتنع الدخول، وفسدت باختلالهما، وإلاّ فهو مكروه إن نظر إلى
المعنى، أو ممتنع إن نظر إلى ظاهر النهي [فلا](٣) يقتضي ذلك
الإعادة على مذهب الشافعي، وأما ما [ذكره](٤) من التأويل [في أنه
لا يدري](٥) كيف صلىْ [وما قاله] (٦) القاضي: إن بلغ به ما لا يعقل
صلاته، فإن أُريد بذلك الشك في شيء من الأركان فحكمه حكم من
شك في ذلك بغير هذا السبب وهو البناء على اليقين، وإن أُريد به أنه
يذهب خشوعه بالكلية فحكمه حكم من صلى بغير خشوع، ومذهب
جمهور الأمة إن ذلك لا يبطل الصلاة .
قلت: ولأصحابنا وجه ببطلانها، وحكاه [أبو](٧) عبد الله بن
القول ببطلان
الصلاة
(١) في ن ب (أن)، وما أثبت يوافق إحكام الأحكام.
(٢) في ن ب (إجمال)، وأيضاً في إحكام الأحكام.
(٣) في الأصل (ولا)، وما أثبت من ن ب.
(٤) في ن ب (ذكر).
(٥) زيادة من ن ب.
(٦) في إحكام الأحكام ((أو ما قال)).
(٧) زيادة من كتب التراجم للتصحيح هو محمد بن خفيف أبو عبد الله الضبي
الشيرازي، مات في رمضان سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة عن خمس
وتسعين سنة. وقيل: بل جاوز المائة بأربع سنين. ترجمته طبقات =
٣٠٤

خفيف قولاً عن الشافعي، أفاده عنه ابن العطار، ثم استغربه جدًّا،
وهو كما ذكر، ثم بحث الشيخ تقي الدين(١) مع القاضي في قوله:
لا يضبط حدودها بذلك أيضاً قال: وهذا الذي ذكرناه إنما هو بالنسبة
إلى إعادة الصلاة، وأما بالنسبة إلى جواز الدخول فيها فقد يقال: إنه
لا يجوز له أن يدخل في صلاة لا يتمكن فيها من ذكر إقامة أركانها
وشرائطها. فتلخص أن المدافع الأخبثين أربعة [أحوال](٢).
أحدها: أن يكون بحيث لا يعقل بسببهما الصلاة وضبط أحوال مدافع
حدودها، فلا تحل له الصلاة ولا الدخول فيها إجماعاً.
الأخيلين
ثانيها: أن يكون بحيث يعقلها مع ذهاب خشوعه بالكلية.
ثالثها: أن يكون بحيث يؤدي إلى الإخلال بركن أو شرط.
رابعها: أن يكون بحيث يؤدي إلى الشك في شيء من
الأركان، وقد عرفت حكم ذلك(٣).
الصوفية (٤٦٢، ٤٦٦)، وطبقات الأولياء (٢٩٠، ٢٩٤)، وإيضاح
=
المكنون (٤/١، ٣٥، ٣٦٧)، وطبقات ابن شهبة (١٤٧/١). مؤلفاته:
(شرف الفقراء المتعففين على الأغنياء المنفقين))، و ((شرح الفضائل
والفصول في الأصول))، و((جامع الإِرشاد وفضل التصوف)). انظر:
معجم المؤلفين (٩/ ٢٨٢).
أقول: المحكي قولاً عن الشافعي: إن الخشوع شرط في صحة الصلاة.
ذكره ابن قاضي شهبة في طبقاته (١٤٨/١).
(١) في إحكام الأحكام (٢/ ٧١، ٧٣).
(٢) في الأصل (أقوال)، وما أثبت من ن ب.
(٣) قال ابن قاسم - رحمنا الله وإياه - في حاشية الروض (٩٧/٢): يبدأ =
٣٠٥

يلحق الأخبئين
في الحکم ما
هو في معناهما
خامسها: يلحق بالأخبثين ما في معناهما مما يشغل القلب،
ويذهب كمال الخشوع. كما الحق بقوله وقير ((لا يقضي القاضي وهو
غضبان)»(١) ما في معناه من الجوع المؤلم، والعطش الشديد، والغم،
والفرح، ونحو ذلك(٢).
بالخلاء ليزيل ما يدافع من بول أو غائط أو ريح ولو فاتته الجماعة، ومن
=
أهل العلم من قال بعدم صحتها، والأكثر أنها ناقصة. وقال شيخ الإسلام
- رحمنا الله وإياه - : إذا كان على وضوء وهو حاقن يحدث ثم يتيمم.
إذ الصلاة بالتيمم وهو غير حاقن أفضل من صلاته بالوضوء وهو حاقن،
وقال: صلاته مع الاحتقان مكروهة، وفي صحتها روايتان. وصلاة
المتيمم صحيحة لا كراهة فيها بالاتفاق. اهـ. والصلاة مع الاحتقان مانع
للخشوع إذ الخشوع هو لب الصلاة وروحها والخشوع الإِخبات، وهو
معنى يقوم بالنفس يظهر منه سكون الأطراف. قال ابن القيم - رحمنا الله
وإياه - : والخشوع قيام العبد بين يدي الرب بالخضوع والذل والجمعية
عليه. وفي الحديث: ((إذا صلى يتضرع ويتخشع ويتمسكن وإلاَّ فهي
خداع)). وفي الأثر: ((أول ما يرفع من هذه الأمة الخشوع)».
(١) من رواية أبي بكرة. البخاري (٧١٥٨)، ومسلم (١٧١٧)، والترمذي
(١٣٣٤)، والنسائي (٢٣٧/٨، ٢٣٨)، وابن ماجه (٢٣١٦)، وأبو داود
(٣٥٨٩)، والطيالسي (٨٦٠)، والحميدي (٧٩٢)، وأحمد (٣٦/٥،
٣٨، ٤٦، ٥٢)، والبغوي (٢٤٩٨)، والدارقطني (٢٠٥/٤).
(٢) فائدة: قال ابن القيم - رحمنا الله وإياه تعالى - : عشر يؤذي انحباسها
ومدافعتها: الدم إذا هاج، والمني إذا اجتمع، والبول، والغائط، والريح،
والقيء، والعطاس، والنوم، والجوع، والعطش، وكل واحد يوجب
:
حبسه داء من الأدواء بحسبه.
٣٠٦

سادسها: هذه الكراهة عند جمهور أصحابنا وغيرهم إذا صلى الحكم إذا
ضاق الوقت
عن التطهر
كذلك وفي الوقت سعة، فإن ضاق بحيث لو أكل أو تطهر خرج
الوقت صلى على حالته محافظة على حرمة الوقت، ولا يجوز
تأخيرها، وفي وجه شاذ أنه لا يصلي بحاله، بل يأكل ويتوضأ وإن
خرج الوقت، لأن مقصودها الخشوع فلا يفوت، وإذا صلى على
حاله وفي الوقت سعة فقد ارتكب المكروه، وصلاته صحيحة عند
الجمهور، لكن يستحب إعادتها ولا يجب، خلافاً لأهل الظاهر كما
سبق عنهم في حضرة الطعام أيضاً.
[سابعها:](١) لو لم يحضره الطعام ونفسه تتوق إليه فالحكم حكم صلاته
فيه كما لو حضره، لوجود المعنى وهو ترك الخشوع.
إن صلى
ونقه تتوق
إلى الطعام
قال الشيخ تقي الدين(٢): والتحقيق أن الطعام إذا لم يحضر،
فإن تيسر حضوره عن قرب فلا يبعد أن يكون كالحاضرة، وإلاّ فلا
ينبغي أن يلحق بالحاضر؛ فإن حضور / الطعام يوجب زيادة تشوق
وتطلع إليه، وهذه الزيادة يمكن أن يكون اعتبرها الشارع في تقديم
الطعام / على الصلاة، فلا ينبغي أن يلحق بها ما لا يساويها للقاعدة
الأصولية ((أن محل النص إذا اشتمل على وصف يمكن أن يكون
معتبراً لم یلغ».
D
(١) في ن ب (تاسعها).
(٢) إحكام الأحكام (٦٧/٢) مع الحاشية بمعناه.
٣٠٧

الحديث العاشر
[ ١٢٧ /١/١]
٩/١٠/٥٦ - عن عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما -:
قال: ((شهد عندي رجال مرضيون - وأرضاهم عندي: عمر - أن :.
رسول الله وَ﴾ نهى عن الصلاة بعد الصبح، حتى تشرق الشمس،
وبعد العصر حتى تغرب)»(١).
أما راويه فتقدم في [باب](٢) الاستطابة التعريف به.
ومعنى: ((شهد)) بيَّن وأعلم وأخبر، لا بمعنى الشهادة عند
الحكام، كيف وعمر كان قاضياً للصديق وخليفة بعده إلى أن مات،
ولم يكن ابن عباس قاضياً له ولا نائباً في الإمارة، فدل على ما
ذكرناه.
وقوله: ((مرضيون)) أي لا شك في صدقهم ودينهم.
و ((تشرق)): بضم أوله وكسر ثالثه وبفتح أوله وضم ثالثه وهو
الفرق اللغوي
بين أشرق
وشرق
(١) البخاري (٥٨١)، ومسلم (٨٢٦)، وأبو داود (١٢٧٦)، والترمذي
(١٨٣)، والنسائي (٢٧٦/١، ٢٧٧)، وابن ماجه (١٢٥٠)، وأحمد في
المسند .
(٢) في ن ب ساقطة.
٣٠٨

للأكثر عند رواة المشارقة، وأشار القاضي(١) إلى ترجيح الأول، وهو
بمعنى تطلع؛ لأن أكثر الروايات على تطلع، فوجب حمل تشرق في
المعنى على موافقتها .
قال أهل اللغة(٢): يقال: شرقت الشمس تشرق أي: طلعت
على وزن طلعت تطلع، وغربت تغرب، ويقال: أشرقت تشرق أي:
ارتفعت وأضاءت، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَيِّهَا﴾(٣)
أي : أضاءت .
فمن قال: إن الرواية: من أشرقت تشرق، احتج لها
بالأحاديث الأخرى في النهي عن الصلاة عند طلوع الشمس(٤)
والنهي عن الصلاة إذا بدأ حاجب الشمس حتى تبرز(٥). وحديث
(ثلاث ساعات حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع)) (٦)، وكل هذا
(١) في مشارق الأنوار (٢٤٩/٢).
(٢) انظر: مختار الصحاح (١٤٤).
(٣) سورة الزمر: آية ٦٩ .
(٤) حديث أبي سعيد مرفوعاً: ((لا صلاة بعد صلاة الفجر حتى تطلع
الشمس)»، الحديث متفق عليه .
(٥) لحديث ابن عمر أخرجه البخاري: ((إذا طلع حاجب الشمس فأخّروا
الصلاة حتى ترتفع، وإذا غاب حاجب الشمس فأخروا الصلاة حتى
تغيب))، وفي لفظ: ((تبرز)).
(٦) لحديث عقبة بن عامر: ((ثلاث ساعات كان النبي ◌َّ ينهانا أن نصلي
فيهن، وأن نقبر فيهن موتانا حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع ... )
الحدیث.
٣٠٩

يبين أن المراد بالطلوع ارتفاعها وإشراقها وإضاءتها لا مجرد ظهور
قرصها [ثم] (١).
الكلام عليه بعد ذلك من وجوه:
أحدها: فيه رد على الروافض فيما يدعونه من المباينة بين أهل
البيت وأكابر الصحابة .
حكم صلاة
الفرض في
أوقات النهي
ثانيها: أجمعت الأمة على كراهة صلاة لا سبب لها في أوقات
النهي، واتفقوا على جواز الفرائض المؤداة فيها.
واختلفوا في النوافل التي لها سبب: كالعيد(٢)، والجنازة،
وقضاء الفوائت.
ومذهب الشافعي - رحمه الله - وطائفة جواز ذلك كله إذا كان
السبب متقدماً بلا كراهة.
(١) في ن ب ساقطة ..
(٢) وقت صلاة العيد بعد زوال وقت الكراهة. لحديث خرج عبد الله بن بسر
صاحب رسول الله وَّير مع الناس في يوم عيد فطر أو أضحى فأنكر إبطاء
الإِمام، فقال: ((إنا كنا قد فرغنا ساعتنا هذه وذلك حين التسبيح)). قال
السيوطي: أي حين يصلي الضحى. وقال القسطلاني: أي وقت صلاة
السبحة، وهي النافلة إذا مضى وقت الكراهة. قال النووي: في الخلاصة
وإسناده صحيح على شرط مسلم.
وأحسن ما ورد من الأحاديث في تعيين وقت صلاة العيدين، حديث
جندب عند الحافظ أحمد بن حسن البناء في كتاب الأضاحي، قال: ((كان
النبي قل# يصلي بنا يوم الفطر والشمس على قيد رمحين، والأضحى على
قيد رمح)). أورده الحافظ في تلخيص الحبير ولم يتكلم عليه. اهـ. من
عون المعبود (٤٨٦/٣).
٣١٠

ومذهب أبي حنيفة وآخرين أنه داخل في النهي لعموم
الأحاديث، وتباح الفوائت عنده بعد الصبح [والعصر](1) ولا يباح
في الأوقات الثلاثة إلَّ عصر يومه(٢)، فيباح عند اصفرار الشمس،
(١) في ن ب (الصبح).
(٢) قال ابن عبد البر - رحمنا الله وإياه ـ في الاستذكار (٣٦٦/١) وقال أهل
العراق، والكوفيون، وغيرهم: كل صلاة: نافلة أو قريضة أو على جنازة
لا تصلى عند طلوع الشمس ولا عند غروبها ولا عند استوائها، لأن
الحديث لم يخص نافلة من قريضة إلاَّ عصر يومه، لقوله - عليه
السلام -: ((من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك
العصر».
ولهم في ذلك حجج ذكرناه. انظر: (٣٠٢/١، ٣٠٥).
وقد ردوا ظاهر الحديث إذا قالوا ببعضه، ودفعوا بتأويلهم بعضه، لأن
الحدیث جمع الصبح والعصر، وهم قالوا: عصر يومه دون صبح يومه،
وزعموا أن مدرك ركعة من العصر يخرج إلى وقت تباح فيه الصلاة، وهو
بعض المغرب، ومدرك ركعة من الصبح يخرج من الثانية إلى الوقت
المنهي عنه وهو الطلوع.
وهذا الحكم لا برهان لصاحبه فیه، ولا حجة له فیه، لأن من ذکرنا قد
صلى ركعة من العصر والمغرب، وفي قوله - عليه السلام -: ((من نام
عن الصلاة أو نسيها فليصلها إذ ذكرها))، مع قوله - عليه السلام -: ((من
أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، ومن أدرك
ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر». أوضح دليل
على أن نهيه - عليه السلام - كان عن الصلاة عند الطلوع وعند الغروب
لم يقصد به إلى أن الفريضة وإنما قصد به إلى ما عدا الفرائض من
الصلوات.
=
٣١١

وتباح المنذورة(١) في هذه الأوقات عندنا، ولا تباح عنده،
والمشهور من مذهب داود منع الصلاة في هذه الأوقات مطلقاً سواء
ذات السبب وغيرها، وهو رواية عن أحمد.
ونقل القاضي عن داود أنه أباحها بسبب وبدونه.
واحتج الشافعي وموافقوه بأنه ثبت أن النبي ◌َّ قضى سنة
الظهر بعد العصر (٢). وهذا تصريح في قضاء السنة الفائتة، فالحاضرة
أولى، والفريضة المقضية أولى، وكذا . الجنازة، وهو إجماع فيهما،
وقال - عليه الصلاة والسلام - في التحية: ((إذا دخل أحدكم
المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين)»(٣) وهذا خاص وحديث
النهي عن الصلاة في هذه الأوقات عام، وقد دخله التخصيص بصلاة
وعلى هذا التأويل تكون الأحاديث مستعملة كلها في هذا الباب. اهـ.
=
محل المقصود.
(١) أشبهت الفرائض في قضائها في أوقات النهي لا اشتراكها في الوجوب.
(٢) أخرجه البخاري في باب: ما يصلي بعد العصر من الفوائت ونحوها. وقد
نقل ابن حجر - رحمنا الله وإياه - عن البيهقي أنه من خصائصه المداومة
على الركعتين لا أصل القضاء. أما الطحاوي فقد جزم بأنه من خصائصه
أي القضاء، وقد رجح هذا ابن باز - حفظه الله - في تعليقه على الفتح
(٦٥/٢) محسناً الأحاديث الواردة بذلك.
(٣) متفق عليه. البخاري أطرافه (٤٤٤)، ومسلم (٧١٤)، وأبو داود (٤٦٧،
٤٦٨) في الصلاة، باب: ما جاء في الصلاة عند دخول المسجد، ابن
ماجه (١٠١٣)، والنسائي (٥٣/٢)، والترمذي (٣١٦)، والبغوي
(٤٨٠)، وأحمد (٩٥/٥).
٣١٢

الصبح وبصلاة العصر وصلاة الجنازة(١) كما تقدم، وبحديث: ((من
نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها)»(٢) وأما حديث التحية فهو
على عمومه لم يدخله تخصيص، ولهذا أمر بهما الداخل والإِمام
يخطب(٣).
قلت: وكل واحد من الحديثين أعم من الآخر من وجه وأخص
من وجه، فحديث: ((لا صلاة)) خاص في الوقت عام في الصلاة
[وحديث](٤): ((من نام عن صلاة [أو نسيها](٥)) عكسه بقيد كون
(١) قال ابن حجر - رحمه الله - جامعاً بين الأقوال: ((وقال غيرهم ادعاء
التخصيص أولى من ادعاء النسخ، فيحمل النهي على ما لا سبب له،
ويخص منه ما له سبب جمعاً بين الأدلة)). اهـ. قال ابن باز - حفظه
الله - معلقاً على هذا: ((هذا القول هو أصح الأقوال، وهو مذهب
الشافعي وإحدى الروايتين عن أحمد. واختاره شيخ الإسلام وتلميذه ابن
القيم، وبه تجتمع الأخبار، والله أعلم)). اهـ. من الفتح (٥٩/٢).
(٢) متفق عليه. البخاري (٥٩٧)، ومسلم (٦٨٤)، وأبو داود (٤٤٢) في
الصلاة، باب: من نام عن الصلاة، وابن ماجه (٦٩٥، ٦٩٦)، والنسائي
في المواقيت (٦١٤، ٦١٥)، والترمذي (١٧٨)، والبيهقي (٢١٨/٢)،
وأحمد (١٠٠/٣، ٢٦٧)، والدارمي (٢٨٠/١)، وابن خزيمة (٩٩٢،
٩٩٣).
(٣) وأمر النبي وَله الداخل يوم الجمعة حال الخطبة بهما بعد أن قعد،
ولو كانت تترك في وقت لكان هذا الوقت أولى، لأنه من الصلاة
لا التحية، ولأنه تكلم في الخطبة، وبعد أن قعد الداخل، وكل هذا مبالغة
في تعميم التحية. اهـ. من حاشية الروض (٢/ ٢٥٢).
(٤) في ن ب (عام).
(٥) في ن ب ساقطة.
٣١٣

الصلاة فائتة، فلا يقدم أحدهما على الآخر إلاَّ بدليل بخلاف العام مع
الخاص من کل وجه .
[ ١٢٧ /١/ب]
قوله: (حتى
تشرق وحتى
ترتفع» بمعنى
واحد
ثالثها: ذكر في هذا / الحديث النهي عن الصلاة: «[حتى] (١)
تشرق)» وفي الحديث الآتي بقيد: ((حتى ترتفع)) وهما بمعنى وبذلك
تبين أن المراد بالطلوع في باقي الروايات: ارتفاعها، وإشراقها،
وإضاءتها، لا مجرد ظهور قرصها كما أسلفناه(٢).
رابعها: الكراهة في هذين الوقتين يتعلق بالفعل حتى إذا تأخر
الفعل فإنه [لا](٣) تكره الصلاة قبلها، وإن تقدم كرهت(٤)، وفي
متعلق النهي في
الصبح والعصر
بالفعل
(١) في ن ب (حین).
(٢). كما جاء في بعض الروايات مفسراً الطلوع بالارتفاع: ((حتى ترتفع
الشمس)»، والمقصود بالارتفاع كما جاء مصرحاً به في حديث عمرو بن
عبسة الذي أخرجه النسائي، وابن ماجه بتقييد الارتفاع: ((حتى ترتفع
الشمس قيد رمح»، ومعنى قيد رمح: أي قدر رمح: ((أي حتى تطلع
مرتفعة وهو بنظر الإنسان».
(٣) زيادة من ن ب.
(٤) فمن لم يصل العصر أبيح له التنفل وإن صلى غيره، وكذا لو أحرم بها ثم
قلبها نفلاً، أو قطعها لعذر لم يمنع من التطوع حتى يصليها، ومن صلاها
فليس له التنفل، ولو صلى وحده لحديث أبي سعيد، فلو قدم صلاة
العصر جمعاً مع الظهر منع من التنفل، إلَّ سنة الظهر بعدها. لحديث
أم سلمة أنه دخل عليها فصلى ركعتين بعد العصر، فقلت: صلاة لم أكن
أراك تصليها؟ فقال: ((إني كنت أصلي ركعتين بعد الظهر، وأن قدوم وفد
بني تميم شغلوني عنها، فهما هاتان الركعتان))، متفق عليه. اهـ. حاشية
الروض لابن قاسم - رحمنا الله وإياه - (٢ / ٢٤٧).
٣١٤

هذين يختلف وقت الكراهة في الطول والقصر.
أما الكراهة المتعلقة بالوقت فهو طلوع الشمس إلى ارتفاعها
والاصفرار حتى تغرب(١) والاستواء(٢).
ونقل بعض المالكية أن النهي عندهم متعلق بالوقت في الصبح
وفي العصر بالفعل (٣).
(١) لحديث ابن عمر، قال: قال رسول الله وَظافر: ((لا تحروا بصلاتكم طلوع
الشمس ولا غروبها)». وحديثه الآخر: «إذا طلع حاجب الشمس فأخروا
الصلاة حتى ترتفع، وإذا غاب حاجب الشمس فأخروا الصلاة حتى
تغيب)). فهذه الأحاديث تتعلق بالوقت، فدل على أن الكراهة مختصة بمن
قصد الصلاة في ذلك الوقت لا من وقع له ذلك اتفاقاً، ويقوي ذلك
حديث: ((من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فليضف إليها
أخری»، فأمر بالصلاة حينئذ.
(٢) لحديث عقبة بن عامر عن مسلم: (وحين يقوم قائم الظهيرة))، وحديث
عمرو بن عبسة عند مسلم: ((حتى يستقل الظل بالرمح، فإذا أقبل الفيء
فصل).
(٣) لحديث ابن عباس: ((شهد عندي رجال مرضيون، وأرضاهم عندي عمر
أن النبي ◌َّ نهى عن الصلاة بعد الصبح حتى تشرق الشمس وبعد العصر
حتی تغرب).
وحديث أبي هريرة: ((وفيه نهى عن الصلاة بعد الفجر حتى تطلع
الشمس، وبعد العصر حتى تغرب الشمس». ومعنى: الفعل، أي: فعل
الصلاة التي قبل وقت النهي مثل الفجر والعصر، فبعد أدائها يبتدىء وقت
النهي. انظر: ت (٣١٤/٤).
٣١٥

وذهب مالك وأصحابه إلى إجازة الصلاة عند الزوال(١).
خامسها: استثنى الشافعي وأصحابه من أوقات النهي زمان
ومکان لدلیل آخر .
استثناء وقت
الاستواء يوم
الجمعة
وحرم مكة
فالزمان: وقت الاستواء يوم الجمعة(٢).
والمكان: حرم مكة(٣).
(١) مستدلاً بقوله: ((ما أدركت أهل الفضل إلاَّ وهم يجتهدون ويصلون
نصف النهار)). قال ابن عبد البر: قد روى مالك حديث الصنابحي
(٢١٩/١)، فأما إنه لم يصح عنده، وأما أنه رده بالعمل الذي
ذكره. اهـ. قال ابن حجر حديث الصنابحي: مرسل مع قوة رجاله. اهـ.
الفتح (٢/ ٦٣).
(٢) وهو اختيار شيخ الإسلام وابن القيم وعمدتهم في ذلك أن النبي الفقه
استحب التبكير إلى الجمعة. ثم رغب في الصلاة إلى خروج الإِمام من
غير تخصيص ولا استثناء. وجعل الغاية خروج الإِمام، وهو لا يخرج إلاَّ
بعد الزوال، فدل على عدم الكراهة. وجاء في حديث أبي قتادة مرفوعاً:
((أنّه ◌َي* كره الصلاة نصف النهار إلَّ يوم الجمعة))، وفي إسناده انقطاع.
وقد ذكر البيهقي له شواهد ضعيفة إذا ضمت قوى الخبر. اهـ. من فتح.
الباري (٦٣/٢) وقد عده ابن القيم من خصائص يوم الجمعة. انظر: زاد:
المعاد، والاستذكار (٣٦٧/١، ٣٧).
(٣) لحديث: ((يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحداً طاف بهذا البيت وصلى آية.
ساعة من ليل ونهار)). رواه الترمذي (١٦٤/١)، والمراد بذلك ما له سبب
كركعتي الطواف، للإجماع على تحريم إنشاء تطوع في أوقات النهي، ولم
يخصوا مكة ولا غيرها، وبهذا تتفق الأدلة. أما عند الشافعي فلا نهي
مطلقاً لحديث أبي ذر وحديث عبد مناف.
٣١٦

والكلام في ذلك مبسوط في الفقه، وقد بسطته في ((شرح
المنهاج)) و ((التنبيه)) وغيرهما مع بيان الاختلاف في الكراهة في هذه
الأوقات: هل هي كراهة تحريم أو تنزيه، وظاهر [الحديث](١) يدل
للتحريم لأنه الأصل في النهي(٢).
سبب كراهة
الصلاة في
تلك الأوقات
سادسها: روى الشافعي(٣) - رحمه الله -: ((أن الشمس تطلع
ومعها قرن الشيطان، فإذا ارتفعت فارقها، فإذا استوت قارنها، فإذا
قاربها 4.٠٠
زالت فارقها، فإذا دنت للغروب فارقها، فإذا غربت فارقها)». وهو
مرسل لأنه من رواية الصنابحي، وقد نبه على ذلك المصنف بعد كما
ستعلمه من كلامه، وهذا أحد ما قيل في سبب الكراهة في هذه
الأوقات، وللشيخ عز الدين بن عبد السلام فيه [نظر] (٤) ذكرته في
(«شرح التنبيه)» فراجعه منه.
وقال الخطابي: قوله: ((بين قرني الشيطان)) وأمثاله من
الألفاظ الشرعية مثل قوله: ((تسجر جهنم)) يجب علينا التصديق بها،
والإِقرار بصحتها أو العمل بموجبها دون اعتقاد تكييف، والله
(١) في ن ب ساقطة.
(٢) وبعضهم فصّل. فقال: النهي للكراهة بعد صلاة الصبح والعصر ويحرم
عند طلوع الشمس وعند الغروب. الفتح (٦٣/٢). انظر: الاستذكار
(٣٧٢/١) مصنف عبد الرزاق (٤٢٧/٢).
(٣) رواه الشافعي في الرسالة فقرة (٨٧٤) تحقيق أحمد شاكر، ومالك في
الموطأ (٢١٩/١). قال ابن حجر: هو حديث مرسل مع قوة رجاله.
انظر: ت (١٨) وأخرجه النسائي، وابن ماجه.
(٤) في ن ب (ذكر).
٣١٧

۔۔
ورسوله أعلم بذلك، وتابعه البغوي(١) فقال: هذا التعليل وأمثاله مما
(١) قال الخطابي - رحمنا الله وإياه ـ في معالم السنن (١٣٠/١، ١٣١):
اختلفوا في تأويله على وجوه، فقال قائل: معناه مقارنة الشيطان للشمس
عند دنوها للغروب. على معنى ما روي: إن الشيطان يقارنها إذا طلعت،
فإذا ارتفعت فارقها، فإذا استوت قارنها، فإذا زالت فارقها، فإذا دنت
للغروب قارنها، فإذا غربت فارقها. فحرمت الصلاة في هذه الأوقات
الثلاثة لذلك، وقيل: معنى قرن الشيطان: قوته، من قولك: أنا مقرن لهذا
الأمر، أي مطيق له قويّ عليه، وذلك لأن الشيطان إنما يقوى أمره في هذه
الأوقات، لأنه يسوّل لعبدة الشمس أن يسجدوا لها في هذه الأزمان
الثلاثة. وقيل: قرئه حزبه وأصحابه الذين يعبدون الشمس. يقال: هؤلاء
قرن أي نشء جاءوا بعد قرن مضى، وقيل: إن هذا تمثیل وتشبيه، وذلك
أن تأخير الصلاة إنما هو من تسويل الشيطان لهم، وتزيينه ذلك في
قلوبهم، وذوات القرون إنما تعالج الأشياء وتدفعها بقرونها، فكأنهم لما
دافعوا الصلاة وأخروها عن أوقاتها بتسويل الشيطان لهم حتى اصفرت
الشمس. صار ذلك منه بمنزلة ما تعالجه ذوات القرون بقرونها، وتدفعه
بأوراقها. وفيه وجه خامس، قاله بعض أهل العلم، وهو أن الشيطان
يقابل الشمس حين طلوعها، وينتصب دونها، حتى يكون طلوعها بين
قرنیه، وهما جانبا رأسه، فينقلب سجود الكفار عبادة له. وقرنا الرأس
فوداه وجانباه، وكذا ذكر هذا في أعلام الحديث (١٥٠٨/٣)، وقال :.
وقيل: معنى القرن في هذا اقترانه بها، والوجه الأول أشبه لانتظامه معنى
التثنية في القرنين.
وقال ابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث (١٥٤، ١٥٦)، في الرد على
من أنكر الأحاديث التي فيها النهي عن الصلاة عند طلوع الشمس لطلوعها.
بين قرني الشيطان: ((فكره لنا رسول الله ولو أن نصلي في الوقت الذي
يسجد فيه عبدة الشمس للشمس، فهم يسجدون له بسجودهم للشمس، =
٣١٨

ولم يرد بالقرن ما تصوروه في أنفسهم من قرون البقر وقرون الشاء، وإنما
القرن حرفا الرأس، وللرأس قرنان، أي: حرفان وجانبان، ولا أرى القرن
الذي يطلع في ذلك الموضع سمي قرناً إلاَّ باسم موضعه، كما تسمي
العرب الشيء باسم ما كان له موضعاً أو سبباً، فيقولون: رفع عقيرته،
يريدون صوته لأن رجلاً قطعت رجله فاستغاث من أجلها. فقيل لمن رفع
صوته: رفع عقيرته. ومثل هذا كثير في كلام العرب، وكذلك قوله: في
المشرق، من ههنا يطلع قرن الشيطان، لا يريد ما يسبق إلى وهم السامع
من قرون البقر، وإنما يريد: من ههنا يطلع رأس الشيطان، والقرون
أيضاً: خصل الشعر، كل خصلة قرن، ولذلك قيل للروم: ذات القرون،
يراد أنهم يطولون الشعر، فأراد # أن يعلمنا أن الشيطان في وقت طلوع
الشمس وعند سجود عبدتها لها ماثل مع الشمس: ((فالشمس تجري من
قبل رأسه، فأمرنا أن لا نصلي في هذا الوقت الذي يكفر فيه هؤلاء
ويصلون للشمس وللشيطان، وهذا أمر مغيب عنا لا نعلم إلاَّ ما علمنا،
والذي أخبرتك به شيء يحتمله التأويل)). وما قاله ابن قتيبة - رحمه الله -
واضح وصحيح: وقال النووي - رحمه الله تعالى - في شرح مسلم على
قوله: ((بين قرني الشمس)) هل هو على الحقيقة أو على المجاز، فقيل:
هو على حقيقته وظاهر لفظه، والمراد أنه يحاذيها بقرنيه عند غروبها،
وكذا عند طلوعها لأن الكفار يسجدون لها حينئذ فيقارنها ليكون
الساجدون لها في صورة الساجدين له، ويخيل لنفسه ولأعوانه أنهم إنما
يسجدون له، وقيل: هو على المجاز، والمراد بقرنيه: علوه وارتفاعه.
وسلطانه وتسلطه وغلبة أعوانه. ثم ساق كلام الخطابي - رحمنا الله
وإياهم - .
وانظر كلام أحمد شاكر - رحمنا الله وإياه ـ في سنن الترمذي
(٣٠١/١).
٣١٩

لا يدرك معناه، وإنما علينا الإِيمان [به] (١) وترك الخوض فيه
والتمسك بالحكم [المعلق] (٢) [بها] (٣).
(١) في ن ب ساقطة.
(٢) في الأصل (المطلق)، والتصحيح من كتاب السنة للبغوي (٣٣٠/٣).
(٣) في الأصل ساقطة، وفي ن ب (به)، والتصحيح من كتاب السنة للبغوي
(٣٣٠/٣).
٣٢٠