النص المفهرس
صفحات 221-240
الثاني: أنه يجوز أن يكون المراد من أفضل الأعمال كذا ومن
خيرها أو من [خيركم](١) من فعل كذا، فحذفت من وهي مرادة،
كما يقال: [من](٢) أعقل الناس وأفضلهم / ويراد أنه من أعقلهم
وأفضلهم، ومن ذلك قوله (عليه السلام](٣): ((خيركم خيركم
لأهله)»(٤) ومعلوم أن لا يصير بذلك خير الناس مطلقاً ومن ذلك
قولهم: أزهد الناس في عالم جيرانه، وقد يوجد في غيرهم من هو
أزهد منهم فيه، هذا كلامه، فعلى هذا الوجه يكون الإِيمان أفضلها
مطلقاً، والباقيات متساوية في كونها من أفضل الأعمال أو الأحوال،
(حجة لمن لم يحج خير من عشر غزوات، وغزوة لمن قد حج خير من
=
عشر حجج، وغزوة في البحر خير من عشر غزوات في البرُّ، و ... ))
الحديث. أخرجه عبد الرزاق (٢٨٥/٥)، وصححه الحاكم (١٤٣/٢)،
ووافقه الذهبي. وذكره المنذري في الترغيب (٣٠٥/٢)، وقال المناوي
في فيض القدير (٣٧٤/٣): حديث حسن وإسناده لا بأس به. وضعفه
الألباني في ضعيف الجامع (٢٦٩١).
ومن رواية أبي هريرة: ((لحجة أفضل من عشر غزوات ولغزوة أفضل من
عشر حجات)). أخرجه في الجامع لشعب الإِيمان (١٥٢/٨)، ذكره
السيوطي في الدر المنثور (٥٩٦/١)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع
(٤٦٦٦).
(١) في الأصل زيادة (أو).
(٢) زيادة من ن ب.
(٣) في ن ب (عليه أفضل الصلاة والسلام).
(٤) رواه الترمذي والدارمي عن عائشة وابن ماجه، عن ابن عباس، وقال
الألباني في المشكاة (٩٧١/٢): إسناده صحيح.
٢٢١
ثم يعرف فضل بعضها على بعض بدلائل عليها، وتختلف باختلاف
الأحوال والأشخاص(١).
تقديم البر
بالوالدین علی
الجهاد
السادسة: قدم في هذا الحديث [برّ] (٢) الوالدين على الجهاد
وهو دال على تعظيم برهما، ولا شك أن أذاهما موجب محرم
وممنوع منه .
والبر: خلاف العقوق قال أهل اللغة: [يقال](٣) بررت والدي
أبره برّاً وأنا برٌّ به. بفتح الباء وبار.
وجمع البر: الأبرار، وجمع البار: البررة.
وبر الوالدين: الإِحسان إليهما، وفعل الجميل معهما، وفعل
ما يسرهما، ويدخل فيه الإِحسان إلى صديقهما، كما ثبت في
الصحيح، ((إن من أبر البر أن يصل الرجل أهل وُدِّ أَبيه)) (٤) وقد ألف.
الناس فيه تصانيف مفردة كالطرطوشي(٥) وغيره. وفي ضبط ما يجب
منه إشكال .
(١) انظر: المنهاج للحليمي (٤٦٩/٢)، وذكره البيهقي في الجامع لشعب
الإيمان (١٤٨/٨، ١٤٩).
(٢) في الأصل ساقطة.
(٣) زيادة من ن ب.
(٤) صحيح مسلم (٢٥٥٢) في البر والصلة.
(٥) سبقت ترجمته في حديث ابن عباس (٢/٦/١٩) الجزء الأول وكتابه
مطبوع (بر الوالدين ما يجب على الوالد لولده وما يجب على الولد.
لوالده».
٢٢٢
قال سفيان بن عيينة: في قوله تعالى: ﴿أَنِ أَشْكُرْ لِ
وَلَوْ لِدَيْكَ﴾(١) من صلى الصلوات الخمس فقد شكر الله، ومن دعا
لوالديه عقب الصلوات فقد شكرهما.
تقسيم الجهاد
إلی فرض عین
وفرض كفاية
السابعة: الجهاد: ينقسم إلى فرض عين، وفرض كفاية،
فالعين يقدم على حق الوالدين، والكفاية لا يجوز إلَّ بأذنهما إذا
تعطلت مصلحتهما الواجبة به، وكل حق متعين وكفاية كذلك
حكمه بالنسبة إليهما، إذا تقرر هذا ففي هذا الحديث قدم برهما
على الجهاد. وفي حديث أبي هريرة السالف تقديم الجهاد على
الحج بلفظ ((ثم)). وهي موضوعة للترتيب خلافاً لمن شذ وهي
[هنا](٢) للترتيب في الذكر كما قال تعالى ﴿وَمَا أَدْرَنكَ مَا الْعَقَبَةُ
١٢
فَكُّ رَقَبَةٍ ﴾ إلى قوله ﴿ ثُذَ كَانَ مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾(٣) ومعلوم أنه ليس
المراد الترتيب في الفعل [كما قال تعالى: ﴿﴿قُلْ تَعَالَوَاْ أَثْلُ مَا
حَزَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّ تُشْرِكُوا بِهِ، شَيْئًا﴾ إلى قوله ﴿ثُمَّ ءَاتَيْنَا مُوسَى
الْكِتَبَ﴾](٤) وكما قال تعالى ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَكُمْ ثُمَّ
قُلْنَا لِلْمَلَئِكَةِ أَسْجُدُواْ لِأَدَمَ﴾(٥) ونظائر ذلك كثيرة(٦) ومما أنشدوا
فیه :
(١) سورة لقمان: آية ١٤.
(٢) في ن ب ساقطة.
(٣) سورة البلد: الآيات ١٢، ١٧.
(٤) في ن ب ساقطة، والآيات ١٥١، ١٥٤ سورة الأنعام.
(٥) سورة الأعراف: آية ١١.
(٦) انظر: الجامع لشعب الإيمان (١٥٠/٨).
٢٢٣
قل لمن ساد ثم ساد أبوه ثم قد ساد [قبل] (١) ذلك جده
وأجاب القاضي عياض: عن تقديم الجهاد على الحج بأن ذلك
كان في أول الإِسلام، فكان السعي في [الجهاد](٢) أفضل بخلاف
اليوم.
والمراد بالجهاد: الجهاد المتعين وقت الزحف أو النفير
العام، فإنه مقدم على الحج لما فيه من المصلحة العامة للمسلمين.
واعلم أن العبادات على ضربين :
العبادات
ضـربان
[١٢٧ / أ/ ب]
/ منها: ما هو مقصود لنفسه .
ومنها: ما هو وسيلة إلى غيره وفضيلة الوسيلة بحسب
مقصودها المتوسل إليه، فالجهاد وسيلة إلى إعلان الإِيمان ونشره
وإخماد الكفر ودحضه، فعظم فضله بفضل مقصوده وهو الإِيمان.
تنبيه: الذي يظهر والله أعلم في ترتيب هذه الأعمال أن الإِيمان
أفضلها، ثم الصلاة. لأنها عنوانه، ثم الصيام، ثم الحج، ثم
الجهاد، ثم الزكاة. والقياس يقتضي أن يكون الجهاد تلو الإِيمان لأنه
وسيلة إلى إعلانه كما أسلفناه، وقد جاء في رواية [تأتي] (٣) رتبة
الإِيمان في قوله: ((إيمان بالله وجهاد في سبيله)) وقدم البر عليه في
هذا الحديث تفخيماً لشأنه.
(١) في ن ب (بعد).
(٢) في الأصل (الطهارة)، والتصويب من ن ب.
(٣) في ن ب ساقطة.
٢٢٤
وصرح القرافي أن الحج أفضل من الجهاد كما أسلفناه لأنه
مطلوب [من](١) جميع المكلفين على الأعيان بخلاف الجهاد فإنه من
بعضهم، ولأن مصلحة الجهاد لا تتكرر بخلاف مصلحة الحج.
وروى الحافظ محب الدين الطبري(٢) في ((أحكامه)) من حديث
ابن عمر سئل رسول الله وَلقر أي الأعمال أفضل؟ قال: ((قراءة القرآن
في الصلاة ثم قراءة القرآن في غير الصلاة، فإن الصلاة [أفضل] (٣)
الأعمال عند الله وأحبها إليه، ثم الدعاء والاستغفار فإن الدعاء هو
العبادة وإن الله يحب المُلْتَّ في الدعاء، ثم الصدقة فإنها تطفيء
غضب الرب، ثم الصيام فإن الله - عزّ وجلّ - يقول: ((الصوم لي
وأنا أجزي به، والصيام جنة للعبد من النار)» ثم قال: حديث غريب
رواه أبو عبد الله الثقفي في ((أربعينه))، ولم يبرز إسناده حتى ننظر
فيه. قال وورد من حديث أبي ذر رفعه: ((أفضل الأعمال: الحب
في الله والبغض في الله (٤)) فيحمل على أفضل أعمال القلب.
(١) في ن ب (في).
(٢) عزاه السيوطي في الدر إلى ابن أبي الدنيا (٣٥٤/١)، وأخرجه البيهقي
في الشعب (١٩١/٥)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (١١٩/٤) من
رواية عائشة. ولفظه: أن النبي والإ قال: ((قراءة القرآن في الصلاة أفضل
من قراءة القرآن في غير الصلاة، وقراءة القرآن في غير الصلاة أفضل من
التكبير والتسبيح، والتسبيح أفضل من الصدقة، والصدقة أفضل من
الصوم، والصوم جنة من النار)).
(٣) في ن ب ساقطة.
(٤) أبو داود عون المعبود (٤٥٧٥). قال المنذري: في إسناده يزيد بن =
٢٢٥
اشتمال الجهاد
على حق الله
وحق رسوله
وحق
المسلمين
فائدتان:
الأولى: الجهاد يشتمل على حق الله تعالى. وحق رسوله وحق
المسلمين .
فالأول: محو الكفر من القلوب، والألسنة، وتخريب محاله
من البيع، والكنائس.
والثاني: الشهادة له - عليه الصلاة والسلام - بالرسالة،
وإجابة دعوته.
والثالث: الذب عن المسلمين وأولادهم ونسائهم وأموالهم
[وتحصيل الغنائم لهم] (١) والظفر بعدوهم.
الثانية: الصلاة أيضاً مركبة من حق الله تعالى: كالنية
والتكبيرات وغيرها، وحق رسوله: كالشهادة له بالرسالة، وحق
الآدمي وهو الدعاء.
فائدة ثالثة: أوقع - عليه الصلاة والسلام - البر ثانياً بعد
الصلاة كما جاء ثانياً في قوله تعالى: ﴿﴿ وَأَعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ،
شَيْئًا وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَنًا﴾(٢) وفي قوله تعالى ﴿أَنِ اشْكُرْ لِ
وَلَوْلِدَيْكَ﴾(٣).
أبي زياد الكوفي ولا يحتج بحديثه، وقد أخرج له مسلم متابعة. وفيه
=
أيضاً رجل مجهول.
(١) زيادة من ن ب ..
(٢) سورة النساء: آية ٣٦.
(٣) سورة لقمان: آية ١٤ .
٢٢٦
الثامنة: قوله: ((ثم أي؟)) هو غير منون، لأنه غير موقوف عليه
في الكلام، والسائل ينتظر الجواب، والتنوين لا يوقف عليه
[فتنوينه](١) ووصله بما بعده خطأ فيوقف عليه وقفة لطيفة ثم تأتي بما
بعده فتنبه له .
التاسعة: قوله: ((حدثني بهن رسول الله (َلير)) كأنه تقرير وتأكيد
لما تقدم، إذ لا ريب في أن اللفظ الأول يعطي أنه - عليه الصلاة
والسلام - حدثه بذلك وهو أرفع درجات التحمل.
العاشرة: قوله: ((ولو استزدته لزادني)) يحتمل أن يريد من هذا
النوع المذكور أعني مراتب الأعمال وتفضيل بعضها على بعض،
ويحتمل أن يريد لزادني عما أسأله. / من حيث الإِطلاق. تنبيه على
سعة علمه - عليه أفضل الصلاة والسلام - وترك ذلك خشية التطويل
عليه .
[١٢٨ /١/ ١]
الحادية عشرة: فيه السؤال عن العلم ومراتبه في الأفضلية.
أهمية السؤال
عن العلم
الثانية عشرة: فيه جواز تكرير السؤال والاستفتاء عن مسائل
شتی في وقت واحد.
الثالثة عشرة: فيه أيضاً رِفْعَ العالم وصبره على السائل.
الرابعة عشرة: فيه فضل الصلاة في الوقت وأن أوله أفضل كما فضل الصلاة
سلف وخالف [أصحاب](٢) الرأي، فقالوا: إن التأخير إلى آخر
في وقتها
الوقت أفضل إلَّ الحاج فإنه يغلس بالفجر يوم النحر بمزدلفة.
(١) في ن ب (وتنوينه).
(٢) في الأصل (أصحابنا)، والتصويب من ن ب.
٢٢٧
الخامسة عشرة: فيه أن الصلاة أفضل العمل .
السادسة عشرة: فيه فضل بر الوالدين وأنه أفضل من الجهاد
بشروطه.
السابعة عشرة: فيه فضل الجهاد.
الثامنة عشرة: فيه تقديم الأهم فالأهم من الأعمال.
التاسعة عشرة: فيه تنبيه الطالب على تحقيق العلم وكيفية
أخذه .
العشرون: فيه التنبيه على مرتبته عند الشيوخ وأهل الفضل
ليؤخذ علمه بقبول وانشراح [وضبط](١).
(١) في ن ب ساقطة.
٢٢٨
الحديث الثاني
٩/١/٤٨ - عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: ((كان
رسول الله لا يصلي الفجر، فيشهد معه نساء من المؤمنات متلفعات
بمروطهن، ثم يرجعن إلى بيوتهن، ما يعرفهن أحد من الغلس))(١).
[قال: المروط: أكسية معلمة تكون من خزٍّ وتكون من
صوف](٢).
الكلام عليه من وجوه :
أحدها: قد تقدم أن: ((كان)» هذه تعطي الملازمة والاستمرار إفادة كان
على الشيء، ومن عادته ور أن يصلي الصبح في هذا الوقت. نعم والاستمرار
الملازمة
أسفر بها مرة كما أخرجه [أبو] داود (٣) من حديث [أبا] (٤) مسعود أنه
(١) البخاري رقم (٣٧٢، ٥٧٨، ٨٦٧، ٨٧٢)، ومسلم (٦٤٥)، وأبو داود
(٤٢٣)، والنسائي (٢٧١/١)، والدارمي (٢٧٧/١)، والموطأ (٥/١)،
والترمذي (١٥٣)، وأحمد (٣٧/٦، ٢٤٨).
(٢) زيادة من متن تيسير العلام للبسام.
(٣) أبو داود عون المعبود (٣٩٠). وفي ن ب (ابن).
(٤) في الأصل ون ب (ابن)، والتصحيح من أبي داود، وابن حبّان وهو
هكذا (ابن) في الفتح (٥٥/٢) فلينتبه له. قال المنذري - رحمنا الله =
٢٢٩
- عليه السلام -: ((صلى الصبح مرة بغلس، ثم صلى مرة أخرى
فأسفر بها، ثم كانت صلاته بعد بالغلس حتى مات وصل8 ولم يعد
إلى أن يسفر)) صححه ابن حبان (١) وقال الخطابي(٢): صحيح
الإِسناد.
ثانيها: معنى ((يشهد)) هنا يحضر ومنه قوله - تعالى -:
﴿ فَمَنْ شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُنٌْ﴾ (٣) أي حضره.
مفرد ناء
ثالثها: ((النساء)»: من الجمع / الذي لا واحد له من لفظه، إذ
الواحد امرأة وله نظائر كثيرة.
رابعها: قولها: ((من المؤمنات)) وفي رواية لمسلم(٤): ((نساء
المؤمنات)» وصورته صورة إضافة الشيء إلى نفسه. واختلف في
تقدیره على أوجه.
أحدها: نساء الأنفس المؤمنات.
ثانيها : نساء الجماعة المؤمنات.
وإياه - وهذه الزيادة في قصة الإِسفار رواتها عن آخرهم ثقات. والزيادة
=
من الثقة مقبولة مختصر السنن للمنذري (٢٣٣/١) طبعة فقي.
(١) صححه ابن حبان (١٤٤٩، ١٤٩٤)، وابن خزيمة (٣٥٢)، والدارقطني
(٢٥٠/١، ٢٥١)، وأبو داود (٣٩٤)، الحاكم (١٩٢/١، ١٩٣)،
والبيهقي (٣٦٣/١، ٤٤١).
(٢) معالم السنن للخطابي طبعة فقي (٢٤٥/١).
(٣) سورة البقرة: آية : ١٨٥.
(٤) مسلم (٦٤٥).
٢٣٠
ثالثها: أن نساء [ها هنا](١) بمعنى الفاضلات أي فاضلات
المؤمنات، كما يقال: رجال القوم أي فضلاؤهم ومتقدموهم.
وقولها: ((من المؤمنات)) يحتمل أنه بيان لوصفهن ليخرج إضافة الشيء
إلى نفسه
المنافقات وهو الأقرب، ويحتمل أنه بيان لنوعهن ليخرج
الكافرات .
خامسها: ((متلفعات)) هو بالعين المهملة بعد الفاء أي متلحفات
كما فسره المصنف أثر الحديث(٢). وروى(٣) متلففات بتكرير الفاء
ومعناهما متقارب إلاَّ أن التلفع يستعمل مع تغطية الرأس، بل قال ابن
حبيب(٤): لا يكون [الانتفاع](٥) إلاَّ [بتغطية](٦) [الرأس](٧).
(١) في ن ب (هنا).
(٢) لم يرد لذكر هذا التفسير في الأصل وفي ن ب. وهو موجود في بعض
نسخ متن العمدة وقد كملت هذا المحذوف من المتن الموجود مع تيسير
العلام شرح عمدة الأحكام للبسام (١٠٧/١). قال: المروط: أكسية معلمة
تكون من خزٍّ وتكون من صوف. و(متلفّعات)) متلحفات. و((الغلس))
اختلاط ضياء الصبح بظلمة الليل. متفق عليه. اهـ. وقوله - حفظه
الله -: ((متفق عليه)) هنا لا معنى لها.
(٣) مسلم (٦٤٥)، وقال الأنصاري في روايته: متلففات، وهي رواية
يحيى بن يحيى في ((الموطأ)) كما ذكره الباجي في المنتقى (٩/١)،
والاستذكار (٢١٦/١).
(٤) ذكره في: المنتقى للباجي (٩/١).
(٥) زيادة من إحكام الأحكام لاستقامة المعنى.
(٦) في جميع النسخ بالتغطية، وما أثبت من إحكام الأحكام.
(٧) زيادة من إحكام الأحكام.
٢٣١
سادسها: ((المروط)) جمع مرط بكسر الميم أكسيته معلمة تكون
معنى :
المرط)
من خز وتكون من صوف كما فسره المصنف ومن كتان(١): قاله
الخليل، وزاد بعضهم في صفتها أن تكون مربعة .
وقيل: سداها شعر. الواحد مِرط / بكسر الميم كما سلف.
[١٢٨ /أ/ ب]
وقال ابن الأعرابي (٢): هو الإِزار.
وقال النظر (٣): لا يكون إلاَّ درعاً، وهو من خز أخضر، ولا
يسمى المرط إلَّ الأخضر ولا يلبسه إلَّ النساء. وفي الحديث(٤):
(١) في ن ب زيادة (كما).
(٢) هو محمد بن زياد المعروف بابن الأعرابي أبو عبد الله الهاشمي النسابة.
مؤلفاته: ((غريب الحديث))، و((النوادر))، و((خلق الإنسان))، و ((خلق
الفرس)، و(كتاب الخيل))، و((النبات)) وغيرها. ترجمته في سير أعلام
النبلاء (٦٨٧/١٠).
(٣) النظر بن شميل بن خرشة المازني المتوفى سنة (٢٠٤)، مؤلفاته: ((غريب
القرآن»، و ((غريب الحديث)) و(«خلق الإنسان»، و((الصفات))، و ((خلق
الفرس))، و((كتاب الطير)) و ((كتاب الأنواء)) وغيرها. سير أعلام النبلاء
(٣٢٨/٩).
(٤) الحديث أخرجه مسلم في اللباس (٢٠٨١)، باب: التواضع في اللباس.
وفي فضائل الصحابة (٢٤٢٤)، باب: فضائل أهل البيت مطولاً. أبو داود
(٤٠٣٢)، والترمذي (٢٨١٤)، وأحمد (١٦٢/٦).
أقول: ففي هذا الحديث بيان بأن المِرط ليس خاصاً بالنساء، وقد جاء في
حديث ميمونة: ((أن النبي ◌َّه صلى وعليه مِرْط، وعلى بعض أزواجه
منه، وهي حائض، يصلي وهو عليه)). أخرجه أبو داود «معالم» (٣٤٦)،
وابن ماجه (٦٥٣)، وفي البخاري ومسلم نحوه.
=
٢٣٢
«مرط [مرجل](١) من شعر أسود)).
سابعها: ((الغلس)) اختلاط ضياء الفجر بظلمة الليل كما فسره الفرق بين
المصنف [أيضاً](٢).
الغلس والغيش
والغبش (٣) : - بالباء بدل اللام والشين المعجمة - قريب منه
لكن يفترقان في أن الغلس آخر الليل [والغبش] (٤) قد يكون في أول
الليل وفي آخره.
وأما الغبس : - بالسين المهملة - فيكون كلون الرماد وهو
بياض فيه كدرة، يقال: لبن أغبش.
قال القاضي: والغبش بالمعجمة، قيل [العبس](٥) بالمهملة ثم
الغلس، وكلها في آخر الليل [ويكون العبس في أول الليل](٦).
وأيضاً من حديث عائشة رضي الله عنها، قالت: ((كان رسول الله وَله
=
يصلي بالليل، وأنا إلى جنبه، وأنا حائض، وعليَّ مِرْط لي، وعليه
بعضه))، مسلم (٥١٤)، وابن ماجه (٦٥٢)، وأبو داود معالم (٣٤٧)،
والنسائي (٧١/٢)، وفي مسلم (٢٤٠١)، وسنن البيهقي (٢٣١/٢)،
وهو مضطجع على فراشه لابس مرط عائشة)).
(١) زيادة من المراجع المذكورة وهو بالحاء المهملة والمعجمة. كما في
الفائق (٣٦٠/٣)، ومشارق الأنوار (٣٧٧/١).
(٢) في ن ب زيادة (أيضاً).
(٣) كما هي رواية الموطأ (٨/١).
(٤) في ن ب ساقطة.
(٥) زيادة من ن ب.
(٦) زيادة من ن ب، وانظر: مشارق الأنوار (١٢٨/٢).
٢٣٣
وقال ابن الأثير (١): عند أول طلوع الفجر الغبش ثم الغبس ثم
الغلس، ثم قال: وقد يكون بالمعجمة في أول الليل(٢).
[ثامنها](٣) قولها: ((ما يعرفهن أحد من الغلس)) وفي الموطأ (٤)
((ما يُعرفن من الغلس)) على البناء للمفعول.
قال الداودي: [معناه](٥) ما يعرفن أنساء هن أم رجال أي إنما
يظهر للرأي الأشباح خاصة .
وقيل: ما يعرف أعيانهن وضعفه. النووي(٦) لأن المتلفعة في
النهار لا يعرف عينها فلا يبقى في الكلام فائدة.
وادعى بعضهم أنه أرجح من الأول بقوله(٧) ((ما يعرفهن))
والمعرفة إنما تتعلق بالأعيان فلو [كان](٨) المراد نفى كونهن ذكوراً
أو إناثاً. لقال: لا يعلمهن لأن الحكم بالذكورة والأنوثة إنما يتعلق به
العلم دون المعرفة .
(١) النهاية (٣٣٩/٣).
(٢) أي الغبش.
(٣) في ن ب (تاسعها).
(٤) الموطأ (٥/١) . :
(٥) في ن ب ساقطة.
(٦) في شرح مسلم (٥/ ١٤٤).
(٧) في ن ب (َّة)، والكلام ليس من كلامه وإنما كلام عائشة رضي الله
عنها .
(٨) في ن ب ساقطة.
٢٣٤
قال الباجي في المنتقى(١): وهذا الوجه يقتضي أنهن سافرات
بوجوههن ولو كن غير سافرات لمنع النقاب وتغطية الوجه من
معرفتهن لا من الغلس إلاّ أنه يجوز أن [لهن](٢) كشف وجوههن أحد
أمرين [إما](٣) أن يكون ذلك قبل نزول الحجاب، أو يكون بعده
[لكن هنّ](٤) أمنّ أن تدرك صورهنّ من شدة الغلس. وأبيح لهن
کشف وجوههن(٥).
تاسعها: استدل بعضهم من هذا الحديث على جواز صلاة جواز صلاة
المرأة مختمرة الفم والأنف ولعله يجعل ((متلفعات)) صفة [لشهود](٦)
الصلاة وانصرافهن.
المرأة مختمرة
الفم والأنف
وقال القاضي: لا دليل فيه لأنها إنما أخبرت بذلك في
الانصراف لا في الصلاة(٧).
عاشرها: في الحديث دليل لمالك والشافعي وأحمد التغليس
والجمهور على أبي حنيفة في أن الأفضل التغليس بالصبح لا سيما
بالصبح
(١) (٩/١).
(٢) في ن ب ساقطة.
(٣) في ن ب (إلاَّ).
(٤) في ن ب (لكنهن).
(٥) رد ابن حجر رحمه الله ذلك في الفتح (٥٥/٢) بعد أن ذكر كلامه. ((قلت
وفيه ما فيه)). لأنه مبني على الاشتباه الذي أشار إليه النووي. وأما إذا قلنا
إن لكل واحدة منهن هيئة غالباً فلا يلزم ما ذكر.
(٦) في ن ب (بشهود).
(٧) انظر: أيضاً تعقب الصنعاني في حاشية إحكام الأحكام (٢٢/٢).
٢٣٥
حديث
«أسفروا
بالفجر»
الأجوبة على مع طول قراءته * فيها، وأما حديث: ((أسفروا [بالفجر] (١) فإنه
أعظم للأجر)) صححه الترمذي (٢) فعنه أجوبة:
[أحدها] (٣): أنه محمول على تحقق طلوع الفجر عند خفائه
في [مبتدأ](٤) طلوعه.
ثانيها: أنه محمول على الليالي [المقمرة](٥) التي يصبح فيها
القمر فإن الفجر يخفى فيها غالباً لغلبة ضوء القمر عليه.
وقال الشيخ تقي الدين: فيه نظر لأنه [قبل](٦) التبين للفجر
لا يجوز إيقاع الصلاة فيه، والحديث دل على أن ثم وقتین أحدهما .
أعظم أجراً ولا اشتراك بين إيقاع الفجر قبل وقتها وبعد دخول وقتها.
وفیما ذكره نظر فتأمله.
ثالثها: ((أن أعظم)) [هنا](٧) بمعنى عظيم كما في قوله تعالى:
أفعل بمعنى
فعيل
(١) في ن ب ساقطة ..
(٢) الحميدي في مسنده (٤٠٨)، والشافعي في مسنده (١/ ٥٠، ٥١)، وابن
ماجه (٦٧٢)، والترمذي (١٥٤)، والطيالسي (٩٥٩)، والدارمي
(٢٧٧/١)، وأحمد (٤٦٥/٣، ١٤٠/٤، ١٤٢، ١٤٣)، وأبو داود عون
المعبود (٤٢٠)، والبغوي (٣٥٤)، والنسائي (٣٧٢/١)، والطبراني
(٤٢٨٧، ٤٢٨٨، ٤٢٩٠)، وصححه الألباني في إرواء الغليل ..
(٢٨١/١).
(٣) في ن ب (منها) ..
(٤) في ن ب (مبدأ) ..
(٥) في ن ب (القمرية)، وما أثبت يوافق ما في معالم السنن (٢٤٦/١).
(٦) في ن ب ساقطة.
(٧) زيادة من ن ب.
٢٣٦
﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾(١) أي هين وشبهه فيكون المعنى: أسفروا
بالفجر فإنه عظيم الأجر، وذلك بسبب التسبب والتبيين لطلوع الفجر
على التحقيق وهذا يرجع إلى الذي قبله.
رابعها: قال البيهقي في خلافياته: إنه حديث [ضعيف](٢)
[اختلف في إسناده ومتنه، وقال ابن العطار في شرحه: إنه/ حديث [١/١/١٢٩]
ضعيف](٣) (٤)
خامسها: ذكره الخطابي أنه يحتمل أنهم لما أمروا بالتعجيل
صلوا بعد الفجر الأول والثاني طلباً للثواب، فقيل لهم صلوا بعد
الفجر الثاني وأصبحوا بها، فإنها أعظم لأجركم.
فإن قيل: لو صلوا قبل الفجر لم يكن فيها أجر.
فالجواب: أنهم يؤجرون على نيتهم وإن لم تصح صلاتهم
لقوله قيقة: ((إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر)»(٥).
(٦) وأما حديث عبد الله بن مسعود قال: ((ما رأيت
(١) سورة الروم: آية ٢٧.
(٢) في ن ب ساقطة.
(٣) زيادة من ن ب.
(٤) هذا الحديث صححه جماعة من المحدثين الترمذي (١٥٤)، وابن حبان
(٢٣/٣) ابن تيمية في الفتاوى. وأقر الحافظ في الفتح (٢/ ٥٤) تصحيح
من صححه.
(٥) متفق عليه.
(٦) انظر: معالم السنن (٢٤٥/١) مفصلاً.
٢٣٧
رسول الله ( صلى صلاة لغير ميقاتها إلاّ صلاتين جمع بين المغرب
والعشاء. بجمع يعني [المزدلفة] (١) وصلى الفجر يومئذ قبل ميقاتها))
متفق عليه(٢).
قالوا: ومعلوم أنه لم [يكن] (٣) يصليها قبل طلوع الفجر، وإنما.
صلاها بعد طلوعه مغلساً بها، فدل على أنه كان يصليها في جميع
الأيام غير ذلك اليوم مسفراً بها .
وجواب هذا: أن معناه أنه صلاها في هذا اليوم قبل ميقاتها
المعتاد بشيء يسير ليتسع الوقت لمناسك الحج، وفي غير هذا اليوم
كان يؤخر بقدر ما يتطهر المحدث والجنب ونحوه.
دوامه # على
التغلي حتى
مات
وأغرب الطحاوي(٤): فادعى أن حديث الإِسفار ناسخ لحديث
التغلیس.
قال الحازمي(٥): وهو وهم لأنه ثبت أنه - عليه الصلاة
والسلام - داوم على التغليس حتى فارق الدنيا كما رواه أبو داود (٦).
وهو حديث مخرج في الصحيح رواته عن آخرهم ثقات، والزيادة من
الثقة مقبولة، وقد قدمت هذا الحديث في الوجه الأول، وأن ابن
(١) في ن ب (بالمزدلفة).
(٢) البخاري (١٦/١٢).
(٣) زيادة من ن ب.
:
(٤) معاني الآثار (١٧٩/١).
(٥) الاعتبار في الناسخ والمنسوخ (١٠٦/١٠٣).
(٦) سبق تخريجه في ت (٢٢٩/٣).
٢٣٨
حبّان صححه والخطابي(١) قال، إنه صحيح الإسناد.
واعلم أن البغوي(٢) روى في شرح السنة من حديث معاذ قال:
((بعثني رسول الله ﴾ إلى اليمن فقال: يا معاذ إذا كنت في الشتاء
فغلس بالفجر وأطل القراءة قدر ما يطيق الناس ولا تملهم، وإذا كان
في الصيف فأسفر بالفجر، فإن الليل قصير، والناس ينامون فأمهلهم
حتى يدركوا)) ولم أر من قال بهذا التفصيل، ولو قيل به لم يبعد، وبه
يجمع بين الأحاديث، فالتغليس يحمل على الشتاء، وحديث الإِسفار
يحمل على الصيف(٣) والله أعلم بذلك.
(١) معالم السنن، طبعة الفقي (٢٤٥/١).
(٢) السنة للبغوي (١٩٩/٢) قال المعلقان: ضعيف جدًّا، وهو في أخلاق
النبي ولا لأبي الشيخ (٧٦) بسبب: الجراح بن المنهال أبو العطوف،
وقد ضعفه أحمد وابن المديني والبخاري، وقال النسائي والدارقطني:
متروك، وقال ابن حبان: كان يكذب في الحديث.
(٣) قال ابن القيم - رحمه الله تعالى - في أعلام الموقعين : - بعد ذكر
حديث رافع بن خديج ما لفظه، وهذا بعد ثبوته إنما المراد به الإِسفار
دواماً. لا ابتداء فيدخل فيها مغلساً، ويخرج مسفراً، كما كان يفعله وَآت،
فقوله موافق لفعله، لا مناقض له. وكيف يظن به المواظبة على فعل ما
الأجر الأعظم في خلافه؟ وقد ذكر نحوه الطحاوي في مشكل الآثار
(١٠٥/١)، وفيه حديث ذكره الألباني (٢٨٧/١) في الإِرواء، عن أنس
- رضي الله عنه - قال: ((كان رسول الله له يصلي الصبح إذا طلع الفجر
إلى أن ينفسح البصر)). أخرجه أحمد في المسند (١٢٩/٣، ١٦٩)،
وإسناده صحيح: فهذا فيه الجمع بين الأحاديث حيث بين الابتداء بالصلاة
ووقت خروجه منها وهو الإِسفار.
٢٣٩
خروج النساء
إلى المسجد
للصلاة بشروط
الحادي عشر: فيه دليل على خروج النساء إلى المساجد لصلاة
الصبح وعشاء الآخرة ملحقة بها لكونها في معناها من حيث وجود
الظلمة فيها، وهذا كله بشرط أمن الفتنة عليهن أو بهن. وادعى:
القاضي: أن فيه دليلاً على خروج النساء إلى المساجد، وتبعه
النووي في شرحه(١)، فقال: فيه جواز حضور النساء الجماعة في
المسجد، والحدیث إنما فيه ذکر الليل فقط، وكأنهما أخذاه من باب
أولى، لأن الليل مظنة الفساد، وليس في الحديث ما يدل على كونهن .
عجزاً أو شواب. وكره بعضهم للشواب الخروج.
وقال بعض العلماء: لا تخرج المرأة إلاَّ بخمسة شروط :
أن يكون ذلك لضرورة،
وأن تلبس أدنی ثیابها،
وأن لا يظهر عليها الطيب، وما في معناه من البخور،
وأن يكون خروجها في طرفي النهار،
وأن تمشي في طرفي الطرقات دون وسطها لئلا تختلط.
بالرجال. وفي صحيح ابن حبّان(٢) من حديث أبي هريرة مرفوعاً:
((ليس للنساء وسط الطريق)).
(١) لمسلم (١٤٤/٥).
(٢) ابن حبان (٤٢٣/٧)، قال ابن حبان - رحمه الله -: قوله {وَ ل﴾ ((ليس
للنساء وسط الطريق)) لفظة إخبار مرادها الزجر عن شيء مضمر فيه وهو
مماسة النساء الرجال في المشي إذ وسط الطريق الغالب على الرجال
سلوكه. والواجب على النساء أن يتخللن الجوانب حذر ما يتوقع من
مماستهم إياهن.
٢٤٠