النص المفهرس
صفحات 161-180
الحكم بالتربة، وهي الاقتران [في اللفظ](١) بين جعلها مسجداً
وجعل تربتها طهوراً على ما في ذلك الحديث، وهذا الاقتران في هذا
السياق قد يدل على الاقتران في الحكم [أو لا](٢)، لعطف أحدهما
على الآخر نسقا كما في الحديث الذي ذكره المصنف.
ومن اشترط التراب استدل بما في الحديث الآخر: ((وجعلت
تربتها [لنا](٣) طهوراً) كما أسلفته في الحديث الأول من الباب، وهو
خاص فينبغي أن يحمل العام عليه كما يحمل المطلق على المقيد
واعترض على ذلك بوجوه.
منها: منع كون التربة مرادفة للتراب وادعى أن التربة اسم لما
كان [في المكان](٤) من تراب أو غيره مما يقاربه.
ومنها: أنه مفهوم لقب أعني الاحتجاج بالتربة ومفهوم
اللقب(٥) ضعيف لم يقل به إلاَّ الدقاق(٦)، ويمكن أن يجاب عن هذا
(١) في ن ب (باللفظ).
(٢) في ن ب ساقطة.
(٣) في ن ب (وإلاَّ).
(٤) زيادة من ن ب.
(٥) مفهوم اللقب: هو تعليق الحكم على مجرد أسماء الذوات نحو: ((في
الغنم الزكاة».
(٦) هو أبو بكر محمد بن محمد بن جعفر بن الدقاق، له مؤلفات مفيدة في
أصول الفقه، ولد عام (٣٠٦هـ) وتوفي عام (٣٩٢هـ)، وقد نسب الفتوحي
في كتابه (شرح الكوكب المنير)) (٥٠٩/٣)، القول بمفهوم اللقب: إلى
الإِمام أحمد، ومالك، وداود، وابن فورك وابن القصار وغيرهم. انظر:
البحر المحيط (٢٤/٤)، والبرهان لإمام الحرمين (٤٥٣/١).
١٦١
بما أسلفناه أولاً واضحاً.
ومنها: أن حديث التربة لو سلم أن مفهومه معمول به لكان
الحديث الآخر يدل على طهورية بقية [أجزاء](١) الأرض أعني قوله:
((مسجداً وطهوراً) [بمنطوقه] (٢) [ودلالة](٣) المنطوق أقوى من دلالة
المفهوم، وقد قالوا: إن المفهوم مخصص للعموم فيمتنع هذه
الأولوية إذا سلم المفهوم ههنا، وقد أشار بعضهم إلى خلاف هذه
القاعدة، أعني: تخصيص [المفهوم](٤) للعموم.
لفظة طهور
عند المالكية
السادسة: أخذ بعض المالكية من هذا الحديث أن لفظة:
(طهور)) تستعمل لا بالنسبة إلى الحدث، ولا الخبث. وقال: إن
((الصعيد)) قد سمي طهوراً وليس بحدث، ولا خبث. لأن التيمم
لا يرفع الحدث، وجعل ذلك جواباً عن استدلال أصحابنا على
نجاسة الكلب بقوله - عليه الصلاة والسلام - : ((طهور إناء أحدكم
إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبعاً)) حيث قالوا: ((طهور)) يستعمل إما.
عن الحدث أو عن الخبث، ولا حدث على الإِناء. فتعين الخبث
فمنع هذا الحصر، وقال: لفظة ((طهور)) تستعمل في إباحة
الاستعمال، كما في التراب. إذ لا يرفع الحدث كما قلناه، فيكون
قوله - عليه الصلاة والسلام -: ((طهور إناء أحدكم)) مستعملاً في
إباحة استعماله، أعني الإِناء، كما في التيمم، وأجاب الشيخ
(١) مكررة في الأصل.
(٢) في ن ب (المنطوقة).
(٣) في الأصل (ولا)، وما أثبت من ن ب.
(٤) في ن ب (العموم).
١٦٢
تقي الدين(١) عن هذا، فقال: عندي فيه نظر، فإن التيمم - وإن كان
لا يرفع الحدث - لكنه سبب عن الحدث، أي الموجب لفعله
الحدث، وفرق بين قولنا: ((أنه عن حدث)) وبين قولنا: ((إنه يرفع
الحدث)) وأيد بعض فضلاء المالكية الاعتراض المذكور بقول
الشاعر :
* عِذَابُ الثنايا ريقهن طهور *
إذ لا حدث هنا أيضاً ولا خبث فلا حصر إذاً.
قلت: لا حجة في هذا على ما ذكره، فإنه وصفه بأعلى
الصفات، وهي التطهير لأن قصد تفضيلهن على سائر النساء
[فوصف] (٢) ريقهن بأنه مطهر [يتطهر] (٣) به لكمالهن، وطيب
ريقهن، وامتيازه على غيره.
السابعة: قوله - عليه [الصلاة](٤) والسلام -: ((فأيما رجل
من أمتي أدركته الصلاة فليصل)) يستدل به أيضاً على عموم التيمم
بأجزاء الأرض، لأن صيغته صيغة عموم، فيدخل تحته من لم يجد
تراباً ووجد غيره من أجزاء الأرض، ومن خص التيمم بالتراب يحتاج
إلى أن يقيم دليلاً يخص به هذا العموم، أو يقول: دل الحديث على
أنه يصلي، وأنا أقول بذلك، فمن لم يجد ماءًا ولا تراباً صلّى على
دلالة الحديث
على التسم
بجميع
أجزاء الأرض
(١) إحكام الأحكام (١/ ٤٥٦).
(٢) في ن ب (بوصف).
(٣) في الأصل (مطهر)، وما أثبت من ن ب.
(٤) أثبت من ب.
١٦٣
[١٢٠/ ١/ب] حسب حاله، / فأقول بموجب الحديث إلاَّ أنه قد جاء في رواية أخرى
((فعنده طهوره ومسجده)) والحديث إذا جمعت طرقه فسر بعضه
بعضها .
وقال ابن المنذر: ثبت أن - عليه الصلاة والسلام - [أنه](١)
قال: ((جعلت لي كل أرض طيبة مسجداً أو طهوراً))(٢) [حكاه
الخطابي] (٣).
تخصيص
العموم باستثناء
المواضع التي
بحرم الصلاة
فيهـا
لا يجوز التيمم
إلاّ بعد دخول
الوقت
الثامنة: هذا العموم مخصوص بما استثني من [هذه] (٤)
المواضع التي تحرم الصلاة فيها: كالأماكن المغصوبة ونحوها
أو يكره كالحمام ونحوه مما هو مبسوط في الفروع، وتقدمت أيضاً
الإشارة إلى هذا التخصيص.
التاسعة: قد يؤخذ من قوله: ((فأيما رجل من أمتي أدركته
الصلاة فليصل)» أنه لا يجوز التيمم إلاّ بعد دخول الوقت، كما هو
مذهب الجمهور(٥) وأنه يضعف قول من يقول: إن التيمم يرفع
(١) في ن ب ساقطة .
(٢) المنتقى لابن الجارود برقم (١٢٤)، وكذا رواه أحمد في مسنده عن أنس،
والضياء في المختارة، وابن المنذر ورجاله رجال الصحيح.
(٣) زيادة من ن ب ..
(٤) زيادة من ن ب.
(٥) قال شيخ الإسلام - رحمنا الله تعالى وإياه - في الفتاوى (٣٥٣/٢١)،
بعد أن ذكر الخلاف في التيمم قبل دخول الوقت، قال: ((ولنا أنه قد ثبت
بالكتاب والسنة أن التراب طهور، كما أن الماء طهور». وقد قال
النبي : ((الصعيد الطيب طهور المسلم ولو لم يجد الماء عشر سنين، =
١٦٤
الحدث (١)
العاشرة: ((الغنائم)) جمع غنيمة وهو [المغنم] (٢) بمعنىَ واحد، تعريف الغنيمة
فإذا وجدت الماء فأمسه بشرتك، فإن ذلك خير)) فجعله مطهراً عند عدم
=
الماء مطلقاً، فدل على أنه مطهر للمتيمم، وإذا كان قد جعل المتيمم
متطهراً كما أن المتوضى متطهراً، ولم يقيد ذلك بوقت، ولم يقل: إن
خروج الوقت يبطله. كما ذكر أنه يبطله القدرة على استعمال الماء، دل
ذلك على أنه بمنزلة الماء عند عدم الماء، وهو موجب الأصول. وفي
(٣٦٠/٢١) وإذا دلت السنة الصحيحة على جواز أحد الطهورين قبل
الوقت، فكذلك الآخر كلاهما متطهر فعل ما أمر الله به ... إلخ كلامه.
(١) قال شيخ الإسلام - رحمنا الله تعالى وإياه - في الفتاوي (٣٥٥/٢١)،
فإن قيل: الوضوء يرفع الحدث والتيمم لا يرفعه؟ قيل: عن هذا جوابان:
أحدهما: أنه سواء كان يرفع الحدث أو لا يرفعه، فإن الشارع جعله
طهوراً عند عدم الماء يقوم مقامه، فالواجب أن يثبت له من أحكام
الطهارة ما يثبت للماء، ما لم يقم دليل شرعي على خلاف ذلك.
الوجه الثاني: أن يقال: قول القائل يرفع الحدث، أو لا يرفعه ليس تحته
نزاع عملي، وإنما هو نزاع اعتباري لفظي، وذلك أن الذين قالوا: لا يرفع
الحدث، قالوا: لو رفعه لم يعد إذا قدر على استعمال الماء. وقد ثبت
بالنص والإجماع أنه يبطل بالقدرة على استعمال الماء. والذين قالوا:
يرفع الحدث، إنما قالوا: يرفعه رفعاً مؤقتاً إلى حين القدرة على استعمال
الماء. فلم يتنازعوا في حكم عملي شرعي. ولكن تنازعهم ينزع إلى
قاعدة أصولية تتعلق بمسألة تخصيص العلة، وأنه المناسبة هل تتحرم
بالمعارضة، وأن المانع المعارض للمقتضي هل يرفعه أم لا يرفعه اقتضاؤه
ومع بقاء ذاته .
(٢) في ن ب (الغنم).
١٦٥
يقال: منه غنم [القوم غنماً](١) بالضم لا غير، وهي ما يؤخذ من
الكفار بإيجاف(٢) خيل وركاب قال العلماء: كان الأمم قبلنا على
ضربین منھم من لا يحل لأنبیائھم جهاد الكفار فلا غنائم لهم.
ومنهم: من أحله [لهم] (٣) إلَّ أنهم إذا غنموا مالاً جاءت نار
فأحرقته، فلا يحل لهم أن يتملكوا منها شيئاً. وأباح الله - تعالى -
لهذه الأمة الغنائم وطيبها لها .
قال الشيخ تقي الدين(٤): ويحتمل أن يراد بحلها له أن يتصرف
فيها كيف شاء، ويقسمها كما أراد في قوله - تعالى -: ﴿يَسَْلُونَكَ
عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولٌ﴾ (٥).
ويحتمل أن يراد لم يحل شيء منها لغيره وَطّر وأمته، وفي
بعض الأحاديث ما يشعر ظاهره بذلك.
ويحتمل أن يراد بالغنائم [بعض الغنائم] (٦) وفي بعض
الأحاديث: ((وأحل لنا الخمس)) رواه ابن حبان(٧).
قلت: قد يجاب عن هذا بأن الخمس خص منها لشرفه.
(١) زيادة من ن ب.
(٢) في ن ب زیادة (واو).
(٣) في ن ب ساقطة.
(٤) إحكام الأحكام (١/ ٤٥٧).
(٥) سورة الأنفال: آية ١ .
(٦) زيادة من ن ب.
(٧) ابن حبان عن عوف بن مالك (١٠٤/٨).
١٦٦
الحادية عشرة: قوله - عليه الصلاة السلام -: (([وأعطيت](١)
الشفاعة)) الألف واللام قد ترد للعهد كما في قوله - تعالى - :
◌ْ فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾(٢) .
مجيء (أل)
للعهد،
وللعموم،
وللحقيقة
وترد للعموم كما في قوله - عليه الصلاة والسلام - :
(([المسلمون](٣) تتكافأ دماؤهم))(٤).
وترد لتعريف الحقيقة كقولهم: الرجل خير من المرأة. إذا ثبت
[هذا](٥).
فقال الشيخ تقي الدين(٦): الأقرب أنها هنا للعهد، وهو ما
بينه - عليه الصلاة والسلام - من شفاعته العظمى المختصة به،
وهي الشفاعة في إراحة الناس من طول القيام بتعجيل حسابهم،
كما جاء مبيناً في الصحيح، ولا خلاف في هذه، ولا تنكرها
المعتزلة .
قال القاضي عياض (٧): وقيل: المراد بالشفاعة شفاعة لا ترد. أنواع الشفاعة
(١) في ن ب (فأعطيت).
(٢) سورة المزمل: آية ١٦.
(٣) في ن ب ساقطة.
(٤) صحيح أخرجه أحمد (١٩١/٢، ١٩٢، ٢١١)، وأبو داود (٢٧٥١،
٤٥٣١)، من طريق عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده. انظر: الإِرواء
(٢٦٥/٧).
(٥) في ن ب زيادة (واو).
(٦) إحكام الأحكام (٤٥٩/١).
(٧) ذكره في إكمال إكمال المعلم (٢٢٦/٢).
١٦٧
[١/١/١٢١] قال: وقد / تكون شفاعته المذكورة في الحديث بخروج من في قلبه
مثقال ذرة من إيمان من النار، لأن الشفاعة لغيره إنما جاءت قبل
هذا، وهذه مختصة به كشفاعة المحشر.
قلت: وقد ذكرت له# ست شفاعات أخر في كتابنا: ((غاية
السول في خصائص الرسول)»(١). فراجعها منه، فإنها من المهمات،
فإن أكثر الناس لم يذكر له إلاَّ خمساً، ولا تنكر المعتزلة أيضاً
الشفاعة بعد دخول الجنة في رفع الدرجات، فإنه كان ◌َّ قد تقدم
منه إعلام الصحابة بالشفاعة العظمى المختصة به، فلتكن الألف
واللام للعهد، وإن كان لم يتقدم ذلك على هذا الحديث فليكن
لتعريف الحقيقة وتتنزل على تلك الشفاعات، لأنه كالمطلق حينئذ
فیکفي تنزيله على فرد.
قال الشيخ تقي الدين: وليس لك أن تقول: لا حاجة إلى هذا
التكلف، فإنه ليس في الحديث إلاَّ إعطاء الشفاعة، فكل هذه الأقسام
المذكورة قد أعطيها فليحمل اللفظ على العموم لأنا نقول: هذه
الخصلة مذكورة في الخمس التي اختص بها، فلفظها وإن كان مطلقاً.
إلاَّ أن ما سبق في صدر الكلام يدل على الخصوصية.
كيفية الشفاعة
فائدة: كيفية شفاعته ◌َ﴾ أنه يشفع أولاً في إراحة الخلق من
الموقف والفصل بين العباد، وهذا هو المقام المحمود، الذي ادخره
الله - تعالى - له وأعلمه أنه يبعثه فيه ثم بعد ذلك حلت الشفاعة في
أمته ◌َّه وفي المذنبين، وحلت شفاعة الأنبياء والملائكة وغيرهم
(١) انظر: لوحة (٥١/ ب) (٥٢/أ)، ومخطوطته موجودة.
١٦٨
- صلوات الله وسلامه عليهم - ثم تميز المؤمنين من المنافقين، ثم
حلول الشفاعة ووضع الصراط، وهذه شفاعة في المؤمنين المذنبين
على الصراط، وهي لنبينا محمد و # ولغيره، ثم الشفاعة فيمن دخل
النار، وهذا ما تقتضيه مجموع الأحاديث.
بأن يرزق الله
الشفاعة
تنبيه: قال بعض الناس: يكره أن يسأل الله إن يرزقه جواز الدعاء
[شفاعته](١) وَّ﴾ [لأنها لا تكون](٢) إلاّ للمذنبين وهذا لا يلتفت إليه
قال القاضي عياض: قد عرف بالنقل المستفيض سؤال السلف
الصالح شفاعته ورغبتهم فيها، ولا يلزم أن تكون شفاعته للمذنبين،
فإنها قد تكون للتخفيف من الحساب وزيادة الدرجات، بل كل
[عامل](٣) معترف بالتقصير، محتاج إلى العفو، غير معتد بعمله،
مشفق من أن يكون من الهالكين، ويلزم هذا القائل أن لا يدعو
بالمغفرة والرحمة لأنها لأصحاب الذنوب، وهذا كله خلاف ما عرف
من [حال الخلف والسلف] (٤).
الثانية عشرة: قوله - عليه الصلاة والسلام -: ((وبعثت إلى عموم رسالته
الناس عامة)) قيل: لفظ الناس لا يندرج فيها الجن، ولا خلاف
أنه* أرسل للثقلين، ولعله من باب التنبيه بالأعلى على الأدنى،
فإنه إذا أرسل إلى الإِنس [فأحرى](٥) إلى الجن، لأن الإِنس أشرف،
(١) في ن ب (لشفاعته).
(٢) في ن ب (لكونها).
(٣) في ن ب (عاقل).
(٤) في ن ب (حالة السلف والخلف).
(٥) في ن ب (فأجرى).
١٦٩
فذكر ذلك ◌َ﴿ في معرض إمتنان الله - تعالى - [عليه](١) ولا يبقى
زيادة الامتنان ببعثته إلى غيرهم. وفي صحيح مسلم أنه وَّر قال:
((وبعثت إلى كل أحمر وأسود)) (٢) وفي الأحمر والأسود ثلاثة
أقوال :
أحدها: أن المراد بالأحمر البيض من العجم وغيرهم،
وبالأسود العرب لغلبة السمرة فيهم، وغيرهم من السودان.
معنى قوله
: ((وبعثت
إلى كل
أحمر وأسودا
ثانيها: أن المراد بالأسود السودان، وبالأحمر من عداهم من
العرب وغيرهم.
ثالثها: أن الأحمر الأنس، والأسود الجن.
المراد بالقوم
في الحديث
الثالثة عشرة: المراد بالقوم هنا الرجال والنساء وإن كان أصل
القوم [جماعة] (٣) الرجال دون النساء، كما أسلفناه في الحديث
الأول من هذا الباب.
الرابعة عشرة: في الحديث(٤) جواز ذكر ما امتن الله به على
[عبده](٥) وخصه به وعدم كتمانه. قال - تعالى -: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَّكَ
(٦)
فَحَدِّثْ (!
جواز ذكر العبد
ما امتن الله
به عليه
(١) في ن ب (غيره).
(٢) مسلم (٥٢١).
(٣) في ن ب (لجماعة).
(٤) في الأصل (ذكر).
(٥) في ن ب (عباده).
(٦) سورة الضحى: آية ١١ .
١٧٠
الخامسة عشرة: فيه أيضاً دلالة على أن الأصل في الأرض
الطهارة .
السادسة عشرة: فيه أيضاً جواز ذكر العلم من غير سؤال جواز ذكر
خصوصاً عند الاحتياج إليه، والتعريف [بنعم](١) الله - تعالى - غير سؤال
العلم من
وعدم الجهل.
السابعة عشرة: قد يستدل به على أن نبينا محمد أفضل الاستدلال
على أن
نبينا محمد
أفضل الأنبياء
الأنبياء، وأنه فضّل بأشياء على غيره منهم، وذلك دليل على
أفضليته، ولا شك أنه يعرف فضل المتبوع بفضل التابعين أيضاً،
فكما أنه - عليه الصلاة والسلام - أفضل الأنبياء، كذلك أُمته خير
الأُمم، وقد ثبت أنه - عليه الصلاة والسلام - قال: ((أهل الجنة
عشرون ومائة صف، أنتم ثمانون))(٢).
خاتمة: متعلقة بما سلف، قال ابن عقيل: خصيصة النبي وَل
حاصلة من جهة خصت عن كثير من العلماء، وذلك أن شريعته
جاءت ناسخة لكل شريعة قبلها، فلم يبق دين من الأديان التي جاءت
به الأنبياء - صلوات الله عليهم - إلاَّ أمر بتركها ودُعِي إلى شريعته،
ومعنى قوله: ((كل نبي بعث إلى قومه)) أنه كان يجتمع في العصر
الواحد نبيان، يدعوان كل(٣) منهما إلى شريعة تخصه ولا يدعو الأُمة
(١) في ن ب (بنعمة).
(٢) ابن حبان (٢٧٥/٩)، والمستدرك (٨٢/١)، وقال: على شرط مسلم
ووافقه الذهبي.
(٣) في ن ب زيادة (واحد).
١٧١
التي بعث فيها غيره إلى شريعته، ولا ينصرف عنه، ولا ينسخ ما جاء
به الآخر، فهذه خصيصة له لم تكن لأحد قبله حتى أن نوحاً وَلو لم.
ينقل عنه أنه كان معه نبي فدعا إلى ملته يعني ملة ذلك النبي، ولا
نسخها، يوضح هذا قوله - عليه الصلاة والسلام -: ((لو أدركني
موسى لما وسعه إلاَّ اتباعي)»(١) فهذه الخصيصة التي امتاز بها عن
جميع الأنبياء.
قلت: وخص * بهذه الخمسة وبغيرها من: جوامع
الكلم، وهو القرآن، وكلامه [عليه السلام] (٢) فإن كلّ منهما ألفاظه
يسيرة ومعانيه كثيرة، وخص أيضاً بمفاتيح خزائن الأرض، والآيات
من خواتيم سورة البقرة، وله أيضاً خصائص كثيرة لا تحصى، ومآثر
أكثر من أن يحاط بها فتستقصى، وقد جمعنا [ههنا](٣) ما وصل
علمنا إليه في كتابنا المسمى: بـ ((غاية السول في خصائص الرسول))
وفي الذهن أنه أجمع ما صنف فيه [والحمد لله](٤) على ذلك
وأمثاله .
(١) مسند أحمد (٣٣٨/٣، ٣٨٧)، ودلائل النبوة لأبي نعيم (١٥/١)،
وتفسير ابن كثير (٢٩٦/٤)، وتاريخ دمشق لابن عساكر (١٦٢/٥)،
والبداية لابن كثير (١٣٣/٢)، وسنن الدارمي (١١٥/١)، والسنة لابن
أبي عاصم (٥٠).
(٢) في ن ب (أفضل الصلاة والسلام).
(٣) في ن ب (منها).
(٤) في ن ب (فالحمد لله).
١٧٢
فائدة: هذا الحديث رواه عن النبي ◌َ # مع جابر، عوف بن رواة هذا
مالك الأشجعي، وأبو هريرة، وعلي وأبو سعيد الخدري، وأبو ذر
الحديث من
الصحابة
الغفاري، وأبو موسى الأشعري، وحذيفة بن اليمان، [وابن
عمرو](١) وأبو أمامة / والسائب بن يزيد كما أفاد ذلك ابن منده في [١/١/١٢٢]
مستخرجه .
(١) في ن ب (وابن عمر).
١٧٣
٨ - باب الحيض (١)
أسماء الحيض
لغـة
أصله، السيلان. وله تسعة أسماء أخر: الضحك،
والإِكبار(٢)، والإِعصار، والدراس، والعِراك(٣)، والفراك. الأول:
بالعين، والثاني: بالفاء. والطمث(٤): بالثاء، والطمس: بالسين،
والنفاس(٥) وذكر المصنف في الباب خمسة أحاديث:
(١) ونظمها بعضهم:
حيض نفاث دراس طمس إعصار
ضحك عراك فراك طمت إكبار
والأصل فيه الكتاب والسنة والإجماع قال تعالى: ﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ
الْمَحِيضِ﴾ . والسنة مستفيضة. وکذا الإِجماع وقال أحمد: الحیض یدور
على ثلاثة أحاديث حديث فاطمة. وأم حبيبة. وحمنة وفي رواية
وأم سلمة بدل أم حبيبة. اهـ، من حاشية الروض (٣٦٩/١) لابن قاسم
- رحمنا الله وإیاه ـ .
(٢) في ن ب ساقطة.
(٣) النظم المستعذب (٤٥/١).
(٤) في المرجع السابق ..
(٥) الذي في الحاشية بالثاء بدل السين كما في البيت.
١٧٤
الحديث الأول
٨/١/٢٢ - عن عائشة - رضي الله عنها - أن فاطمة بنت
أبي حبيش سألت النبي و 38، فقالت: إني أستحاض فلا أطهر(١)،
أفادع [الصلاة؟](٢)، قال: ((لا(٣)، إن ذلك عرق، ولكن دعي الصلاة
قدر الأيام التي [كنت](٤) تحيضين فيها، ثم اغتسلي، وصلي))(٥).
وفي رواية: (([وليس] (٦) بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة،
(١) انظر: حاشية إحكام الأحكام (٤٦٥/١) وتنبيهه عليها.
(٢) في ن ب مكررة.
(٣) انظر: حاشية إحكام الأحكام (٤٦٥/١).
(٤) في ن ب ساقطة .
(٥) البخاري (٣٢٥)، ومسلم (٣٣٣)، وأبو داود (٢٨٢)، والنسائي
(١٨١/١، ١٨٢)، ومالك في الموطأ (١/ ٦٢)، وابن ماجه (٦٢٦)،
والترمذي (١٢٥)، وأحمد في المسند (١٩٤/٦)، والدارمي (١٩٨/١).
(٦) في إحكام الأحكام ((وليست)).
قال في الحاشية: لا أدري لم زاد ((في رواية)) فإن هذا اللفظ في الصحيحين
معاً في باب الاستحاضة في سياق واحد من طريق هشام بن عروة، عن
أبيه، عن عائشة، وكأنه يشير إلى أنه لفق عن روايات منها. نعم للبخاري =
١٧٥
فاتركي الصلاة (١) [فيها،](٢) فإذا ذهب قدرها(٣) فاغسلي عنك الدم
وصلي)(٤).
الكلام عليه من وجوه:
أحدها: في التعريف براويه وقد [سلف](٥) في الطهارة.
ثانيها: فاطمة هذه والدها قيس بن المطلب - ووقع في أكثر
نسخ مسلم عبد المطلب وهو غلط [بن](٦) أسد بن عبد العُزَّى بن
قصي، القرشية الأسدية .
ترجمة فاطمة
بنت أبي
حبيش
ووقع في مبهمات الخطيب أنها [أنصارية](٧)، وهي غير فاطمة.
بنت قيس الآتية في كتاب النكاح، ولا يعرف [للمذكورة](٨) هنا أعني
في باب الحيض غير هذا الحديث.
في باب غسل الدم بلفظ: ((وليس بحيض)، فإذا أقبلت حيضتك فدعي
=
الصلاة، وإذا أدبرت فأغسلي عنك الدم وصلي)). اهـ.
(١) قال في الحاشية: ((فاتركي الصلاة)» هو لفظ البخاري في هذا الباب، ولفظه
في باب غسل الدم («فدعي))، وهو لفظ مسلم هنا، فلو أتى به لكان أولى
لأنها مما اتفقا على لفظه أيضاً.
(٢) في ن ب ساقطة ..
(٣) انظر: حاشية إحكام الأحكام حيث ذكر لفظة «فإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم)).
(٤) البخاري رقم (٣٠٦).
(٥) في ن ب (تقدم).
(٦) في ن ب (من). انظر: مسلم مع النووي (١٨/٤).
(٧) في ن ب (الضارية). انظر: مبهمات الخطيب (٢٥٤)، والإصابة
(٣٦٩/٤).
(٨) في الأصل (للمذكور)، وما أثبت من ن ب.
١٧٦
وحبيش: بضم الحاء المهملة، ثم باء موحدة، ثم مثناة تحت،
ثم شين معجمة. وتشتبه بأشياء ذكرتها في مشتبه النسبة.
وذكر الحربي: أن فاطمة هذه تزوجت بعبد الله بن جحش أسماء النشوة
اللاتـي
فولدت له محمداً وهو صحابي هاجرت - رضي الله عنها - وهي استحضن
إحدى المستحاضات على عهد النبي ◌َطار.
والثانية: حمنة بنت جحش زوج طلحة بن [عبيد الله](١) أخت ترجمة حمنة
بنت جحش
زينب أم المؤمنين، وقيل: إنها استحيضت أيضاً، وهو وهم(٢).
(١) في الأصل (عبد الله)، وما أثبت من ن ب.
(٢) تنبيه: في فتح الباري (٤٢٧/١) بتصرف: جاء الوهم في أن زينب
أم المؤمنين استحيضت بأنها وافقت في الاسم زينب زوجة عبد الرحمن
ابن عوف فإنها اسمها زينب واشتهرت بكنيتها أم حبيبة أو حبيب وزينب
زوجة النبي ◌َ﴿ كان اسمها برّة. فسميت زينب باسم أختها لكون أختها
غلبت عليها الكنية فأمن اللبس: وسيأتي زيادة إيضاح بعده. قال النووي
رحمه الله تعالى. في شرح مسلم (٢٣/٤): قال القاضي: اختلف
أصحاب الموطأ في هذا عن مالك وأكثرهم يقولون: زينب بنت جحش
وكثير من الرواة يقولون عن ابنة جحش. وهذا هو الصواب وبين الوهم
فيه قوله وكانت تحت عبد الرحمن بن عوف. وزينب هي أم المؤمنين لم
يتزوجها عبد الرحمن بن عوف قط. إنما تزوجها أولاً زيد بن حارثة. ثم
تزوجها رسول الله ﴿ والتي كانت تحت عبد الرحمن بن عوف هي
أم حبيبة أختها وقد جاء مفسراً على الصواب في قوله ((ختنة رسول الله وَل
وتحت عبد الرحمن بن عوف. وفي قوله: كانت تغتسل في بيت أختها
زينب. قال أبو عمر بن عبد البر رحمه الله تعالى. قيل: إن بنات جحش
الثلاث. زينب وأم حبيبة وحمنة زوج طلحة بن عبيد الله كن يستحضن =
١٧٧
ووقع في ((الموطأ)) كما نبه عليه ابن العربي(١)، قال: ووقع في
كلهن. وقيل: إنه لم يستحض منهن إلا أم حبيبة. وذكر القاضي يونس بن
=
عبد المغيث في كتابه الموعب في شرح الموطأ مثل هذا. وذكر أن كل
واحدة منهن اسمها زينب، ولقبت إحداهن حمنة، وكنيت الأخرى
أم حبيبة. وإذا كان هكذا فقد سلم مالك من الخطأ في تسمية أم حبيبة
زينب. وقد ذكر البخاري من حديث عائشة رضي الله عنها. ((أن امرأة من
أزواجه { {9)). وفي رواية: ((أن بعض أمهات المؤمنين)). وفي أخرى: ((أن
النبي (8* اعتكف مع بعض نسائه وهي مستحاضة)). هذا آخر كلام.
القاضي. وأما قوله: ((أم حبيبة)). فقد قال الدارقطني: قال إبراهيم
الحربي: الصحيح أن أم حبيب بلا هاء. واسمها حبيبة. وعلى هذا جمع
من العلماء. قال ابن عبد البر الصحيح أنهما كانتا تستحاضان أي حمنة.
وأم حبيبة. وأم حبيب. اهـ. ونظمهن السيوطي في شرح النسائي
(١/ ١١٧).
قد استحيضت في زمان المصطفى
تسع نساء قد رواها الراوية
بنات جحش سودة والفاطمة
زينب أسماء سهلة وبادية
وسيذكر المصنف هذا الكلام في الحديث الثاني الوجه الثاني.
وقصة حمنة رواها أبو داود (١٩٩/١)، والترمذي (٢٢١/١)، وقال:
حسن صحيح ابن ماجه (٢٠٥/١)، أحمد في المسند (٤٣٩/٦)،
والحاكم (١٧٢/١، ١٧٣)، وشرح السنة (١٤٨/٢)، والبيهقي
(٣٣٨/١، ٣٣٩).
(١) انظر: عارضة الأحوذي (٢٠٠/١)، وأيضاً توهيمه من قال: إن زينب أم
المؤمنين استحيضت.
--
١٧٨
((الموطأ)» أيضاً أن زينب كانت تحت عبد الرحمن بن عوف، ولم يكن
ذلك قط، إنما كانت تحت زيد، ثم زوجها الله بنبيه - عليه أفضل
الصلاة والسلام - .
والثالثة: أختها أم حبيبة أو أم حبيب زوج عبد الرحمن بن
عوف(١).
والرابعة: [سودة بنت زمعة](٢) أم المؤمنين (٣).
والخامسة: سهلة بنت سهيل(٤) العامرية واقتصر جماعات على
هذا العدد وأهملوا أربعاً.
الأولى: أسماء بنت عميس(٥).
الثانية: زينب بنت أم سلمة (٦).
(١) قصة أم حبيبة رواها مسلم في كتاب الحيض باب الاستحاضة (٢٦٣/١)،
وأبو داود (٧٤/١)، والنسائي (١١٩/١)، وأحمد الفتح الرباني
(٢/ ١٧٢).
(٢) في الأصل مكررة.
(٣) البخاري في صحيحه (٤١١/١) الفتح.
(٤) سنن أبي داود (٢٩٥). وفي الأصل (سهل)، وما أثبت من ن ب
والسنن.
(٥) سنن أبي داود عون المعبود (٢٧٨).
(٦) قال ابن حجر - رحمه الله - في فتح الباري (٤١٢/١) كون زينب بنت
أم سلمة من المستحاضات، لأن النبي # دخل بأمها في السنة الثالثة
وهي ترضع: والحديث أنها اعتكفت مع النبي ◌َّ وهي مستحاضة في
البيهقي (٣٥١/٢).
١٧٩
الثالثة: أسماء بنت مرثد الحارثية(١).
الرابعة: بادية بنت غيلان(٢).
ثالثها: في ألفاظه.
تعــريـف
الاستحاضة
لغة واصطلاحاً
قولها: ((أستحاض)) يقال: منه استحيضت المرأة مبنيًّا للمفعول
لغة، ولم يبن هنا الفعل للفاعل، كما في قوله: ((نفست المرأة))،
و ((نتجت الناقة)).
وأصل الكلمة من الحيض والزوائد التي لحقتها للمبالغة، كما
يقال: ((قرَّ في المكان)) ثم يزاد للمبالغة [فيه](٣)، فيقال: استقر؛
وأعشب المكان، ثم يبالغ فيه فيقال: اعشوشب. وكثيراً ما تجيء
الزوائد لهذا المعنى نبّه عليه الشيخ تقي الدين (٤).
والاستحاضة: جريان الدم في غير أوانه:
وقولها: ((فلا أطهر)) المراد بالطهارة هنا النظافة من الدم.
وقولها: ((أفادع الصلاة؟)) هو سؤال عن استمرار حكم الحيض
حالة دوام الدم [و](٥) عدمه ممن تقرر عنده أن الحائض ممنوعة من
الصلاة .
(١) ذكرها البيهقي. وفي ن ب (مرشد).
(٢) أشار إليها في الفتح (٤١١/١). نقلاً عن ابن منده.
(٣) ساقطة من إحكام الأحكام (١/ ١٢٢).
(٤) انظر حاشية إحكام الأحكام (١/ ٤٧٠). والزوائد: المراد بها الميم،
والسين والمثناة اللاحقة بكلمة الفعل زيدت للمبالغة في المعنى الذي وقع
عبارة عنه. اهـ. من الحاشية .
(٥) في ن ب (أو).
١٨٠