النص المفهرس

صفحات 61-80

سعد أن مليكة اسم أمها، وورد ما يؤيده، فقال السمعاني: الرميصاء
لقب لها، [أي](١) لرمص كان في [عينها](٢) كما قاله السهيلي.
روي لها عن النبي * أربعة عشر حديثاً، اتفقا على حديث عدد ماروت
واحد، وللبخاري حديث، ولمسلم اثنان، روى عنها ابنها أنس وابن
عباس وغيرهما، وكانت من عقلاء النساء، وفضلائهن.
وفي البخاري عن جابر عن النبي ◌َّ ((دخلتُ الجنة(٣)
فسمعت خشفة فقلت: من هذا؟ فقالوا: هذه الرميصاء بنت ملحان أم
أنس)) وفي رواية ((الغميصاء)) (٤).
قال ابن عبد البر: كانت تحت مالك بن النضر في الجاهلية من مناقها
رضي اله عنها
فولدت له أنساً فلما جاءها الله بالإِسلام أسلمت مع قومها وعرضت
الإِسلام على زوجها فغضب عليها وخرج إلى الشام فهلك هناك، ثم
خلف عليها بعده أبو طلحة الأنصاري، خطبها مشركاً فلما علم أنه
لا سبيل عليها إلاَّ بالإِسلام أسلم وتزوجها وحسن إسلامه(٥)، قال
أنس: وكان صداقها الإِسلام، فولد له منها غلام كان قد أعجب به
فمات صغيراً فأسف عليه، ويقال: إنه أبو عمير صاحب النغير، ثم
ولد عبد الله بن أبي طلحة فبورك فيه وهو والد إسحاق بن
(١) في ن ب ساقطة.
(٢) في ن ب (عينيها).
(٣) في ن ب زيادة (فإذا أنا بالرميصاء امرأة أبي طلحة)، وفي مسلم عن أنس
عن النبي دخلت ...
(٤) أخرجها البخاري ومسلم.
(٥) في ن ب زيادة (واو).
٦١

عبد الله بن أبي طلحة الفقيه وإخوته كانوا عشرة كلهم حمل عنه
العلم .
وروي عن أم سليم أنها قالت: لقد دعا لي رسول الله گچ# حتى
ما أريد زيادة، وفي الطبقات أنها شهدت أحداً ومعها خنجر (١).
والمعروف أنها أم [أنس] (٢) ووقع في عدة من كتب الفقهاء
كالنهاية والوسيط والبحر المحيط أنها جدته، وصرَّح به ابن منده،
وورد في حديث مصرحاً به أيضاً، لكن في حديث صلاة الجماعة
الذي ذكره المصنف في باب الصفوف فاستفد ذلك من كتابي تذكرة
الأخبار بما في الوسيط من [الأخبار](٣) فإنه موضح فيه.
وكانت هي وأختها خالتين لرسول الله وَ طلقات من الرضاعة، ذكره
النووي [في تهذيبه] (٤)، وكان عليه السلام يقيل عندها وتبسط له
نطعاً فينام عليه / وقال: ((إني أرحمها قتل / أخوها معي))(٥)،
وشرب عليه السلام عندها قائماً من قربة فقطعت ذلك الموضع
وأمسكته عندها (٦).
[٨٤/ ب/ ب]
[١٠٦ /١ / ١]
وقصتها مشهورة مع أبي طلحة وقد مات ولده فلم تعرفه.
(١) كذا في الطبقات (٤٢٥/٨)، وفي سير أعلام النبلاء (٣٠٤/٢).
(٢) في ن ب (قلیس).
(٣) في ن ب (الأخيار).
(٤) في الأصل (بتهذيبه)، وما أثبت من ن ب.
(٥) أخوها هو حرام بن ملحان، قتل يوم بئر معونة. انظر: طبقات ابن سعد
(٤٢٨/٨)، والبخاري (٣٧/٦)، ومسلم (٢٤٥٥).
(٦). طبقات ابن سعد (٤٢٨/٨)، والشمائل للترمذي رقم (٢١٥).
٦٢

بذلك حتى تغشاها وأصاب منها، وقولها له آخر الليل: يا أبا طلحة
ألم تر أن آل فلان استعاروا عارية فمنعوها فطلبت(١) فشق عليهم،
قال: ما أنصفوا، قالت: فإن ابنك عارية من الله فقبضه الله إليه،
فاسترجع فحمد الله فلما أصبح غدا على رسول الله وَ ل﴿ فلما رآه قال:
((بارك الله لكما في ليلتكما)) فحملت بعبد الله(٢)، قال عباية بن
رفاعة: فلقد رأيت لذلك الغلام سبع بنين كلهم قد ختم القرآن(٣).
ولم أر من أرّخ وفاتها، ولم يذكره أيضاً [المزي] (٤) في تهذيبه
ولا من تبعه .
وأما زوج أم سليم: فهو [أبو ](٥) طلحة زيد بن سهل ابن زوجها
الأسود أحد النقباء ليلة العقبة. شهد بدراً والمشاهد، روي له عن
النبي ◌َ﴿ اثنان [وسبعون](٦)(٧) حديثاً، اتفقا على اثنين، وانفرد كل
واحد بواحد، روى عنه [ابن](٨) عباس وأنس وابنه عبد الله وابن ابنه
إسحاق بن عبد الله وغيرهم.
(١) في ن ب زيادة (منهم).
(٢) البخاري فتح (٥٠٩/٩) في أول العقيقة، ومسلم برقم (٢١٤٤)، وأحمد
في المسند (١٩٦/٣).
(٣) الطبقات (٤٣٤/٨).
(٤) في الأصل (المزني).
(٥) في ن ب ساقطة.
(٦) في ن ب (وتسعون).
(٧) الذي في سير أعلام النبلاء (٣٤/٢) نيفاً وعشرين حديثاً.
(٨) زيادة من ن ب.
٦٣

زمن موته رضي
الله عنه
مات بالمدينة سنة أربع وثلاثين عن سبعين سنة وعاش بعد
النبي * مدة، [سرد](١) الصوم، وروي أنه غزا البحر فمات فيه،
قال ابن حبان: وكان فارس رسول الله وَّ ر، وقتل يوم حنين عشرين
رجلاً بيده وهو القائل:
أنا أبو طلحة واسمي زيد وكل يوم في سلاحي صيد
وصحّ أنه كان يتناول البرد وهو صائم ويقول: ليس بطعام ولا
شراب(٢). وترجمته موضحة فيما أفردته في الكلام على رجال هذا
الكتاب فراجعها [منه](٣).
الوجه الثاني: قولها ((إن الله لا يستحي من الحق)) أي لا يأمر
بالحياء فيه، ولا يمتنع من ذكره، ويقال: يستحي بيائين وبياء واحدة.
وكلاهما صحيح، والأولى لغة أهل الحجاز، والثانية: لغة تميم،
وأصل الثاني كالأول فاستثقلت الكسرة تحت الياء الأولى التي هي
عين الكلمة فنقلت إلى الحاء، واستثقلت الضمة على الياء الثانية التي
هي ياء الكلمة فحذفت، وجمع ساكنان [فحذفت](٤) الياء(٥). قال:
اللغات في
(يستحي!
(١) في ن ب (يسرد).
(٢) أحمد في المسند (٢٧٩/٣)، وأخرجه البزار في مسنده برقم (١٠٢٢)،
وقال عقبة: لا نعلم هذا الفعل إلاَّ عن أبي طلحة، والجمهور على خلاف
رأيه.
(٣) في ن ب ساقطة.
(٤) في الأصل (فحذف)، وما أثبت من ن ب.
(٥) في ن ب زيادة (فيما يظهر).
٦٤

ابن عطية(١): وقرأ ابن كثير وابن محيصن وغيرهما (يستحي) بكسر
الحاء وهي لغة تميم كما تقدم، وذكر هذه القراءة القرطبي أيضاً.
وأصل الاستحياء: الانقباض عن الشيء والامتناع منه خوفاً من
مواقعة القبيح، وهذا محال على الله تعالى (٢).
الثالث(٣): قولها: ((إن الله لا يستحي من الحق)) أيضاً هو توطئة
السبب في
قولها: ((إن الله
لا يستحي من
الحق»
واعتذار لما ستذكره بعد مما يستحي النساء من ذكره غالباً. وهو عند
الكتّاب والأدباء أصل المكاتبات والمحاورات، ووجه ذلك أنه يقدم
الاعتذار بسبب الإِدراك النفسي المعتذر منه صافياً خالياً عن العتب،
بخلاف ما إذ تأخّر فإن النفس تستقبل المعتذر منه بقبحه، ثم يأتي
العذر رافعاً وفي الأول يكون دافعاً، ولا يخفى الفرق بين الدافع
والرافع، وقريب من / هذا الإِعلام بالمكروه قبل وقوعه فإن النفس [١/١٠٦/ب]
(١) المحرر الوجيز (١٥١/١).
(٢) قال الشيخ عبد العزيز ابن باز حفظه الله في تعليقه على فتح الباري
(٣٨٩/١): والصواب: أنه لا حاجة إلى التأويل مطلقاً، فإن الله يوصف
بالحياء الذي يليق به ولا يشابه فيه خلقه كسائر صفاته وقد ورد وصفه
بذلك في نصوص كثيرة فوجب إثباته له على الوجه الذي يليق به، وهذا
قول أهل السنة والجماعة في جميع الصفات الواردة في الكتاب والسنة
الصحيحة، وهو طريق النجاة فتنبه واحذر، والله أعلم.
وما ذكره في تعريف الحياء واستحالته على الله هو من قولهم تشبيه الخالق
بالمخلوق. فإثبات الصفة لله تعالى يكون إثباتاً كاملاً منزهاً عن التشبيه من
جمیع وجوهه. اهـ.
(٣) في ن ب زيادة (واو).
٦٥

تتوطن عليه بخلاف ما إذا فاجأ على غفلة والعياذ بالله وإن [وقع](١)
ذهب بعد ذلك.
فيستنبط مما ذكرته رضي الله عنها أن الشخص إذا عرضت له
مسألة أن يسأل عنها ولا يمتنع من السؤال حياء من ذكرها فإن ذلك
ليس بحياء حقيقي؛ لأن الحياء خير كله، والحياء لا يأتي إلاَّ بخير
والإِمساك عن السؤال في هذه الحال ليس بخير بل هو شر فلا يكون
حياء حقيقيّاً بل [هو](٢) مجازي طبعي يسمى خوراً، وقد قالت
عائشة: ((نعم النساء نساء الأنصار لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في
الدين»(٣).
فإن قلت: إنما يعتذر من المطلوب عادة بالحياء في الإِثبات
لا في النهي كما ثبت ((إن الله [حيي](٤) كريم)» فأما في النفي.
فالمستحيلات تنفي فلا يشترط فيه أن يكون ممكناً.
فالجواب: أنه لم يرد على النفي مطلقاً، بل على الاستحياء من
(١) زيادة من ن ب.
(٢) في ن ب ساقطة .
(٣) البخاري في صحيحه معلقاً (٢٢٨/١)، والفتح ومسلم في صحيحه
(٢٦١/١) كتاب: الحيض، وأحمد (١٤٧/٦)، وأبو داود (٨٤/١)،
كتاب: الطهارة، باب: الاغتسال من الحيض، وابن ماجه (٦٤٢)،
وعبد الرزاق (١٢٠٨)، وأبو عوانة (٣١٥).
(٤) في ن ب (حق): والحديث أخرجه أبو داود (١٤٨٨) في الصلاة، باب:
الدعاء، والترمذي (٣٥٥١)، وحسنه ابن حجر في الفتح (١٢١/١) وهو
من رواية سلمان، وأنس.
٦٦

الحق، فمن حيث المفهوم يقتضي أنه يستحيي من غير الحق فيعود
من حينه إلى جانب الإِثبات / .
[ ٨٥ / ب / أ]
الرابع: اختلف العلماء في معنى قولها: ((إن الله لا يستحي من معنى: "إن الله
لا يستحي من
الحق»
الحق» على أقوال:
أحدها: ما قدمته في أن معناه: إن الله لا يأمر بالحياء فيه ولا
يمنع من ذكره، وبه جزم القرطبي في تفسيره، ونقل عن الطبري أنه
قال في قوله تعالى: ﴿﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَخِيَ﴾(١) الآية أن معناها:
لا يخشى، وأنه رجحه قال: وقال غيره: لا يترك، وقيل: لا يمنع.
ثانيها: أن سنة الله وشرعه أنه لا يستحيي من الحق.
ثالثها: إن الله لا يأمر بالحياء في الحق ولا يبيحه، قال الشيخ
تقي الدين(٢): أما تأويله على أنه لا يمنع من ذكره فقريب؛ لأن
المستحي يمتنع من فعل ما استحيا منه، فالامتناع من لوازم الحياء،
فيطلق الحياء على الامتناع إطلاقاً لاسم الملزوم على اللازم، وأما
قولهم: [لا يأمر بالحياء](٣) [ولا يقبحه، فيمكن في توجيهه أن
يقال: التعبير بالحياء عن الأمر بالحياء] (٤) متعلق بالحياء، فيصح
إطلاق الحياء على الأمر به على سبيل إطلاق المتعلق على المتعلق،
وإذا صح إطلاق الحياء على الأمر بالحياء صح إطلاق عدم الحياء من
الشيء على عدم الأمر به.
(١) سورة البقرة: آية ٢٦. انظر: تفسير الطبري (٣٩٨/١).
(٢) إحكام الأحكام (٣٩٤/١) للاطلاع على اختلاف النسخ.
(٣) في إحكام الأحكام (٣٩٤/١) في الحق ولا يبيحه.
(٤) زيادة من ن ب.
٦٧

وهذه الوجوه من التأويلات تذكر لبيان ما يحتمله اللفظ من
المعاني ليخرج ظاهره [عن المنصوصية](١) لا [على](٢) أنه يجزم
بإرادة [متعين منها](٣)، إلاَّ أن يقوم على ذلك دليل.
وأما قولهم: ((إن سنة الله وشرعه إنه لا يستحيي من الحق))،
فليس فيه تحرير(٤) بالغ، فإنه إما أن يسند فعل الاستحياء إلى الله
تعالى [أو لا](٥) [و](٢) يجعله فعلاً لما لم يسم فاعله، فإن أسنده
إلى الله تعالى فالسؤال باق بحاله، وغاية ما في الباب: إنه زاد قوله
((سنة الله وشرعه)) وهذا لا يخلص من السؤال، وإن بنوا الفعل لما لم
يسم فاعله، فكيف يفسر فعلاً بنى للفاعل [و](٧)المعنیان متباينان،
والإِشكال إذاً وارد على بنائه للفاعل؟ قال: والأقرب: أن يجعل في
الكلام حذف، تقديره: إن الله لا يمنع من ذكر الحق ((والحق)» هنا.
خلاف الباطل ويكون المقصود من الكلام: أن يقتدى بفعل الله
سبحانه وتعالى في ذلك، أي في قوله: ﴿ وَاللَّهُ لَا يَسْتَخِى، مِنَ الْحَقِّ﴾(٨)
(١) في إحكام الأحكام (١/ ١٠٠) (عن المنصوحية)، وفي جميع النسخ (على
النصوصية)، وما أثبت من إحكام الأحكام مع الحاشية .
(٢) زيادة من إحكام الأحكام (٣٩٥/١).
(٣) في جميع النسخ (المعنى)، وما أثبت من إحكام الأحكام.
(٤) انظر: العدة حاشية إحكام الأحكام (٣٩٥/١).
(٥) زيادة من إحكام الأحكام (١/ ١٠٠).
(٦) في ن ب (أو)، وما أثبت يوافق إحكام الأحكام.
(٧) في ن ب (أو)، وما أثبت يوافق إحكام الأحكام.
(٨) سورة الأحزاب: آية ٥٣.
٦٨

الآية، ويذكر هذا الحق الذي دعت / الحاجة إليه من السؤال عن [١/١/١٠٧]
احتلام المرأة.
الخامس: قولها: ((إذا هي احتلمت)) الظاهر أن ((هي)) زائدة (مي)) زائدة
لتوكيد المعنى وتحقيقه، وإن كان الأصل عدم الزيادة لدلالة المعنى
لتأكيد المعنى
على ذلك؛ لأن أصل المعنى لا يختل بإسقاطها(١)، ولأن ((إذا)) هنا
فيها معنى الشرط وهو لا يليها [إلاَّ الأسماء](٢) عند البصريين غير
الأخفش، فلا يجوز أن يكون في موضع المبتدأ ولا أن يكون فاعلاً
بفعل مضمر، يفسره ما بعده من باب قوله تعالى: ﴿ إِذَا السَّمَآءُ
آنشَقَّتْ®﴾(٣) لأن الفاعل لا يكون ضميراً منفصلاً بغير واسطة فتعين
زيادتها، نعم يصح أن يكون مبتدأ عند الكوفيين والأخفش على
أصلهم.
السادس: ((الاحتلام)) كما قال الشيخ تقي الدين(٤) في الوضع:
افتعال من الحلم - بضم الحاء وسكون اللام - وهو: ما يراه النائم
في نومه، يقال منه: حلم - بفتح اللام [واحتلم](٥) - واحتلمت به،
واحتلمته .
معــــى :
((الاحتلام!
(١) قول قد جاء في إحدى روايات البخاري في كتاب الأدب، بحذفها. وعند
عبد الرزاق (٢٨٤/١).
(٢) في الأصل وفي ن ب (إلاَّ أسماء)، والصحيح ما أثبت.
(٣) سورة الانشقاق: آية ١.
(٤) إحكام الأحكام (١/ ١٠٠).
(٥) زيادة من ن ب وإحكام الأحكام.
٦٩

وأما في الاستعمال والعرف العام: فإنه قد خص هذا الوضع
اللغوي ببعض ما يراه النائم، وهو ما يصحبه إنزال الماء، فلو رأى
غير ذلك لصح أن يقال له: ((احتلم)» وضعاً، ولا يصح عرفاً.
وقال الماوردي رحمه الله: الاحتلام هو إنزال المني في نوم
أو جماع أو غيرهما، وأما النووي رحمه الله [فخصه](١) بما يراه
النائم كما سلف.
السابع: قوله عليه السلام: ((نعم إذا رأت الماء)) قال الشيخ
تقي الدين(٢): يحتمل أن يكون مراعاة للوضع اللغوي في قوله:
((واحتلمت)) فإنا قد بينا أن ((الاحتلام)) رؤية المنام كيف كان وضعاً،
فلما [سألت](٣): [هل](٤) على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟
[وكانت لفظة ((احتلمت)) عامة، خصص الحكم بما إذا رأت الماء،
أما لو حملنا لفظة ((احتلمت])»(٥) على المعنى العرفي كان قوله: ((إذا
رأت الماء)» كالتوكيد والتحقيق لما سبق من دلالة اللفظ الأول عليه.
ويحتمل أن يكون الاحتلام الذي يحصل به الإنزال على
قسمين: تارة يوجد معه البروز [إلى الظاهر، وتارة لا، فيكون
[٨٥/ب/ ب] قوله # ((إذا رأت الماء)» مخصصاً للحكم / بحالة البروز.
(١) في ن ب (فيخصه).
(٢) إحكام الأحكام (١/ ١٠٠)، وقوله في إحكام الأحكام: (قولها).
(٣) التصحيح من الأحكام، وفي الأصل ون ب (سأل).
(٤) في الأصل (هذا)، والتصحيح من إحكام الأحكام ون ب.
(٥) زيادة من ن ب وإحكام الأحكام.
٠ ٧٠

إلى](١) الظاهر، ويكون قوله: ((إذا رأت الماء» أفاد فائدة زائدة،
ولیس لمجرد التوكيد.
الثامن: الرؤية: ظاهرها الخروج إلى ظاهر الفرج، وهو المراد بقوله:
((إذا رأت))
ما نقله الرافعي عن الأكثرين، وأما ابن الصلاح فأنكره عليه وقال:
إنه مردود(٢).
وقال الشيخ تقي الدين: [إن] (٣) ظاهر كلام بعض الفقهاء
يقتضي وجوب الغسل بالإِنزال إذا عرفته بالشهوة ولا يوقفه على
البروز إلى الظاهر، فتكون الرؤية بمعنى العلم ههنا، أي إذا علمت
نزول الماء فعلى هذا يكون حذفُ هنا للمفعول الثاني لرأى، وفي
البسيط عن الأطباء أن منيها لا يخرج منها.
وقال الفقيه ناصر الدين ابن المنير رحمه الله في ترجيز التهذيب
في مذهب مالك رحمه الله: إن قلت:
كيف ينزلن النساء وهن لا يبدو لهن الماء؟
فاعلم أن فرجها مقلوب، يعرف شرح ذلك الأطباء
(١) زيادة من ن ب وإحكام الأحكام.
(٢) ويرده ما جاء في رواية خولة بنت حكيم عند أحمد (٤٠٩/٦) وفيه «ليس
عليها غسل حتى تنزل كما ينزل الرجل)). وعند عبد الرزاق (٢٨٤/١)
وفيه ((إذا احتلمت المرأة فأنزلت الماء فلتغتسل))، وفي طريق أخرى ((إذا
رأت الماء رطباً فلتغتسل))، وأشار إلى ورودها ابن عبد البر في الاستذكار
(٢٣/٣).
(٣) في ن ب ساقطة. ساقه بمعناه من إحكام الأحكام (٣٩٧/١) مع
الحاشية .
٧١

وفي الذخيرة للقرافي: إن المرأة [داخل](١) فرجها ذكراً
وأنثيين، ويبعد أن تحمل [الرؤية] (٢) هنا على رؤية القلب وهو علمها
[١/١٠٧/ب] بلذتها بانتقال مائها من مكان إلى مكان آخر من باطن الفرج / ، لكنه
يظهر في جانب البكر كما سأذكره في الفرع الآتي على الأثر.
نزول المني
إلى باطن
فرج المرأة
فرع مهم ينتبه [له](٣): وهو أنه لو نزل المني إلى باطن فرج
ثيب، ولم يخرج وجب الغسل، أو بكر فلا، والفرق [أن باطن] (٤)
فرج الثيب في حقها كالظاهر فإنه يجب عليها غسله في الاستنجاء،
بخلاف البكر فإن باطنه كباطن إحليل الرجل، صرَّح به الماوردي(٥)
وجزم به النووي في تحقيقه وشرحه لمسلم (٦)، وكلام الغزالي
يقتضي الوجوب بالنسبة إلى البكر أيضاً.
التاسع: اعلم أنه يجب الغسل على المرأة بالإِنزال کالرجل؛
الحديث الصحيح: ((إنَّما الماء من الماء))(٧) فيحتمل أن أم سليم لم
تسمع ذلك فسألت عنه لمسيس حاجتها إليه، ويحتمل أن يكون
سمعته ولكنها سألت عن حال المرأة لقيام مانع منها يخرجها عن
العموم وهو ندرة بروز الماء منها.
وجوب الغسل
على المرأة
بالإنزال
(١) في ن ب ساقطة.
(٢) في ن ب (الرواية).
(٣) في ن ب ساقطة.
(٤) زيادة من ن ب.
(٥) الحاوي الكبير (٢٦٠/١).
(٦) (٢٢٠/٣).
(٧) أخرجه مسلم من حديث أبي سعيد، وأبو داود وابن خزيمة وابن حبان.
٧٢

العاشر: يؤخذ من الحديث السؤال عن العلم إذا جهله وعلمه السؤال عن
العلم
واحتاج إلى زيادة إيضاح.
الحادي عشر: يؤخذ منه أيضاً تقديم الاعتذار قبل المعتذر عنه
وإن كان واجب الفعل لأجل العادة.
الثاني عشر: يؤخذ منه أيضاً الاحتياط لعدم سوء الظن الاحتياط لعدم
بالشخص بعدم الأدب العادي وإن لم يكن سوء أدب شرعاً.
سوء الظن
الثالث عشر: يؤخذ منه أيضاً أن الحياء المطلوب إنما هو فيما
وافق الشرع لا العادة.
الرابع عشر: يؤخذ منه أيضاً السؤال في الاستفتاء بهل تنبيهاً السؤال بهل
على عدم معرفة السائل، فلا يقول: هكذا قلت أنا، ولا: كنت أعلم
ذلك من [غيرك](١) كذا، وقال فلان بخلاف قولك.
الخامس عشر: يؤخذ منه أيضاً أن لفظة [على] (٢) مقتضاها (على)
للوجوب
الوجوب .
السادس عشر: يؤخذ منه(٣) جواب المفتي بنعم مع قيد في الجواب بنعم
الحكم إذا كان.
السابع عشر: يؤخذ منه أيضاً أن المرأة يجب عليها الغسل وجوب الغسل
على المرأة
بخروج المني
بخروج المني سواء النوم واليقظة، كما يجب على الرجل بخروجه،
(١) في الأصل (غير)، والتصحيح من ن ب.
(٢) في ن ب ساقطة.
(٣) في ن ب زيادة (أيضاً).
٧٣

وهو إجماع، ويجب عليها بأمور أخرى، محل الخوض فيها كتب
الفروع.
الثامن عشر: يؤخذ منه (١) جواز استفتاء المرأة بنفسها.
التاسع عشر: يؤخذ منه أيضاً استحباب حكاية الحال في
الوقائع الشرعية مع الحكم.
استفتاء المرأة
بنفهـــا
(١) في ن ب زيادة (أيضاً).
٧٤

الحديث السادس
٦/٦/٣٧ - عن عائشة رضي الله عنها [قالت](١): ((كنت
أغسل الجنابة من ثوب رسول الله وَّة فيخرج إلى الصلاة، وإن بقع
الماء في ثوبه))(٢).
وفي لفظ لمسلم: ((لقد كنت أفركه من ثوب رسول الله وَلـ
فركاً فيصلي فيه))(٣).
الكلام عليه من وجوه :
(١) في ن ب (قال).
(٢) البخاري رقم (٢٢٩، ٢٣٠، ٢٣١، ٢٣٢)، ومسلم (٢٨٩) في الطهارة،
باب: في حكم المني، والترمذي (١١٧)، وأبو داود، عون المعبود
(٣٦٩)، وابن حبان (١٣٧٨)، وابن ماجه (٥٣٦) . .
(٣) رواه مسلم برقم (٢٢٩)، وأبو داود، عون المعبود رقم (٣٦٨)،
والترمذي (١١٦)، وأبو عوانة (٢٠٤/١، ٢٠٦)، والنسائي (١ /١٥٦)،
وابن ماجه (٥٣٧، ٥٣٩)، والطحاوي (٢٩/١)، الطيالسى (١٤٠١)،
وأحمد (٣٥/٦، ٤٣، ٦٧، ٩٧، ١٠١، ١٢٥، ١٣٢، ١٣٥، ١٩٣،
٢١٣، ٢٣٩، ٢٥٥، ٢٦٣، ٢٨٠)، ابن خزيمة (١٤٧/١)، وابن حبان
(١٣٧٦/٢).
٧٥

أحدها: في التعريف براويه، وقد سبق بيانه في الطهارة.
ثانيها: في ألفاظه:
الجنابة : تقدم بيانها أيضاً، وتسمية الجنابة باسم المني من باب
تسمية الشيء باسم سببه، فإن خروج المني ووجوده سبب لاجتناب
الصلاة - وما في معناها - وبعده عنها.
والفرك: بفتح الفاء: الدلك، وبكسرها: البغض(١).
ثالثها: في أحكامه: وفيه مسائل / : أهمها ما يتعلق بنجاسة
المني وطهارته.
:
[١/١٠٨/ ١]
[٨٦ / ب/ أ]
وقد اختلف العلماء في طهارة مني الآدمي ونجاسته على ستة
أقوال:
أقوال العلماء
في طهارة
المني ونجاسته
مع الاستدلال
أحدها: نجاسته، وبه قال مالك وأبو حنيفة، إلاَّ أن أبا حنيفة
قال: یکفي في تطهيره فرکه إذا کان یابساً، وهو رواية عن أحمد،
وحكاه صاحب التتمة قولاً للشافعي، وأطلق ابن العربي في شرح
الترمذي عن أبي حنيفة أنه يكفي الفرك ولم يخصه باليابس.
قلت: والقائل بنجاسته اختلف قوله: هل هو نجس أصالة أو
لمروره على مسلك البول؟ وقال مالك: لا بد من غسله رطباً ويابساً.
ثانيها: أنه نجس ولا تعاد الصلاة منه، قاله الليث.
(١) قال في لسان العرب (٢٥٠/١٠): الفِرْكُ بالكسر: البغضة عامة، وقيل:
الفِرك: بغضة الرجل لامرأته أو بغضة امرأته له، وهو أشهر، وقد جاء في.
الحديث: ((لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خُلُقاً رضي منها آخر» أو
قال غيره.
٧٦

ثالثها: لا تعاد الصلاة منه في الثوب بخلاف الجسد، قاله
الحسن بن صالح.
رابعها: طهارته، وإليه ذهب الأكثرون وهو أصح القولين
عندنا، وأصح الروايتين [عن] (١) أحمد، وقد غلط من زعم أن
الشافعي تفرد به وهو مروي عن علي وسعد بن أبي وقاص وابن عمر
وعائشة، وبه قال داود أيضاً.
خامسها: طهارته من الرجل ونجاسته من المرأة، وهو قول
[للشافعي](٢) لكنه شاذ، قال بعض العلماء: وينبغي أن يخص
الخلاف فيها بالتي لم تحض، فأما من تقدم لها حيض أو نفاس
فينبغي القطع بنجاسته فيها؛ لأن باطن الفرج قد تنجس بالدم فإذا
جرى فيه المني تنجس به، وهذا البناء مشكل ويلزم طرده في مني
الرجل، لكن أجاب الغزالي عنه بأن رطوبة الذكر لا تكاد تنفصل
بخلاف رطوبة فرجها .
سادسها: أن مني الخصي نجس؛ لأنه ينجس بملاقاة منفذ
البول [لأنه](٣) نجس بالأصالة، حكاه الجيلي من الشافعية عن كتاب
الخصال للخفاف ورأيته فيه، وهذا لفظه: كل مني نجس إلاَّ مني
الفحل دون [الخصي](٤). وحكاه صاحب الاستقصاء أيضاً.
نجاسة مني
الخصي
والتعليل المذكور موجود في مني الفحل؛ لأن مجراه غير
(١) في ن ب (عند).
(٢) في ن ب (الشافعي).
(٣) في ن ب (لا أنه).
(٤) في الأصل ون ب (الخادم)، وما كتب يدل عليه حيث ذكر (الخصي) مصحح . =
٧٧

مجرى البول كما ستعلمه ويلتقيان في رأس الذكر، احتج لمن قال
بنجاسته وهو القياس بالرواية الأولى السالفة في حديث عائشة
المذكور وبالقياس على البول والحيض؛ ولأنه يخرج من مخرج
البول، ولأن المذي جزء من المني؛ لأن الشهوة تجلب كل واحد
منهما فاشتركا في النجاسة، والاكتفاء بالفرك لا يدل على الطهارة
بدليل الاكتفاء في النعل بالدلك بالأرض ولا يدل على طهارة الأذى
المتعلق به، واحتج الجمهور: بالرواية الثانية في فركه، ولو كان
نجساً لم يكف [فركه](١) کالدم والمذي وغيرهما .
وفي صحيح ابن خزيمة (٢) وابن حبان(٣) عن عائشة أيضاً
رضي الله عنها ((أنها كانت [تحثُّ](٤) المني من ثوب رسول الله الطيار
وهو يصلي)» وظاهره أنه في الصلاة وهذا أقوى الأدلة: وإنما فركته
تنزهاً واستحباباً وكذا غسله كان للتنزيه والاستحباب، وهذا متعين
للجمع بين الأحاديث(٥) (٦).
(١) في ن ب (فركها).
(٢) ابن خزيمة (١٤٧/١)، وفي الأصل (تحك)، والتصحيح منه.
(٣) ابن حبان (٣٣٠/٢).
(٤) ابن خزيمة (١٤٧/١). وفي الأصل (تحك)، والتصحيح منه.
(٥) قال ابن حبان في صحيحه: كانت عائشة رضي الله عنها تغسل المني من
ثوب رسول الله وَ ي# إذا كان رطباً؛ لأن فيه استطابة للنفس، وتفركه إذا كان
يابساً فيصلي ول﴿ فيه. وهكذا نقول ونختار أن الرطب منه يغسل لطيب
النفس، لا أنه نجس، وأن اليابس منه يكتفى منه بالفرك اتباعاً
للسنة. اهـ. (٣٣٠/٢).
(٦) في ن زيادة (واو).
٧٨

قال القرطبي (١): لا حجة في حديث عائشة من وجهين، ثم
أطال في ذلك بما يمكن الجواب عنه، ولا شك أن مذهبه فيه مخالفة
لظاهر الحدیث/ .
[١٠٨/أ/ ب]
فإن قلت: [في مسلم] (٢) أن عائشة قالت لرجل أصاب ثوبه
مني فغسله كله: (( [إنما كان] (٣) يجزيك أن رأيته [أن](٤) تغسل
مكانه، فإن لم تره نضحت حوله، لقد رأيتني أفركه من ثوب
رسول الله ◌َي* فركاً فيصلي فيه))(٥)، وظاهر هذا وجوب الغسل عند
الرؤية .
فالجواب: أنه محمول على الاستحباب؛ لأنها احتجت عليه
بالفرك فلو وجب الغسل لكان كلامها حجة عليها لا لها، وإنما أرادت
الإنكار عليه في غسل كل الثوب، فقالت: غسل كل الثوب بدعة منكرة
وإنما يجزئك في تحصيل الأفضل والأكمل كذا وكذا. وادَّعى ابن
العربي(٦) أن قوله: ((فيصلي فيه)) هو من [رواية علقمة](٧) والأسود
متكلم فيه وغمزه الدار قطني وغيره، وهذا ليس بجيد منه.
(١) المفهم (٦٤٦/٢).
(٢) في ن ب ساقطة.
(٣) في الأصل (إنه كان)، والتصحيح من صحيح مسلم (٢٨٨) ون ب.
(٤)
في ن ب ساقطة.
(٥) مسلم رقم (٢٨٨).
(٦) عارضة الأحوذي (١ / ١٨٠).
(٧) في الأصل (عائشة)، والتصحيح من ن ب والعارضة والإلزامات والتتبع
للدار قطني (٥٥٨).
٧٩

وأما القياس على الدم والبول/ :
[٨٦/ ب/ب]
فجوابه: أن المني أصل الآدمي المكرم فهو بالطين أشبه،
بخلافهما .
وأما قولهم: إنه يخرج من مخرج البول:
فجوابه: منع ذلك، بل مجراهما مختلف، ولهذا قال.
أصحابنا: يجب غسل المني إذا استجمر بالحجر؛ [لأنه] (١) يجتمع
هو والبول في رأس الذكر وهو نجس معفو عنه بالنسبة إلى الصلاة،
غير معفو عنه بالنسبة إلى ما لا يلاقيه من الرطوبات، [فلو] (٢) كان
يجري مجرى البول لما كان لقولهم فائدة ولقالوا بوجوب غسله
لتنجسه، وأما في إزالته بالماء فكسائر النجاسات إلاّ ما عفي عنه،
والفرد يلحق بالأعم الأغلب.
قال القاضي أبو الطيب(٣): وقد
(١) في ن ب (لا أنه).
(٢) في ن ب (ولو).
(٣) هو طاهر بن عبد الله بن طاهر القاضي أبو الطيب الطبري، توفي في
عشرين ربيع الأول سنة خمسين وأربعمائة، وكان مولده سنة ثمان وأربعين
وثلاثمائة، فكان عمره مائة سنة وسنتين. ترجمته: تاريخ بغداد
(٣٥٨/٩)، الأنساب (٢٠٧/٨)، وفيات الأعيان (٥١٢/٢، ٥١٥)،
طبقات النووي (٤٩١).
فائدة: قال ابن الصلاح في طبقات الشافعية (٤٩١) إذا ذَكَرَ الشيخ
أبو إسحاق وشبهه من العراقيين القاضي مطلقاً في فن الفقه فهو أبو الطيب
الطبري، وكثيراً ما يقع ذلك في ((تعليق)) أبي إسحاق، وإذا جرى ذلك =
٨٠