النص المفهرس

صفحات 541-560

أحاديث وآثار في ذلك، وقوله تعالى: ﴿ وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلََّ مَا
سَعَى ◌َ﴾(١)! إما منسوخة بقوله تعالى: ﴿أَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّنَهُمْ﴾(٢) أو أن
اللام في الإِنسان بمعنى ((على)) أو غير ذلك من أقوال المفسرين
فيها. والمشهور من مذهبنا عدم وصول ثواب القراءة إليه كما بسطته
في شرح المنهاج، والمختار الوصول.
وقيل: إن قرىء عند القبر وصل وإلاَّ فلا.
وكذا حكى الخلاف الفاكهي المالكي في شرح الرسالة قال:
وذهب بعض الشافعية - وأظنه الإِمام أبا المعالي - إلى أن القارىء
إن نوى في أول قراءته [أن يكون ](٣) ثواب ما يقرأه لفلان الميت،
كان ذلك له وإلاَّ فلا [إذ ليس له](٤) أن ينقل ثوابه لغيره.
الحادي والعشرون: ذكر البخاري في صحيحه أن بريدة بن / [١/٧٢/ ١]
(ص ٣٠٦ / ٣٢٤/ م ٢٤).
قال شيخ الإسلام رحمنا الله وإياه في الفتاوى (٣١٢/٢٤): أما الآية
فللناس فيها أجوبة متعددة منها: إنها تختص بشرع من قبلنا، قيل: إنها
مخصوصة، وقيل: إنها منسوخة. وقيل إنها تنال السعي مباشرة وسبباً
والإِيمان من سعيه الذي تسبب فيه. أي إيمان ذريته، ولا يحتاج إلى شيء
من ذلك؛ بل ظاهر الآية حق فإنه قال: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلَإِسَنِ إِلََّ مَا سَعَى
ولا تخالف بقية النصوص.
(١) سورة النجم: آية ٣٩.
(٢) سورة الطور: آية ٢١.، وفي الأصل (وأتبعناهم ذرياتهم).
(٣) زيادة من ن ب.
(٤) في ن ب (فليس له).
٥٤١

الحصيب الصحابي رضي الله عنه أوصى أن يجعل في قبره
جريدتان، ففيه أنه رضي الله عنه(١) تبرك بفعل مثل (٢) فعل
رسول الله
قال القاضي: وقد عمل الناس في بعض الآفاق تبسيط الخوص
على القبر، لعلهم فعلوه اقتداء بهذا الحديث.
(١) وصية بريدة ثابتة عنه، قال ابن سعد في الطبقات: أخبرنا عفان ثنا
حماد بن سلمة قال: أخبرنا عاصم الأحول، قال: قال مورق: أوصى
بريدة أن توضع ((في قبره)) جريدتان فكان أن مات في أدنى خراسان فلم
توجد إلاَّ في جوالق حمار، وعلقه البخاري في صحيحه مجزوماً،
(٢٢٢/٣) فتح الباري. قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: كأن بريدة حمل
الحديث على عمومه ولم يره خاصاً بذينك الرجلين. قال ابن رشد:
ويظهر من تصرف البخاري أن ذلك خاصٍّ بهما، فلذلك عقّبه بقول ابن
عمر: إنما يظله عمله. قال الألباني في كتاب الجنائز (٢٠٣): ولا شك
أن ما ذهب إليه البخاري هو الصواب لما سبق بيانه، ورأي بريدة لا حجة
فيه؛ لأنه رأي، والحديث لا يدل عليه حتى لو كان عاماً، فإن النبي وَلافر
لم يضع الجريدة في القبر، بل عليه كما سبق ((وخير الهدي هدي
محمد». اهـ.
إرشيد
قال ابن باز حفظه الله في تعليقه على الفتح (١/ ٣٢٠): الصواب في هذه
المسألة ما قاله الخطابي من استنكار الجريد ونحوه على القبور؛ لأن
الرسول # لم يفعله إلاّ في قبور مخصوصة اطلع على تعذيب أهلها، ولو
كان مشروعاً لفعله في كل القبور، وكبار الصحابة كالخلفاء لم يفعلوه،
وهم أعلم بالسنة من بريدة، رضي الله عن الجميع، فتنبه .
(٢) في ن ب زيادة (ما).
٥٤٢

وأما الخطابي(١): فإنه أنكر ما يفعله العوام في كثير من الإنكار على
البلدان [من] (٢) فرش الخوص في القبور متعلقين بهذا الحديث / ،
من غرس
جریداً على قبر
وليس لما تعاطوه من ذلك وجه، قال: والذي وقع في هذا الحديث [٥٧/ب/١]
إنما كان من ناحية التبرك بأثره ودعائه بالتخفيف عنهما وليس ذلك
من [أجل](٣) أن في الجريد الرطب معنى ليس في اليابس.
وكذا قال الطرطوشي(٤) في سراج الملوك: لما ذكر هذا
الحديث، قال عقبه: وذلك لبركة يده، وكذا قال في [كتابه](٥)
(تحريم النميمة))، والقاضي عياض لما نقل كلام الخطابي وفعل بريدة
قال: جعل الجريدة والخوص اليوم استناناً بهذا الحديث لا يصح؛
لأنه عليه السلام علّل غرزها على القبر بعلة معينة لا يُطلع عليها
[وهي](٦) قوله: ((إنهما ليعذبان)) [وعلم](٧) عليه السلام إنهما
ليعذبان فلذلك فعل ما فعل، ولا نفعله نحن الآن؛ لأنا لا نعلم هل
الميت يعذب أو هو ممن غفر له، كما قلناه في حديث المحرم:
(١) معالم السنن (٢٧/١).
(٢) في ن ج (في).
(٣) في ن ب ساقطة.
(٤) هو الإمام أبو بكر محمد بن الوليد بن خلف بن سليمان بن أيوب
المعروف بابن أبي رفدقة، توفي رحمه الله ليلة السبت لأربع بقين من
جمادى الأولى سنة (٥٢٠) بالإسكندرية. سير أعلام النبلاء (١٩ / ٤٩٠).
(٥) في ن ب (كتاب).
(٦) في ن ب (وقو).
(٧) في ن ب (فعلم).
٥٤٣

((لا تمسوه طيباً لأنه يبعث يوم القيامة ملبياً»، وصوّب مقالة الخطابي
وتبعهم ابن الحاج المالكي أيضاً فقال: ذلك راجع إلى بركة ما وقع في
لمسه عليه الصلاة والسلام لتلك الجريدة، قال: فليحذر من غرس
شجرة أو ريحان أو [غيرهما](١) عند قبره، قال: وما نقل عن أحد
الصحابة فلم يصحبه عمل ما، فهم إذ لو فهموا ذلك لبادروا بأجمعهم
إليه ولكان يقتضي أن يكون الدفن في البساتين مستحباً .
قلت: وأما القرطبي [فذكر](٢)، وفي تذكرته (٣) عن علمائهم
أنه مستفاد من هذا - يشير إلى وضع الجريدتين - غرس الأشجار
وقراءة القرآن على [القبور](٤)، وإذا خفف عنهم بالأشجار فكيف
بقراءة الرجل المؤمن القرآن؟ قال: والعجب من الخطابي في قوله :
لا أصل له ولا وجه له، مع هذا [الحديث](٥) المتفق عليه، [ثم
رأيت](٦) [الحافظ أبو عبد الله الجوزقاني استنبط ذلك أيضاً في أثناء
كتابه في الموضوعات: في الحديث دلالة على استحباب وضع
الجريدة الرطبة على ما فعله وتعليم](٧)(٨).
(١) في ن ب (ونحو ذلك).
(٢) في ن ب ج (فنقل).
(٣) التذكرة في أحوال الموتى والآخرة (٦٧).
(٤) في الأصل (القبول)، والتصحيح من ن ب ج والتذكرة.
(٥) زيادة من ن ب چ.
(٦) زيادة من ن ب ج.
(٧) زيادة من ن ج.
(٨) الأباطيل والمناكير (٣٦١/١). وانظر: التعليق (٣٤٨/٤) (٣٥٢/١).
٥٤٤

الثاني والعشرون: قوله عليه السلام: ((لعله يخفف عنهما ما لم لغات العل))
بيبسا)). ((لعل)) حرف لتوقع مرجوٍ أو مخوف، وفيها لغات: عن،
وعلّ، وعنَّ، وأنَّ، ولأنَّ.
و (بيبسا) مفتوح الباء ويجوز كسرها لغتان، وقد حصل
ما ترجاه في الحال ◌َله، فذكر ابن الجوزي: أن الغصنين أورقا من
ساعتهما ففرح النبي بَ ﴿ وقال: رفع عنهما العذاب بشفاعتي.
الثالث والعشرون: يؤخذ من الحديث تحريم النميمة، إذ هي تحريم النميمة
القاطعة بين المتواصلين والمباعدة بين المتقاربين وأنها سبب
العذاب، وهو محمول على النميمة المحرمة كما سلف، وأنها من
الكبائر لا سيما إذا تعددت كما يشعر به لفظ (كان)، وقال
بعضهم: ليست من الكبائر فيكون العذاب عليها تنبيهاً على
التعذيب بالكبائر وأولى تحذيراً من الذنوب مطلقاً، وقد أسلفنا
ذلك .
فائدة: قال بعض العلماء: يُفسدُ النمام في ساعة ما لا يفسد إفساد النعام
الساحر في شهر، ولترغيب الشارع في الإصلاح بين الناس أباح
الكذب فيه، ولزجره [على](١) الإِفساد حرم الصدق فيه.
فائدة ثانية: قال العلماء: لا يكون الشخص نمّاماً إلَّ وفي نسبه في نسب النمام
شيء، فإن من جملة أوصافه في الآية ((زنيم))(٢) وهو الدعي الذي
شيء
لا يعرف من أبوه على أحد القولين، قال أبو موسى الأشعري:
(١) في ن ب چ.(عن).
(٢) انظر: إتحاف السادة المتقين (٣٤٢/٩، ٣٤٣).
٥٤٥

[٧٢/ أ/ ب] ((لا يسعى على الناس / إلاَّ [ولد](١) بغي))(٢). وسعى رجل إلى
بلال بن أبي بردة برجل، وكان أمير البصرة فقال له: انصرف حتى:
أكشف عنك، فكشف عنه فإذا هو لغير رشده، يعني - ولد
زنا(٣) _.
التنزه عن
النجاسة
الرابع والعشرون: يؤخذ منه أيضاً التنزه عن النجاسات كما
سلف فيجب إزالتها؛ لوقوع التعذيب بسبب تركها، وهي حجة على
من جعلها سنة إلاَّ إنْ تأوله بأنه ترك التنزه عمداً أو استخفافاً وتهاوناً،
وقد قال ابن القصار المالكي: إن متعمد ترك [التنزه] (٤) بغير عذر
ولا تأويل مذموم.
(١) في ن ب (وقد).
(٢) قال العراقي: رواه الحاكم من حديث أبي موسى ولفظه: ((من سعى.
بالناس فهو لغير رشده)». أخرجه الحاكم في مستدركه (٤/ ١٠٣)، قال
الذهبي: ما صححه ولم يصح قلت - أي العراقي - فيه سهل بن عطية.
قال ابن طاهر في تذكرته (٣٩٦) ح (١٠٢٠) منكر الرواية، والحديث
لا أصل له. ورواه الطبراني بلفظ «لا يسعى على الناس إلاَّ ولد بغي)) وإلاً
من فیه عرق منه .
وزاد بين سهل وبين بلال بن أبي بردة أبا الوليد القرشي. قال الهيثمي في
مجمع الزوائد (٢٣٦/٥) (٢٦٠/٦): أبو الوليد القرشي مجهول، وبقية
رجاله ثقات. قال العراقي: ورواه ابن عساكر والديلمي بلفظ «إلاَّ ولد
زنا». اهـ. من إتحاف السادة المتقين (٣٥٣/٩).
(٣) انظر هذا: في سبب ذكر الحديث الذي قبله في المستدرك (١٠٣/٤)،:
ومجمع الزوائد (٢٣٦/٥) (٢٦٠/٦).
(٤) في ن ب ج (السنن).
٥٤٦

الخامس والعشرون: يؤخذ منه أيضاً وجوب ستر العورة كما وجوب ستر
المـورة
سلف .
السادس والعشرون: يؤخذ منه أيضاً جواز ذكر / الموتى إذا ذكر المونى
كان في ذكرهم بالمعاصي مصلحة وأنه ليس غيبة وجواز تعيينهم
بالمعصية
للمصلحة
[٥٧/ب/ب]
بالذكر، وأن هذا الحديث مخصص لعموم الحديث الآخر: «اذكروا
محاسن موتاكم، وكفوا عن مساويهم))(١)، وقد تقدم استبعاد كونهما
کافرین أو منافقين(٢).
السابع والعشرون: من تراجم البخاري على هذا الحديث: من من الكبائر
الكبائر أن لا يستتر من بوله(٣) ((وما جاء في غسل البول)) (٤).
عدم الاستار
من البول
الثامن والعشرون: ادعى بعض الأئمة في قوله: ((ما لم يببسا)) شروط
ثقافته
أن شفاعته عليه السلام المؤيدة إنما تحصل بشرطين:
(١) أخرجه أبو داود (٤٩٠٠) في الآداب، باب: في النهي عن سب الموتى،
والترمذي رقم (١٠١٩) في الجنائز، باب: ما جاء في قتلى أحد وذكر
حمزة، والحاكم (٣٨٥/١) قال الترمذي: حديث غريب، وسمعت
محمداً (يعني البخاري) يقول: عمران بن أنس المكي (أحد رواته) منكر
الحدیث .
(٢) حقق ابن حجر في فتح الباري أن المقبورين كانا مسلمين وإنهما دفنا
بالبقيع ولم يحضرهما النبي وَل لقوله ◌َّطاهر: ((من دفنتم اليوم ههنا)) ولم
يعلم اسمهما ولا اسم أحدهما، والظاهر أن ذلك كان على عمد من الرواة
لقصد التستر عليهما، وهو عمل مستحسن، وينبغي لكل مسلم أن لا يبالغ
في الفحص عن تسمية من وقع في حقه ما يذم به، والله أعلم.
(٣) البخاري مع الفتح (٣١٧/١).
(٤) البخاري مع الفتح (٣٢١/١).
٥٤٧

أحدهما: طلب الاستشفاع من المشفوع له.
ثانيهما: الاستئذان من المشفوع عنده فيها، فإن فقدا كانت
مؤقتة كما في هذا الحديث لقوله: ((ما لم ييبسا».
التاسع والعشرون: استنبط منه الحافظ أبو عبد الله الجوزقاني
إباحة المشي بين المقابر، ذكره في أثناء الكتاب السالف قريباً.
المشي ين
المقايـ
قال: وفيه [دليل](١) على أن الله قد يعذب على غير الكبائر،
والله أعلم، إذ قال: ((وما يعذبان في كبير))، وهذا فيه تأويلات
أسلفناها فراجعها.
(١). في ن ب ساقطة، ومثبتة في الأباطيل والمناكير (٣٦١/١).
٥٤٨

٣ - باب السواك
قال أهل اللغة: السِّواك بكسر السين يطلق على الفعل تعريف السواك
وعلى العود الذي يتسوك به، وهو مذكر، وقيل: يؤنث أيضاً،
حكاه الليث [وغلطه](١) الأزهري، وذكر صاحب المحكم تأنيثه
أيضاً.
ويقال: ساك فاه يسوكه سوكاً، فإن قلت: استاك أو يسوك لم
تذكر الفم، ومثل استاك: استن وشاص فاه، كما ستعلمه في
الباب .
وجمع السواك: سُؤٌُ بضمتين [](٢) ككتاب وكتب ونظائره،
وهو القياس في كل واو مضمومة ضمة لازمة نحو وقيت وأقيت،
وسماع في المفتوحة اتفاقاً، قالوا: ولم يجىء من ذلك إلاَّ كلمتان:
أحد في واحد، وأناة في وناة وهي المرأة البطيئة القيام، وهل ذلك
في [المكسورة](٣) سماع أو قياس؟ خلاف.
(١) في ن ب (غلط). انظر: تهذيب اللغة (٣١٦/١٠).
(٢) في ن ب زيادة (الثانية مهموزة) انظر: مختار الصحاح (١٣٩).
(٣) في ن ب (الملواة).
٥٤٩

[ثم قيل](١): إن السواك مأخوذ من ساك إذا ذلك.
وقيل: مِنْ جاءت الإِبل تتساوك أي تتمايل هزالاً .
وهو في الاصطلاح: استعمال عود أو نحوه في الأسنان
ليذهب الصفرة وغيرها عنها، وذكر المصنف في الباب أربعة
أحادیث:
٠
(١) زيادة من ن ب ج.
٥٥٠

الحدیث الأول
٣/١/٢٠ - عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله وَ له
قال: ((لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة))(١).
الكلام عليه من ثلاثة عشر وجهاً:
الأول: ((لولا)) حرف يدل على انتفاء الشيء لوجود غيره، أو تعريف الولا))
امتناع الشيء لوجود غيره؛ لأنها نفت وجوب السواك لأجل المشقة،
أو منعت ذلك [لذلك](٢) ولا يليها إلاَّ الأسماء، تقول: لولا زيد/ [١/١/٧٣]
لأكرمتك [أي امتنع إكرامي](٣) إِيَّاك لوجود زيد، وتستعمل لولا أيضاً
حرف تحضيض بمعنى هلّ، فلا يليها إلَّ الأفعال نحو لولا صلّيت،
(١) رواه البخاري برقم (٨٨٧، ٧٢٤)، في الجمعة، باب: السواك يوم
الجمعة، ومسلم برقم (٢٥٢) في الطهارة، باب: السواك، ورواه مالك في
الموطأ (٦٦/١)، وأبو داود برقم (٤٦)، والترمذي برقم (٢٢)، والدارمي
(١٧٤/١) في الصلاة، والنسائي (١٢/١) في الطهارة. وفي الكبرى
(٦٤/١) (١٩٦/٢) ابن أبي شيبة (١٦٨/١) من رواية زيدبن خالد
الجهنی، ومن رواية عبد الله بن الزبير.
(٢) زيادة من ن ب ج.
(٣) زيادة من ن ب ج.
٥٥١

لولا تصدّقت. ومنه قوله تعالى: ﴿لَّوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمِ بِسُلْطَانِ
بَيْنٍ﴾(١)، ﴿لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا تَقُولُ﴾(٢)، وأشباه ذلك من الآي وهذه لا
يليها إلاَّ الأفعال عكس الأولى.
الثاني: ((عِند)) بكسر العين على أصح اللغات وأشهرها،
ويجوز ضمها وفتحها، حکاهما الجوهري(٣).
لغات عند
ومعناها
ومعناها: حضور الشيء ودنوه، وهي ظرف [زمان ومكان](٤)
ولا يدخل عليها من حروف الجر إلاّ من.
الأمر للوجوب
الثالث: استدلَّ بهذا الحديث بعض الأصوليين على أن الأمر.
للوجوب، وهو قول الأكثرين من الفقهاء والمتكلمين، [ووجه](٥) ما
ذكرنا من دلالة لولا ومعناها فيدل على انتفاء الأمر لوجود المشقة
[والمنتفي لأجل المشقة] (٦) إنما هو الوجوب لا الاستحباب؛ لأنه
ثابت عند كل صلاة فاقتضى أن الأمر للوجوب، ولولا أن الأمر
للوجوب لم يكن لقوله عليه الصلاة والسلام معنى؛ لأنه إذا أمر به
[٥٨/ب/أ] ولم يجب كيف يشق عليهم؟ فثبت أنه/ للوجوب ما لم يقم دليل
على خلافه، وهذا الاستدلال يحتاج [إلى](٧) تمامه، إلى دليل على
(١) سورة الكهف: آية ١٥.
(٢) سورة المجادلة: آية ٨.
(٣) انظر: مختار الصحاح (١٩٤).
(٤) بين النُّسَخ تقديم وتأخير.
(٥) في ن ب (وجهه).
(٦) في ن ب ساقطة ..
(٧) في ن ب (في).
٥٥٢

أن السواك كان مسنوناً حالة قوله عليه السلام ذلك.
نعم مذهب جميع العلماء استحبابه .
قال الشافعي رضي الله عنه: لو كان واجباً لأمرهم به شق أو لم
[يشق](١).
حكى الشيخ أبو حامد والماوردي عن داود الوجوب، لكن قال
صاحب الحاوي (٢) عنه: إن تركه لا يبطل الصلاة.
وحكي عن إسحاق بن راهويه أنه واجب، وإن تركه [عمداً
أبطلها](٣)، وأنكر أصحابنا المتأخرون عليهما هذا النقل عن داود،
فإن [المنقول](٤) عنه أنه سنة، نعم نقله عنه القاضي عياض تمسكاً
بظاهر الأخبار لقوله ((استاكوا)»: أو ((عليكم بالسواك)»(٥)، وهذا
الحديث يبين المراد بتلك الظواهر، ثم على تقدير صحته عنه لم يكن
خارقاً للإجماع على المختار الذي عليه المحققون والأكثرون، نعم
ابن حزم الظاهري(٢) قال: إنه سنة إلاّ يوم الجمعة فإنه فرض لازم،
وأما إسحاق: فلم يصح هذا النقل عنه.
(١) زيادة في ن ب ج.
(٢) (٨٣/١) في الحاوي الكبير.
(٣) في ن ب ج (عمد يبطلها).
(٤) في ن ج (المأثور).
(٥) الموطأ لمالك (٦٥/١) مرسلاً، ووصله ابن ماجه في كتاب إقام الصلاة،
باب: ما جاء في الزينة يوم الجمعة، وذكره ابن أبي حاتم في العلل من
حديث أبي أيوب بلفظ: ((عليكم بالسواك))، وأعله أبو زرعة بالإِرسال.
(٦) المحلى (٨/٢، ٢١٨) (٧٥/٥).
٥٥٣

ووقع في الانتصار لابن أبي عصرون(١) حكاية وجه: يوافق
إسحاق أن السواك شرط في صحة الصلاة، وغلطه ابن أبي الدم(٢)
في حكايته، وفي بعض نسخ الحلية للشاشي أن أبا إسحاق قال
بذلك، ولعله تصحف بإسحاق بن راهويه.
الرابع: فيه دلالة أيضاً لمسألة ثانية أصولية: وهي أن المندوب
لیس مأموراً به، وفيه خلاف لهم.
المندوب ليس
مأموراً به
قال القرطبي(٣): والصحيح: أنه مأمورٌ به لأنه مطلوب
بالاتفاق .
جواز
الاجتهاد له
الخامس: فيه دلالة أيضاً لمسألة ثالثة أصولية: وهي جواز
الاجتهاد للنبي # فيما لم يرد فيه نص من الله تعالى، وهو مذهب
الفقهاء وأصحاب الأصول، وهو الصحيح المختار عندهم، وجه
الدلالة أنه* جعل المشقة سبباً لعدم أمره ولو كان الحكم موقوفاً
على النص لكان سبب انتفاء أمره عدم ورود النص به لا وجود
(١) هو عبد الله بن محمد بن هبة الله بن المطهر ولد في ربيع الأول سنة اثنتين
- وقيل: ثلاث ـ وتسعين وأربعمائة، توفي بدمشق في شهر رمضان سنة.
خمس وثمانين وخمسمائة، ترجمته في الأعلام (٢٦٨/٤) طبقات الشافعية
للسبتي (٤ /٢٣٧) ابن قاضي شهبة (٢٧/٢).
(٢) هو إبراهيم بن عبد الله بن عبد المنعم أبو إسحاق الهمذاني بإسكان الميم،
الحموي، ولد بحماة في جمادى الأولى سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة
توفي في حماة جمادى الآخرة سنة اثنتين وأربعين وستمائة. طبقات
الشافعية للسبكي (٤٧/٥)، ابن قاضي شهبة (٩٩/٢).
(٣) المفهم (٢/ ٥٩٥).
٥٥٤

المشقة، وفي المسألة أقوال أُخر للأصوليين:
أحدها: المنع، وهو قول أبي علي الجبائي وابنه.
وثانيها: أن له أن يجتهد في الحروب والآراء دون الأحكام.
وثالثها: التوقف في هذه الثلاثة، ونقله في المحصول(١) عن
أكثر المحققين، وإذا قلنا بالجواز فالمختار أنه وقع.
وقيل: لا.
وقيل: بالوقف، ومحل الخلاف على ما قاله القرافي(٢) في
شرح المحصول في الفتاوى/، أما الأقضية فيجوز الاجتهاد فيها [٧٣/أ/ب]
بالإجماع.
السادس: فيه دلالة أيضاً لمسألة رابعة أصولية: وهي أن الأمر الأمر المطلق لا
المطلق لا يفيد التكرار وهو المختار، لأنه لو أفاده لم يكن لقوله:
يفيد التكرار
((عند كل صلاة)» فائدة، كذا استنبطه بعضهم.
وعكس غيره فقال: فيه دلالة على أن الأمر للتكرار؛ لأنه
لا مشقة في مرة واحدة، فلو لم يكن الأمر به للتكرار لما كانت
المشقة مانعة (٣) :
(١) المحصول (٩/٦).
(٢) هو شهاب الدين أبو العباس أحمد بن إدريس القرافي المتوفى سنة (٦٨٤)
واسم شرحه («نفائس الأصول في شرح المحصول)) وهو مخطوط يوجد في
دار الكتب المصرية برقم (٤٧٢) انظر الديباج (٦٢، ٦٣)، طبقات
الأصوليين (٨٦/٢).
(٣) انظر: المحصول (١٦٢/٢، ١٧٨).
٥٥٥

جواز تعليل
الحكم العدمي
بالمائع
السابع: فيه [دلالة](١) أيضاً لمسألة خامسة أصولية: وهي
جواز تعليل الحكم العدمي بالمانع، ولا يتوقف على وجود
المقتضى، ومثله قول الشاعر :
لولا المشقة ساد الناس كلهم
الجود يفقر والإعدام قتال
كذا استنبطه ابن التلمساني (٢) في شرح المعالم.
اسم لولا
الثامن: فيه دلالة أيضاً لمسألة نحوية: وهي الرد على من قال
من النحاة: إن من شرط اسم ((لولا)) أن يكون موجوداً حسّاً [لقول
عمر في علي (لولا علي لهلك عمر))، ((فعلي)) موجود حسّاً] (٣).
ووجه الرد: أن المشقة لم تقع في الوجود ولا تقع، وإنما هي
واقعة على تقدير ورود الأمر، والأمر لم يقع. فلم تقع، نبّه عليه
القرافي. وقد يقال: الإِضمار المقدر في الحديث وهو خوف المشقة
واقع وموجود في النفس، فلا ردّ إذن.
التاسع: فيه دلالة أيضاً على مسألة فقهية: وهو استحباب
السواك عند كل صلاة سواء كانت فريضة عيناً أو كفاية أو نافلة
استجبـاب
السواك عند
كل صلاة
(١) في ن ب (مسألة)، انظر الأحكام للأمديّ (٢٠٦/٣)، وابن الحاجب في
شرح المختصر (٢١٤/٢)، والمحصول (٤٠٠/٥، ٤٠٥).
(٢) هو عبد الله بن محمد بن علي شرف الدين أبو محمد الفهري المصري،
توفي في صفر سنة ثمان وخمسين وستمائة، طبقات الأسنوي (١١٢)
طبقات السبكي (٦٠/٥) ابن قاضي شهبة (١٠٧/٢).
(٣) في ن ب ساقطة .
٥٥٦

[بوضوء](١)، أو تيمم، حتى في حق فاقد الطهورين، فإن ما يأتي به
صلاة على الأصح.
وقيل: لا بل يشبهها، والسر في ذلك/ أنا مأمورون في كل [٥٨/ب/ ب]
حالة من أحوال التقرب إلى الله تعالى أن يكون على [](٢) حال
كمال ونظافة شرفاً للعبادة، وأيضاً فالعبد ((إذا تسوك ثم قام يصلي قام
المَلَك خلفه يسمع القرآن فلا يزال عجبه [بالقرآن يدنيه] (٣) حتى يضع
فاه على فيه فما يخرج من فيه شيء من القرآن إلاّ صار في جوف ذلك
الملك)» كما رواه البزار [وأبو نعيم من حديث علي مرفوعاً، قال
البزار](٤): وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن علي بأحسن من هذا
الإِسناد، وروي عنه موقوفاً عليه أيضاً(٥).
(١) في ن ب (الوضوء).
(٢) في الأصل ون ج زيادة (كل) وساقطة من ن ب.
(٣) في ن ب زيادة (يدنيه في القرآن)، و (حتى) ساقطة من الأصل.
(٤) زيادة من ن ب چ.
(٥) مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه (٤٣/١) الإسناد: حدثنا محمد بن
عبد العزيز حدَّثنا مسلم بن إبراهيم حدَّثنا بحر بن كنيز عن عثمان بن
ساح/ عن سعيد بن جبير عن علي بن أبي طالب قال: إن أفواهكم
طرق للقرآن فطيبوها بالسواك. هذا إسناد ضعيف لانقطاعه بين سعيد
وعلي لضعف بحر راويه. ورواه البزار (٢١٤/٢) بسند جيد لا بأس به
مرفوعاً ولعل من وثقه أشبه. ورواه البيهقي في الكبرى من طريق
عبد الرحمن السلمي عن علي موقوفاً. السنن الكبرى للبيهقي
(٣٨/١)، وابن ماجه (٢٩١)، وانظر تمام تخريجه في البدر المنير
(٢٠٠/٣).
٥٥٧

قلت: ورجال المرفوع رجال الصحيح، فسن السواك لأن
الملائكة تتأذى من الرائحة الكريهة .
السواك للصائم
بعد الزوال
العاشر: فيه دلالة أيضاً بعمومه على مسألة أخرى فقهية وهي
استحبابه للصلاة الواقعة بعد الزوال، ولذا ترجم عليه النسائي فقال:
السواك للصائم [بالغداة والعشي](١)، وهو قول الشافعي حكاه
الترمذي في بعض نسخه عنه أنه لم [ير](٢) بأساً بالسواك أول النهار
وآخره.
قال النووي في شرح(٣) المهذب: وهو نقل غريب عنه وإن
كان [قوياً] (٤) من جهة الدليل، وبه قال المزني ومالك وأكثر العلماء
وهو المختار.
قلت: لا غرابة فيه فقد نص عليه الشافعي في البويطي أيضاً،
فقال في كتاب الصيام، ومنه نقلت: لا بأس بالسواك للصائم في
الليل والنهار، نعم نصه في المختصر على الكراهة بعد الزوال وعليه
جمهور أصحابه لقوله عليه السلام(٥): ((لخلوف فم الصائم أطيب
عند الله من ريح المسك))(٦). متفق عليه من حديث أبي هريرة. وأما
(١) في ن ب بياض، وفي السنن (١٢/١): الرخصة في السواك بالعشي
للصائم.
(٢) زيادة من ن ب ج.
(٣) المجموع (٢٧٦/١).
(٤) في ن ب (قليلاً).
(٥) في ن ب (عليه الصلاة والسلام).
(٦) البخاري ومسلم.
٥٥٨

الشيخ عز الدين فإنه مال إلى استحبابه فقال: لا يلزم من الثناء عليه
أفضلية غيره بدليل ركعتي الفجر مع الوتر، قال: وثبت أن الصلاة
بسواك تفضل على صلاة بغير سواك سبعين ضعفاً (١).
قلت: وهو كما قال، وإن اعترضوا على الحاكم في تصحيحه/ [٧٤ /١/١]
فقد ذكرته من طريق صحيحة في (تحفة المحتاج إلى أدلة المنهاج).
وثبت أن في الخلوف أجر مقدر، فيجوز أن يقدر ما زاد على الفضل
بسبب السواك أو فوقه أو دونه، فلا يترك الفضل المحقق لأمر يحتمل
أن یکون أنقص منه.
قلت: ويُسئل عن الحكمة في تحريم إزالة دم الشهيد مع أن
رائحته مساوية لرائحة المسك، وعدم تحريم إزالة الخلوف مع كونه
أطيب من ريح المسك.
الحادي عشر: فيه أيضاً بيان ما كان عليه الصلاة والسلام من رفقه قيه
الرفق بأمته .
(١) قال ابن خزيمة رحمه الله تعالى في صحيحه (٧١/١): قال رسول الله وَه
((فضل الصلاة التي يستاك لها على الصلاة التي لا يستاك لها سبعين ضعفاً).
قال ابن خزيمة: أنا استثنيت صحة هذا الخبر؛ لأني خائف أن يكون
محمد بن إسحاق لم يسمع من محمد بن مسلم وإنما دلسه عنه. انظر:
الفتح الرباني (٢٩٤/٤٤/١)، وانظر: تلخيص الحبير (١/ ٦٧)، وضعفه
ابن القيم في المنار المنيف وأطال عليه الكلام (ص ١٩ - ٢٠).
وانظر: البدر المنير لابن الملقن رحمنا الله وإياه: فإنه استوعب طرق هذا
الحديث بالتفصيل (١٤٩/٣، ١٦٣).
٥٥٩

السواك عند
الوضوء
الثاني عشر: فيه أيضاً دلالة على فضل السواك.
الثالث عشر: في هذا الحديث ذكر السواك ((عند كل صلاة»
وفي رواية للبخاري(١) تعليقاً: ((عند كل وضوء)) وهي في الموطأ(٢)
أيضاً.
وادَّعى بعضهم أنها من قول ابن شهاب وهو غريب.
ورجح بعض المالكية رواية «عند كل وضوء» على الأولى
تقريراً لقاعدتهم فإن السواك عندهم من فضائل الوضوء، وفيه عندهم
قبله قالوا: لأن ((عند)) ظرف مبهم يصح للقبلية والبعدية [والمعية](٣) ..
في المضمضة والسواك، في جميعها صحيح [فهي رواية](٤) مطلقة،.
بخلاف رواية ((عند كل صلاة)) لا يصح السواك فيها إلاَّ قبلها دون
المعية والبعدية فيه مقيدة مرجوحة؛ [ولأنه](٥) طهارة للفم كما أن
الوضوء طهارة للأعضاء بضم الشکل إلی شکله وفعله مع فعله أولی.
(١) الفتح (٤ /١٥٨).
(٢) الذي في الموطأ رواية يحيى بن يحيى (٦٦/١) ((مع كل وضوء»، ولم
يذكر في الاستذكار (٣٦٨/٣) سوى لفظي «مع كل وضوء))، ((مع كل
صلاة)) وهي كذلك عند ابن خزيمة (٧٣/١)، إلاّ أنه قال: هذا الخبر في
الموطأ عن أبي هريرة، «لولا أن يشق على أمته لأمرهم بالسواك عند كل.
وضوء)» وعند النسائي (١٩٦/٢، ١٩٨). انظر: تحفة المحتاج (١٧٥/١،
١٧٦).
(٣) في ن ب ساقطة.
(٤)
في ن ب (ففي الرواية).
(٥) في الأصل (ولا)، وما أثبت من ن ب.
٥٦٠