النص المفهرس

صفحات 181-200

وثالثها: يشترط المقارنة دون الاتصال.
ورابعها: يشترط الاتصال وهو أخف من المقارنة.
وكأن هذه المذاهب راجعة إلى أن النية جزء من العبادة أم
شرط لصحتها؟
مذهب الجمهور أنها جزء منها، ولأصحابنا وجه أنها شرط،
والشرط لا يجب مقارنته ولا اتصاله ولا تكراره للمشروط، بل متى
وجد ما يرفعه أو ینفیه وجب فعله.
وقال الحارث بن أسد المحاسبي(١): الراجح عند أكثر السلف
الاكتفاء بنية عامة ولا يحتاج إليها في كل جزء لما فيه من
[الحرج] (٢)، والمشقة.
الثالث: النية وسيلة للمقاصد، والأعمال قد تكون وسيلة [وقد النية وسيلة
تكون](٣) مقصودة وقد يجتمعان.
للمقاصد
الرابع: الغرض المهم من النية: تمييز العبادات عن العادات، فائدة النية
وتمييز رتب العبادات بعضها عن بعض، فمن أمثلة الأول: الوضوء
والغسل والإمساك عن المفطرات ودفع المال إلى الغير [والذبح](٤)،
ومن أمثلة الثاني: الصلاة.
(١) هو الحارث بن أسد البغدادي المحاسبي مات سنة ثلاث وأربعين ومئتين
ترجمته في سير أعلام النبلاء (١١٠/١٢).
(٢) في الأصل (الخروج)، والتصويب من ن ج.
(٣) في ن ب ساقطة، ومثبتة في الأصل وج.
(٤) زيادة من ن، ب.
١٨١

اشتراط الجزم
الخامس: قد أسلفنا أن معنى النية القصد، وذلك لا يؤثر إلاّ
إذا كان جازماً بالمقصود بصفته الخاصة وإلاَّ لم يكن قصداً، فلو كان
شاكًّا في وجود شرط ذلك الفعل أو علق النية على شرط لم يصح
المنوي، نعم لو كان جازماً بالوجوب ناسياً صفته كمن تحقق أن عليه
صوماً ولم يدر أنه من قضاء رمضان أو نذر أو كفارة فقد حكى
صاحب (البيان)(١) عن الصيمري(٢): أنه يصح إذا نوى الصوم
الواجب عليه؛ قياساً على من نسي صلاة من الخمس ولم يدر عينها
فإنه يعذر في جزم النية للضرورة، ولو علق كما إذا قال: أصوم غداً
إن شاء الله تعالى، فالأصح أنه إن قصد الشك أو التعليق لم يصح،
وإن قصد التبرك أو تعليق الحياة على مشيئة الله تعالى وتمكنه صح،
ثم في عدم الجزم / بالنية صورٌ محلُّ الخوض فيها كتب الفروع. /
[٢٢ / ج/ أ]
[١/١/٢٠]
تقدير الخبر
المحذوف
[١٥/ ب/ أ]
الحادي والعشرون: قوله عليه السلام: ((إنما الأعمال بالنيات»
وهو متعلق بالخبر المحذوف، / ولا جائز أن يقدر وجودها لوجود
العمل ولا نية، فتعين أن يقدر نفي الصحة أو نفي الكمال، وفيه.
مذهبان للأصوليين، والأظهر الأول؛ لأنه أقرب إلى حضوره بالذهن
عند الإطلاق فالحمل عليه أولى، وقد يقدرونه بالاعتبار أي اعتبار
(١) هو يحيى بن أبي الخير بن سالم بن أسعد أبو الخير العمراني اليماني ولد
سنة (٤٨٩)، وتوفي سنة (٥٥٨) صاحب (البيان) و (الزوائد) ترجمته في
طبقات ابن قاضي شهبة (٣٢٧/١)، ومرآة الجنان (٣١٨/٣).
(٢) هو عبد الواحد بن الحسين أبو القاسم الصيمري، وكانت وفاته بعد سنة
ست وثمانين وثلاثمائة تهذيب الأسماء واللغات (٢٦٥/٢)، وطبقات ابن
قاضي شهبة (١ /١٨٤).
١٨٢

الأعمال بالنيات، وقرب ذلك تمثيل قولهم: ((إنما الملك بالرجال))
أي قوامة وجوده، و ((إنما الرجال بالمال)) و((إنما الرعية بالعدل))
وكل ذلك يراد به أن قوام هذه الأشياء بهذه الأمور.
وقدَّر بعض المحدثين: القبول، وهو راجع إلى ثواب الآخرة خلاف الأئمة
في تقدير الخبر
المحذوف
وهو مرتب على الصحة والكمال، وقد تنفك الصحة عن القبول
بالنسبة إلى أحكام الدنيا فقط. وعلى تقدير إضمار الصحة أو الكمال
وقع اختلاف الفقهاء.
فذهب الشافعي ومالك وأحمد وداود وجمهور أهل الحجاز
إلى تقدير الصحة، أي: الأعمال مجزية أو معتبرة بالنيات أو إنما
صحتها أو اعتبارها بالنيات، فيكون قد حذف المضاف وأقام
المضاف إليه مقامه، فلا يصح وضوء(١) ولا غسل ولا تيمم إلَّ بنية.
وذهب أبو حنيفة ومن وافقه: إلى تقدير الكمال، أي كمال
الأعمال بالنيات، فيصح الوضوء والغسل بغير نية ولا يصح التيمم إلاّ
بنية .
وذهب طائفة ثالثة: إلى أنه يصح الكل من غير نية حكاه ابن
المنذر(٢) عن الأوزاعي وغيره(٣).
احتج الأولون بأدلة:
أحدها: هذا الحديث.
(١) في ب زيادة (ولا صلاة).
(٢) في الأوسط (١/ ٣٧٠).
(٣) في ن ب زيادة (واو).
١٨٣

ثانيها: قوله تعالى: ﴿وَمَآَ أُمِرُواْ إِلَّا لِعْبُدُواْ الَّهُ مُخْلِصِينَ لَّهُ الذِينَ﴾(١).
والإِخلاص عمل وهو النية فالأمر به يقتضي الوجوب.
ثالثها: قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ فَأَغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ﴾(٢)
أي للصلاة، وهذا معنى النية، وقاسه الشافعي رضي الله عنه على
التيمم بجامع أنها طهارة من حدث تستباح بها الصلاة.
فإن قيل: التيمم ليس طهارة.
فالجواب: أن الشرع سماه طهارة، فقال: ((وتربتها
طهوراً)(٣).
فإن قيل: التيمم فرع للوضوء فلا يجوز أن يؤخذ حكم الأصل
من الفرع.
فالجواب: أنه ليس فرعاً بل بدلاً .
فإن قيل / : إن التيمم تارة يكون بسبب الحدث وتارة بسبب
الجنابة فوجب فيه النية .
[٢٢/ج/ب]
فالجواب: أن الوضوء أيضاً تارة يكون عن نوم وتارة يكون عن
بول.
فإن قيل: الوضوء وإن اختلفت أسبابه فالواجب شيء واحد.
(١) سورة البينة: آية ٥.
(٢) سورة المائدة: آية ٦ .
(٣) سيأتي تخريجه تقريباً.
١٨٤

فالجواب: أن التيمم كذلك فإن الواجب مسح الوجه واليدين
في كل حال.
فإن قيل: التيمم بدل، وشأن البدل [أن يكون](١) [أضعف](٢)
من المبدل فافتقر إلى النية ككنايات الطلاق.
فالجواب: أن هذا ينتقض بمسح الخف فإنه بدل أيضاً ولا [بد
من مسح](٣) يفتقر إلى النية وإنما [افتقرت](٤) كنايات الطلاق إلى
النية؛ لأنها تحتمل الطلاق وغيره احتمالاً واحداً، والصريح ظاهر في
الطلاق، وأما الوضوء والتيمم فمستويان بل التيمم أظهر في إرادة
القربة؛ لأنه لا يكون عادة بخلاف صورة الوضوء، فإذا افتقر التيمم / [١/٢٠/ب]
المختص بالعبادة إلى النية، فالوضوء المشترك أولى.
فإن قيل: التيمم نُص فيه على القصد وهو النية بخلاف
الوضوء.
فالجواب: أن المراد قصد الصعيد وذلك غير النية.
فإن قيل: الماء مطهر بطبعه فاستغنى بقوته عن النية بخلاف
التيمم .
فالجواب: بالمنع؛ لأن الطهارة عبادة لا تأثير فيها للطبع.
(١) زيادة من ن ب.
(٢) في ن ب ساقطة.
(٣) زيادة من ن ب.
(٤) في الأصل (افتقر)
١٨٥

فإن قيل: الوضوء ليس عبادة.
فالجواب: أن هذا وهم، فإن العبادة: الطاعة، أو ما ورد
التعبد به قربة إلى الله تعالى، وهذا موجود في الوضوء، والشرع
سماه شطر الإِيمان، فقال: ((والطهور شطر الإيمان))(١). ومعنى كونه
شطراً أن الإِيمان مطهر الباطن وهو مطهر الظاهر، والأحاديث في
فضل الوضوء وسقوط الخطايا به كثيرة مشهورة في الصحيح، وكل
هذا مصرح بأنه عبادة.
فإن قيل: المراد بالوضوء الذي يترتب عليه هذا الفضل الوضوء
[١٥/ب/ب] الذي فيه نية ولا يلزم من ذلك أن ما لا نية فيه / ليس بوضوء.
فالجواب: أن الوضوء في هذه الأحاديث هو المراد بقوله عليه
الصلاة والسلام: ((لا يقبل الله صلاة بغير طهور))(٢).
واحتج الآخرون بالكتاب والسنة والقياس، أما الكتاب فقوله.
تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ فَأَغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ﴾ (٣) .
[٢٣ / ج/ ١)
والجواب: أن هذه حجة للأولین کما سلف. /
وجواب ثان: وهو أنها مطلقة مصرحة ببيان ما يجب غسله غير
معترضة للنية وقد ثبت وجوبها بالآية الأخرى، وبالحديث الذي نحن
فيه .
(١) مسلم (٢٢٣) في الطهارة باب: فضل الوضوء، والبغوي (٣١٩/١)،
والدارمي (١٦٧/١)، وأحمد في المسند (٣٤٢/٥، ٣٤٣).
(٢) مسلم (٢٢٤) في الطهارة باب وجوب الطهارة في الصلاة، والبغوي
(٣٢٩/١) السنن الكبرى (٢٣٠/١).
(٣) سورة المائدة: آية ٦.
١٨٦

وأما السنة: فأحاديث كثيرة في الأمر بالغسل من غير نية ولو
وجبت لذكرت.
والجواب: عن مثل هذا ما سلف في الآية، ومن تلك
الأحاديث حديث أم سلمة أنه عليه الصلاة والسلام قال لها: ((إنما
يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات من ماء ثم تفيضي عليك
الماء فإذا أنت قد طهرت))(١).
والجواب عنه: أن السؤال كان عن نقض الضفائر فقط.
وأما القياس فمن أوجه :
الأول: إزالة النجاسة.
الثاني : ستر العورة.
الثالث: غسل الكتابية عن الحيض لتحل للمسلم.
والجواب عن الأول: أنها من باب التروك ومن هنا تعلم أنه
لا يشترط النية في ترك المعاصي، نعم إن نوى بإزالتها القربة الأداء
الصلوات ونحو ذلك أثيب، وكذا إذا خطر بباله معصية فكف نفسه
عنها لله تعالى أثيب على ذلك(٢).
(١) النووي شرح مسلم (١١/٤)، والترمذي حديث رقم (١٠٥).
(٢) البخاري فتح (١٦٠/٥) في العتق.
قال ابن حجر في فتح الباري: (١٥/١): ((والتحقيق أن الترك المجرد
لا ثواب فيه، وإنما يحصل الثواب بالكف الذي هو فعل النفس، فمن لم
تخطر بباله المعصية أصلاً ليس كمن خطرت فكف نفسه عنها خوفاً من الله
تعالى، فرجع الحال أن الذي يحتاج إلى النية هو العمل بجميع وجوهه،
لا الترك المجرد، والله أعلم) - اهـ.
١٨٧
١

· ومن الفوائد الغريبة: حكاية وجه ثالث عندنا في النجاسة: أنها
إن كانت على البدن وجبت النية في إزالتها، وإن كانت على الثوب
فلا .
والجواب عن الثاني: أن المراد منها الصيانة عن العيون فليس
عبادة محضة .
وعن الثالث: أنها إنما صحت بالنسبة للزوج للضرورة، إذ لو
لم نقل به لتعذر وطئها ونكاحها، ولهذا لا تصح طهارتها في حق الله
فليس لها أن تصلي بتلك الطهارة إذا أسلمت.
فإن قلت: / الحديث المذكور عام مخصوص فإن أداء الدين
ورد الودائع والأذان والتلاوة والأذكار وهداية الطريق وإماطة الأذى:
عبادات، فتصح بلا نية فتضعف دلالته حينئذٍ وتخص عدم اعتبارها
في الوضوء أيضاً.
[٢١ /١/١]
فالجواب: أن ما عُدَّ وادُّعِي فيه الصحة بلا نية إجماعاً ممنوع
حتى يثبت الإجماع ولن يقدر عليه، ثم نقول: النية تلازم هذه
الأعمال فإن مُؤدّي الدين قصد براءة الذمة وذلك عبادة، وكذا
الوديعة والأذكار والتلاوة والأذان بصورهن عبادة، ولا ينفك
(٢٣/ج/ب] تعاطيهن / عن القصد وذلك نية، ومتى خلون عن القصد لم يعتد
بهن عبادة، والهداية والإِماطة مترددة بين القربة وغيرها وتتميز
بالقصد، [وقد قال الرافعي في ((الكفارات)): وقول الغزالي في
(الوجيز) يصح الإِعتاق والإطعام من الذمي بغير نية القرب، فأما نية
التمييز فتشبه أن يعتبر كما في قضاء الديون، وما قاله صحيح وقد
: ١٨٨

صرح به إمام الحرمين في باب صفة الوضوء في (نهايته) وكذا
محمد بن يحيى (١) في كتاب الزكاة من (تعليقته في الخلاف)
فذكر ما حاصله: أن نية التمييز في الدين ونحوه لا بد منها
بخلاف نية القرب، وذكر نحوه في كتاب الصيام فقال: النية
ضربان: تقربٌ وتمييز، أما التقرب فكما في العبادات من الصوم
والصلاة وهو إخلاص العمل لله تعالى، وأما نية التمييز فكما
في أداء الدين فإنه يحتمل التمليك هبة وقرضاً فافتقر إلى قصد
وتمييز، وصرح به الشيخ عز الدين في ((قواعده)) في النوع الخامس
والعشرين في أثناء قاعدة: في مثال متعلقات(٢) الأحكام، ومثله
أيضاً القراءة ونحوها وقد صرح به أيضاً في ((القواعد)» قبل
الموضوع المذكور بنحو ثلاث كراريس قال: ولكن لا يشترط نية
التقرب](٣).
وأما ابن دحية [فقال](٤): الحديث عام مخصوص؛ لأن
الأعمال المفتقرة إلى النية / إنما هي [المتقرب](٥) بها إلى الله [١٦/ب/١]
-
(١) محمد بن يحيى بن منصور الإِمام الشهيد أبو سعيد تلميذ الغزالي
(٤٧٦ - ٥٤٨) له تصانيف منها ((المحيط في شرح الوسيط))،
و (الإنصاف في مسائل الخلاف))، والإسنوي (٥٥٩/٢، ٥٦٠)، وابن
قاضي شهبة (٣٢٥/١)، والنجوم الزاهرة (٣٠٥/٥).
(٢) قواعد الأحكام (١٦٧).
(٣) زيادة من ن ب.
(٤) في ن ب ساقطة.
(٥) في ن ب ساقطة.
١٨٩

تعالى دون سائر الأعمال، فكأنه قال: لا عمل يتقرب [به](١) إلى الله
وينتفع به إلاَّ بنية، فالألف واللام مع ذلك لاستغراق هذا النوع من
الأعمال خاصة .
تتمات تتعلق بالنية :
وطبىء أمرأة
يظنها أجنبية
الأولى: لو وطىء امرأة يظنها أجنبية فإذا هي مباحة له
أثم، ولو اعتقدها زوجته أو أمته فلا إثم، وكذا لو شرب مباحاً
يعتقده حراماً أثم، وبالعكس لا يأثم، ومثله ما إذا قتل من يعتقده
معصوماً فبان أنه مستحق دمه، أو أتلف مالاً يظنه لغيره فكان
ملكه .
قال الشيخ عز الدين في ((قواعده))(٢): ويجري عليه حكم الفاسق
لجرأته على ربه تعالى، وأما مفاسد الآخرة فلا یعذب تعذیب زان
ولا قاتل ولا آكلٍ مالاً حراماً؛ لأن عذاب الآخرة مرتب على ترتب
المفاسد في الغالب [كما أن ثوابها مرتب على ترتب المصالح في
الغالب](٣)، ثم قال: والظاهر أنه لا يعذب تعذيب من ارتكب صغيرة
لأجل جرأته وانتهاكه الحرمة، بل عذاباً متوسطاً بين الصغيرة
والكبيرة.
الثانية: لو قال لامرأته: أنت طالق، يظنها أجنبية، طلقت
زوجته لمصادفته محله. وفي عكسه تردد لبعض العلماء مأخذه النظر
لو قال لزوجته
أنت طالق
بظنها أجنبية
(١) في ن ب ساقطة.
(٢) قواعد الأحكام (٢١، ٢٢).
(٣) في ن ب ساقطة، وأيضاً مثبت في القواعد.
١٩٠

إلى النية أو إلى فوات المحل، ولو قال لرقيق [له] (١): أنت حر،
يظنه أجنبياً، عتق، وفي عكسه التردد المذكور، وعلى هذا القياس
في مسائل الشريعة والحقيقة والمعاملات الظاهرة والباطنة.
الثالثة: ذهب بعض العلماء إلى وقوع الطلاق بالنية المجردة وقوع الطلاق
ولزوم النذر بها اعتماداً على هذا الحديث، ولا يرد على هذا
بالنية المجردة
الحديث ((إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت [به نفسها] (٢) ما لم تعمل
به))(٣)؛ لأن المعفو عنه في هذا الحديث هو الخطرات والهمم
الضعيفة، بخلاف ما عقدت عليه العزائم، وهم إنما يوقعون الطلاق
ونحوه بالنية إذا قويت وصارت / عزيمة أكيدة.
[٢٤ / ج/ ١]
الرابعة: إذا نذر اعتكاف مدة متتابعة لزمه، وأصح الوجهين إذا نذر اعتكاف
عند الشافعية أنه لا يجب التتابع بلا شرط، فعلى هذا لو نوى التتابع
مدة متابعة
بقلبه ففي لزومه وجهان: أصحهما: لا، كما لو نذر أصل الاعتكاف
بقلبه، كذا نقله الرافعي / عن تصحيح البغوي وغيره، قال [١/٢١/ب]
الروياني: وهو ظاهر نقل المزني، قال: والصحيح عندي: اللزوم؛
لأن النية إذا اقترنت باللفظ عملت، كما لو قال: أنت طالق، ونوى
ثلاثاً.
الخامسة: في اشتراط نية الخطبة وجهان للشافعية كما في نية الخطبة
الأذان، قاله الروياني في ((البحر))، وفي الرافعي في الجمعة أن
(١) زيادة من ن ب.
(٢) في ن ب (به نفوسها).
(٣) البخاري فتح (١٦٠/٥) في العتق.
١٩١

القاضي حسين حكى اشتراط نية الخطبة وفرضيتها كما في الصلاة،
ونقله في ((الشرح الصغير)) عن بعضهم.
السادسة: قال الروياني: قال القاضي أبو الطيب: قال
البويطي: قد قيل: من صرَّح بالطلاق والظهار والعتق، ولم يكن له
نية في ذلك، لم يلزمه فيما بينه وبين الله تعالى طلاق ولا ظهار ولا
عتق، ويلزمه في الحكم، وحجته هذا الحديث: و((رفع القلم عن
ثلاثة))(١) والإجماع على أن المجنون والنائم إذا تلفظا بصريح لفظ
الطلاق لا يلزمهما، وقال: قال مالك: من طلَّق أو أعتق أو ظاهر بلا
نية، يلزمه ذلك في الحكم وفيما بينه وبين الله تعالى، والحجة فيه
لمن ذهب إليه: ما ذكر الله من إتلاف المؤمن خطأ، وما أجمع عليه
العلماء أن من أتلف مال آدمي خطأ فذلك عليه وإن لم ينوٍ، وذلك
من حقوق الآدميين، وللمرأة حق في منعها نفسها، وللعبد حق في
حريته، وللمساكين حق في الظهار، ولم يتعرض البويطي لواحد
منها، فالظاهر أنه قصد تخریجه على قولین.
السابعة: في مسند أبي يعلى عنه وَالّ أنه قال: ((يقول الله
عز وجل للحفظة يوم القيامة: اكتبوا لعبدي كذا وكذا من الأجر،
معنى: هبة
المؤمن خير من
عملها
وتأويلاته
-
(١) علقه البخاري في صحيحه (٢٤٤/٩) في الطلاق، باب: الطلاق في
الإغلاق وهو حديث صحيح، وأبو داود (٤٣٩٩) في الحدود، باب في
المجنون يسرق أو يصيب حداً، والترمذي (١٤٢٣) في الحدود، باب:
ما جاء فيمن لا يجب عليه الحد، وابن ماجه (٢٠٤٢) في الطلاق،
والحاكم (٢٥٨/١)، والنسائي (١٥٦/٦)، وأحمد (١٠٠/٦، ١٠١،
١٤٤).
١٩٢

فيقولون: ربنا لم نحفظ ذلك عنه ولا هو في صحفنا فيقول: إنه نواه
إنه نواه))(١). ولهذا المعنى ونحوه ورد [الحديث](٢) الآخر: ((نية
المؤمن خير من عمله))(٣)، وللناس فيه تأويلات:
أحدها: أن نيته في الاجتهاد خير من خطئه / فيه .
[١٦/ب/ب]
ثانيها: أن النية / أوسع من العمل؛ لأنها تسبقه فيتعجل [٢٤/ج/ب]
الثواب عليه .
ثالثها : أن نیته خیر من خيرات عمله.
رابعها: أن النية المجردة عن العمل خير من العمل المجرد عن
النية .
خامسها: ما أسلفناه عن البيهقي في الوجه الثامن (٤) .
سادسها: أن معناه أن الإِنسان ينوي أن يعبد الله وإن عاش ألف
سنة وأكثر فهو يثاب على ذلك وإن لم يدركه، فهو خير من عمل
يسعه [ذلك](٥) الزمن.
(١) قال العراقي: في ((تخريج الإحياء)) (٣٦٣/٤)، ((أخرجه الدارقطني من
حديث أنس بإسناد حسن)). اهـ من حاشية ((تطهير الطوية بتحسين النية))
(٣٠) للقاري، وهو في سنن الدارقطني (٥١/١)، وجميع ألفاظ
الحديث في المراجع المذكورة متقاربة، وأيضاً في حاشية مسند الفاروق
لابن كثير (١٠٩/١).
(٢) زيادة من ن ب.
(٣) سبق تخريجه (ص ١٥٩) تعليق (١).
(٤) انظر: (ص ١٥٨).
(٥) في ن ب ساقطة.
١٩٣

سابعها: أنه ورد في رجل معين، وأنه عليه السلام قال: ((من.
حفر بئراً فله من الأجر كذا)» فهمّ رجل من المسلمين بحفرها فسبقه
يهودي إلى ذلك فقال عليه السلام: ((نية المؤمن أبلغ من عمله))، أي
من عمل اليهودي.
ثامنها: أن الأعمال المباحة إذا اقترنت بها نية جميلة بأن أكل.
ليتقوّى على الطاعة، ونكح ليستعف ونحو ذلك، كانت عبادة وقربة،
فإذا خلت منها لم تكن عبادة، وكانت النية منفكة عنها خيراً منها،
حكاه المحب الطبري في أحكامه، وقال: إنه أحسن ما قيل فيه.
تاسعها: أن ينوي أداء العبادة على الوجه الأكمل ثم لا يتأتى له
ذلك فيأتي به على وجه دون المنوي، فتكون النية خيراً من [هذا](١)
العمل.
عاشرها: أنه حديث ضعيف(٢) قاله ابن دحية، رواه يوسف بن
عطية عن ثابت عن أنس رفعه: (نية المؤمن أبلغ من عمله))، ويوسف
ليس بشيء، ورواه عثمان بن عبد الله الشامي من طريق النواس بن
[٢٢/ ١/١] سمعان، / قال ابن عدي: عثمان هذا له أحاديث موضوعة وهذا من
جملتها(٣) .
(١) في ن ب ساقطة.
(٢) انظر: (ص ١٥٩) ت (١).
(٣) سئل شيخ الإِسلام في الفتاوى (٢٤٣/٢٢) عن قوله تعالى: ((نية المرء أبلغ
من عمله)). فأجاب: (هذا الكلام قاله غير واحد وبعضهم يذكره مرفوعاً،
وبيانه من وجوه: أحدها: أن النية المجردة من العمل يثاب عليها، =
١٩٤

الثاني والعشرون: قوله عليه الصلاة والسلام: ((وإنَّما لكل قوله:
امرىء ما نوى))، يقال: امرؤ وَمَرْءٌ، قال الله تعالى: ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّ
أمرى(*)
اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْيِهِ﴾(١)، ويقول: هذا امرؤ، وهذان امرءان،
ولا يجمع إلَّ قوماً ورجالاً، ومنهم من يقول: هذا مَرْآن، وأنثى
[امرىء](٢) امرأة، وأنثى مَرْء مَرْأة، ومَرّة بغير همز.
والعمل المجرد عن النية لا يثاب عليه، فإنه قد ثبت بالكتاب والسنة
=
واتفاق الأئمة أن من عمل الأعمال الصالحة بغير إخلاص لله لم يقبل منه
ذلك - وهو الوجه الرابع هنا - ، ثانياً: أن من نوى الخير وعمل منه
مقدوره وعجز عن إكماله كان له أجر عامل - وهو الوجه السادس
هنا -، ثالثاً: أن القلب ملك البدن، والأعضاء جنوده، فإذا طاب الملك
طابت جنوده، وإذا خبث الملك خبثت جنوده، والنية عمل الملك،
بخلاف الأعمال الظاهرة فإنها عمل الجنود. رابعاً: أن توبة العاجز عن
المعصية تصح عند أهل السنة كتوبة المجبوب عن الزنا، وكتوبة المقطوع
اللسان عن القذف وغيره، وأصل التوبة: عزم القلب، وهذا حاصل مع
العجز. خامساً: أن النيّة لا يدخلها فساد، بخلاف الأعمال الظاهرة، فإن
النية أصلها حب الله ورسوله، وإرادة وجهه، وهذا هو نفسه محبوب لله
ورسوله، مرضي الله ورسوله، والأعمال الظاهرة تدخلها آفات كثيرة، وما
لم تسلم منها لم تكن مقبولة؛ ولهذا كانت أعمال القلب أفضل من أعمال
البدن المجردة، كما قال بعض السلف: قوة المؤمن في قلبه وضعفه في
جسمه، وقوة المنافق في جسمه، وضعفه في قلبه. وتفصیل هذا يطول)،
والله أعلم.
فيكون مجموع ما فسر به هذا الحديث ثمانية.
(١) سورة الأنفال: آية ٢٤.
(٢) ساقطة من ب.
١٩٥

((وما)) بمعنى الذي، وصلته ((نوى)) والعائد محذوف أي نواه،
فإن قدرت ((ما)) مصدرية لم يحتج إلى حذف؛ إذ ما المصدرية عند
سيبويه حرف، والحروف لا تعود عليها الضمائر، والتقدير: لكل
امری نیته .
[٢٥/ ج/١]
من نوى شيئاً
حصل له
۔۔
الثالث والعشرون: قوله: / (وإنما لكل امرئ ما نوى»
مقتضاه أن من نوی شیئاً یحصل له وما لم ينوه [لا] (١) یحصل له،
ولهذا عظموا هذا الحديث وجعلوه [ثلث](٢) العلم، والمراد
بالحصول وعدمه بالنسبة إلى الشرع، وإلاَّ فالعمل قد حصل لكنه غير
معتد به، وسياق الحديث يدل عليه بقوله: ((ومن كانت هجرته إلى
دنيا» إلى آخره.
فإن قلت: ما فائدة ذكر هذا بعد الأول وهو يقتضي التعميم؟
فالجواب : أن له ثلاث فوائد:
اشتراط تعيين
السنوي
الأولى: اشتراط تعيين المنوي، [فمن](٣) كانت عليه مقضية
لا يكفيه أن ينوي الصلاة الفائتة، بل لا بد أن ينوي كونها ظهراً
أو عصراً وغيرهما، ولولا اللفظ الثاني لاقتضى الأول صحة النية بلا
تعيين أو أوهم ذلك، قاله الخطابي.
الثانية: منع الاستنابة في النية، فإن اللفظ الأول إنما يقتضي
اشتراط النية لكل عمل وذلك لا يقتضي منع الاستنابة في النية، إذ لو
الاستنابة
في النية
(١) في ن ج (لم).
(٢) في ن ب (ئبوت).
(٣) في ن ب ج (فيمن).
١٩٦

نوى واحد عن غيره لصدق عليه أنه عمل بنية وذلك ممتنع فأفاد
بالثاني منع ذلك، وقد استثني من هذا نيّة الولي عن الصبي في
الحج، والمسلم عن زوجته الذمية عند طهرها من الحيض على القول
بذلك، وحج الإنسان عن غيره، وكذا إذا وكله في تفرقة الزكاة
وفوض إليه النية ونوى الوكيل فإنه يجزئه كما قاله الإمام الغزالي في
((الحاوي الصغير)).
الثالثة: أنه تأكيد لقوله: ((إنما الأعمال بالنيات))، فنفى الحكم
بالأول وأكده بالثاني. /
[١٧/ب/أ]
تنبيهان:
الأول: إذا أُشْرِكَ في العبادة غيرها من أمر دنيوي أو رياء: إذا أشرك
في العبادة
أمراً دنيوياً
فاختار الغزالي [اعتبار](١) الباعث على العمل، فإن كان القصد
الدنيوي هو الأغلب [لم يكن فيه أجر، فإن كان القصد الديني هو
الأغلب](٢) كان له أجر بقدره، وإن تساويا تساقطا.
واختار الشيخ عز الدين بن عبد السلام (٣): أنه لا أجر فيه
مطلقاً سواء تساوى القصدان أو اختلفا.
الثاني: مقتضى قوله عليه السلام: ((إنما [لكل](٤) امرىء من نوى شيئاًلم
ما نوى)) أن من نوى شيئاً لم يحصل له غيره، ومن لم ينو شيئاً لم
بحصل له غيره
(١) في ن ب ساقطة.
(٢) زيادة من ن ب ج.
(٣) في قواعد الأحكام (١٢٤).
(٤) ساقطة من الأصل ون ج.
١٩٧

يحصل [وهي](١) قاعدة [مطردة](٢) في جميع مسائل النية، نعم شذ
[٢٥/ج /ب] [عن](٣) ذلك مسائل [يتأدى] (٤) / الفرض فيها بنية النفل، محل
الخوض فيها كتب الفروع وقد أوضحتها في كتاب ((الأشباه والنظائر)»
فليراجع منه.
الرابع والعشرون: الهجرة في اللغة: الترك، والمراد بها هنا
ترك الوطن والانتقال إلى غيره، وهي:
تعريف الهجرة
في الشرع: مفارقة دار الكفر إلى دار الإِسلام خوفَ الفتنة
[١/٢٢/ ب] وطلبَ / إقامة الدين.
وفي الحقيقة: مفارقة ما يكره الله إلى ما يحب، ووقعت
الهجرة في الإِسلام على خمسة أوجه:
أقسام الهجرة
إحداها: إلى الحبشة عندما آذى الكفار الصحابة، وذكر
الماوردي أن الهجرة من مكة إلى المدينة قبل هجرته عليه السلام
كانت مباحةً لمن خاف على نفسه أو دينه، معصيةً لمن أمن من
ذلك، قال: وكانت الهجرة إلى الحبشة مباحة.
الثانية: من مكة إلى المدينة عند مهاجرة النبي وَ لَه إليها، وفي
هذه الهجرة نزل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يُهَاچِرُوا﴾(٥) الآية، وقال
(١) في ج (وهذه).
(٢) في نسخة ب (مطولة).
(٣) في نسخة ب (على).
(٤) في ن ج (يتساوى).
(٥) سورة الأنفال: آية ٧٢.
١٩٨

عليه السلام: ((لولا الهجرة لكنت امرءاً من الأنصار))(١)، [وأشار](٢)
إلى هذه الهجرة، وأفضل المسلمين أصحاب الهجرتين إلاَّ ما خصه
الدليل، وذكر الماوردي أن هذه الهجرة واجبة على من خاف على
نفسه [ودينه](٣) وهو قادر على الخروج بأهله وماله؛ للآية،
ومستحبة على من أمن على نفسه كالعباس، وذكر أبو عبيد(٤) في
كتاب ((الأموال)) أن الهجرة كانت على غير أهل مكة من الرغائب ولم
تكن فرضاً؛ لما في الصحيحين: ((أن أعرابياً أتى النبي صل# فسأله عن
الهجرة، فقال: ويحك، إن شأن الهجرة شديد فهل لك من إبل؟
قال: نعم، قال: فاعمل من وراء [البحار](٥) فإن الله لن يترك من
عملك شيئاً)(٦)، ولأنه عليه السلام لم يأمر الوفود بها.
الثالثة: هجرة القبائل إلى رسول الله وتي و قبل الفتح للاقتباس
منه كوفد عبد القيس وغيرهم، ثم يرجعون إلى مواطنهم ويعلمون
قومهم .
الرابعة: هجرة من أسلم من أهل مكة ليأتي إلى النبي وَ ار ثم
يرجع إليها كفعل صفوان بن أمية ومهاجرة الفتح.
(١) البخاري (٨٦/٧)، وفضائل الصحابة، ومسلم (١٠٦١)، والمسند
(٢ /٤١٠ / ٤١٩ / ٤٦٩).
(٢) في ن ب (وأشاد في).
(٣) في الأصل وب (وابنه)، والتصحيح من ج.
(٤) كتاب الأموال لأبي عبيد (٢٧٩)، ط محمد خليل هراس.
(٥) في ج (التجار)، والذي في الصحيحين ما هو مثبت.
(٦) النووي مع مسلم (٧٩/٨) الإمارة، البخاري في الأدب.
١٩٩

الخامسة: هجرة ما نهى الله عنه وهي المشار إليها بقوله عليه
السلام: ((المجاهد من جاهد نفسه والمهاجر من هجر ما نهى الله
[٢٦/ ج/أ] عنه))(١)، قال بعض متأخري / المالكية: وهي الهجرة العظمى التي
اندرج جميع الأقسام تحتها، ففيه:
فائدة من
قوله:
أو المهاجر
من هجرما
نهى الله عنه»
فائدة: ترجع للمهاجرين، لكيلا يتكلوا على نفس الهجرة،
فبين لهم عليه السلام أن الهجرة التامة الكاملة هي هجران
الفواحش، ففيه حض على التزام الطاعة وعدم الاغترار بالهجرة،
وحث على الجد في الفضائل، وأن لا يعتمدوا على الهجرة ويتركوا
العمل .
وفيه فائدة ثانية: ترجع إلى من لم يهاجر، وهو إيناس لهم
وتبيين أن سبل الخير باقية، وأعمال [الطاعات](٢) متلاحقة وأن اسم
الهجرة باقٍ لهم [مقول](٣) عليهم عند هجران المحارم وجميع
ما نهى الله عنه، بل هو أعظم هجرة وأكبر فضيلة.
قلت: والهجرة باقية إلى يوم القيامة من دار الكفر إذا لم يمكنه
إظهار دينه إلى دار الإسلام وينبغي أن تعد.
بقاء الهجرة
إلى يوم القيامة
سادسه(٤): وحديث أنه عليه السلام قال يوم الفتح: ((لا هجرة))
(١) أحمد في المسند (١٠/٦)، وأبو داود (٢٥٠٠)، والترمذي (١٦٢١)،
وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
(٢) في ب ج (الطاعة).
(٣) في ج (معول).
(٤) عدد المصنف رحمنا الله وإياه ستة من أنواع الهجرة ومن المناسب أن نأتي =
٢٠٠