النص المفهرس

صفحات 21-40

وصدارته في علم الحديث يحجب الكثيرين عن مواهبه
وإجادته لألوان أخرى من الثقافة والمعرفة فهو رحمه الله
بالإضافة إلى كونه حافظاً من النوع النادر كان عالماً
بالقراءات وحروفها وفقيهاً أصولياً شافعياً قد مارس
التدريس والإفتاء وشاعراً مرهفاً ينظم الشعر وينقده
ومؤلفاً ناقداً في الرجال ومؤرخاً ورحالة جغرافياً أطلعنا
على أشياء(١) غريبة وعجيبة وأماكن كثيرة من البلاد
وآثارها .
(١) من هذه الغرائب والعجائب التي أطلعنا عليها الحافظ السلفي ما حكاه في كتابه
معجم السّفر فقد جاء في القسم الذي استخرجه منه الدكتور إحسان عباس في
كتابه الذي أسماه (( أخبار وتراجم أندلسية مستخرجة من معجم السفر )) ص٥٩
قولُ الحافظ السلفي رحمه الله تعالى (( سمعت أبا محمد عبد الله بن تويت بن
الوران اللَّمْتوني بالثغر ( وهي الإسكندرية ) وجرِّبته وكان ثقةٌ يتحرّى الصدق
يقول سمعت أخي الأمير يعقوب ينتان بن تويت الفقيه وغيره من المرابطين
الثقات بالمغرب يقولون ولد في بني نورت - بطن من الملثمين - جسمان كاملان
برأس واحد فعاشا زماناً ثم مات أحدهما وثقل الآخر فراموا قطعة منه فشاوروا
الفقهاء فقيل لهم يصبر أياماً فلم يمض قليل حتى مات الآخر .
وقال السلفي أيضاً حاكياً قول أبي محمد الذي وثق بكلامه وصدقه عن
تجربة كما أخبرنا بذلك أنه ولد بالأندلس مولود برأسين وكان ابن غلّب السُّوسي
حاضراً فقال الذي بلغنا أنه ولد بالمغرب مولود برأس واحد له وجهان وقال أبو =
- ٢١ -

وهو رحمه الله على سعة هذه المعارف والعلوم كان
يتمتع بأخلاق كريمة من سماحة نفس وسعة صدر والتزام
كامل بأصول الشريعة في عباداته ومعاملاته وتواضع جم
مع الخاصة والعامة وزهد صادق بالدنيا وأهلها ومن
يتعمق في ترجمته ورحلته العلمية الطويلة يرى أن العلم
والخلق هما الجناحان اللذان طار بهما صيت الإمام أبي
الطاهر السلفي في الآفاق .
= محمد أيضاً أنه رأى بحمص الأندلس امرأة ولدت أول ولادتها ولداً ثم في المرة
الثانية ولدين وفي الثالثة ثلاثة وفي الرابعة أربعة وفي الخامسة خمسة وفي السادسة
ستة وفي السابعة سبعة في بطن واحد وآيست من روحها وأشرفت على الهلاك
ثم امتنعت من زوجها وأبت أن تطاوعه واشتهر أمرها عند الناس بأقطار
الأندلس )) . ا. هـ.
أقول حقاً إن هذا من العجائب ولكن دار في خلدي وأنا أنقل هذه
الأخبار قول الله عز وجل حاكياً قول الملائكة لزوجة إبراهيم سارة لما جاؤوا
بالبشرى بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب ﴿قَالَتْ يَا وَيْلَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ
وَهِذَا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هِذَا لَشَّيْءٌ عَجِيبٌ قالوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ ﴾ [ سورة
هود: ٧٢-٧٣ ] فالله يخلق ما يشاء وهو على كل شيء قدير .
- ٢٢ -

تمهيد عن الأربعين وتعريف بالكتاب
حديث الأربعين ورد من طرق كثيرة بروايات
متنوعة أن رسول الله وَلقر قال: ((من حفظ على أمتي
أربعين حديثاً في أمر دينها بعثه الله تعالى يوم القيامة في
زمرة الفقهاء والعلماء)).
واتفقوا على أنه حديث ضعيف وإن كثرت طرقه
ومع ذلك فقد صنف العلماء في هذا الباب ما لا يحصى من
المصنفات واختلفت مقاصدهم في تأليفها وجمعها وترتيبها
فمنهم من اعتمد على ذكر أحاديث التوحيد وإثبات
الصفات ، ومنهم من ذكر أحاديث الأحكام ، ومنهم من
اقتصر على ما يتعلق بالعبادات ومنهم من اختار أحاديث
المواعظ والرقائق ومنهم من قصد إخراج ما صح سنده
وسلم من الطعن ومنهم من قصد ما علا إسناده ومنهم من
قصد الحديث عن أربعين شيخاً وبلداً كصاحب كتابنا
هذا وسمى كل واحد منهم كتابه بالأربعين وإليك بعض
أسماء هذه الكتب .
كتاب الأربعين في لفظ الأربعين للشيخ الإمام شمس
- ٢٣ -

الدين محمد بن أحمد المعروف بالبطال اليمني ت سنة ٦٣٠
وله كتاب الأربعين في أذكار المساء والصباح .
كتاب الأربعين لأبي بكر محمد بن الحسين الآجري توفي
سنة ٣٦٠ .
كتاب الأربعين لأبي بكر محمد بن إبراهيم الحنفي
الكلاباذي ت سنة ٣٨٠ .
كتاب الأربعين في الأخلاق لأبي بكر أحمد بن الحسين بن
علي البيهقي الشافعي وهو مشتمل على مائة حديث مرتب.
على أربعين باباً .
کتاب الأربعين لابن الجزري محمد بن محمد ت سنة٨٣٣
اختار فيه ما هو أصح وأفصح وأوجز .
كتاب الأربعين لابن عساكر وهو الحافظ أبو القاسم
علي بن عساكر الدمشقي ت سنة ٥٧١ جمع الأربعينات
منها الأربعون الطوال والأربعون في الأبدال العوال
والأربعون في الاجتهاد في إقامة الجهاد والأربعون:
البلدانية .
كتاب الأربعين في الحج لمحب الدين أحمد بن عبد الله
الطبري المكّيات سنة ٧٩٤ .
١ - ٢٤ -

كتاب الأربعين للدارقطني وهو أبو الحسن علي بن عمر
الحافظ البغدادي ت سنة ٣٨٥ .
كتاب الأربعين للسيوطي وهو جلال الدين عبد
الرحمن بن أبي بكر السيوطي ت سنة ٩١١ جمع أربعينات
في فضل الجهاد وفي رفع اليدين في الدعاء والثالث من
رواية مالك والرابع المتباينة" .
ومنها :
كتاب الأربعين الطائية لأبي الفتوح محمد بن محمد بن علي
الطائي الهمداني ت سنة٥٥٥ حيث ذكر فيه أنه أملى
أربعين حديثاً من مسموعاته عن أربعين شيخاً كل حديث
عن واحد من الصحابة فذكر ترجمته وفضائله وأورد عقیب
كل حديث بعض ما اشتمل عليه من الفوائد وشرح غريبه
وسماه: الأربعين في إرشاد السائرين إلى منازل اليقين .
كتاب الأربعين لعبد الله بن المبارك الإمام الحافظ المروزي
ت سنة١٨١ ويقول الإمام النووي رحمه الله هو أول من
علمته صنف فيه .
المتباينة الأسانيد وقد جمع مثلها ابن حجر العسقلاني وملخصه للقاضي عز الدين
محمد بن جماعة والحافظ محمد بن موسى بن سند .
- ٢٥ -

كتاب الأربعين للنووي وهو محدث الشام محيي الدين
يحيى بن شرف النووي الشافعي ت سنة ٦٧٦ وهذا
الكتاب الوحيد من الأربعينات الذي ذاع صيته وعمّ نفعه
وكثر شُرّاحه .
وغير ذلك من الأربعينات التي يقرب عددها من
مائة كتاب في شتى أنواع العلوم من الأصول والفروع
والزهد والآداب والخطب وغيرها .
وهذا الكتاب المسمى بالأربعين المستغني بتعيين ما
فيه عن المعين للحافظ أبي طاهر السلفي الذي جمع فيه
أربعین حديثاً عن أربعین شيخاً في أربعین بلداً أبان بها
عن رحلة واسعة وأظهر فيها عن رتبة عالية ويعرف
الكتاب أيضاً بالأربعين البلدانية .
وهو أول من كتب وجمع ذلك كما قال الإمام
الذهبي في سير أعلام النبلاء ((ولقد خرّج الأربعين التي لم
يسبق إلى تخريجها وقلّ أن يتهيأ ذلك إلا لحافظ عرف
باتساع الرحلة )) . .
ثم اقتدى بسننه الإمام المحدث ابن عساكر
الدمشقي وزاد على ما أتى به الغرابة بأن جعلها عن
- ٢٦ -

أربعين من الصحابة فصار أربعين من أربعين الأربعين في
أربعين عن أربعين إذا اعتبرت تخرج في أربعين باباً كل
حديث إذا جمع إليه ما يناسبه صار كتاباً
ثم تبعه المحدث شرف الدين عبد الله بن محمد
الواني في جمع الأربعين البلدانية والحافظ أبو القاسم
حمزة بن يوسف السهمي لكن أربعينه في فضائل العباس
وغيرهم(١) .
وبعدُ، فهذا ما يسَّرّه الله لي من القيام بخدمة هذا
الأثر النفيس للإِمام السِّلَفي، أسأل المولى عزَّ وجلَّ أن
يتقبّله مني خالصاً، وأن يدّخر لي مثوبته فإن كنتُ قد
بلغتُ ما أُريد فذلك من توفيق الله وحده، وإن كانت
الأخرى فحسبي أنني أخلصت النيّة وبذلتُ ما أستطيع،
وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.
دمشق الشام
عبد الله رابح
(١) انظر كشف الظنون والرسالة المستطرفة للكتاني .
- ٢٧ -

١ - مقدمة المؤلف :
بسم الله الرحمن الرحيم
عونك يا رب
أخبرنا سيدنا الشيخ الفقيه الحافظ العالم الزاهد شيخ
الإسلام فخر الأئمة أوحد الأمة أبو طاهر أحمد بن محمد بن ..
أحمد بن محمد بن إبراهيم السلفي الأصبهاني قراءة عليه وأنا أسمع
يوم الجمعة من شهر ربيع الأول سنة أربع وسبعين وخمسمائة قال :
أما بعد حمد الله المنعم على الأنام ، المحسن إليهم مدى
الأيام ، وأفضل الصلاة والسلام على خاتم رسله الكرام وآله
وصحبه ناقلي الأحكام على أوثق الإحكام .
فإن نفراً من العلماء الأعلام وفقهاء الإسلام لما رأوا ورووا:
قول أطهر مُنْسَلٍ وأظهر مرسل (( من حفظ على أمتي أربعين حديثاً.
من أمر دينها بعثه الله يوم القيامة فقيهاً عالمً)) من طرقٍ وثقوا بها
وركنوا إليها وعرفوا صحتها وعولوا عليها .
٠
!'
وروايات سادات من الصحابة الموصوفين بالإصابة أضحى
كل واحد منهم على تخريجها عازماً . رغبة في بعثه يوم الحشر فقيهاً.
- ٢٨ -

عالماً فخرّج من روايته عن شيوخه الذين كتب عنهم كتاباً جعله
أربعين باباً ذكر في كل باب حديثاً واحداً لتكون له يوم القيامة
شاهداً ، فمنهم من قصد التوحيد وإثبات الصفات والتمجيد ،
ومنهم من قصد أحاديث الأحكام وتمييز الحلال من الحرام ، ومنهم
من قصد العبادات ورآها أفضل القربات كالصوم والصلاة والحج
والزكاة ، ومنهم من آثر إيراد المواعظ والرقائق ورآها الطريق إلى
حصول الحقائق ومنهم من اختار الذي في الصحيح وما لا سبيل
إلى رواته بنوع من التجريح ، ومنهم من لم يعتبر جرحاً وتعديلاً إذا
وجد إلى ما يوافق غرضه سبيلاً وآخرون في معان آخر وكل منهم
قصد الخير وطلب الأجر وترجم كتابه بكتاب الأربعين ، والله
تعالى ينفعهم أجمعين ، بنشرهم الدين المتين ونصرهم الحق
المبين ، وفيهم رضي الله عنهم الأسوة فما منهم إلا وهو القدوة ،
وفي الحديث ومعرفة علومه العُدّة وفي الرجوع إليه عند الحاجة
العمدة ولو تعرضت لنقل مناقبهم ووصف مناصبهم(١) لطال
الكلام وانخرم النظام إذ الغرض الاقتصار على الاختصار ،
والإعراض عن التعرض للإكثار ، ومن شم رائحة علم الحديث
وذاق طعم قوانين الرواية والتحديث وله أدنى اهتمام بمعرفة الرجال
(١) مناصبهم : أي مفاخرهم .
- ٢٩ -

عرف محلّهم من العدالة والاعتدال واستغنى عن البحث عنهم
والسؤال ، بما منح ورزق من الاستقلال .
فأقدمهم أبو عبد الرحمن عبد الله بن المبارك المروزي وبعده.
أبو عبد الله محمد بن أسلم الطوسي وأبو محمد الحسن بن سفيان
النسوي ، وأبو بكر محمد بن الحسين الآجري البغدادي ومحمد بن
إبراهيم بن المقري الأصبهاني والحاكم أبو عبد الله محمد بن عبد
الله بن البيع النيسابوري وبلديه أبو عبد الرحمن محمد بن الحسين
السلمي وأبو سعد أحمد بن محمد بن الخليل الماليني الهروي وأبو
بكر محمد بن أبي علي الهمداني وأبو نعيم أحمد بن عبد الله المهراني.
الأصبهانيان وآخرون من المتأخرين والمتقدمين اقتصرت منهم على:
هؤلاء العشرة الحفاظ المهرة .
وقد سمعت أبا محمد الحمادي يقول : سمعت أبا عبد الله.
الصاعدي بنيسابور يقول : سمعت إسماعيل بن عبد الغافر
الفارسي يقول لما رأيت اهتمام أصحاب الحديث بالأربعينات
المصنفة ، اهتممت بجمعها فحصل عندي منها ما نّف على
سبعين فسألني خواص أصحابي الفقهاء ، الذين إلى العلم
اعتزاؤهم أبداً والانتماء ، بالإسكندرية الثغر المحروس ، قطب
القطر المأنوس حماه الله تعالى سنة خمس وستين وخمسمائة إملاء.
- ٣٠ -

كتاب في المعنى تكون فيه الكفاية والَغْنى فأجبتهم إلى ملتمسهم
وفق طلبتهم ورغبة في سلوك سبل المتقدمين واقتفائهم والاقتداء
بهم في انتقائهم وخرّجت في هذا الإملاء أربعين حديثاً عن أربعين
ء
شيخاً بأربعين مدينة مبتدئاً بالحرمين الشريفين مكة والمدينة إذ في
ذكرهما أوفى الزينة ، ثم بغيرهما على نسق ارتضيته كما الوقت
يقتضيه على وجه التعليق والله تعالى ولي التوفيق فهو القادر عليه
وأولى من وجهت الرغبة إليه وترجمته بكتاب الأربعين المستغني
بتعيين ما فيه عن المعين ولم أتعرض لإسناد ولا متن ولا لكلام
عليها بمدح أو طعن ولا إشارة إلى عالٍ أو نازل(١) على منهج من
(١) مطلب في الإسناد العالي والنازل :
الإسناد كما مر في مقدمة التحقيق من الدّين وهو خصيصة لهذه الأمة
وطلب العلو فيه سنة السلف الصالح ولذلك استحبوا الرحلة في طلب الحديث
: وقال محمد بن أسلم الطوسي الزاهد العالم (( قرب الإسناد قرب أو قربة إلى
الله عز وجل)) وقيل ليحيى بن معين في مرضه الذي مات فيه ما تشتهي فقال :
بيت خالي وإستاد عالي .
والعالي منه على أنواع :
١ - القرب من رسول الله18 بإستاد نظيف غير ضعيف ((وهذا العلو
الحقيقي ) .
٢ - القرب من إمام من أئمة الحديث وإن كثر العدد بعده إلى رسول الله الم =
-
- ٣١ -

صدر باذل(١)، وحافظ يشار إليه في علم الحديث في قديم الزمان
والحديث ، وهو نوع لم يسبقني مؤلف فيما أظن إلى مثله مع تشوفه
إليه وميله إذ لا يقدر عليه كل أحد إلا من عرف بالرُّجْلة الوافرة
١
والرحلة المتواترة من بلد إلى بلد في عنفوان شبابه فابتدأ طلبه
للحديث وانتصابه. نائياً كان المقصد أو قريباً ولم يبال بموته غريباً
ولا بأهله وآله وما قد خلفه من ماله وهذا القدر الذي أمليه
وأحدث به الآن وأرويه فمن غير ما كتبته بقطر أذربيجان وثغور
أرمينية وشروان وباب الأبواب إذ كل ذلك تركته بثغر سَلَمَاسَ
مُؤْدَعاً عند خروجي منه سنة ثماني وخمسمائة في شعبان ولم يقض لي
الرجوع إليه حتى الآن ، وما كتبته بأكثر مدن ديار بكر أودعته
كذلك بثغر آمد ، وقد حيل في هذا الوقت بيني وبين الوقوف عليه
والانتقاء منه والنظر إليه ، وفي بعض تخريجاتي التي هي عندي مما
= ٣ - العلو بالنسبة إلى رواية أحد الكتب المشهورة أو غيرها من المسانيد وهذا ما
يسمى بالعلو النسبي وهو أنواع ( راجع كتب مصطلح الحديث (( الإسناد العالي
والنازل»). والنازل ضد العالي بأقسامه وهو مفضول مشؤوم إلا إن تميّز بفائدة
كزيادة الثقة في رجاله على العالي أو كونهم أحفظ أو أفقه ونحو ذلك قال ابن
المبارك: ((ليس جودة الحديث قرب الإسناد بل جودته صحة الرجال)).
(١) باذل من بَذَلَه يبذُله بَذْلاً أي أعطاء وجاد به، وكل من طابت نفسه بإعطاء شيء
فهو بادل له ..
- ٣٢ -

سأذكره إن شاء الله تعالى في هذا الكتاب للحاجة إليه ما غيره أولى
بالذكر منه لكني أذكره لعدم الوصول إلى ما هو أولى وإسناده أعلى
وبالذكر أحرى وإلى الأجر أجرى والعذر ما أبرزته من قبل
وأوضحته والواجب الآن الاختصار لا ما يوجبه الاختيار والله ذو
العزة والجلال ، المسؤول في الانتفاع به في الحال والمآل فأبدأ الآن
بالحديث على نصه سنداً لا من طرق كثيرة بل قلائل يسيرة ثم
أرجع إلى الترتيب الذي رتبته ومن قبل قد قدمته فأبدأ بالحرمين
المكرمين المشرفين المعظمين ثم بعدهما بغيرهما على وجه يستحسنه
من له أنس بالعالي والنازل في جميع البقاع والمنازل شرقاً وغرباً
وبعداً وقرباً ويدعو لي بالمغفرة أهل المعرفة وهو تبارك وتعالى سامع
للنداء ومجيب للدعاء إن شاء بمنه وفضله وكرمه وطَوْله .
وقد استفتيت شيخنا الإمام أبا الحسن علي بن محمد بن علي
الطبري المعروف بالكِيًا ببغداد سنة خمس وتسعين وأربعمائة أو
قبلها أو بعدها بقليل لكلام جرى بين الفقهاء في المدرسة النظامية
التي هو مُدَرسها اقتضى الاستفتاء ويجد المستفتي فيه الشفاء ما يقول
الإمام وفقه الله في رجل وصّ بثلث ماله للعلماء والفقهاء هل
تدخل كتبة الحديث تحت هذه الوصية أم لا فكتب بخطه تحت
السؤال نعم كيف لا وقد قال النبي # («من حفظ على أمتي
- ٣٣ -
٠٠٠

أربعين حديثاً من أمر دينها بعثه الله يوم القيامة فقيهاً عالمً))(*)
والحديث فقد أخبرنا به أبو عبد الله القاسم بن الفضل بن محمود
الثقفي رئيس أصبهان سنة ثمان وثمانين وأربعمائة وتوفي سنة تسع
وكان مولده سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة . قال:
ثنا أبو أحمد عبد الله بن عمر بن عبد العزيز الكرخي ، أنبا:
أبو بكر محمد بن الحسين الآجري ، ثنا أبو عبد الله محمد بن مخلد
العطار ، ثنا أبو محمد جعفر بن محمد الخندفي وكان له حفظ ، ثنا
محمد بن إبراهيم السائح ، ثنا عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي.
روّاد عن أبيه عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس عن معاذ بن
جبل(١) قال: قال رسول الله وَلاير: ((من حفظ على أمتي أربعين
■ هذا الحديث ونحوه مما يتعلق بالأربعين كلها ضعيفة والعمل بالضعيف جائز
في فضائل الأعمال .
(١) هو أبو عبد الرحمن معاذ بن جبل الأنصاري كان من أعيان الصحابة ، وإليه
المنتهى في العلم والفتوى والحفظ والقرآن قال ابن مسعود كنا نشبهه بإبراهيم.
عليه السلام أمة قانتاً لله حنيفاً، أسلم وهو ابن ثماني عشرة سنة وشهد بدراً وما
بعدها، وبعثه مَ﴿ وأبا موسى إلى اليمن يعلمان الناس القرآن والأحكام ،
وآخى بينه وبين ابن مسعود وكان#$ يردفه في الأسفار ويكفي في فضله ومناقبه
الجمة أن قال له# بعدما أخذ بيده : (( يا معاذ والله إني لأحيك لا تدعن ذبر.
كل صلاة أن تقول اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك)) ..
مات في طاعون عمواس بالأردن سنة ثماني عشرة عن ثمان وثلاثين سنة
رضي الله عنه وأرضاه .
- ٣٤ -

حديثاً من أمر دينها بعثه الله يوم القيامة في زمرة الفقهاء والعلماء
وأخبرنا أبو نصر الفضل بن علي بن أحمد الحنفي المقري وأبو سعد
هبة الله بن علي بن الفضل الشيرازي بأصبهان وأبو غالب
شجاع بن فارس بن الحسين الذُّهلي ببغداد وآخرون قال أبو نصر
أنا أبو سعيد محمد بن علي بن عمروبن مهدي النقاش الحافظ
وقال الباقون : أنبأ أبو طالب محمد بن محمد بن إبراهيم بن غيلان
البزار قالا : أنبأ أبو بكر محمد بن عبد الله بن إبراهيم الشافعي ،
ثنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا القرشي ، ثنا الفضل بن
غانم ثنا عبد الملك بن هارون بن عنترة عن أبيه عن جده عن أبي
الدرداء(١) قال: قال رسول الله صل19: ((من حفظ على أمتي
أربعين حديثاً من أمر دينها بعثه الله فقيهاً وكنت له يوم القيامة
شافعاً وشهيداً)) هذا ما رواه معاذ وأبو الدرداء وقد رواه أبو
هريرة(٣) بلفظ هو أرجى للراوي من هذا اللفظ والحصول على
(١) هو عويمر بن عامر أو مالك وقيل غير ذلك حيث اختلف في اسمه واسم أبيه كان
مشهوراً بكنيته أبي الدرداء أسلم يوم بدر وشهد أحداً وأبلى فيها بلاء حسناً وورد
أنه قال ◌َّر فيه يوم أحد: ((نعم الفارس عويمر وهو حكيم أمتي)). مات في
خلافة سيدنا عثمان بن عفان على الأصح .
(٢) ستأتي ترجمته في الحديث الثاني .
- ٣٥ -

الأجر قبل الحفظ ، أخبرنا به أبو المظفر سعد بن الحسين بن
الحسن الجصّاص المفيد بأصبهان ، أنا أبو سهل محمد بن أحمد بن
عمر الصوفي ، أنا عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب ، ثنا
محمد بن عمربن حفص ، ثنا أبو عبد الله الهيثم بن محمد
الأصبهاني ثنا سهل بن سُقَيْر ، أنا أبو صالح إسحاق بن نجيح ،
ثنا عطاء عن أبي هريرة أن رسول الله وَلفي قال: (( من روى عن
أمتي أربعين حديثاً جاء في زمرة العلماء يوم القيامة )) ومن أحسن ما:
يذكر ها هنا وأغربه ما كتب إليَّ أبو الفتيان عمر بن أبي الحسن
الدَّهَسْتَاني الحافظ من خراسان ، أنا أبو مسعود أحمد بن محمد بن
عبد الله البجلي الحافظ قدم علينا دَهَسْتَانَ ، ثنا أبو أحمد محمد بن
أحمد بن يعقوب بن عمار الزَّرْقيّ الشيخ الصالح بزرْق وهي قرية
من قرى مَرْوَ ثنا أبو حامد أحمد بن عيسى بن مَهْدي بن عيسى
إملاء ، ثنا أبو أحمد محمد بن رزام المروزي ، ثنا محمد بن أيوب:
الهنامي ، حدثنا حميد بن أبي حميد عن عبد الرحمن بن ذْهَمَ عن
ابن عباس(١) رضي الله عنهما قال: قال رسول الله وسلم: ((من
حفظ على أمتي حديثاً واحداً كان له أجر أحد وسبعين نبياً.
صدّيقاً)) قال أبو الفتيان كتب عني هذا الحديث أبو بكر أحمد بن
(١) ستأتي ترجمته في الحديث ١٦ .
- ٣٦ -

علي بن ثابت الخطيب الحافظ البغدادي بصور وقد روى هذا
الحديث غير المُنَامي عن حميد فقال: ((أجر اثنين وسبعين)).
أخبرنا به أبو بكر أحمد بن محمد بن أحمد بن موسى بن
مِرْدَوَيه الحافظ بأصبهان حدثني أبو الحسن علي بن شجاع بن علي
المصْقَليّ ، ثنا أبو مُشْهِر معروف بن محمد بن معروف الرنجاني ،
ثنا أبو الحسن إبراهيم بن عبد السلام الهاشمي ، ثنا إبراهيم بن
فَهْد ، ثنا محمد بن موسى ، ثنا حميد بن أبي حميد التغلبي ، ثنا
عبد الرحمن بن دَّهَم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال
رسول الله : ((من حفظ على أمتي حديثاً واحداً من أمر دينهم
أعطاه الله عز وجل أجر اثنين وسبعين صديقاً)) وأنا أبو علي
أحمد بن محمد بن الفضل بن شَهْريار الأصبهاني بها ، ثنا أبو محمد
هبة الله بن محمد بن الحسين النيسابوري إملاءً، نا الحاكم أبو عبد
الله محمد بن عبد الله الحافظ ثنا أبو علي الحسين بن محمد الصغاني
بمرو ، ثنا أبو رجاء محمد بن حمدويه ، ثنا العلاء بن مسلمة ، ثنا
إسماعيل بن يحيى التيمي عن سفيان الثوري عن ليث عن طاووس
عن ابن عباس قال: قال رسول الله صل *: ((من أدّى إلى أمتي
حديثاً واحداً يقيم به سنّة ويرد به بدعة فله الجنة)) ا. هـ
- ٣٧ -

.. .
تنبيه
كثر في هذا الكتاب استعمال لفظ (( ثنا)» وهو رمز جرى
عليه المحدثون فيكتبون من حدثنا (( ثنا )) وتارة يحذفون الثاء
فيكتبون ((نا)) ويكتبون من أخبرنا ((أنا)) يفعلون ذلك اختصاراً
لكثرة ورودهما وحدثنا وأخبرنا وأنبانا سواء من حيث اللغة لا
خلاف فيه وأما بالنسبة إلى الاصطلاح في علم الحديث ففيه
خلاف منهم من استمر على أصل اللغة وهذا رأي الزّهري ومالك
وابنُ عيينةٍ وأكثر الحجازيين والكوفيين ومنهم من رأى إطلاق
ذلك حيث يقرأ الشيخ من لفظه وتقييدَه حيث يُقرأ عليه
فيخصون لفظ حدثنا بما يلفظ به الشيخ وأخبرنا بما يُقرأ عليه وهذا
رأي ابن جُريج والأوزاعي والشافعي وابن وهب وأكثر أهل
المشرق ومن سمع وحده من لفظ الشيخ قال حدثني ومن سمع
مع غيره قال حدثنا وكذلك أخبرني وأخبرنا وخصصوا الإنباء
بالإجازة التي يشافه بها الشيخ من يجيزه .
وكل ذلك من أجل التمييز بين أحوال التحمل .
- ٣٨ -

فالبلد الأول
مكة حرسها الله
أخبرنا أبو الحسن حمد بن إسماعيل بن حمد الهمذاني
الزكيّ بمكة سنة سبع وتسعين وأربعمائة ، أنا أبو طالب
محمد بن محمد بن إبراهيم بن غيلان البزاز ببغداد ، أنا
أبو بكر محمد بن عبد الله بن إبراهيم الشافعي ، ثنا
إبراهيم بن إسحاق الحربي ثنا سليمان بن داود الهاشمي ثنا
إبراهيم بن سعد عن ابن شهاب عن القاسم عن عائشة
[ رضي الله عنها ] قالت :
(( كنت أغتسل معه صلى الله عليه وسلم من الإناء
الواحد )) .
تخريج الحديث :
ورواه أيضاً البخاري عن عائشة في كتاب الغسل ((باب
هل يدخل الجنب يده في الإناء قبل أن يغسلها إذا لم يكن على يديه
قذرٌ غيرُ الجنابة)) بلفظ ((كنت أغتسل أنا والنبي ◌َّار من إناء واحد
تختلف أيدينا فيه)) أي يد تنزل إلى الماء لتغرف ويد تخرج وقد
- ٣٩ -

غرفت ورواه مسلم عن عائشة في كتاب الحيض وزاد في آخره.
( من الجنابة ) .
فقه الحديث
جواز اغتسال الرجل مع زوجته من الجنابة أو غيرها من إناء
واحد وأن الماء يبقى على طهوريته بعد إدخال اليدين فيه ما لم يكن
على يديه نجاسة وأن الجنب نجاسته معنوية وليست حقيقية ..
وقال الخطابي « وحديث النهي عن الغسل أو الوضوء
الرجل أو المرأة من فضل أحدهما محمول على ما سال من الأعضاء
عند التطهر به ( يعني الماء المستعمل ) دون ما بقي في الإناء وقال
أيضاً ومنهم من حمل النهي على الاستحباب دون الإيجاب وإسناد
حديث الإباحة أجود من إسناد خبر النهي)) ا . هـ
ترجمة الصحابية :
هي أم المؤمنين الصديقة بنت الصديق التيمية تزوجها ولافيه
قبل الهجرة بمكة وهي بنت ست أو سبع سنين وبنى بها بالمدينة
وهي بنت تسع وتوفي عنها وهي ابنة ثماني عشرة سنة ، ماتت
بالمدينة سنة ست وخمسين ودفنت بالبقيع ، كانت أفقه النساء
مطلقاً وأحب أزواج رسول الله و 98 إليه وأفضلهن خديجة ومن
المزايا التي اختصت بها دون غيرها من أزواجه ور أنه لم يتزوج
بكراً غيرها ونزل عذرها وبراءتها في القرآن الكريم ببراءة قطعية لو
- ٤٠ -