النص المفهرس
صفحات 21-40
قال السمعاني في تاريخه: هو كثير العلم، غزير الفضل، حافظ، ثقة، متقن، ديّن، خيّر، حسن السَّمت، جمع بين معرفة المتون والأسانيد، صحيح القراءة، متثبت، محتاط، رحل وبالغ في الطلب إلى أن جمع ما لم يجمع غيره، وأربى على أقرانه . قال ابن قاضي شُهْبة: فخر الشافعية، وإمام أهل الحديث في زمانه، وحامل لوائهم. وكان ديّناً، خَيِّراً؛ يختم في كل جمعة، وأما في رمضان ففي كل يوم، مُعْرِضاً عن المناصب بعد عرضها عليه، كثير الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قليل الالتفات إلى الأمراء، وأبناء الزمان . قال شيخ الإِسلام محيي الدين النووي : هو حافظ الشام بل هو حافظ الدنيا، الإِمام مطلقاً، الثقة الثبت. قال الحافظ عبد القادر: ما رأيت أحفظ من ابن عساكر. وقال ابن النّجّار: أبو القاسم امام المحدثين في وقته، انتهت إليه الرياسة في الحفظ والاتقان والنبل وحسن التصنيف والمعرفة التامة، وبه ختم هذا الشأن. وبخط الحافظ معمر بن الفاخر في معجمه: ثنا الحافظ أبو القاسم الدمشقي بمنى - وكان أحفظ من رأيت من طلبة الحديث، وكان شيخنا اسماعيل بن محمد الإِمام يفضله على جميع من لقيناهم، قدم أصبهان ونزل في داري، وما رأيت شاباً أورع، ولا أحفظ، ولا أتقن منه، وكان مع ذلك فقيهاً أديباً سنيًّ - ٢١ - - جزاه الله خيراً، وكثَّر في الإِسلام مثله، وإني سألته كثيراً عن تأخره عن المجيء إلى أصبهان؟ فقال: لم تأذن لي أمي. قال الحافظ أبو العلاء الهَمَذاني لبعض تلامذته، وقد استأذنه أن يسافر: إن عرفت أستاذاً أعلم مني، أو يكون في الفضل مثلي، فحينئذ آذن لك أن تسافر إليه. اللهم إلا أن تسافر إلى الشيخ الحافظ ابن عساكر؛ فإنه حافظ کما یجب. قال: وسمعت شيخنا عبد الوهاب بن الأمين قال: كنت يوماً مع الحافظ أبي القاسم بن عساكر، وأبي سعد بن السمعاني نمشي في طلب الحديث، ولقاء الشيوخ فلقينا شيخاً فاستوقفه ابن السمعاني ليقرأ عليه شيئاً، وطاف على الجزء الذي هو سماعه في خريطة فلم يجده، وضاق صدره، فقال ابن عساكر: ما الجزء الذي هو سماعه؟ قال: كتاب البعث والنشور لابن أبي داود سمعه من أبي نصر الزَّيْنَبي. فقال له: لا تَحْزَن! وقرأه عليه من حفظه أو بعضه. قال ابن النجار: الشك من شيخنا . قال الحافظ المُنْذِري: سألت شيخنا الحافظ أبا الحسن علي بن المفضّل المقدسيّ فقلت له: أربعة من الحفاظ تعاصروا أيهم أحفظ؟ قال: من هم؟ قلت: ابن عساكر، وابن ناصر؟ قال: ابن عساكر أحفظ. قلت: أبو العلاء، وابن عساكر؟ قال: ابن عساكر أحفظ. قلت: أبو طاهر السِّلفي، وابن عساكر؟ فقال: - ٢٢ - السِّلفيّ أستاذنا، السِّلفيّ أستاذنا. قال الحافظ زكيّ الدين، وغيره من الحفاظ الأثبات: كالذهبي، وأبي العباس بن المظفر: هذا دليل على أن عنده ابن عساكر أحفظ؛ إلا أنه وقّر شيخه أن يصرح بأن ابن عساكر أحفظ منه. قال الذّهبي: وإلا فابن عساكر أحفظ منه. وقال ابن الدَّبيثي: ابن عساكر الحافظ الدمشقي أحد من اشتهر ذكره، وشاع علمه، وعرف حفظه واتقانه، وحصل ما لم يحصله غيره، وجمع تاريخ الشام وأجاد في جمعه، وكان موفقاً في أفعاله، وتصنيفه. وعلق عليه الذهبي بقوله: أبو القاسم خُتِمَ به هذا الشأن، ولم يخلف بعده في الحديث مثله، ولا رأى مثل نفسه في معرفة الحديث، ومعرفة الرجال. ومن نظر في التاريخ له علم بمكانه من العلم، وكثرة مواده، وتبحره، وذكائه، وحفظه . وقال أبو شامة في ذيل الروضتين عند ترجمة الفخربن عساكر: وهذا البيت (بنو عساكر) بيت جليل من الدمشقيِّين؛ كثير الفضلاء، والحفاظ، والأمناء، جمع هذا البيت رياسة الدين والدنيا، وأجلهم في زمانه ديناً وعلماً هذا فخر الدين ابن عساكر، وفي القرن الذي قبله عماه: الصائن هبة الله، والحافظ أبو القاسم . - ٢٣ - وكان رحمه الله حسن السَّمتْ، مواظباً على الجماعات، وتلاوة القرآن، وكان يعتكف في رمضان في المنارة الشرقية . وكان كثير النوافل، والأذكار، وكان يُحيي ليلة العيدين بالصلاة والذكر، وكان يحاسب نفسه على لحظة تذهب في غير طاعة . وكان يصدع بالحق ولا يخاف في الله لومة لائم، ويسطو على أعداء الله المبتدعة. وكان معرضاً عن الدنيا زاهداً في متاعها، منصرفاً عن مناصبها بعد أن عرضت عليه، قليل الالتفات إلى ذوي الجاه والسلطان. رحمه الله رحمة واسعة، ونفعنا به . مؤلفاته ابن عساكر من أعظم المؤلفين في الإِسلام، بل من المكثرين على المستوى الانساني عموماً، فلقد جمع وصنف الكثير، وها نحن نذكر مؤلفاته على ترتيب حروف المعجم: ١ - إجابة السؤال في أحاديث شعبة - جزء واحد. ٢ - أحاديث أبي الأشعث الصَّنعاني - ٣ أجزاء. ٤ - أحاديث جماعة من كَفَرْ سُوسِیَةَ - جزء واحد. ٤ - أحاديث حَنَّش والمُطعم وحفص الصنعانيين - جزء واحد. ٥ - الأحاديث الخماسیات، وأخبار ابن أبي الدنيا - جزء واحد. ٦ - أحاديث صنعاء الشام - جزءان. - ٢٤ - ٧ - الأحاديث المُتَخَيَّرة في فضائل العشرة - جزءان. ٨ - أخبار أبي عمرو الأوزاعيّ وفضائله - جزء واحد. ٩ - أخبار أبي محمد سعد بن عبد العزيز وعواليه - جزء واحد. ١٠ - أربعون حديثاً عن أربعين شيخاً من أربعين مدينة - جزءان وهو الكتاب الذي نحن بصدد تحقيقه. ١١ - أربعون حديثاً مساواة الإِمام أبي عبدالله الفَراوي - جزء واحد موجود في برلین. ١٢ - الأربعون الطوال - ٣ أجزاء. ١٣ - الأربعون في الجهاد - جزء. ١٤ - الاشراف في معرفة الأطراف في الحديث جمع فيه سنن أبي دواد، وجامع الترمذي، والنسائي، وأسانيدها، وغيرها، ورتبه على حروف المعجم - ٤٨ جزءاً. يوجد في أيا صوفيا، والمكتبة الخديوية في مجلدين كبيرين. ويوجد في مكتبة كارل ماركس في مدينة لايبزيك في ألمانيا الشرقية . ١٥ - الاعتزاز بالهجرة - جزء. ١٦ - الاقتداء بالصادق في حفر الخنادق - جزء. ١٧ - الانذار بحدوث الزلازل - ٣ أجزاء. ١٨ - تاريخ مدينة دمشق - ٧٠ جزءاً من تجزئة الأصل، والنسخة الجديدة ثمان مئة جزء. وقد صورت دار البشير للنشر والتوزيع - عمان هذا الكتاب في ١٨ مجلداً، وكان مجمع اللغة العربية بدمشق قد قام بتحقيق - ٢٥ - عددٍ من أجزائه، ولا زال الباقي ينتظر جهود العاملين. وللكتاب عدة مختصرات: أحدها لأبي شامة . واختصره ابن منظور وقد طبع منه ٣٠ جزءاً. واختصره اسماعيل العجلوني الجرّاحي وسماه: العقد المنظوم الفاخر بتلخيص تاريخ ابن عساكر منه نسخة في مكتبة توبنجن. واختصره الشيخ أبو الفتح الخطيب إلى حرف الصاد، وهو في الخزانة التيمورية بخط الملخص [كشف الظنون ١ /٢٩٤]. واختصره الشيخ عبد القادر بدران ولم يكمله. ١٩ - التالي لحديث مالك العالي - ١٩ جزءاً. ٢٠ - تبيين الوهم والتخليط فيما أخرجه أبو داود من حديث الأطيط - جزء. ٢١ - تبيين الامتنان في الأمر بالاختتان. ٢٢ - تبيين كذب المفتري - مجلد واحد مطبوع أكثر من طبعة . ٢٣ - تخريج المجالس السبعة لشيخه أبي الحسن السُّلَمي مع الكلام عليها . ٢٤ - ترتيب الصحابة في مسند أحمد - جزء. ٢٥ - ترتيب الصحابة في مسند أبي يعلى - جزء. ٢٦ - تشريف يوم الجمعة - ٧ أجزاء. ٢٧ - تقوية المنة على انشاء دار السنة - ٣ أجزاء. ٢٨ - تكميل الانصاف والعدل بتعجيل الاسعاف بالعزل - جزء. - ٢٦ - ٢٩ - تهذيب المتلمس من عوالي مالك بن أنس - ٣١ جزءاً. ٣٠ - ثواب الصبر على المصائب بالولد - جزءان . ٣١ - الجواب المبسوط لمن ذكر حديث الهبوط - جزء. ٣٢ - الجواهر واللآلي في الابدال العوالي - ٣ أجزاء. ٣٣ - حديث أبي بكر بن محمد بن رزق الله، المنيني المقريء - جزء. ٣٤ - حدیث أهل بيت سوا - جزء. ٣٥ - حديث أهل دقانية وحجرا وعين ثرماء (في المعجم: عين توما) وجدیا وطرمیس - جزء. ٣٦ - حدیث أهل رنْدِین وچِبْرین - جزء. وجاء في بعض المصادر (زِيْدِين وجِسْرين) [وقرية زبدين لا زالت معروفة عند أهل دمشق في الغوطة الشرقية]. ٣٧ - حدیث أهل فذایا وبیت أرانس وبيت فوقا - جزء. ٣٨ - حديث أهل قرية البلاط - جزء. ٣٩ - حديث أهل قرية الحِمْيَرِّين وقُبَيْبَات - جزء. ٤٠ - حدیث أهل كفر بَطْنا - جزء. ٤١ - حديث جماعة من أهل بيت لَهْيا - جزء. ٤٢ - حدیث جماعة من أهل جُوبَر - جزء. ٤٣ - حديث جماعة من أهل حَرَسْتا - جزء. ٤٤ - حديث دومة ومسرابا والقصير - جزء. ٤٥ - حدیث سعد بن عبادة - جزء. ٤٦ - حديث سلمة بن علي، الحسني البلاطي - جزءان . ٤٧ - حديث يحيى بن حمزة، البَتْلَهي وعواليه - جزءان. - ٢٧ - ٤٨ - حدیث بسر بن صفوان وابنه وابن ابنه - جزء. ٤٩ - دفع التثريب على من فسّر معنى التثويب - جزء. ٥٠ - ذكر البيان عن فضل كتابه القرآن - جزء. ٥١ - ذكر ما وجدت في سماعي مما يلتحق بالجزء الرباعي. ٥٢ - ذم من لا يعمل بعلمه - حققه علي حسن عبد الحميد، وطبع بدار عمار- عمان. ٥٣ - روايات ساكني داريًا - ٦ أجزاء. ٥٤ ۔ السُّداسیات - جزء. ٥٥ - طرق حديث عبدالله بن عمر - جزء. ٥٦ - عوالي حديث سفيان الثّوريّ وخبره - ٤ أجزاء. ٥٧ - فضائل مقام ابراهيم، ومن حديث أهل بَرْزَة - جزء. ٥٨ - فضل أصحاب الحديث - ١١ جزءاً. ٥٩ - فضل الرَّئْوَة والنَّيْرَب ومن حدث بهما - جزء. ٦٠ - فضل عاشوراء والمحرم ٣ أجزاء. ٦١ - فضل الكرم على أهل الحرم - جزء. ٦٢ - القول في جملة الأسانيد في حديث المؤيد - ٣ أجزاء. ٦٣ - كشف المُغَطّا في فضل المُوَطَّا. ٦٤ - ما وقع الأوزاعي من العوالي - جزء. ٦٥ - مجموع الرغائب مماوقع من أحاديث مالك الغرائب - ١٠ أجزاء. ٦٦ - مجموع من أحاديث جماعة من أهل بَعْلَبَكٌ - جزءان. ٦٧ - مجموع من حديث محمد بن يحيى بن حمزة الحَضْرَمي البتلهي - جزءان. سن ٢٨ - ٦٨ - المستفيد في الأحاديث السباعية الأسانيد - ٤ أجزاء. ٦٩ - المستقصى في فضائل المسجد الأقصى من الجزء ١٢ - ١٥ في الخزانة التيمورية . ٧٠ - المسلسلات - ١٠ أجزاء. ٧١ - مسلسل العیدین - جزء. وأملى رحمه مئات المجالس منها: ٧٢ - مجلس في التوبة . ٧٣ - مجلس في التنزيه . ٧٤ - مجلس في فضل عبدالله بن مسعود. ٧٥ - مجلس في فضيلة ذكر الله . ٧٦ - مجلس في نفي التشبيه . ٧٧ - المشيخات الاحدى عشر التي خرجها لشيخه أبي غالب بن البناء . ٧٨ - مشيخه شيخه أبي المعالي عبدالله بن أحمد الحلواني الأصولي - جزءان . ٧٩ - مصافحة لأبي سعد السمعاني وأربعين حديثاً - جزء. ٨٠ - معجم أسماء القرى والأمصار التي سمع بها - جزء. ٨١ - معجم الشيوخ النبلاء (جزء) نشرته سكينة الشهابي وطبع في دار الفكر دمشق ١٩٨٠ ويقع في : ٣٣٦ ص. ٨٢ - معجم من سمع منه أو أجاز له - ١٢ جزءاً. ٨٣ - معنى قول عثمان ما تعنّيْت ولا تمنّيت - جزء. ٨٤ - المقالة الفاضحة للرسالة الواضحة - جزء. ٨٥ - مناقب الشُبَّان - ١٥ جزءاً. - ٢٩ - ٨٦ - من سمع منه من النِّسْوان - جزء. ٨٧ - من لا يكون مؤتمناً لا يكون مؤذناً - جزء. ٨٨ - من نزل المِزَّة وحدث بها - جزء. ٨٩ - من وافقت كنيته كنية زوجته - ٤ أجزاء. ٩٠ - الموافقات على شيوخ الأئمة الثقات - ٧٢ جزءاً. هذا ما تم من مصنفاته، أما ما بدأ به ولم يتم : ٩١ - الأبدال ولو تم لكان ٢٠٠ جزءاً أو أكثر. ٩٢ - ذم الرافضة . ٩٣ - الصفات. ٩٤ - فضل بيت المقدس. ٩٥ - فضل الجهاد. ٩٦ - فضل قريش وأهل البيت والأنصار والأشعريِّين. ٩٧ - فضل المدينة . ٩٨ - فضل مكة. ٩٩ - مسند مَكْحول وأبي حنيفة. وغير ذلك أشياء تبلغ أربعين مصنفاً كما قال الكوثري . * الجزء عشرون ورقة . - ٣٠ - كتاب الأربعين عن أربعين من أربعين لأربعين في أربعين تأليف الإِمام الحافظ، محدث الشام، ناصر السنة أفضل المتأخرين، أوحد العلماء، ثقة الدين أبي القاسم علي بن الحسن بن هبة الله بن عبدالله ابن الحسين بن عساكر الدمشقي الشافعي قدس الله روحه، ونوّر ضريحه رواية الشيخين العدل أبي المكارم عبد الواحد بن عبد الرحمن بن هلال الأزْدي والمقرىء أبي بكر عتيق بن أبي الفضل بن سلامة السَّلْماني كلاهما عنه رواية الشيخ أبي علي الحسن بن علي بن أبي بكر ابن الخلال الدمشقي عنهما سماع صاحبه الفقيه الصالح المقرىء أبي الحسن علي بن محمد بن عبدالله الختنيَّ منه - ٣١ - ولد الحافظ ابن عساكر في المحرم سنة تسع وتسعين وتوفي في رجب سنة احدى وسبعين وخمسمئة بداره في دمشق . الحمد لله رب العالمين: وبعد: فقد قرأ على سيدنا ومولانا وشيخنا كريم الدين أبي الفضل محمد بن محمد بن محمد بن العماد النابلسي الشافعي فسح الله - تعالى - مدته. كاتبه محمد بن سبك اليوسفي. جميع الأحاديث بقدر الأربعين البلدانية، وجميع الكلام على الأحاديث بإجازة المستمع لها من المسندة أم الفضل هاجر القدسية، وفاطمة وعائشة؛ ابنتي الزين القُمّي بإجازتهم من أبي هريرة بن الذهبي بسماعه لها من القاسم بن مظفر بن عساكر، أنا نصر الله بن عبد الرحمن بن مكارم وعم أبي عز الدين محمد بن محمد بن أحمد بن الحسين النسَّابة، وتاج الدين عبدالله بن عمربن علي بن حَمَّويه الجُوَيْني، وعبد العزيز بن محمد الصَّالحي - عرف بابن أبيه - قراءة عليه وأنا حاضر أسمع بسماع الأربعة لها من أبي القاسم علي بن الحسن بن عساكر مؤلفها فذكرها فسمعها ولد كاتبه: أحمد بن محمد بن سُبك اليُوسفي . والشيخ شرف الدين يونس بن بلال المسمى الحنفي وكانت القراءة بالمدرسة المعمورة بذكر الله - تعالى - الكائنة بدرب القَيِّم المعرف بمدرسته النّيابي بالقرب من جامع سُنقَر بخط أبنائه، وأجاز مرويّهُ. وذلك يوم السبت المبارك ثاني عشر من شهر ذي الحجة الحرام آخر شهور سنة ست عشرة وتسع مائة. الحمد لله . صحح ذلك كاتبه محمد بن العماد [١ أ]. - ٣٢ - أخبرنا الشيخ الجليل المسند الأصيل بدر الدين أبو علي الحسين بن علي بن أبي بكربن الخلال الدمشقي قراءة عليه وأنا أسمع قال: انا الشيخان: العدل أبو المكارم عبد الواحد بن عبد الرحمن بن هلال الأزدي . والمقرىء أبو بكر عتيق بن أبي الفضل بن سلامة السلماني قراءة عليه وأنا أسمع، في يوم الثلاثاء عاشر شهر رمضان سنة أربعين وستمئة قالا: أخبرنا الشيخ الإِمام الحافظ شيخ الإِسلام صدر الحفاظ ثقة الدين أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله بن عبدالله بن الحسين الشافعي - رضي الله عنه - قراءة علیه ونحن نسمع قال: الحمد لله القاهر القادر القويّ المتين، الإِله الفاطر الغافر الساتر الغني المعين، أحمده حمد معترف له بالإِبداع والإِيجاد والتكوين، وأتوكل عليه توكل ذوي الإِخلاص واليقين، وأشهد أن لا إله إلا هو ذو الفضل المبين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله المختار للتبيين، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ذوي العقل الرصين، صلاة مقرونة بالمزيد والدوام إلى يوم الدين. أما بعد: فإن الله سبحانه خلق خلقه من الطين، وأنشأهم بقدرته كما شاء من الماء [٢ أ] المهين، وجعلهم بحكمته وإرادته نطفاً فى - ٣٣ - القرار المكين، وأحسنَ صورهم إذا صوّرهم غاية التحسين، وخص أمة محمد - عليه السلام - بالفضل المستبين، وأرسل إليهم رسولاً منهم أيده بالحجج والبراهين، فعلمهم وفهمهم وأدبهم على وجه التمرين، وأمر أمته المرحومة بطلب العلم ولو بالصين(١)، ليميِّزوا به إذا سمعوه بين الغث والسمين، ووعد الثوابَ لمن حفظ لأجل التبليغ والتلقين على أمته أربعين حديثاً من أمر الدين، حرصاً على إرشادهم إلى اقتناء النفيس الثمين، وخوفاً عليهم أن يثبتوا دينهم بالظن والتخمين، فيوقعهم ترك (١) حديث (اطلبوا العلم ولو بالصين) رواه البيهقي في شعبٍ الإِيمان، والخطيب في الرحلة في طلب الحديث، وراه ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله والديلمي في مسند الفردوس. كلهم من حديث أبي عاتكة طريف بن سلمان وابن عبد البر وحده رواه عن أنس مرفوعاً. قال السخاوي : وهو ضعيف من الوجهين. بل قال ابن حِبّان: إنه باطل لا أصل له. وذكره ابن الجوزي في الموضوعات. ولكن نوزعت هذه الأقوال بقول الحافظ المزي: له طرق يصل بمجموعها إلى الحسن. ويقول الذهبي في تلخيص الواهيات: رُوي من عدة طرق واهية وبعضها صالح . انظر: المقاصد الحسنة: ٩٣ (١٢٥)، وكشف الخفاء: ١٥٤/١ (٣٩٧). - ٣٤ - إمساك أمره في التغيير والتلوين، فَجَدُّوا في اقتباسهِ في سائر الأوقات والأحايين، وطاروا في التماسه إلى البلدان كالعقبان والشواهين، وعاشوا - بسببه - في الغربة عيش الفقراء والمساکین، وتحوّزوا في طلبه بأكل الجشِب(١) ولبس الثخین، فربّ عزيزٍ صار في غربته كالبائس المسكين، ورب منّعَّمِ أضحى لطول العناء كالخاضع المستكين، ولم يشغلهم عن طلابه الاشتغال بالحوانيت والبساتين، ولم تلههم عن اكتسابه الشهوات وشمُ الریاحین، وحملوه عن أربابه بالجدّ فیه ورفض التهوين، واستكثروا من السماع من العالم به. الصادق الأمين [٢ ب]، وكتب القرين منهم لحرصه عليه عن القرين، حتى أحكموا فيه وجوه التصحيح له والتوهين، ودوّنوه عن أئمتهم وشيوخهم الثقات أحكم التدوين، وزينوه للطالب له بتصنيفهم وتأليفهم أبلغ التزيين، ومكن الله لهم في نشره أحسن التمكين، ونُسبوا لأجله إلى المصطفى - صلى الله عليه وسلم - بالتعیین، فجعلهم الله - سبحانه - برحمته من أصحاب اليمين، وزوّجهم بكرمه في دار كرامته بالحور العين. فلما وقف علماؤهم على ما حضهم نبيهم عليه بادر بعضهم إلى امتثال ما نَدَبَهم إليه، وصنف جماعة منهم أربعينات سُمعت منهم، واشتهرت بهم، ونقلت عنهم، واختلفت مقاصدهم في تصنيفها، ولم يتفقوا على غرض واحد في تأليفها، بل اختلفوا في جمعها وترتيبها، وتباينوا (١) الجشب: ما خشن من الطعام (قاموس: جشب). - ٣٥ - في عدها وتبويبها، فمنهم من اعتمد على ذكر أحاديث التوحيد، وإثبات الصفات لله - عزّ وجل - للرد والتمجيد، ومنهم من قصد ذكر أحاديث الأحكام لما فيها من التمييز بين الحلال والحرام . ومنهم من اقتصر على ما يتعلق بالعبادات؛ ويكون سبباً لاكتساب القُرَب والطاعات . ومنهم من اختار سلوك طريق أصحاب الحقائق في إيراد أحاديث المواعظ والرقائق . ومنهم من قصد إخراج ما صح سنده، وسلم من الطعن عند الأئمة مورده . ومنهم من كان قصده [٣ أ] ومراده اخراج ما علا عنده إسناده . ومنهم من أحب تخريج ما طال متنه، وظهر لسامعه حين يسمعه حسنه . إلى غير ذلك من الأنواع التي قصدوها، والأغراض التي سنحت لهم وأرادوها، وكل منهم لم يأل في طلب الأجر، ولم يقصر في اقتناء الثواب والذخر. وسمى كل واحد منهم كتابه ((بكتاب الأربعين)) فرحمة الله، ورضوانه عليهم أجمعين؛ كما نشروا الدين، وأظهروا الحق المبين، وفيهم لمن بعدهم أسوة، وهم لمن اقتفى آثارهم القدوة . - ٣٦ - فمنهم: محمد بن أسلم الطّوسي الطّابَراني . وأبو العباس الحسن بن سفيان النّسَوي الشَّيْبَاني. وأبو بكر محمد بن الحسين الآجُرُّيُّ. ومحمد بن ابراهيم بن علي بن المقريء. وأبو بكر محمد بن عبدالله بن محمد الجَوْزَقِيُّ . وأحمد بن الحسين بن علي البَيْهَقِيُّ . وأبو الخير زيد بن رفاعة الهاشميُّ. وأبو عبد الرحمن محمد بن الحسين السُّلَميّ. وأبو عبدالله محمد بن عبدالله الحاكم النيْسَابُوري. وأبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القُشَيْري . وأبو سعد أحمد بن محمد بن أحمد بن الخليل المَالِينيُّ . وأبو الفتح نصر بن ابراهيم المقدسيُّ الفلسطينيُّ . وأبو نعيم أحمد بن عبدالله بن أحمد الأصبهانيُّ . وأبو سعيد أحمد بن ابراهيم المقرى المهرَانيُّ. وأبو نصر محمد بن علي بن وَدْعان المَوْصليُّ. [٣ ب]. وأبو اسماعيل عبدالله بن محمد الأنصاريُّ الحنبليُّ . وشيخانا: أبو عبدالله محمد بن الفضل الفُراويُّ الشَّهْرَسْتاني . وأبو سعد اسماعيل بن أبي صالح المؤذن الكِرْمَانِيُّ . ولغير من سميت من قوم آخرين من المتقدمين من أصحاب الحديث والمتأخرين في هذا المعنى ما كفى وأغنى . وقد وقع إلي من أربعيناتهم نحو الثلاثين، ولولا خشية - ٣٧ - الاطالة لذكرت أسانيدها بالتعيين. وقد جمعت أنا ((الأربعين الطوال)) و ((الأربعين في الأبدال العوال)) و((الأربعين في الاجتهاد في إقامة فرض الجهاد)). ثم لما عثر بعض أصحابي، وحبيب من أحبابي على الأربعين التي صنفها الشيخ الإمام الحافظ بقية السلف، ومُقتدى أصحاب الحديث من الخلف: أبو طاهر أحمد بن محمدبن أحمد الأَصْبَهانيُّ السِّلفيُّ فسح الله في أجله، وختم له بخير عمله؛ فإنه شيخ الجماعة، والمتقدم في هذه الصناعة، وأعلى الجماعة سِنّاً، وأحسنهم في جمع الحديث فنّاً، وأقدمهم له سماعاً، وأعظمهم فيه ارتفاعاً، وجعلها أربعين حديثاً عن أربعين شيخاً في أربعين مدينة، أبان بها عن رحلةٍ واسعةٍ، وأظهر فيها رتبةً عاليةً مبينةً، وسألني أن أقتدي سنته، وأقتفي سبيله في صنعته، فأجبته إلى ما التمس من ذلك الغرض، وجعلت سلوك [٤ أ] سبيل ذلك الشيخ كالشيء المفترض، ولقد أحسنَ فيما قصدَ، وأغربَ فيما له اعتمد، وزدت على ما أتى به من الغرابة بأن جعلتها عن أربعين من الصحابة، وهي إذا اعتبرت تخرج في أربعين باباً، كل حديث باب منها؛ إذا جمع إليه ما يليق به صار كتاباً . وبينت صحيحها من معلولها، وأبنت مقبولها من مردودها وتكلمت على أحوال نقلتها، وعرفت برواتها وحملتها، وذكرت من أسمائهم وكناهم وأنسابهم ما لعله يخفى، ليكون الانتفاعُ بها - ٣٨ - لمن أراد تحصيلها أوفى، ويكون الاستفادة منها أكمل، وفوائدها أعمر وأشمل. وإذا ذكرت حديثاً للضرورة نازلاً أوردته من وجه آخر عالياً؛ ليكمل لطالبه الابتهاج بحصوله، ويصيرَ لديه عزيزاً عالياً، فإن لعلوّ الاسناد في القلب فَرْحةً، وقد عدّ بعض العلماء نزول الحديث قَرحةً، وقد قال بعض من رغبَ في الحديث وتحصيله: ((إن قرب الاسناد قربٌ إلى الله وإلى رسوله))(١). كما أخبرنا الشریفُ أبو الحسن زید بن الحسن بن زيد بن حمزة بن محمد بن موسى بن أحمد بن محمد بن القاسم بن حمزة بن موسى بن جعفر الموسويُّ الطُّوسيُّ بِطَابَرَانَ، أنا أبو الخير عبدالله بن مرزوق الهَرَوي، أنا أبو الفضل الطَّبَسِيّ بها، أنا محمد بن القاسم الفارسيّ، ثنا أبو بكر محمد بن محمد الحافظ، ثنا أبو عبدالله المخضوب قال: سمعت [٤ ب] محمد بن ابراهيم الحافظ يقول: سمعت يحيى بن معين يقول: ((الاسناد النازل قَرْحةً في الوجه، والاسناد العالي قربة إلى الله ورسوله»(٢) . (١) هذا القول قاله محمد بن اسلم الطوسي، انظر الجامع ١٢٣/١، تدريب ١٦٠/٢، مقدمة ابن الصلاح ٣٨١/١ وعلق عليه بقوله: لأن الاسناد قرب من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والقرب إليه قرب من الله - عز وجل -. (٢) انظر هذا القول في الجامع ١٢٣/١، تدريب الراوي ١٧١/٢ - ١٧٢. - ٣٩ - فأول ما أبدأ به ذكر أحاديث في الحث على حفظ أربعين حديثاً من السنّة، وأن من حفظها يكون فقيهاً مستوجباً للشفاعةِ، ودخول الجنة، ثم أردف ذلك بذکر حدیث حديث أولى(١) في كل بلد دخلته من سائر الآفاق؛ من الحجاز والشام وخراسان والجبال والجزيرة والعراق، وأول ما أبدأ به ذكر الحرمين الشريفين المعظمين المكرمين، ثم الشام والعراق وأصبهان ومدن كور خراسان إلى غير ذلك من الأمصار التي دخلتُها في سائر الأقطار، وقد أخرجت لذكر ذلك معجماً مفرداً؛ فمن وقف عليه وجد ذكرها فيه مقيّداً، ولا يتأتى ذلك إلا لذي رحلةٍ واسعةٍ، وصفّاق(٢) آفاقٍ، وجوّاب بلاد شاسعةٍ، قد أدّرع الأهوال، وقطع الفراسخ، وأنفق الأموال في لقاء المشايخ ، واستهان الشدائد، وانتهز الفوائد، وقد رزق الله - سبحانه - من ذلك ما يسره، وسهل منه ما شاءه وقدره، فله الحمد على ما أعطى ومنح، وله الشكر على ما منّ به وفتح، والله يعصمنا من المباهاة، ويعيننا من المنافسة والمراءاة؛ فإنه الموفق للسداد، والمعين على بلوغ المراد. [٥ أ]. أخبرنا أبو القاسم هبة الله بن محمد بن عبد الواحد بن أحمد الحصين الشيباني الكاتب ببغداد غير مرّة، أنا أبو طالب محمد بن محمد بن ابراهيم بن غَيْلان البزَّار، أنا أبو بكر (١) وردت هذه اللفظة في الهامش على وجه التصحيح. ولم أهتد إلى وجه الصواب فیھا . (٢) صفاق: كثير الأسفار (قاموس - صفق). - ٤٠ -