النص المفهرس

صفحات 1101-1120

فأخبرهم بتفريجها ونص لهم على الوجوه التي يكون منها فرجها فجاء الأمر
كذلك بلا زيادة ونقص ثم قال: والمنكر لهذا لا يخلو إما أن يكون ممن
يصدق بكرامات الأولياء أو لا؟ فإن كان الثاني، فقد سقط البحث عنه، فإنه
مكذب ما أثبتته السنة بالدلائل الواضحة، وإن كان الأول، فهذه منها، لأن
الأولياء يكشف لهم لخرق العادة عن أشياء في العالمين العلوي والسفلي
عديدة، مع التصديق بذلك(١). وفي الكلامين مناقشات يطول الأمر بذكرها
منها: أن المنقول عنهم إن كان الحاكي عنهم ممن يعلم ثقة لم يبين لثقته ما
اتفق لهم فهو محمول المعنى والنقل معاً، كالمحكي عن أبي البيان فإنه نظير
ما رويناه عن أبي القاسم الجنيد(٢) أنه رأى وفر في المنام فقال له: يا رسول
الله نجتمع مع إخواننا فنقول القول وتظهر منا الحركات فما تقول في ذلك؟
فقال: ما اجتمعتم إلا وأنا معلم، ولكن ابتدؤوا بالقرآن واختموا به. ولكن
القصد أن القول بوقوعها في الدنيا يقظة قد استشكله شيخنا رحمه الله جداً
وأنا معه في ذلك مع تصديق كل منا بكرامات الأولياء لاحتمال خطأ الرأي
الناشيء عن الظن في كون المرئي هو الذات الشريفة كما اتفق لمن جاء من
الأنصار لرسول الله ◌َفر لما قدم هو وصاحبه أبو بكر الصديق المدينة في
الهجرة ممن لم يكن رآه قبل ذلك حيث ظنوه أبا بكر إلى أن تبين لهم أنه
غيره حيث أصابت الشمس رسول الله وَ له وأظله أبو بكر بردائه (٣) ومن ثم
(١) إلى هنا انتهى كلام ابن أبي جمرة.
(٢) أبو القاسم الجنيد بن محمد بن الجنيد النهاوندي ثم البغدادي القواريري، شيخ
الصوفية، ولد سنة نيف وعشرين ومائتين، قال الذهبي: أتقن العلم ثم أقبل على شأنه
وتألَّه وتعبد ونطق بالحكمة وقَلَّ ما روى انظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء ١٤/ ٦٦
وطبقات الشافعية للسبكي ٢٦٠/٢ - ٢٧٥ وطبقات ابن سعد ٢٣٣/١.
(٣) انظر هذا الخبر في سيرة ابن هشام ١٣٣/٢-١٣٤ وتاريخ الطبري ٣٨٢،٣٨١/٢.
١١٠١

توقف في التمسك لدعوى حياة الخضر عليه السلام يرويه جماعة له
كالشيخ عبدالقادر، الذي نقل ابن العماد في كتابه: نظم الدرر في هجرة
خير البشر(١) مما أستغربه ممن يعتمد أنه أدرك من الجن الذين أسلموا
لسماع القرآن منه وَ ر واحداً، وقيل: إنه يحتاج إلى ثبوت كون المرئي عين
الخضر صاحب موسى عليه السلام سيما مع تغاير صفة المرئي بعينهم،
والقول بأن لكل زمان خضر بحيث قيل: إن الخضر مرتبة من وصل إليها
سمي الخضر، كالقطب والغوث، فقال أبو الخطاب ابن دحية (٢): كيف
يجوز لعاقل أن يلقى شخصاً لا يعرفه فيقول له: أنا فلان فيصدقه. ونحوه
قول ابن الجوزي(٣) وغيره كالذهبي فإنه لما حكى في ترجمة أبي البيان
المشار إليه من تاريخه(٤): إن عبدالله البطائحي رأى الخضر قال: إن صح
فهو ظن في أن ذلك الشخص هو الخضر، بل لما قيل للإمام أبي الفتح ابن
دقيق العيد حين ذكر عن شيخ له أنه رأى الخضر وحدثه من أعلمه أي
الشيخ بأنه الخضر وهل عرفت أنت ذلك؟ سكت. على أن في الاستدلال
بها لمرادهم، وكذا في عدم التعرض للرد على المستدلين به من هذه
الحيثية تسليم للأئمة ثم وجدت الإمام القرافي أحد الأئمة المالكية قرر في
قواعده أن رؤيته وَلاي هنا إنما تصح لأحد رجلين إما صحابي أو عالم بصفته
قال: وأما غيرهما فلا يحصل الجزم بها يعني ولو وجد في نفسه أن المرئي
(١) بحثت في مصادر ترجمته ولكن لم أقف على هذا الكتاب من مؤلفاته.
(٢) ذكره عنه الحافظ في الإصابة ٢٩٦/٢.
(٣) ذكره ابن الجوزي في كتابه ((عجالة المنتظر في شرح حال الخضر) كما ذكره الحافظ
ابن كثير في البداية والنهاية ٣٣٠/١، ٣٣٤، ٣٣٦، وقد نقل عنه الحافظ في الإصابة
٢٨٦/٢، ٣٣٥.
(٤) ذكر هذه الحكاية السبكي في طبقات الشافعية ٣١٨/٧ في ترجمة أبي البيان وهو:
نبا بن محمد بن محفوظ القرشي تقدمت ترمته في بداية هذه المسألة.
١١٠٢

هو بل يجوز أن يكون رأى النبي وَلل تمثاله، ويحتمل أن يكون من عمل
الشيطان ولا يفيده قول الذي يراه: أنا رسول الله وَله ولا صحة قول من
يحضر معه: هذا رسول الله ◌َّ لأن الشيطان يكذب لنفسه ويكذب لغيره
فلا يحصل الجزم به ويقصد بأن أهل التعبير على خلافه وما شكوا منه
إيطال رؤية الإِنس فرؤية الملائكة إذا تحقق لا صورة له حتى يتمثل صورة
بصورة.
قلت: يمكن أن يقال: إنه يرى شيئاً لا يشبه المخلوقين وقد علم أنه
لا يشبه شيئاً من مخلوقاته كما جزما قيل به في قوله: فيأتيهم الله في
صورته التي يعرفون، ولأن القول بوقوعها في الدنيا يقظة يستلزم أن يكون
هو لأصحابه، وإمكان بقاء الصحابة إلى يوم القيامة، وهذا الذي استشكل
به شيخنا القول به، ويمكن الجواب عنه بما أجبت به من قال بصحبة من
اتفق أنه رآه في قبره الشريف أو قبل أن أدرج في أكفانه(١) تكون هذه
الحياة أخروية بدليل أن الشهيد مع كونه أيضاً حياً قطعاً يقسم ميراثه وتنكح
نساؤه، وكان شيخنا يرى أن الأمر هنا أوضح من أن يتكلف له برد ويتأيد
ما ذهبنا إليه لصرف غير واحد من الأئمة قوله وَّطفي: ((فسيراني في اليقظة))
من حديث ((من رآني)) عن ظاهره وأنه على التمثيل والتشبيه بدليل قوله في
الرواية الأخرى: ((فكأنما رآني في اليقظة)) ومنه قول الشافعي: إذا رأيت
رجلاً من أصحاب الحديث فكأنما رأيت النبي مسر، وفي لفظ:
أصحابه(٢)، أو يرى في اليقظة تأويلها وتفسيرها بطريق الحقيقة أو التعبير
لأنه حق وغيب ألقاه الله الملك أو يراه يوم القيامة بمزيد خصوصية، لا
(١) انظر: مسألة رقم (٤٩).
(٢) أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء ١٠٩/٩ وذكره الذهبي في سير أعلام النبلاء
١٠ / ٥٩-٦٩،٦٠.
١١٠٣

مطلق من يراه حينئذ ممن لم يره في المنام أو يخصه بأهل عصره الشريف
ممن آمن به قبل أن يراه أو يراه في المرآة التي كانت له إن أمكنه، وممن
ذهب إلى الثاني القاضي أبو بكر بن العربي في شرح الترمذي وضعف
الثالث حيث أطلق فيه الرؤية في القيامة فقال: وهذا لا معنى له، ولا فائدة
في هذا التخصيص يعني فإنه سيراه في القيامة في اليقظة جميع أمته من رآه
في النوم ومن لم يره قال: وأما قوله: ((فكأنما رآني))، فهو تشبيه ووجهه
أنه لو رآه في اليقظة لطابق ما رآه في المنام فيكون الأول حقاً حقيقة،
والثاني حقاً تمثيلاً ومجازاً قال: وهذا كله إذ رآه على صورته المعروفة فإن
رآه على خلاف صفته فهي أمثال، فإن رأى حسن الهيئة، حسن الأقوال
حسن الأفعال مقبلاً على الرأي كان خيراً له، وفيه: وإن رأى خلاف ذلك
كان شرّاً له (١)، وفيه: ولا يلحق النبي ◌ّليل من ذلك شيء وتفصيل هذا في
كتب التعبير، وكذا اختار ابن بطال الثاني ورد الثالث(٢) وحكاهما القاضي
عياض مضعفاً الثالث أيضاً، ثم وجهه بمزيد الخصوصية كما تقدم، قال:
ولا يبعد أن يعاقب الله بعض المذنبين في القيامة بمنع رؤية نبيه بَ له مدة(٣)
وتبعه أبو عبدالله بن الحاج في المدخل(٤)، وحمله على الرابع ابن التين
ونقله عن القزار(٥)، وكذا أورده المازري احتمالاً فقال: يحتمل أن يريد
أهل عصره ممن لم يهاجر إليه ◌َي وأنه إذا رآه في المنام فسيراه في اليقظة
ويكون الباري جلت قدرته جعل رؤيته في المنام علماً على رؤية اليقظة
(١) ذكر قول ابن العربي هذا الحافظ في الفتح ١٢/ ٣٨٤.
(٢)
انظر: فتح الباري ٣٨٥/١٢.
(٣)
المصدر السابق ٣٨٤/١٢_٣٨٥.
(٤) المدخل لابن الحاج ٣/ ١٥٢ -١٥٣.
(٥) انظر فتح الباري ٣٨٥/١٢.
١١٠٤

أوحي إليه بذلك(١)، وعلى الخامس ابن أبي جمرة (٢) مستدلاً له بما
حكاه ظناً منه عن ابن عباس أنه رأى النبي ◌ّل# في النوم فذكر بعد استيقاظه
هذا الحديث وبقي متفكراً فيه ثم دخل على بعض أمهات المؤمنين - أظنها
ميمونة - فأخرجت له جبته و * ومرآته فنظر في المرآة فرأى صورة النبي ◌َّ
ولم ير صورة نفسه انتهى.
وفي ثبوت هذا نظر، بل قال شيخنا: إن الحمل عليه من أبعد
المحامل، قال: ويعكر على حمله على ظاهره أن جمعاً جماً رأوه في
المنام ثم لم يذكر واحد منهم أنه رآه في اليقظة، وخبر الصادق لا
يتخلف، وكذا اشتد إنكار القرطبي على من قال: إنه يراه في المنام حقيقة
ثم يراه كذلك في اليقظة(٣)، وقال الغزالي: ليس معنى ((فسيراني في
اليقظة)) أنه يرى جمسي وبدني، قال: والآلة تارة تكون حقيقية وتارة تكون
خيالية والنفس غير المثال المتخيل، فما رآه من الشكل ليس هو روح
المصطفى ولا شخصه بل هو مثال له على التحقيق(٤)، وكذا قال في بعض
فتاويه: من رأى رسول الله بَله ــ يعني مناماً - لم ير حقيقة شخصه
الموضوع في روضة المدينة وإنما رأى مثالاً لا شخصه، ثم قال: وذلك
المثال مثال روحه المقدسة عن الصورة والشكل، بل نقل القاضي أبو
بكر بن العربي القول بأن الرؤية في المنام بعين الرأس حقيقة غلواً
وحماقة، ثم حكى ما نسب لبعض المتكلمين وهو القول بكونها مدركة
(١) المصدر السابق.
(٢) انظر: بهجة النفوس ٢٣٨/٤ وفتح الباري ٣٨٥/١٢.
(٣) انظر: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم ٢٢/٦-٢٣ وذكره أيضاً الحافظ في
فتح الباري ٣٨٥/١٢.
(٤) المصدر السابق ٣٨٧/١٢-٣٨٨.
١١٠٥

بعينين في القلب وأنه ضرب من المجاز نحو ما قاله الأستاذ - يعني ابن
فورك (١) - أو غيره. انتهى. وكذا أقول: إنه لا يمتنع عن خواطر أرباب
القلوب القائمين بالمراقبة والتوجه على قدم الخوف حيث لا يسكنون لشيء
مما يقع لهم من الكرامات، فضلاً عن التحدث بها لغير ضرورة، مع
السعي في التخلص من الكدورات والإعراض عن الدنيا وأهلها جملة،
وكون الواحد منهم يود أنه خرج من أهله وماله وأنه يرى النبي ◌َّر كالشيخ
عبدالقادر الكيلاني أن تتمثل صورته الشريفة وقية في خاطره ويتصور في
عالم سره أنه يكلمه بشرط استقرار ذلك وعدم اضطرابه، فإن تزلزل
واضطرب كان له من الشيطان، فليس ذلك خادشاً في علو مناصبهم لعدم
عصمة غير الأنبياء فقد قال التاج السبكي في جمع الجوامع تبعاً لغيره أن
الإِلهام ليس بحجة لعدم الثقة لمن ليس معصوماً بخواطره وحينئذ فمن قال
ممن روينا عنه أو غيرهم بأن المرئي هو المثال لا يمتنع حمله على هذا،
بل حمل كل من أطلق عليه هو اللائق وقريب منه ما قيل في قوله {وَلايقت :
(رأيت الجنة والنار)) (٢) مع من يدفع استبعاده هناك أن المراد بالرؤية رؤية
العلم، ونحوه ما قيل: هي حكمة العدول عن الغيبة إلى الخطاب في قول
(١) ابن فورك هو: محمد بن الحسن بن فورك الأصبهاني الأصولي الأديب النحوي الواعظ
درس بالعراق مدة ثم توجه إلى الري فوشت به المبتدعة وسعوا عليه .. ثم دعي إلى
مدينة غزنة وجرت له بها مناظرات وكان شديد الرد على ابن كرام ثم عاد إلى نيسابور
فسُمَّ في الطريق فمات بقرب بست ونقل إلى نيسابور ومشهده بالجيزة. انظر ترجمته
في: إنباه الرواة ١١٠/٣-١١١ ووفيات الأعيان ٢٧٢/٤-٢٧٣ وسير أعلام النبلاء
٢١٤/١٧ وطبقات السبكي ١٢٧/٤_١٣٥.
(٢) أخرجه مسلم في الصلاة، باب تحريم سبق الإمام بركوع أو سجود ونحوه ٣٢٠/١
وأحمد في مسنده ١٠٢/٣، ١٢٦، ١٥٤، ٢١٧، ٢٤٠، ٢٩٠ وأبو نعيم في أخبار
أصبهان ٤١/٢ والبيهقي في السنن ٩٢/٢ .
١١٠٦

المصلي: ((السلام عليك)) على طريق العرفان من أن المصلي لما استفتح
باب المذكور بالتحيات أذن له في الدخول في حرم الحي الذي لا يموت
فقرت عينه بالمناجاة فنبه على أن ذلك بواسطة نبي الرحمة وبركة مبايعته
فالتفت فإذا الحبيب حاضر ثم أقبل عليه قائلاً: السلام عليك إلى آخره،
بل يحكى عن أبي العباس المرسي أنه قال؛ لو حجب عني رسول الله وَل
طرفة عين ما عددت نفسي من المسلمين، ويشير لما ذهبنا إليه قول شارح
المصابيح: أو يراه في الدنيا حالة الذوق، والانسلاخ عن العوائق
الجسمانية كما نقل ذلك عن بعض الصالحين أنه رآه في حالة الذوق
والشوق، وحكي عن قيس المجنون أنه قيل له: ندعو لك ليلى؟ فقال:
وهل غابت عني ليلى فتدعى؟ قيل: أفتحبها؟ فقال: المحبة ذريعة الوصل
وقد وقعت الوصلة، فأنا لیلی وليلى أنا.
وأما ما حكاه التاج بن عطاء الله في كتابه ((لطائف المنن)) (١) عن
بعض أصحابه قال: لما رجع الشيخ أبو الحسن الشاذلي من الحج أتى إلى
الشيخ الإِمام عز الدين بن عبدالسلام قبل أن يأتي منزله فقال له: الرسول
صلى الله عليه وسلم يسلم عليك، فاستصغر العز نفسه أن يكون أهلاً
لذلك. واتفق حضور محيى الدين بن سراقة - يعني محمد بن محمد بن
إبراهيم بن الحسين أحد أتباع ابن عربي، وأبو العلم ياسين أحد أصحاب
محيى الدين ابن عربي، فقال أولهما للعز: ليهنكم ماسمعنا، والله إنا
لنفرح أن يكون في هذا الزمن من يسلم عليه رسول الله وَليقر، فقال العز:
(١) كتاب لطائف المنن في مناقب الشيخ أبي العباس وشيخه أبي الحسن لتاج الدين ابن
عطاء الله أحمد بن محمد الشاذلي الإسكندري المتوفى سنة ٧٠٩هـ ذكر فيه جملاً من
فضائل الشيخ أبي العباس أحمد بن علي الأنصاري المرسي وشيخه أبي الحسن الشاذلي
التي نقل منه أو سمع منه .. انظر: كشف الظنون ١٥٥٤/٢ .
١١٠٧

الله يسترنا، فقال أبو الحسن: الله يفضحنا حتى يبين الحق من الباطل، ثم أشار إلى
القوال، و کانبعیداً بحیث لم يسمع ما دار بینھم أن يقول، فكان أول ما قال:
صدق المحدث والحدیث کما جرى
فقام العز وطاب وفيه، وقام الناس لقيامه. انتهى بمعناه.
فهي إن علمت نفسه المتهم الذي حكاها يحتمل أن يكون ما سمعه
الشيخ أبو الحسن من السلام نشأ عن منام، ويحتمل أن يكون سمع ذلك
من القبر الشريف كما وقع لجماعة كثيرين، وكذا ما حكاه ابن عطاء الله
عن أبي العباس المرسي أنه كان مع الشيخ أبي الحسن بالقيروان في ليلة
الجمعة سابع عشر رمضان فذهب معه إلى الجامع فلما دخل وأحرم
بالصلاة رأى الأولياء يتساقطون عليه كما تتساقط الذباب على العسل، فلما
أصبحنا وخرجنا من الجامع قال: ماكانت البارحة إلا ليلة عظيمة، كانت
ليلة القدر ورأيت رسول الله وَ لو يقول: يا علي ظهر ثيابك من الدنس تحظ
بمدد الله في كل نفس. قلت: يا رسول الله وما ثيابي؟ قال: اعلم أن الله يا
علي قد خلع عليك خمس خلع: خلعة المحبة، وخلعة المعرفة، وخلعة
الإِيمان، وخلعة التوحيد، وخلعة الإِسلام، من أحب الله هان عليه كل
شيء، ومن عرف الله صغر لديه كل شيء، ومن وحّد الله لم يشرك به شيئاً
ومن آمن بالله أمن من كل شيء، ومن أسلم لله قلما يصيبه شيء، وإن
عصاه اعتذر إليه، وإن اعتذر إليه قبل عذره، ففهمت حينئذ معنى قوله عز
وجل: ﴿وثيابك فطهِّر﴾(١) يحتمل أيضاً لأن يكون مناماً(٢).
ومنه ما حكاه الشهاب السهروردي في الباب الحادي والعشرين من
(١) آية (٤) سورة المدثر.
(٢) هذه الحكايات بدون إسناد ولا ندري صحتها وفندها وبين زيف كثير منها الأستاذ سليم الهلالي
في كتابه ((صفحات مطوية من حياة العز ... )). ومثله لا يتناسب مع مكانة سلطان العلماء.
١١٠٨

عوارفه(١) قال: سمعنا أن الشيخ عبدالقادر الكيلاني قال له بعض
الصالحين: لم تزوجت؟ قال: ما تزوجت، قال لي رسول الله صل﴾: تزوج،
بل يحتمل أن يكون أشار لقوله ويتر: ((من استطاع منكم الباءة))(٢) وأنه
استطاع التزوج امتثالاً لقوله. وقول الشيخ أبي عبدالله بن النعمان في كتابه:
((مصباح الظلام في المستغيثين بخير الأنام في اليقظة والمنام)) (٣) أنه كان
(١) عوارف المعارف في التصوف للشيخ شهاب الدين أبي حفص عمر بن محمد بن عبدالله
السهروردي المتوفى سنة ٦٣٢هـ بين فيها سير القوم وأحوال سلوكهم وأعمالهم.
انظر: كشف الظنون ١١٧٧/٢.
(٢) أخرجه البخاري في الصوم، باب الصوم لمن خاف على نفسه العزبة ١١٩/٤ رقم
(١٩٠٥) وفي النكاح، باب قول النبي ◌َّهر: ((من استطاع الباءة فليتزوج)) ١٠٦/٩ رقم
(٥٠٦٥) ومسلم في النكاح، باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه
١٠١٨/٢-١٠١٩ رقم (١٤٠٠) وأبو داود في النكاح، باب التحريض على النكاح
٥٣٨/٢_٥٣٩ رقم (٢٠٤٦) والترمذي في النكاح، باب ما جاء في فضل التزويج
والحث عليه ٣٩٢/٣ رقم (١٠٨١) والنسائي في النكاح، باب الحث على النكاح
٥٧/٦، ٥٨ وفي الصيام، باب ذكر الاختلاف على محمد بن أبي يعقوب .. إلخ
٥٨٥٧/٦ وابن ماجه في النكاح، باب ما جاء في فضل النكاح ١/ ٥٩٢ رقم (١٨٤٥)
وأحمد في مسنده ٤٢٤/١، ٤٢٥، ٤٣٢ والدارمي في سننه ١٣٢/٢ والحميدي في
مسنده برقم (١١٥) وعبدالرزاق في مصنفه برقم (١٠٣٨٠) وابن أبي شيبة في مصنفه
١٢٦/٤ وابن الجارود في المنتقى الغوث المكدود ١٥/٣ رقم (٦٧٢) وابن حبان في
صحيحه الإِحسان ٣٣٥/٩ رقم (٤٠٢٦) والطبراني في الكبير ١٠/ برقم
(١٠١٦٨-١٠١٧١) والبيهقي في السنن الكبرى ٢٩٦/٤ و٧٧/٧ والخطيب في تاريخ
بغداد ١٥٦/٣ والبغوي في شرح السنة ٤٠٣/٩ رقم (٢٢٣٦).
(٣) كتاب ((مصباح الظلام في المستغيثين بخير الأنام في اليقظة والمنام)) لأبي عبدالله شمس
الدين محمد بن موسى بن النعمان المراكشي المزالي الهنتاني التلمساني الفاسي
المالكي المتوفى سنة ٦٨٣هـ ذكر فيه أنه سبق جماعة من العلماء إلى جمع أخبار من
استغاث بالله تعالى في الأزمات ولجأ إليه عند الطلبات فبلغه الله تعالى طلبته وفرج عنه
كبرته وشدته. انظر: كشف الظنون ٢/ ١٧٠٦ .
١١٠٩

قافلاً مع الحجاج في سنة سبع وستين وستمائة فغلبته عيناه فنام فما انتبه
إلا وقد فاته الركب ولم ير أحداً، فَهَالَه ذلك ولم يدر الطريق ودخل عليه
الليل وعاين الهلاك وأيس من الحياة وأنه نادى في الظلام: يا محمداه يا
محمداه أنا مستغيث بك، قال: فلم أتم الكلام حتى سمعت قائلاً يقول
لي: أبشر، فنظرت فإذا أنا بشخص لم أتبين وجهه وعليه ثوب أبيض في
سواد الليل فأخذ بيدي فلما وقعت يدي في يده زال عني ما كنت أجده من
التعب والعطش وأنست به أنساً عظيماً ثم سار بي ويده في يدي فلم يزل
سائراً ساعة فبينما أنا كذلك إذ سمعت الحجاج والدليل ينادي بالناس وقد
أوقدوا لهم ناراً يهتدون بها فنظرت فإذا أنا براحلتي قدامي واقفة فصحت
من فرحي بها فلما صحت نزع ذلك الشخص يده من يدي وقال: دونك
راحلتك، ثم رفعني فوضعني عليها وتركني وولى وهو يقول: نحن لا
نخيب من طلبنا واستغاث بنا فعلمت بذلك أنه النبي ◌َّلتر فرأيت أنواره وهو
ذاهب تلوح في ظلام الليل وقد لحقني من الشدة شيء عظيم كيف لم أقبِّل
يديه ورجليه، فليس فيه أنه رآه مع احتمال كونه ملك، أو تأويل قوله:
نحن لا نخيب إلى آخره، ولأجل ما طرق هذه الحكايات من الاحتمال(١) فمن
نسب من أجلها العز ابن عبدالسلام وأبي الحسن الشاذلي وابن عطاء الله
القول بالرؤية يقظة لموافقتهم عليها، فقد أخطأ. وقد انتقد الشيخ سراج
الدين البلقيني من حكاية ابن عطاء الله وضعف أبا العلم ياسين بأنه أحد
أصحاب العارف بالله محيى الدين بن عربي فقال كما قرأته بخطه: أخطأ
مصنف هذا الكتاب في وصف ابن عربي بأنه عارف بالله، لأن ابن عربي
المذكور من أجهل الجاهلين بالله، لقد جهل جهلاً قبيحاً وضل ضلالاً
(١) هنا كلمة غير واضحة. ولعلها فمن.
١١١٠

بعيداً، لم يأت أحد في أنواع الضلالة والكفر بما أتى به وكتبه محشوة
بذلك وأخبر عن العلماء الأثبات بذلك وكتبنا ذلك لئلا يغتر به من يقف
عليه والنصيحة مطلوبة ثم على ما قررته به يكون معنى فسيراني في اليقظة
أي بتصور مشاهدتي وينزل نفسه حاضراً معي، بحيث لا يخرج عن آدابه
وسننه ◌َ*و بل يسلك منهاجه ويمشي على شريعته وطريقته. ومنه قوله العقل
في الإِحسان: ((أن تعبد الله كأنك تراه)) (١) ويحمل العموم فيمن رآنى
على (٢) وإليه يشير بعض قول المعتمدين أي من رآني رؤية، معظم
لحرمتي، ومشتاق لمشاهدتي وصل إلى رؤية محبوبه وظفر بكل مطلوبه.
إذا علم هذا فقد تتراءى بعض الحور العين في اليقظة لبعض المجاهدين.
روينا في الجزء الثامن من الغيلانيات(٣) من حديث عبدالرحمن بن
(١) أخرجه البخاري في الإيمان، باب سؤال جبريل النبي ◌َّر عن الإيمان والإِسلام
والإِحسان .. إلخ ١١٤/١ رقم (٥٠) وفي التفسير، باب ﴿إن الله عنده علم الساعة﴾
٥١٣/٨ رقم (٤٧٧٧) ومسلم في الإيمان، باب بيان الإِيمان والإِسلام والإِحسان
٣٩/١-٤٠ رقم (١٠،٩) والنسائي في الإِيمان وشرائعه، باب صفة الإِيمان والإِسلام
١٠١/٨ وابن ماجه في المقدمة، باب في الإِيمان ٢٥/١ رقم (٦٤) وأحمد في مسنده
٤٢٦/٢ كلهم عن أبي هريرة إلا النسائي فإنه رواه عن أبي هريرة وأبي ذر رضي الله
عنهما معاً، وروي أيضاً عن عمر وابن عباس رضي الله عنهم. أما حديث عمر فأخرجه
مسلم في الإيمان ٣٨٣٦/١ رقم (٨) وأبو داود في السنة، باب في القدر ٦٩/٥-٧٣
رقم (٤٦٩٥) والترمذي في الإيمان، باب ما جاء في وصف جبريل للنبي وَّرِ الإِيمان
والإِسلام ٦/٥-٧ رقم (٢٦١٠) والنسائي في الإيمان، باب نعت الإسلام ٩٧/٨ -١٠١
وابن ماجه في المقدمة ، باب في الإِيمان ٢٤/١ رقم (٦٣) وأحمد في مسنده ١/ ٢٧،
٢٨، ٥٢، ٥٣. وحديث ابن عباس أخرجه أحمد في مسنده ٣١٩/١ وانظر: إرواء
الغليل ٣٢/١-٣٤ رقم (٣).
(٢) كلمة غير واضحة.
(٣) انظر: الغيلانيات ص٢٩٨ رقم (٨٧٧).
١١١١

يزيد بن معاوية قال: قال لي رجل ونحن نسير في أرض الروم أخبر أبا
حازم - يعني سلمة ابن دينار - التابعي الشهير من شأن صاحبنا الذي رأى
في العنب ما رأى - فقال الرجل لعبدالرحمن: بل أخبره فقد سمعت منه،
فقال عبدالرحمن: نعم مررنا بكرم فقلنا لرجل: خذ هذه السفرة فاملأها
من هذا العنب ثم أدركنا في المنزل فلما دخل الرجل الكرم نظر إلى امرأة
على سرير من ذهب من الحور العين فغض عنها بصره ثم نظر في ناحية
الكرم، فإذا هو بأخرى مثلها، فغض عنها بصره، فقالت له: انظر فقد حل
لك النظر فإني والتي رأيت زوجتاك من الحور العين، وأنت تأتينا يوماً في
هذا، فرجع إلى أصحابه ولم يأتهم بشيء، فقلنا له: مالك أجننت، فرأينا
له حالاً غير الحال التي فارقناه عليها من نور وجهه وحسن حاله، فسألناه:
ما منعك من ذلك؟ واستعجم علينا حتى أقسمنا عليه فقال: إني لما دخلت
الكرم وقص القصة، فما أدري أكان ذلك أسرع أو استنفر الناس العدو
فأمرنا به إنساناً يمسك دابته حتى أسرجنا ثم ركب وركبنا رجاء أن نصيب
الشهادة معه فتقدم بین أیدینا، وکان أول الناس استشهد يومئذٍ.
ومن طريق عبدالرحمن بن يزيد بن جابر قال: حدثنا ابن أبي
زكريا (١) - يعني عبدالله الفقيه الدمشقي ومعنا مكحول أن رجلاً مر بكّرْمٍ من
أرض الروم فقال لغلامه: أعطني مخلاتي حتى آتيكم من هذا العنّب،
فأخذها ثم دفع فرسه فبينما هو في الكرم إذا هو بامرأة على مثل لم ير
مثلها قط فلما رآها صَدَّ عَنها فقالت: لا تصد عنا فإني زوجتك وامض
أمامك فسترى ما هو أفضل مني، فمضى فإذا هو بأخرى فقالت له مثل
(١) انظر: الغيلانيات ص٢٩٨-٢٩٩ رقم (٨٧٨) وأخرجه من طريقه ابن عساكر في تاريخه
٠١٦١/١٩
١١١٢

ذلك، وأظنه أبا مخرمة، قال عبدالرحمن بن يزيد: فأخبرني عطاء بن قرة
السلولي قال: كنا مع أبي مخرمة السعدي فما عدا أن جاءنا من ذلك
العنب فوضعه ودعا بقرطاس ودواة، فكتب وصيته فلما رآه أبو كريب
الغساني كتب وصيته ثم قام مقاتل الليثي فكتب وصيته، ثم قام ابن أبي
عمار فكتب وصيته ثم قام عوف اللخمي فكتب وصيته ثم لقينا برجان فما
بقي أحدمن هؤلا الخمسة إلا قتل، قال: ولم نکتب نحن وصایانا فلم نقتل .
ومن حديث الحسن بن عبدالعزيز يعني الجروي يعني أبي علي
المصري قال: حدثنا أبو حفص قال: سمعت سعيداً يقول: لا نعلم أحداً
رأى الحور العين عياناً إلا في المنام إلا ما كان من أبي مخرمة فإنه دخل
كَرْماً لبعض حاجته فرأى الحور عياناً في قبتها على سريرها، فلما رآها
صرف وجهه عنها، فقالت: إلي يا أبا مخرمة فإني زوجتك، وهذه زوجة
فلان، زوجة فلان، زوجة فلان، فانصرف إلى أصحابه فأخبرهم فكتبوا
وصاياهم ولم يكتب أحد وصيته إلا استشهد))(١) . وروينا في رابع فوائد
تمام(٢) بسند ضعيف عن أبي سابط عبدالرحمن عن جابر رفعه: ((حدثوا
عن بني إسرائيل فإنه كانت فيهم الأعاجيب وأنشأ وَ لّ يحدث، قال:
خرجت طائفة من بني إسرائيل حتى أتوا مقبرة من مقابرهم فقالوا: لو
صلینا ودعونا الله عز وجل يخرج لنا رجلاً ممن قد مات فنسائله عن الموت
ففعلوا، فبينما هم كذلك إذ طلع رجل رأسه من قبر من تلك المقابر بين
(١) انظر: المصدر السابق ص ٣٠٠ رقم (٨٨٠). وانظر أيضاً تاريخ دمشق لابن عساكر
١٦١/١٩.
(٢) انظر: فوائد تمام الرازي ٩٩/١-١٠٠ رقم (٢٢٩) وقد أخرج جزءه الأول إلى قوله:
((الأعاجيب)) البزار في مسنده. انظر: كشف الأستار ١٠٨/١ رقم (١٩٢) وورد عنده
((العجائب)) بدل («الأعاجيب)).
١١١٣

عينيه أثر السجود فقال: يا هؤلاء ما أردتم إني لقد مثُّ من مائة عام فما
سكنت روعتي من حرارة الموت فادعوا الله عز وجل أن يردني كما كنت)).
ونحوه ما رويناه في ((كرامات الأولياء)) للخلال عن أبي يوسف الغسولي
قال: كنت مع إبراهيم بن أدهم فدخل عليَّ يوماً فقال: ياغسولي! لقد
رأيت اليوم عجباً. قلت: وما ذاك يا أبا إسحاق؟ قال: وقفت على قبر من
هذه المقابر فانشق لي عن شخص خضيب فقال لي: يا إبراهيم سل فإن الله
أحياني من أجلك، قال: ما فعل الله بك؟ قال: لقيت الله بعمل قبيح،
فقال لي: غفرت لك بثلاث: لقيتني وأنت تحب من أحب، ولقيتني وليس
في صدرك مثقال ذرة من شراب حرام، ولقيتني وأنت خضيب، وأنا
أستحيى من الخضيب أن أعذبه بالنار، قال: والتأم القبر على الرجل قال
الغسولي: فقلت: يا أبا إسحاق ألا تدفعني على هذا القبر؟ قال: ويحك يا
غسولى عامل الله تعالى يريك العجائب.
وأما الملائكة عليهم السلام، فقد ثبت رؤية غير واحد لهم بل كانت
تصافح عمران بن حصين رضي الله عنه قبل أن يكتوي(١).
وقال ابن هبيرة(٢): كنت أصلي على النبي وَلّــ وعيناي مطبقتان -
فرأيت من خلفي كأساً ملئت بمداد أسود صلاتي على النبي وَّ في قرطاس
وأنا أنظر مواقع الحروف في ذلك القرطاس ففتحت عيني لأنظره ببصري
(١) أخرجه مسلم في الحج، باب جواز التمتع ٨٩٩/٢ رقم (١٦٧-١٢٢٦) والبيهقي في
دلائل النبوة ٧٩/٧، ٨٠، ٨١.
(٢) ابن هبيرة هو: الوزير الكامل الإمام العالم العادل أبو المظفر يحيى بن محمد بن هبيرة
الشيباني الدوري العراقي الحنبلي ولد بقرية بني أوقر من الدور أحد أعمال العراق سنة
٤٩٩ هـ كان ديناً خيراً متعبداً عاملاً وقوراً متواضعاً، كبير الشأن، باراً بالعلماء، حسنة
الزمان توفي سنة ٥٥٥هـ انظر ترجمته في مرآة الزمان ١٥٩/٨-١٦٣ ووفيات الأعيان
٢٣٠/٦-٢٤٤ وسير أعلام النبلاء ٤٢٦/٢٠-٤٣٢.
١١١٤

فرأيته وقد توارى عني حتى رأيت بياض يديه. وكذا رؤية غير واحد
للجان، بل وقرأ الجان على غير واحد من صالحي العلماء. ورؤية إبليس
أيضاً، وذلك مما لا نطيل بإيراده، سيما وقد روينا عن الشافعي أنه قال:
من زعم من أهل العدالة أنه يرى الجن بطلت شهادته، لأن الله تعالى
يقول: ﴿إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم﴾(١) إلا أن يكون نبياً.
وليس ذكر المسألة من عرضنا هنا.
وأما رؤية نبينا وَل لمن شاء الله من الأنبياء ليلة الإسراء فحمله بعض
العلماء على رؤية أرواحهم إلا عيسى عليه السلام لما ثبت أنه رفع بجسده
وكذا قيل به في إدريس عليه السلام أيضاً، ومال إليه شيخنا(٢)، ولا
يعارض ما صح عنه وَّه قال: ((رأيت موسى ليلة أسري بي قائماً يصلي في
قبره)) إذ يجوز أن يكون لروحه اتصال بجسده في الأرض فذلك يتمكن في
الصلاة وروحه مستقرة في السماء، وجزم أبو الوفاء ابن عقيل بأن أرواحهم
مشكلة بأشكال أجسادهم، وأما الذين صلوا معه في بيت المقدس فيحتمل
الأرواح خاصة، ويحتمل الأرواح بأجسادها، وهل ذلك قبل العروج أو
بعده؟ قال شيخنا: الأظهر الأول، ثم صعد منهم إلى السماوات من ذكر
أنه ◌َّ رآه، والمسألة محتملة للبسط. وقد صنف البيهقي: ((حياة الأنبياء
في قبورهم)). والله المستعان.
(١) آية (٢٧) من سورة الأعراف.
(٢) انظر: فتح الباري ٧/ ٢١٢ .
١١١٥

٣١٦ - سئلت عن أصل عمل المولد الشريف؟
فأجبت: لم ينقل عن أحد من السلف الصالح في القرون الثلاثة
الفاضلة، وإنما حدث بعد، ثم ما زال أهل الإِسلام في سائر الأقطار
والمدن العظام يحتفلون في شهر مولده بَّار وشرف وكرم يعملون الولائم
البديعة المشتملة على الأمور البهجة الرفيعة، ويتصدقون في لياليه بأنواع
الصدقات، ويظهرون السرور، ويزيدون في المبرات بل يعتنون بقراءة
مولده الكريم وتظهر عليهم من بركاته كل فضل عميم بحيث كان مما
جرب قاله الإمام شمس الدين ابن الجزري(١): ومن خواصه أنه أمان تام
في ذلك العام ويسوى بعجل حنيئذ بما ينبغي ويرام وأكثرهم بذلك عناية
أهل مصر والشام، ولسلطان مصر في تلك الليلة من العام أعظم عام،
قال: ولقد حضرت في سنة خمس وثمانين وسبعمائة ليلة مولد عند الملك
الظاهر برقوق - رحمه الله - بقلعة الجبل فرأيت ما هالني فيه، حرزت ما
أنفق في تلك الليلة على القراء والحاضرين من الوعاظ والمنشدين وغيرهم
بنحو عشرة آلاف مثقال من الذهب العين ما بين خلع ومطعوم ومشروب
ومشموم وشموع وغير ذلك وعددت في ذلك المجلس خمساً وعشرين
جوقة من القراء الصبيان ولم ينزل واحد منهم إلا بنحو عشرين خِلعة من
السلطان والأمراء يعني من الخلع الفاخرة البهية ثم لم يزل ملوك مصر
خدام الحرمين الشريفين ممن وفقهم الله لهدم كثير من (٢) ونظروا في
أمر رعيتهم كالوالد لولده وأشهروا أنفسهم بالعدل وأسعفهم المولى بجنده
(١) قاله في كتابه: ((عرف التعريف بالمولد الشريف)) كما نقله عنه السيوطي من كتابه دليلاً
آخر غير الذي ذكره المؤلف وهو تخفيف العذاب عن أبي لهب بإعتاقه ثويبة - مرضعة
النبي 1 - لما بشرته بمولده وَّة. انظر: الحاوي للفتاوي للسيوطي ١٩٦/١.
(٢) بياض في الأصل بمقدار كلمتين.
١١١٦

ومدده كالملك السعيد الشهيد الظاهر أبي سعيد جقمق ويعتنون ويتوجهون
طريق سنته بحيث أنه ثبت حرف القراء في أيام تتعين للرفادة على ثلاثين
فذكروا بكل جميل وكفوا من المهمات كل عريض طويل وأما ملوك
الأندلس والمغرب فلهم فيه ليلة يسير بها الركبان يجمع فيها أئمة العلماء
من كل مكان ويعلوا بها بين أهل الكفر به الإِيمان وأهله بمكه فيتوجهون
إلى المكان المتواتر بين الناس أنه محل مولده وهو في سوق الليل رجاء
بلوغ كل منهم بذلك لقصده ويزيد اهتمامهم به على يوم العيد حتى لم
يتخلف عنه أحد من صالح ولا طالح ومقل وسعيد، وكان للملك المظفر
صاحب إربل كذلك فيها أتم عناية واهتماماً بشأنه، جاوز الغاية، أثنى عليه
به العلامة أبو شامة أحد شيوخ النووي الفائق في الاستقامة في كتاب
الباعث على إنكار البدع والحوادث(١) وقال: مثل هذا الحسن يتقرب إليه
ويشكر فاعله ويثنى عليه. زاد ابن الجزري: ولو لم يكن في ذلك إرغام
الشيطان وسرور أهل الإِيمان، قال: وإذا كان أهل الصليب اتخذوا ليلة
مولد نبيهم عيداً أكبر فأهل الإِسلام أولى بالتكريم وأجدر.
قلت: بل خرج شيخنا شيخ مشايخ الإِسلام خاتمة الأئمة الأعلام
(١) انظر: الباعث في إنكار البدع والحوادث ص ٩٥-٩٦ فإنه قال: ومن أحسن ما ابتدع في
زماننا من هذا القبيل ما كان يفعل بمدينة إربل جبرها الله كل عام في اليوم الموافق ليوم
مولد النبي ◌َّيقر من الصدقات والمعروف وإظهار الزينة والسرور، فإن ذلك مع ما فيه
من الإِحسان إلى الفقراء مشعر بمحبة النبي ◌َّطهر وتعظيمه وجلالته في قلب فاعله،
وشكر الله تعالى على ما منَّ به من إيجاد رسوله الذي أرسله رحمة للعالمين وَ ل وعلى
جميع المرسلين، وكان أول من فعل ذلك بالموصل الشيخ عمر بن محمد الملا أحد
الصالحين المشهورين، وبه اقتدى في ذلك صاحب إربل وغيرهم رحمهم الله. وانظر
أيضاً: مرآة الزمان ٣١٠/٨.
١١١٧

فعله على أصل ثابت وهو ما ثبت في الصحيحين من أنه وَّ و دخل المدينة
فوجد اليهود يصومون يوم عاشوراء، فسألهم فقالوا: هو يوم أغرق الله
سبحانه وتعالى فيه فرعون ونجّى موسى عليه السلام، فنحن نصومه شكراً
لله عز وجل، فقال ◌َ: ((فأنا أحق بموسى عليه السلام منكم، فصامه وأمر
بصيامه، وقال: إن عشت إلى قابل ... الحديث)). قال شيخنا: فيستفاد منه
فعله الشكر لله تعالى على ما مَنّ به في يوم معيّن من إسداء نعمة أو دفع
نقمة ويعاد ذلك في نظير ذلك اليوم من كل سنة، والشكر لله تعالى يحصل
بأنواع العبادة، كالسجود والصيام والتلاوة، وأي نعمة أعظم من النعمة
ببروز هذا النبي ◌َّ في ذلك اليوم، وعلى هذا ينبغي أن يقتصر فيه على ما
يفهم الشكر لله تعالى من نحو ما ذكر، أما ما يتبعه من السماع واللهو
وغيرهما فينبغي أن يقال: ما كان من ذلك مباحاً بحيث يعين السرور بذلك
اليوم، فلا بأس بإلحاقه ومهما كان حراماً أو مكروهاً فيمنع، وكذا ما كان
خلاف الأولى(١).
(١) نقل فتوى الحافظ ابن حجر هذا السيوطي في الحاوي للفتاوي ١٩٦/١ وأما حديث
صيام يوم عاشوراء فقد أخرجه البخاري في الصوم، باب صيام يوم عاشوراء، انظر:
الصحيح مع الفتح ٢٤٤/٤ رقم (٢٠٠٤) وفي الأنبياء، باب قول الله ﴿هل أتاك حديث
موسى﴾ ٤٢٩/٦ رقم (٣٣٩٧) وفي مناقب الأنصار، باب إتيان اليهود النبي وَّقد حين
قدم المدينة ٢٧٤/٧ رقم (٣٩٤٣) وفي التفسير، باب ﴿وجاوزنا ببني إسرائيل البحر﴾
٣٤٨/٨ رقم (٤٦٨٠) وباب ﴿ولقد أوحينا إلى موسى﴾ ٤٣٤/٨ رقم (٤٧٣٧).
ومسلم في الصيام، باب صوم يوم عاشوراء ٧٩٥/٢ رقم (١١٣٠) وأبو داود في
الصوم، باب في صوم يوم عاشوراء ٨١٨/٢ رقم (٢٤٤٤) وابن ماجه في الصيام، باب
صيام يوم عاشوراء ١/ ٥٥٢ رقم (١٧٣٤) وأحمد في مسنده ٢٩١/١، ٣١٠، ٣٣٦،
٣٤٠ والحميدي في مسنده برقم (٥١٥) والدارمي في سننه ٢٢/٢، وعبدالرزاق في
مصنفه برقم (٧٨٤٣) وابن أبي شيبة في مصنفه ٥٦/٣ والطيالسي في مسنده انظر:
منحة المعبود ١٩٣/١ رقم (٩٢٨) وأبو يعلى في مسنده ٤/ ٤٤٠-٤٤١ رقم (٢٥٦٧) =
١١١٨

قلت: ولما كان الزاهد القدوة المعمر أبو إسحاق إبراهيم بن عبدالرحمن بن
إبراهيم بن جماعة بالمدينة النبوية كان يعمل طعاماً في المولد النبوي ويطعم الناس
ويقول: لو تمكنت عملت بطول الشهر كل يوم مولدا (١) انتهى.
ولأجل ما انضم إليه من المناكير أطال ابن الحاج في مدخله(٢) في
تقبيح فعله ومنع الظاهر جَقمق رحمه الله من فعله بطنِتداء(٣).
قال شيخنا: ثم ينبغي أن يتحرى اليوم بعينه وإن كان ولد ليلاً فليقع
الشكر بما يناسب الليل كالإِطعام وإن كان ولد نهاراً فبما يناسبه كالصيام،
ولابد أن يكون ذلك اليوم من عدد أيام ذلك الشهر بعينه حتى يطابق قصة
موسى عليه السلام في يوم عاشوراء ومن لم يلاحظ ذلك لا يبالي بعمل المولد في
أي يوم من الشهر بل توسع قوم فنقلوه إلى يوم من السنة وفيه مافيه (٤).
قلت: كان مولده الشريف على الأصح ليلة الاثنين الثاني عشر من
شهر ربيع الأول، وقيل: لليلتين خلتا منه، وقيل: لثمان وقيل: لعشر
وقيل غير ذلك وحينئذ فلا بأس بفعل الخير في هذه الأيام والليالي على
حسب الاستطاعة بل يحسن في أيام الشهر كلها ولياليه.
وابن خزيمة في صحيحه ٣٨٦/٣ رقم (٢٠٨٤) والطحاوي في شرح معاني الآثار
=
٥٧/٢ وابن حبان في صحيحه، الإحسان ٣٨٩/٨ رقم (٣٦٢٥) والطبراني في الكبير
٢٤/١٢-٢٥، ٥٠ رقم (١٢٣٦٢، ١٢٤٤٢) والبيهقي في السنن الكبرى ٢٨٦/٤، ٢٨٩
والبغوي في شرح السنة برقم (١٧٨٢) جمعيهم عن ابن عباس.
(١) ذكره المؤلف في التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة ١٥٠/١ في ترجمة
إبراهيم بن عبدالرحمن بن إبراهيم بن جماعة .
(٢) انظر: المدخل لابن الحاج ٢٢٩/٢.
(٣) تعرف اليوم بـ ((طنطا)) بمصر وكان يقام بها مولد السيد البدوي، وتقع فيه الكثير من المنكرات
والفواحش، ناهيك عن مظاهر الشرك، مما حدا بالظاهر لمنعه، لكن لم يدم ذلك.
(٤) انظر: الحاوي للفتاوي للسيوطي ١٩٦/١.
١١١٩

وأما قراءة المولد فينبغي أن يقتصر منه على ما أورده أئمة الحديث
في تصانيفهم المختصة به، كالمورد الهني للعراقي، وقد حدثت به في
المحل المشار إليه بمكة، وغير المختصة به بل ذكر ضمناً: كدلائل النبوة
للبيهقي، وقد ختم عليَّ بالروضة النبوية لأن أكثر ما بأيدى الوعاظ منه
كذب واختلاق، بل لم يزالوا يولدون فيه ما هو أقبح وأسمج مما لا تحل
روايته ولا سماعه، بل يجب على من علم بطلانه إنكاره الأمر بترك قراءته
على أنه لا ضرورة إلى سياق ذكر المولد، بل يكتفى بالتلاوة والإِطعام
والصدقة، وإنشاد شيء من المدائح النبوية والزهدية المحركة للقلوب إلى
فعل الخير والعمل للآخرة والله يهدي من يشاء(١).
(١) انظر لهذه المسألة: المدخل لابن الحاج ٢٢٩/٢-٢٣٠ والحاوي للفتاوي للسيوطي من
صفحة ١٨٩ - إلى - ١٩٧ و((التنوير في مولد البشير النذير)) لأبي الخطاب ابن دحية
و((المورد الصادي في مولد الهادي)) لابن ناصر الدين الدمشقي ذكرهما السيوطي في
الحاوي ضمن كلامه على حسن المقصد على عمل المولد» اهـ.
والاحتفال بمولد النبي ◌َّلو لم يكن في عهد الرسول بَلّر ولا الصحابة ولا التابعين، ولا
من بعدهم من أتباع التابعين فهو فاسد مردود بقوله وَ له: ((من عمل عملاً ليس عليه
أمرنا فهو رد» أعاذنا الله من مثل هذه البدع.
والصحيح أن أول من أحدث بدعة المولد الفاطميون العبيديون من الباطنيين كما قال
المقريزي في الخطط ١/ ٤٩٠، والسندوبي في ((تاريخ الاحتفال بالمولد النبوي)) ص٦٩
وعلي محفوظ في ((الإبداع)) ص(١٢٦) والشيخ إسماعيل الأنصاري في ((القول الفصل
في حكم الاحتفال بمولد خير الرسل وَ﴿﴿)) ص (٦٤).
وانظر في بدعية المولد أيضاً: ((اقتضاء الصراط المستقيم)) لابن تيمية ص٦١٥/٢
والفتاوى الكبرى ٣٢١/١ والمواهب اللدنية ١/ ١٤٠ وتفسير المنار ٩٦/٩ و٧٤/٢-٧٦
وفتاوى السيد رشيد رضا ٢١١٢/٥ و((المورد في عمل المولد)) للفاكهاني.
١١٢٠