النص المفهرس

صفحات 361-380

وأما حديث الرجل، فرواه ابن الأخضر (١) وابن خسرو(٢) وغيرهما
من حديث الإِمام أبي حنيفة عن عبدالملك بن عمير عنه أن رجلاً أتى النبي
** فقال له: يا رسول الله! أتزوج فلانة؟ فنهاه عنها، ثم أتى الثانية فقال:
يا رسول الله! أتزوج فلانة؟ فنهاه عنها، فلما أتاه الثالثة قال رسول الله
وَلجر: ((سوداء ولود أحب إليّ من عاقر حسناء)»، ثم قال: ((أما علمت أني
مكاثر، حتى إن السقط ليبقى محبنطياً على الباب الجنة فيقال له ادخل:
فيقول: لا حتى يدخل أبواي فيشفع لهما فيدخلان الجنة)).
وأخرجه أبو عمر النوقاني في كتاب ((معاشرة الأهلين))(٣) له من
طريق عبدالرزاق عن معمر عن عبدالملك بن عمير وعاصم بن بهدلة أن
رجلاً أتى النبي ◌َّ﴿ فقال: يا رسول الله! ابنة عم لي ذات ميسم ومال وهي
عاقر أفأتزوجها؟ فنهاه عنها مرتين أو ثلاثاً ثم قال: ((لامرأة سوداء ولود
أحب إليّ منها، أما علمت أني مكاثر، وإن أطفال المسلمين يقال لهم يوم
القيامة: ادخلوا الجنة فيتعلقون بأحقاء آبائهم وأمهاتهم فيقولون: يا ربنا!
آباؤنا وأمهاتنا فيقال لهم: ادخلوا الجنة أنتم وآباؤكم وأمهاتكم)) قال: ((ثم
يجيء السقط، فيقال له: ادخل الجنة قال: فيظل محبنطياً أي متقاعساً
فیقول: يا رب أبي وأمي، قال حتى يلحق به أبواه)).
وأما حديث عائشة، فرواه ابن ماجه (٤) في سننه من طريق عيسى بن
ميمون عن القاسم عنها قالت: قال رسول الله وَلايقول: ((النكاح من سنتي،
(١) انظر: جامع المسانيد للخوارزمي ٩٠/٢، ٩٢.
(٢) المصدر السابق.
(٣) أخرجه عبدالرزاق في مصنفه ٦/ ١٦٠ - ١٦١ رقم (١٠٣٤٤).
(٤) انظر: سنن ابن ماجه ١/ ٥٩٢ رقم (١٨٤٦) قال البوصيري في الزوائد ٢/ ٦٥ رقم
(٦٥٤): هذا إسناد ضعيف لضعف عيسى بن ميمون.
٣٦١

فمن لم يعمل بسنتي فليس مني، وتزوجوا فإني مكاثر بكم الأمم، ومن كان
ذا طول فلینکح ومن لم يجد فعليه بالصيام، فإنه له وجاء)).
وأما مرسل مكحول، فأخرجه سعيد بن منصور في سننه(١) ولفظه:
قال: قال رسول الله وَله: ((عليكم بالحرائر الشباب، فإنهن أطيب أفواهاً
وأعز أخلاقاً، وأفتح أرحاماً، ألم تعلموا أني مكاثر بكم)).
هذا ما تيسّر الوقوف عليه الآن، وصلى الله على سيدنا محمد وسلم
تسليماً كثيراً.
(١) انظر: سنن سعيد بن منصور ١٤٤/١ رقم (٥١٣) وورد عنده (الجواري)) بدل
((الحرائر)).
وأخرجه أيضاً عبدالرزاق في مصنفه ١٥٩/٦ - ١٦٠ رقم (١٠٣٤٢) عن ابن جريج
قال: حدثت عن مكحول نحو رواية ابن منصور وزاد في الأخير ((وإن ذراري المؤمنين
في شجرة من عضاه الجنة يكفلهم أبوهم إبراهيم عليه السلام)).
٣٦٢

٩٦ - [مسألة] الحمد لله: روى الدار قطني(١) والبيهقي في
سننيهما (٢) عن عائشة رضي الله عنها أن النبي وَّر قال: ((لا اعتكاف إلا
بصيام)) وسنده ضعيف، وأشار البيهقي وغيره إلى أن رفعه وهم.
وعند أبي داود في سننه(٣) من حديثها أنها قالت: ((السنة على
المعتكف أن لايعود مريضاً ولا يشهد جنازة ولا يمس امرأة ولا يباشرها ولا
يخرج لحاجة إلا لما لابد منه، ولا اعتكاف إلا بصوم)).
وقال: إن راويه تفرد بقوله السنة.
قلت: بل رواه البيهقي(٤) من حديث غيره وفيه: ((والسنة فيمن
اعتكف أن يصوم)) لكن الراجح وقف آخره كذلك رواه البيهقي(٥) أيضاً
عنها أنها قالت: لا اعتكاف إلا بصوم، وفي لفظ عنده أيضاً (٦) وعند أبي
بكر بن أبي شيبة في مصنفه(٧) عنها: ((من اعتكف فعليه الصيام)).
(١) انظر: سنن الدارقطني ١٩٩/٢ - ٢٠٠ رقم (٤) من باب الاعتكاف من طريق سويد بن
عبدالعزيز عن سفيان عن الزهري عن عروة عن عائشة به. وقال: تفرد به سويد عن
سفیان بن حسين.
(٢) انظر: السنن الكبرى ٣١٧/٤، وقال: وهذا وهم من سفيان بن حسين أو من سويد بن
عبدالعزيز، وسويد بن عبدالعزيز الدمشقي ضعيف بمرة لا يقبل منه ما تفرد به.
وأخرجه أيضاً الحاكم في المستدرك ١/ ٤٤٠ وقال: لم يحتج الشيخان بسفيان بن
حسین وعبدالله بن یزید.
(٣) انظر: سنن أبي داود ٨٣٦/٢ رقم (٢٤٧٣) وزاد في الأخير: ((لا اعتكاف إلا في
مسجد جامع)). وقال: غير عبدالرحمن - يعني ابن إسحاق - لا يقول فيه: ((قالت:
السنة)) جعله قول عائشة.
(٤) انظر: السنن الكبرى ٣١٥/٤ -٣١٦، ٣٢٠.
(٥) المصدر السابق ٤/ ٣١٧.
(٦) المصدر السابق ٤/ ٣١٧.
(٧) انظر: مصنف ابن أبي شيبة ٣/ ٨٧ بلفظ: لا اعتكاف إلا بصوم.
٣٦٣

ووافقها على ذلك جماعة من الصحابة، فعند سعيد بن منصور في
سننه عن ابن عباس وابن عمر وعائشة رضي الله عنهم أنهم قالوا: لا
اعتكاف إلا بصوم، وقول ابن عباس جاء من عدة أوجه بألفاظ متقاربة.
منها: ما أخرجه البيهقي في السنن(١) عن أبي فاختة سعيد بن علاقة
سمعت ابن عباس يقول: ((يصوم المجاور، والمجاور المعتكف)).
ومن طريق عطاء عن ابن عباس وابن عمر أنهما قالا: ((المعتكف
يصوم))(٢) وخطًّا ابن عيينة من رواه بلفظ: لا اعتكاف إلا بصوم. وكذا قال
عمرو بن دينار حيث قيل له: كيف قول ابن عباس على المجاور الصوم؟ :
ليس كذا قاله ابن عباس. إنما قال: ((المجاور يصوم))(٣) لكن في السنن
لسعيد بن منصور، والمصنف لابن أبي شيبة (٤) من طريق عمرو، عن أبي
فاختة عن ابن عباس قال: ((المعتكف عليه الصوم)) وفي السنن فقط من
وجه آخر عن عمرو عن أبي فاختة قال: قال ابن عباس: لاجوار إلا
بصيام، ومن طريق مجاهد قال: أنا صاحب هذه الخيمة يعني ابن عباس
قال: ((إذا أفطر المعتكف أعاد الاعتكاف)) وفي المصنف فقط(٥) من جهة
مقسم عن ابن عباس قال: ((لا اعتكاف إلا بصوم)) وفيهما معاً(٦) من طريق
طاوس عن ابن عباس قال: ((الصوم عليه واجب)).
وأخرج ابن أبي شيبة(٧) من طريق جعفر عن أبيه عن علي رضي الله
(١) انظر: السنن الكبرى ٣١٧/٤ - ٣١٨.
(٢) المصدر السابق ٣١٨/٤.
(٣) المصدر السابق.
(٤) انظر: المصنف لابن أبي شيبة ٨٧/٣.
(٥)
انظر: المصنف ٨٧/٣.
(٦) انظر: المصنف لابن أبي شيبة ٨٧/٣.
(٧) المصدر السابق.
٣٦٤

عنه قال: ((لا اعتكاف إلا بصوم)) وجاء عمن بعدهم القول بذلك، فروى
سعيد بن منصور من طريق هشام بن عروة عن أبيه كان يقول: ((لا اعتكاف
إلا في مسجد جماعة، والمعتكف عليه الصوم، ولا يكون المعتكف إلا
بصوم)).
وهو عند ابن أبي شيبة (١) باختصار: ((لا اعتكاف إلا بصوم)) ومن
طريق مغيرة الضبي عن إبراهيم النخعي أنه لم يكن يرى الاعتكاف إلا
(٢)
٠
بصوم
ومن طريق يحيى بن أبي كثير عن عكرمة قال: ((على المعتكف
الصوم وإن لم يفرضه على نفسه))(٣) ومن طريق جابر الجعفي عن عامر
الشعبي قال: ((لا اعتكاف إلا بصوم)) (٤) وعند سعيد بن منصور من طريق
ليث عن طاؤس أن امرأة جعلت عليها أن تعتكف سنة فماتت قبل أن
تفعل فسأله بنون لها أربعة فأمرهم طاوس أن يعتكف عنها كل رجل منهم
ثلاثة أشهر ويصوم.
وفي الباب ما أخرجه أبو داود(٥) والنسائي(٦) والبيهقي(٧) في سننهم
(١) انظر المصنف ٨٧/٣.
(٢) المصدر السابق.
(٣)
المصدر السابق.
(٤) المصدر السابق.
(٥) انظر: سنن أبي داود ٢/ ٨٣٧ - ٨٣٨ رقم (٢٤٧٤) من طريق عبدالله بن بديل عن
عمرو بن دينار عن ابن عمر بلفظ: أن عمر رضي الله عنه جعل عليه أن يعتكف في
الجاهلية ليلة أو يوماً عند الكعبة فسأل النبي ول# فقال: ((اعتكف وصم)).
(٦) انظر: سنن النسائي في الأيمان والنذور، باب إذا نذر ثم أسلم قبل أن يفي ٢١/٧ -
٢٢ بنحو رواية أبي داود.
(٧) انظر: السنن الكبرى للبيهقي ٣١٦/٤.
٣٦٥

وابن أبي عاصم في الصيام(١) له، وغيرهم بألفاظ متقاربة من حديث ابن
عمر أن عمر قال للنبي وَ له يوم الجعرانة: أي رسول الله وَّو! إن عليّ يوماً
أعتكفه؟ فقال النبي ◌َّ: ((اذهب فاعتكفه وصمه)).
ثم أسند البيهقي(٢) عن الدارقطني قال: تفرد به ابن بديل عن
عمرو بن دينار وهو ضعيف الحديث. قال الدارقطني: وسمعت أبا بكر
النيسابوري يقول: هذا حديث منكر، لأن الثقات من أصحاب عمرو لم
يذكروه، منهم: ابن جريج وابن عيينة والحمادان وغيرهم. وابن بديل
ضعيف الحديث(٣). انتهى.
ثم أسند البيهقي (٤) من طريق الوليد بن مسلم عن سعيد بن بشير عن
عبيدالله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أن عمر نذر أن يعتكف في الشرك،
وليصومن، فسأل النبي ◌َّطير بعد إسلامه فأمره أن يفي بنذره. وقال: ذكر
نذر الصوم مع الاعتكاف. غريب تفرد به سعيد عن عبيدالله انتهى.
(١) ذكره المتقي الهندي في كنز العمال ٨/ ٦٣٠ رقم (٢٤٤٦٧) وعزاه لابن أبي عاصم في
کتاب «الاعتكاف» له.
وأخرجه الترمذي أيضاً في سننه في النذور والأيمان، باب ما جاء في وفاء النذر
١١٢/٤ - ١١٣ رقم (١٥٣٩) بنحو لفظ أبي داود، وقال: حسن صحيح.
(٢) انظر: سنن البيهقي ٣١٦/٤.
وقد ذكر الدارقطني هذا في كتاب الأفراد له كما ذكره المتقي الهندي في الكنز ٨/ ٦٣٠
رقم (٢٤٤٦٧) بعد ما عزاه إلى ابن أبي عاصم في ((الاعتكاف)) والدارقطني في
((الأفراد)» ثم ذكر كلام الدارقطني هذا الذي ذكره البيهقي في سننه.
(٣) ابن بديل: هو عبدالله بن بديل بن ورقاء ويقال: ابن بشر الخزاعي، ويقال: الليثي
المكي، قال الحافظ فيه: ((صدوق يخطئ)).
انظر ترجمته في: تهذيب الكمال للمزي ٣٢٥/١٤ ت (٣١٧٦) والتقريب لابن حجر
ص٤٩٣ ت(٣٢٤١).
(٤) انظر: السنن الكبرى للبيهقي ٣١٦/٤ - ٣١٧.
٣٦٦

والحديث في الصحيحين(١) وغيرهما بدون الأمر بالصوم. وجاء
مايخالف هذا، فروى العدني والحاكم(٢) من طريقه والبيهقي(٣) عن
الحاكم. والدارقطني في سننه(٤) ومن طريقه الديلمي(٥) عن ابن عباس
رضي الله عنهما أن النبي ◌َّر قال: «ليس على المعتكف صيام إلا أن يجعله
على نفسه)) .
وقال الحاكم: إنه صحيح على شرط مسلم.
قلت: بل جزم جماعة بأن رفعه وهم، والصواب إنه موقوف.
وكذا أخرجه سعيد بن منصور والحميدي عن الدراوردي عن أبي
سهيل بن مالك اللذين وقع الحديث من جهتهما قال أبو سهيل: اجتمعت
أنا وابن شهاب الزهري عند عمر بن عبدالعزيز، وكان على امرأة من أهلي
اعتكاف ثلاث في المسجد الحرام فسألت عمر بن عبدالعزيز فقال: ((ليس
عليها صوم إلا أن تجعله على نفسها)). وقال الزهري: لا اعتكاف إلا
بصوم، فقال له عمر بن عبدالعزيز برأي من رسول الله وَلا؟ قال: لا،
(١) أخرجه البخاري في الاعتكاف باب من لم ير عليه - إذا اعتكف - صوماً، الصحيح مع
الفتح ٢٨٤/٤ رقم (٢٠٤٢) وباب ذا نذر في الجاهلية أن يعتكف ثم أسلم رقم
(٢٠٤٣) وفي الأيمان والنذور، باب إذا نذر أو حلف أن لا يكلم إنساناً في الجاهلية
ثم أسلم ٥٨٢/١١، رقم (٦٦٩٧) ومسلم في الأيمان، باب نذر الكافر وما يفعل فيه
إذا أسلم، انظر: صحيح مسلم ١٢٧٧/٣ رقم (٢٧ - ١٦٥٦) وأخرجه أيضاً أبو داود
في سننه ٦١٦/٣ رقم (٣٣٢٥) والترمذي في جامعه ١١٢/٤ - ١١٣ رقم (١٥٣٩)
والنسائي في السنن الكبرى ٢٦١/٢ رقم (٣٣٤٩، ٣٣٥٠، ٣٣٥١) وابن ماجه في
السنن ٦٨٧/١ رقم (٢١٢٩).
(٢) انظر: المستدرك ٤٣٩/١.
(٣) انظر: السنن الكبرى ٣١٨/٤ - ٣١٩.
(٤) انظر: سنن الدارقطني ١٩٩/٢ رقم (٣) من باب الاعتكاف.
(٥) انظر: مسند الفردوس برقم (٥١٨٤).
٣٦٧

قال: فمن أبي بكر؟ قال: لا، قال: فمن عمر؟ قال: لا، قال: فمن
عثمان؟ قال: لا، قال أبو سهيل: فانصرفت فوجدت طاوساً وعطاء
فسألتهما عن ذلك فقال طاؤس: كان ابن عباس لايرى على المعتكف
صياماً إلا أن يجعله على نفسه.
وقال عطاء: ((ذلك رأيي)) وهكذا علقه البيهقي عن الحميدي(١)،
وقال عقبه: هذا هو الصحيح موقوف، ورفعه وهم، قال: وكذلك رواه
عمرو بن زرارة عن عبدالعزيز - يعني الدراوردي - موقوفاً.
ثم أسنده(٢) بلفظ: ((كان ابن عباس لا يرى على المعتكف صوماً))
وقال عطاء: «ذلك رأي)). انتهى.
ووافق ابن عباس على قوله جماعة من الصحابة وغيرهم، فعند
سعيد بن منصور في سننه وابن أبي شيبة في مصنفه(٣) من طريق ليث عن
الحكم أن علياً وابن مسعود قالا: ((المعتكف ليس عليه صوم إلا أن يشترط
ذلك علی نفسه».
وفي لفظ لابن أبي شيبة(٤): ((ليس عليه صوم، إلا أن يفرضه هو
على نفسه))، ولسعيد وحده من طريق الحكم عن مقسم أن علياً وابن
مسعود قالا: ((إن شاء اعتكف وصام وإن شاء لم يصم)). ولابن أبي
شيبة(٥) وحده من طريق أبي معشر عن إبراهيم النخعي قال: ليس عليه
صوم إلا أن يكون أوجب ذلك على نفسه. ومن طريق قتادة عن الحسن
(١) انظر: السنن الكبرى ٣١٩/٤.
(٢) المصدر السابق.
(٣) انظر: المصنف لابن أبي شيبة ٨٧/٣.
المصدر السابق.
(٤)
(٥) المصنف ٨٧/٣.
٣٦٨

البصري مثل قول إبراهيم (١).
فهذا ما وقفت عليه الآن، وبالجملة فكل ما رفع في هذا الباب إلى
النبي وه يل ر، لا يصح إثباتاً ولا نفياً، وما عداه، فمنه ما هو صحيح، ومنه ما
في سنده مقال. وقد قال شيخي شيخ الإسلام ابن حجر رحمه الله ما نصه:
وباشتراط الصوم قال ابن عمر وابن عباس أخرجه عبدالرزاق(٢) عنهما
بإسناد صحيح، وعن عائشة(٣) نحوه. وبه قال مالك والأوزاعي والحنفية،
واختلف عن أحمد وإسحاق. واحتج عياض بأنه وَّ و لم يعتكف إلا بصوم.
وفيه نظر يعني لقوله في حديث الأخبية، ثم اعتكف العشر الأول من
شوال (٤)، فإن الإسماعيلي قال: فيه دليل على جواز الاعتكاف بغير صوم،
لأن أول شوال هو يوم الفطر وصومه حرام(٥).
واحتج بعض المالكية بأن الله تعالى ذكر الاعتكاف أثر الصوم،
فقال: ﴿ثم أتموا الصيام إلى الليل ولا تباشروهن وأنتم عاكفون﴾(٦).
وتعقب بأنه ليس فيه ما يدل على تلازمهما، وإلا لكان لاصوم إلا
باعتكاف، ولا قائل به (٧). والله الموفق(٨).
(١) المصدر السابق.
(٢) انظر: المصنف لعبدالرزاق ٣٥٣/٤ رقم (٨٠٣٣).
انظر: المصدر السابق ٣٥٤/٤ رقم (٨٠٣٧).
(٣)
(٤)
انظر هذه الأقوال في فتح الباري ٢٧٥/٤ .
(٥)
انظر: فتح الباري ٢٧٦/٤ .
(٦) آية (١٨٧) من سورة البقرة.
وانظر احتجاج المالكية والتعقب عليه في فتح الباري ٢٧٥/٤ وإلى هنا انتهى نقل
(٧)
المؤلف عن الحافظ من المصدر المذكور.
(٨) ورد في الأصل العبارة التالية: (قاله وكتبه أبو الخير محمد بن السخاوي غفر الله ذنوبه
وستر عيوبه وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً).
٣٦٩

٩٧ - الحمد لله: أملى الديمي على البحيري ومن خطه نقلت
ما نصه: حضر الإمام أبو محمد سليمان بن مهران الأعمش الكوفي
مجلس الحسن بن عمارة كوفي، فسئل الأعمش عن الحسن بن
عمارة فتكلم فيه، فلما أن رجع إلى البيت بعث وراء الأعمش
وأحسن إليه، وقال له: أريد أن تبدل ذلك الكلام بحسن، ففعل،
فقيل للأعمش في ذلك فقال: حدثني إبراهيم عن علقمة عن
عبدالله أن النبي وَيّ قال: ((جبلت القلوب على حب من أحسن
إليها))، هذا سنده صحيح انتهى، زاد البحيري من عنده: والذي
لم يقل: إنه حديث ما اطلع على حديث المصطفى، يكفيه أنه
مخالف وأفتى بغير علم.
واتفق دخولي جامع الأزهر فسئلت عن الحديث والقصة.
فقلت: الحديث والحكاية باطلان فبادر من أعلمني بما تقدم.
فكتبت ما نصه: الحمد لله الهادي للحق، هذا الحديث لا يصح عن
رسول الله وَلّ بل ولا عن ابن مسعود بل ولا عن الأعمش كما صرَّح به
بعض الحفاظ، ولا ينافيه قول ابن عدي في الكامل: إن المحفوظ وقفه،
لإِيراده إياه كذلك بسند فيه من اتهم بالكذب ورمي بالوضع، ومعاذ الله أن
يصدر مثل هذا من الأعمش الزاهد، الناسك، التارك للدنيا الذي وصفه
القائل بقوله: ما رأيت الأغنياء والسلاطين عند أحد أحقر منهم عنده مع
فقره وحاجته.
وقال ابن معين فيما حكاه الحاكم: أجود الأسانيد: الأعمش عن
إبراهيم عن علقمة عن عبدالله، فقيل له: الأعمش مثل الزهري؟ فقال:
٣٧٠

برئت من الأعمش أن يكون مثل الزهري، الزهري يرى العرض والإِجازة
ويعمل لبني أمية، والأعمش فقير صبور مجانب للسلطان، ورع عالم
بالقرآن. انتهى. على أن في الحكاية والسند المكتوبين بالنسبة للمروي لنا
على بطلانه عدة أوهام، لم أتشاغل بردها وأسأل الله السلامة من الوقوع
في مثل هذا، أو ما قاربه خطاً وإملاء(١).
روى أبو نعيم في الحلية (٢) والخلعي في غير الفوائد وأبو محمد بن
حيان(٣) ومن طريقهم يوسف بن خليل الحافظ في النوادر (٤) له وابن حبان
في ((روضة العقلاء))(٥) والخطيب في ((تاريخ بغداد)) (٦) ومن طريقه المزي
في ((تهذيب الكمال))(٧) كلهم من طريق محمد بن عبيد بن عتبة الكندي عن
بكار بن أسود العيذي عن إسماعيل بن أبان الخياط قال: بلغ الحسن بن
عمارة أن الأعمش وقع فيه فبعث إليه بكسوة فمدحه الأعمش فقيل
للأعمش: ذممته ثم مدحته، فقال: إن خيثمة حدثني عن عبدالله بن مسعود
قال: ((جبلت القلوب على حب من أحسن إليها وبغض من أساء إليها)).
وهكذا رواه ابن عدي في كامله(٨) ومن طريقه البيهقي في الحادي والستين
(١) في الأصل هنا هذه العبارة: قاله وكتبه محمد بن السخاوي.
(٢) حلية الأولياء ١٢١/٤ وقال: غريب من حديث الأعمش عن خيثمة لم نكتبه إلا من هذا
الوجه كما سيأتي للمؤلف.
(٣) في كتاب الأمثال ص١٩٥ - ١٩٦ رقم (١٦٠).
(٤) أخرجه من طريق محمد بن عبيد بن عتبة ابن الأعرابي في معجمه ٢٦١/٢ رقم
(١٩٠).
(٥) انظر: روضة العقلاء ونزهة الفضلاء ص٢٤٣.
(٦)
انظر: تاريخ بغداد ٣٤٦/٧ .
(٧) انظر: تهذيب الكمال ٢٧٤/٦ - ٢٧٥ في ترجمة الحسن بن عمارة.
(٨) الكامل لابن عدي ٧٠١/٢ في ترجمة الحسن بن عمارة.
٣٧١

من شعب الإيمان(١) وابن الجوزي في العلل(٢) المتناهية لكن مرفوعاً،
وقال ابن عدي عقبه: لم أكتبه مرفوعاً إلا من هذا الوجه وهو معروف عن
الأعمش موقوفاً ثم ساقه(٣).
وكذا البيهقي في الشعب(٤) من طريقه من طريق أحمد بن محمد بن
عمر بن يونس حدثنا عبدالرزاق حدثنا معمر قال: لما ولي الحسن بن
عمارة مظالم الكوفة - بلغ الأعمش فقال: ظالم ولي مظالمنا، فبلغ الحسن
فبعث إليه بأثواب ونفقة، فقال الأعمش: مثل هذا ولي علينا يرحم صغيرنا
ويعود على فقيرنا ويوقر كبيرنا، فقال رجل: يا أبا محمد! ما هذا قولك
فيه أمس؟ فقال: حدثني خيثمة عن ابن مسعود قال: ((جبلت القلوب على
حب من أحسن إليها وبغض من أساء إليها)).
وقال البيهقي عقبه: هذا هو المحفوظ موقوف، وقال أبو نعيم (٥):
غريب من حديث الأعمش عن خيثمة لم نكبته إلا من هذا الوجه.
قلت: ومدارها - أعني الرواية المرفوعة(٦) - على ابن أبان وقد كذبه
وقال ابن عدي: وهذا لم أكتبه مرفوعاً إلا من هذا الشيخ ولا أرى يرفع هذا الحديث
=
إلا من هذا الوجه وهو معروف عن الأعمش وأخرجه من طريق ابن عدي القضاعي في
مسنده ٣٥١/١ رقم (٦٠٠).
(١) انظر: شعب الإيمان للبيهقي ٦/ ٤٨١ رقم (٨٩٨٤).
العلل المتناهية لابن الجوزي ٢٩/٢ - ٣٠ رقم (٨٦١) وقال: لا يصح عن رسول الله
(٢)
وَ ل، فإن إسماعيل الخياط مجروح قال أحمد: كتبت عنه ثم حدث بأحاديث موضوعة
فتركناه، وقال يحيى: كذاب .. إلخ.
انظر الرواية الموقوفة عن الأعمش في الكامل لابن عدي ٧٠١/٢.
(٣)
شعب الإيمان ٦/ ٤٨١ رقم (٨٩٨٣).
(٤)
(٥)
انظر: حلية الأولياء ١٢١/٤ .
(٦) ورد في الأصل ((الموقوفة)) ولعل الصواب ((المرفوعة)) لأن ابن أبان في الرواية المرفوعة
وأما الموقوفة، فسيأتي الكلام عنها قريباً.
٣٧٢

ابن معين وعثمان بن أبي شيبة وأبو داود، وقال الجوزجاني: ظهر منه على
الكذب.
ونحوه قول الخطيب واتهمه ابن معين وابن حبان بالوضع، وقال ابن
المديني: کتب عنه وتركته، وضعفه جداً، وكذا قال أحمد: كتبت عنه،
حدث بأحاديث موضوعة فتركناه، وقال البخاري: متروك، تركه أحمد
والناس.
قلت: وكذا قال مسلم والنسائي والعقيلي والدارقطني والساجي
والبزار: متروك الحديث، وقال أبو زرعة وأبو حاتم: ترك حديثه، وقال
النسائي: ليس بثقة، وقال العجلي: ضعيف، أدركته ولم أكتب عنه.
وقال أبو أحمد الحاكم: ذاهب الحديث، وقال الأزدي: كوفي
زايغ، والحديث باطل والحكاية التي ذكرها عن الأعمش مع الحسن بن
عمارة باطل(١) وبكَّار الراوي عنه، أيضاً وهاه الأزدي وضعفه ابن
الجوزي(٢). انتھی.
(١) ابن أبان هو: إسماعيل بن أبان الخيّاط الغنوي أبو إسحاق الكوفي. انظر ترجمته في:
التاريخ الكبير للبخاري ٣٤٧/١ ت (١٠٩٣) والتاريخ الصغير ٣٣٧/٢.
ضعفاء النسائي ت (١٦) والجرح والتعديل ١٦٠/٢ ت (٥٣٧) ضعفاء العقيلي ١/ ٧٧
ت (٨٢) أحوال الرجال ص٨٤ ت (١١٣) الكامل لابن عدي ٣٠٣/١ والمجروحين لابن
حبان ١٢٨/١ وضعفاء الدارقطني ت(٧٥) وتاريخ بغداد ٢٤٠/٦ وميزان الاعتدال
للذهبي ١/ ٢١١ت (٨٢٤)، والتقريب لابن حجر ص ١٣٥ ت(٤١٥).
(٢) بكار - الراوي عن إسماعيل بن أبان الخياط - هو ابن أسود العيذي الكوفي.
انظر: الجرح والتعديل ٣٨٢/٢ ت (١٤٩٠) وضعفاء ابن الجوزي ١٤٦/١ ت (٥٤٨)
وميزان الاعتدال ١/ ٣٤٠ ت (١٢٥٢) ولسان الميزان ٤١/٢ - ٤٢ ت (١٤٦).
٣٧٣

أما المرفوعة(١)، فراويها (٢) عن عبدالرزاق، كذبه أبو حاتم، وابن
صاعد، وسلمة بن شبيب. وقال الدارقطني: ضعيف، ومرة: متروك،
وقال الخطيب: كان غير ثقة، وقال ابن حبان: لا يحتج به انتهى.
ووجدت للحديث طريقاً أخرى إلى الأعمش، فروينا في جزء
طلحة بن الصقر ومن طريقه يوسف بن خليل في النوادر: حدثنا صدقة بن
هبيرة، حدثنا طريف بن عبيدالله، حدثنا محمد بن عبدالله بن نمير، حدثنا
أبي سمعت المشيخة يقولون: ولي الحسن بن عمارة مظالم الكوفة فدخلوا
إلى الأعمش فقالوا: يا أبا محمد الحسن بن العمارة ولي المظالم قال:
الظالم وابن الظالم ولي المظالم، فبلغ الحسن فوجه إليه بكيسٍ فيه ألف،
ومنديل ثياب، فدخلوا بعد ذلك إلى الأعمش فقالوا: يا أبا محمد
الحسن بن عمارة ولي المظالم قال: الصالح وابن الصالح ولي المصالح،
فقالوا: بالأمس تقول: الظالم واليوم الصالح؟ فقال: حدثنا خيثمة عن
عبدالله قال: قال النبي ◌َّطاهر: ((جبلت القلوب على حب من أحسن إليها))
وإن الحسن بن عمارة قد أحسن إلينا وبرَّ ووصل. وطريف ضَعَّفه
الدار قطني(٣). والراوي عنه، ما عرفته وكذا المشيخة.
(١) كأن هذا سبق قلم من المؤلف والصواب ((أما الموقوفة)) لأن الرواية المرفوعة سبق
الكلام عليها وليس في إسنادها ((عبدالرزاق)) ولا الراوي عنه أحمد بن محمد بن عمر.
(٢) الراوي عن عبدالرزاق في الرواية الموقوفة هو: أحمد بن محمد بن عمر بن يونس بن
القاسم أبو سهل الحنفي اليمامي.
انظر ترجمته في: الجرح والتعديل ٧٠/٢ ت (١٣٠) المجروحين لابن حبان ١٤٣/١
وتاریخ بغداد ٦٥/٥ ت(٢٤٣٨).
(٣) طريف: هو ابن عبيدالله الموصلي.
انظر ترجمته في: الضعفاء للدارقطني ص٢٥٦ ت (٣٠٧) وتاريخ بغداد ٣٦٥/٩
ت (٤٩٣٢) وميزان الاعتدال للذهبي ٣٣٦/٢ ت (٣٩٨٦)، والمغني في الضعفاء له =
٣٧٤

وقد جاء عن الأعمش بسند آخر غير الماضي، فروی ابن مردويه،
ومن طريقه يوسف بن خليل في النوادر، قال: ذكر داهر بن محمد بن
عبدة، حدثنا أحمد بن محمد بن أبي نصر المؤدب، حدثنا وهب بن داود،
حدثنا عبيدالله بن موسى قال؛ كنا عند الأعمش فجاء أبو بكر بن عياش
وجماعة من الفقهاء فقالوا له: قد بعث أمير المؤمنين إلى الأمير مالاً يقسم
على فقهاء الكوفة، فقم حتى تأخذ قسطك قال: فقام وعليه فرو يلبسه في
الشتاء، فإذا جاء الصيف قلَّبه، فقال له بعضهم: لو غيرت ثوبك فزبره،
وقال: أنا لا أغير ثوبي، وأنا أدخل على سيدي في كل يوم وليلة خمس
مرات، أغير لهذا الأمير؟ فدخلوا على الأمير ودخل معهم فسلموا ووقفوا
وسلم وجلس فقال الأمير: من ذا؟ قالوا: سليمان بن مهران الأعمش،
فقال: نعم نعم، فأمر لهم بألف، وأمر له بألف من ماله، فخرجوا وخرج
معهم وهو يجزيه فقالوا: يا أبا محمد أنت الأمس تمزقه وتقول، وتقول،
قال: نعم، سمعت يحيى بن وثاب يحدثنا عن علقمة، والأسود عن
عبدالله بن مسعود سمعت رسول الله صل يقول: ((جبلت القلوب على حب
من أحسن إليها وبغض من أساء إليها، وقد أحسن)).
ووهب، قال الخطيب: لم يكن بثقة (١) والراوي عنه ما عرفته (٢)
وكذا الواسطة بين ابن مردويه وداهر.
٣١٥/١ ت (٢٩٣٩) ولسان الميزان لابن حجر ٢٠٨/٣ ت (٩٣٤).
=
(١) وهب بن داود بن سليمان المخرمي أبو القاسم. انظر ترجمته في: تاريخ بغداد
٤٨٩/١٣ ت (٧٣٢٦). وميزان الاعتدال للذهبي ٣٥١/٤ ت (٩٤٢٧). ولسان الميزان
لابن حجر ٢٣٠/٦ ت(٨٢٢).
(٢) الراوي عن وهب بن داود هو: أحمد بن محمد بن أبي نصر المؤدب لم أقف على من
ترجمه .
٣٧٥

وقد روى البيهقي في الشعب(١) من حديث قتادة عن أنس رفعه:
«کان یأمر بالهدية صلةً بين الناس)).
ومن حديث موسى بن وردان عن أنس(٢): تهادوا تحابوا)) ومن
حديث عائذ بن شريح عن أنس(٣) رفعه: ((يا معشر الملأ! تهادوا فإن الهدية
تذهب بالسخيمة ... الحديث)).
(١) انظر: الجامع لشعب الإيمان ٤٧٩/٦ رقم (٨٩٧٥).
(٢) ورد عند البيهقي في الشعب عن موسى بن وردان عن ((أبي هريرة)) بدل ((أنس)) والله
أعلم بالصواب لأن موسى بن وردان يروي عنهما كما جاء في تهذيب الكمال. انظر:
شعب الإيمان ٤٧٩/٦ رقم (٨٩٧٦).
(٣) انظر: شعب الإيمان للبيهقي ٤٧٩/٦ رقم (٨٩٧٧) وبقية الحديث ... ولو دعيت إلى
کراع أو ذراع - شك عائذ - لأجبت، ولو أهدي إليّ كراع أو ذراع - شك عائذ -
لقبلت)). وأخرجه أيضاً محمد بن منده بن أبي الهيثم الأصبهاني في حديثه
(٢/١٧٨/٩) وأبو عبدالله الجمال في الفوائد (٢/١) كما ذكره الشيخ الألباني في إرواء
الغليل ٤٣/٦ والبزار في مسنده كشف الأستار ٣٩٤/٢ رقم (١٩٣٧) وابن حبان في
المجروحين ٩٤/٢ والطبراني في الأوسط ١٤٦/٢ رقم (١٥٢٦) وأورده الهيثمي في
مجمع البحرين برقم (٢٠٥١) وذكره في مجمع الزوائد ١٤٦/٤ وقال: فيه عائذ بن
شريح وهو ضعيف. وابن عدي في الكامل ٢/ ٦٩٤ وأبو نعيم في أخبار أصبهان
٩١/٢، ١٨٧ كلهم بلفظ: ((يا معشر الأنصار)) بدل ((يامعشر الملأ)).
٣٧٦

٩٨ - سئلت: عما أورده جماعة من متأخري الفقهاء أنه وَل
قال: ((التكبير جزم والسلام جزم)) هل له أصل أم لا؟
والجواب: أنه لا أصل له مرفوعاً، وعمدة هؤلاء المتأخرين على
الرافعي في ذلك فإنه أورده كذلك(١)، وذكر غير واحد ممن خرج كتابه أنه
لا أصل له بهذا اللفظ، وإنما هو قول إبراهيم النخعي، حكاه الترمذي في
جامعه عنه عقب حديث أبي هريرة الآتي فقال ما نصه: وروي عن إبراهيم
النخعي أنه قال: التكبير جزم والتسليم جزم(٢).
والجملة الثانية روى بمعناها أبو داود(٣) والترمذي (٤) وابن خزيمة(٥)
والحاكم(٦) في صحيحيهما من رواية قرة بن عبدالرحمن عن الزهري عن
أبي سلمة عن أبي هريرة قال: ((حذف السلام سنة)).
رفعه أبو داود وابن خزيمة والحاكم مع حكايتهما الوقف أيضاً،
ووقفه الترمذي وقال: إنه حسن صحيح.
وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، ونقل أبو داود عن الفريابي
قال: نهاني أحمد بن حنبل عن رفعه. وعن عيسى بن يونس الرملي قال:
نهاني ابن المبارك عن رفعه، والمعنى: أنهما نهيا أن يُعزى هذا القول إلى
النبي وَّ وإلا فقول الصحابي: ((السنة كذا)) له حكم المرفوع على الصحيح
(١) انظر: البدر المنير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير لابن الملقن ٦/٣ (مخطوط)
والتلخيص الحبير للحافظ ٤٠٦/١ رقم (٣٣٤).
(٢) انظر: سنن الترمذي ٩٥/٢.
(٣)
انظر: سنن أبي داود ١/ ٦١٠ رقم (١٠٠٤).
(٤)
انظر: جامع الترمذي ٩٣/٢ - ٩٤ رقم (٢٩٧).
(٥) انظر: صحيح ابن خزيمة ٣٦١/١ - ٣٦٢ رقم (٧٣٤).
(٦) انظر: المستدرك للحاكم ٢٣١/١.
٣٧٧
:

عند أهل الحديث والفقه والأصول(١)، على أن البيهقي قال(٢): كأن وقفه
تقصير من بعض الرواة، وصحح الدارقطني في ((العلل))(٣) في حديث
الفریابي وقفه.
وأما أبو الحسن ابن القطان، فقال: إنه لايصح مرفوعاً ولا
موقوفاً (٤)، قرة، لم يخرج له مسمل محتجاً به، بل مقروناً بغيره ثم حكى
قول أحمد: إنه منكر الحديث جداً، وأن البخاري قال: كل من قلت فيه:
منكر الحديث فلا تحل الرواية عنه، وعلى هذا فلا يحمل قوله: منكر
الحديث، على إرادة حديث خاص رواه ذاك الراوي، وإن أطلقه المحدثون
كثيراً لاسيما هنا، فقد قال أبو زرعة الرازي(٥) في قرة هذا: الأحاديث التي
يرويها مناكير، ولذا ضعفه أحمد وابن معين في رواية، وقال أبو حاتم
والنسائي: ليس بالقوي، ومع هذا كله فقد ذكره ابن حبان في الثقات.
وقال ابن معين في رواية أخرى: إنه ليس به بأس، وكذا قال ابن عدي:
أرجو أنه لابأس به، واختلف في لفظه ومعناه فقال الهروي في الغربيين:
عوام الناس يضمون الراء من الله أكبر.
وقال أبو العباس المبرد: الله أكبر الله أكبر، ويحتج بأن الأذان سمع
موقوفاً غير معرب في مقاطعه (٦)، وكذا قال ابن الأثير في
(١) انظر: علوم الحديث لابن الصلاح ص (٥٠).
(٢) قاله البيهقي في السنن الكبرى في الصلاة، باب حذف السلام ٢/ ١٨٠ .
(٣) انظر: العلل للدار قطني ٢٤٥/٩ - ٢٤٧ رقم (١٧٣٦).
(٤)
ذكر كلام ابن القطان المناوي في فيض القدير ٣٧٨/٣.
(٥) انظر: كتاب أبي زرعة الضعفاء وأجوبته على أسئلة البرذعي المطبوع مع كتاب أبوزرعة
الرازي وجهوده في السنة النبوية ٨٢٢/٣ ت (١٨٦) وتقدمت ترجمة قرة بن عبدالرحمن
في ص (١٩٣).
(٦) نقل المؤلف هذا الكلام من كتاب الغريبين لأبي عبيد الهروي انظر ٩٣/٥.
٣٧٨

النهاية(١)، معناه: أن التكبير والسلام لايمدان ولا يعرب التكبير، بل
يسكن آخره، وتبعه المحب الطبري، وهو مقتضى كلام الرافعي في
الاستدلال به على أن التكبير جزم لايمد، وعليه مشى الزركشي حيث قال:
معنى قوله ((جزم)) أي يجزم الراء من التكبير، وإن كان أصله الرفع
بالخبرية، ويمكن الاستشهاد له بما أخرجه الطيالسي في مسنده(٢) من
طريق ابن عبدالرحمن بن أبزى عن أبيه قال: ((صليت خلف النبي وَطّ فكان
لا يتم التكبير)) لكن قد خالفهم شيخي رحمه الله فقال(٣): وفيما قالوه نظر،
لأن استعمال لفظ الجزم في مقابل الإعراب اصطلاح حادث لأهل العربية
فكيف تحمل عليه الألفاظ النبوية يعني على تقدير الثبوت، وجزم بأن
المراد بحذف السلام وجزم التكبير الإسراع به، وقد أسند الحاكم (٤) عن
أبي عبدالله البوشنجي أنه سئل عن حذف السلام، فقال: لايمد. وكذا
أسنده الترمذي في جامعه عن ابن المبارك أنه قال: لا يمده مداً.
قال الترمذي(٥): وهو الذي استحبه أهل العلم، وقال الغزالي في
الإِحياء(٦): ويحذف السلام ولا يمده مداً، فهو السنة.
وكذا قال جماعة من العلماء أنه يستحب أن يدرج لفظ السلام ولا
(١) انظر: النهاية لابن الأثير ١٤٠/٤ مادة (كبر).
(٢) انظر: مسند أبي داود الطيالسي ص١٨١ رقم (١٢٨٧).
(٣) انظر: التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير ٢٢٥/١ رقم (٣٣٣).
ذكره الذهبي في تلخيص المستدرك ٢٣١/١ .
(٤)
انظر: جامع الترمذي ٩٤/٢ - ٩٥.
(٥)
(٦) انظر: إحياء علوم الدين ١٨٤/١ في الباب الثاني من أسرار الصلاة تحت عنوان
((التشهد)).
٣٧٩

يمده مداً، وأنه ليس برفع الصوت، فرفع الصوت غير المد، وقيل: معناه:
إسراع الإِمام به لئلا يسبقه المأموم.
وعن بعض المالكية: هو أن لايكون فيه قوله: ورحمة الله، فهذا ما
علمته الآن في معناه.
وأما لفظه، فجزم: بالجيم والزاي المعجمتين ، ولكن قيَّده بعضهم
بالحاء المهملة والذال المعجمة، ومعناه: سريع فالحذم: السرعة، ومنه
قول عمر: ((إذا أذنت فترسل وإذا أقمت فاحذم))(١) أي أسرع، حكاه ابن
سيد الناس وكذا السروجي المحدث من الحنفية وقال: والحذم في اللسان
السرعة، ومنه قيل للأرنب حذمة. والله الموفق.
(١) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه ٢١٥/١ الدارقطني في سننه ٢٣٨/١ والبيهقي في
السنن الكبرى ٤٢٨/١ وذكره أبو عبيد في غريب الحديث ٢٤٤/٣ - ٢٤٥.
٣٨٠