النص المفهرس
صفحات 201-220
٢٠٠ = وجاء في آخر هذه الورقة: ( كاتبه الفقير إلى ربه ... محمود بن إسماعيل العيني الحلبي ، غفر الله له ولجميع المسلمين ). فهذه النسخةُ المنقولة" عن مُبَّضة المؤلف، والمقابلةُ بها، والمقروءةُ عليه والمتحلّيّةُ بختطلّه وتوقيعه بقراءتها عليه - في غير موضعٍ - من ذلك الامام العالم البارع الشيخ بدر الدين محمود بن إسماعيل العيني الحلبي الحنفي: لا تَدعُ أيّمجالٍ للتردّد في أن اسم الكتاب الذي سماه به مؤلّفُه: (حَلْبَة المُجَلّي) بفتح الحاءً من ( حَلْبَة) وسكون اللام، يليها باء موحدة، و(المُجَلّي) بضم الميم وفتح الجيم وكسر اللام المشدَّدة. وقد جاءت بهذا الضبط مشكولة في طبعة ((كشف الظنون)) المنقولة عن خط مؤلّفه: (١٨٨٧/٢). وجاءت كذلك في أوائل حاشية العلامة الشيخ ابن عابدين: ((رد المحتار على الدر المختار)) عند قول الشارح: (٩/١): ((بعد الاذن منه صَّ هِ))، قال الشيخ ابن عابدين: ((وجَزَم العلامة ابنُ أمير حاج في شرحه على ((التحرير) ... واستدلَّ عليه في شرحه المسمى: حَلْبَة المُجَلّي في شرح مُنْيَة المُصلي)). انتهى. ولكنه - للأسف - ود وقع في الحاشية المذكورة اسمُ الكتاب بعد هذا الموطن محرّفاً تحريفاً مستمراً إلى ( الحلية )! هكذا بالياء المثناة من تحت . وقد تمكنَ هذا التحريفُ من طبَعَات ((الحاشية)) كلّها، من طبعة بولاق فما بعدها! وهو تحريف عجيب يستسيغه القارى؛ غيرُ العالم باسم الكتاب كلَّ الاستساغة! وكنتُ قدّرتُ أن هذا التحريف وقع في حاشية الشيخ ابن عابدين من تصرفات المصحح الذي أشرف على تصحيح الطبعة البولاقية الأولى ، فوَجَد الاسم في مخطوطة الشيخ ابن عابدين: ( الحلبة ) هكذا كان مقطوعاً عن المضاف إليه فظنَّه تحريفاً نشأ من تمجّل الشيخ ابن عابدين في كنابته وخطيِّه ، فأثبته باستمرار ( الحلية ) بالياء ! هكذا كنتُ قدَّرتُ وظننتُ، وخشاةً أن يكون ظني هذا من بعض الظنّ: رجعتُ إلى مخطوطة الحاشية التي كتبها الشيخ ابن عابدين رحمه الله تعالى بيده، وجرى طبعُ الحاشية في مصر بمطبعة بولاق عليها مباشرة، وهي مجزّأة == ٢٠١ بخطه إلى أربعة أجزاء كبيرة ، ينتهي الجزء الأول منها فى آخر كتاب الحجّ الواقع في المطبوعة البولاقية الأولى: (٣٥٨/٢). وسقط من آخر ختامه في المطبوعة لفظُ (في جما) يعني في جمادى الأولى. ويوجدُ هذا الجزء الأول من نسخة المؤلف ابن عابدين عند سماحة المفتي العام السابق للجمهورية السورية الشيخ أبو اليسر عابدين حفظه الله تعالى في مدينة دمشق، رجعتُ إليه فرأيتُ العبارة التي جاءت في الحاشية المطبوعة (٩/١) بلفظ ((حَلْبَة المُجَدّي)) رأيتُها جاءت في الورقة السابعة من المخطوطة المذكورة هكذا: ( حلية المجلي ) . وجاءت لفظة" (حلية) بالياءذات النقطتين واضحة" جليّة، فرجعتُ إلى آخر الجزء من المطبوعة المذكورة فرأيتُ فيه: ((قُوبِلَ بخط المؤلِفِ ماعدا اللازم الست" الأول منه)). والملازم السته الأول تبلغُ ٢٤ صفحة من الكتاب المطبوع، إذ كلُّ أربع صفحات فيه (مَازمة). وهذا القدرُ الذي لم يُقابَلْ ينتهي عند لفظ الشارح: (مقدّة). فعلى هذا إثباتُ ماجاء في المطبوعة: (٩/١) بلفظ ((حَلْبَة المُجَلّي)) إنما هو من صنيع المصحح قبل أن تكون مخطوطة الشيخ ابن عابدين بيده ، ولمّا وصلت المخطوطةُ إلى يده أثبتها حينئذ ( حلية ) بالياء متابعة" منه لخط" الشيخ ابن عابدين نفسه! وأنا أجزمُ أنَّ هذا التحريف سرى على الشيخ ابن عابدين رحمه الله تعالى من المخطوطة التي كانت بيده ولا ريب ! وفي حوزني نسخة مخطوطة من الكتاب المذكور وقع التحريفُ في تسميتها أيضاً ، فجاء على وجها وفي مقدمتها: ( حلية المجلي). وهو تحريف يقع مثلُه كثيراً فى المخطوطات، وصوابُهُ: ( حَلْبَة المُجَلّي ) بالباء الموحدة مع فتح الحاء، كما سبق إثباته ونقلهُ من النسخة المنقولة. عن مبيضة المؤلف ، والمقابلة بها ، والمقروءة عليه، وعليها خطُّه في غير موضع، وكتبها قارئها عليه الامامُ العيني محمودُ بن إسماعيل رحمها الله تعالى. ومِن هذا كله: وجب الجزمُ بأن ما وقع في ((حاشية ابن عابدين)) أو غيرها من تسمية الكتاب: (حلية الجلي) بالاضافة، أو: ( حلية ) من غير إضافة إنما هو تحريفٌ من النساخ يجبُ تصحيحُه وإثباتُه - حيث جاء - بلفظ (حَلْبَة المُجَلِي)، أو (حَلْبَة) بالباء الموحَّدة، والله ولي التوفيق. ٢٠٢ السؤال السابع في أن تخريجَ الشيخين وكثرة الطرق وفقه الراوي هل هي من وجوه الترجيح؟ تخريجُ الشيخين: البخاريّ ومُسْلم، وكثرةُ طُرُق الحديثِ مِن دون الوصول إلى حدّ الشهرة والتواتر، وفقْهُ الراوي، هل هي من وُجُوهِ الترجيح؟ أم لا؟ الجواب لكلٍ مِهَا دَخْلٌ في الترجيح، على الرأي النجيح. أما تخريج الشيخي: فلِمَاصِرَّ حوابه (١) أن أُعلى أقسام الصحيح: ما الْفَقَ عليه الشيخان، ثم ما انفرد به البخاري، ثم ما انفرد به مسلم ، ثم ماهو صحيحٌ على شرطها ولمُ يُخْرجهُ(٢) واحدٌ منهما، ثم ما هو على شرْط البخاري وحده، ثم ماهو صحيحٌ على شرْط مُسْلِمٍ، ثم ما هو صحيحٌ عند غيرهما. وهذا التريبُ قد أطبقتْ عليه كلمات المحدّثين (١) أوَّلُ من رأى هذا التقسيم هو الشيخ ابن الصلاح في «مقدمته)): (ص٢٨). وقد لقي قولُهُ هذا قبولاً ورداً من العلماء كما ستأتي الاشارة إليه تعليقاً بعد قليل. (٢) وقع في الأصل: (ولم يخرج). ٢٠٣ بل يكادُ أن يكونُ محمعً عليه بين المتبحرين، ولم يخالف فيه إلا ابن الهُمامُ(١) (١) في كتابه ((فتح القدير)) على ((الهداية) في باب النوافل: (٣١٧/١)، و کتابه («التحرير» في أصول الفقه في ( فصلُ في التعارض): (٣٠/٣) حيث قال في ((فتح القدير)) بعد أن حكتى ما قاله ابنُ الصلاح: ((هذا تحكُمُ لا يجوز التقليدُ فيه، إذ الأصحية" ليستْ إلا لاشتمالٍ رواتها على الشروط التي اعتبراها، فان فُرِضَ وجودُ تلك الشروط في رواةٍ حديثٍ في غير ((الكتابين))، أفلا يكونُ الحكمُ بأسحيَّةِ ما في ((الكتابين)) عينَ التحكم؟ ... )). وأيَّده تلميذُه الشيخ انم أمير حاج رحمه الله تعالى في ((التقرير والتحبير في شرح كتاب التحرير)): (٣٠/٣) ثم قال: ((ثم مما ينبغي التنبيه" له أنّ أصحيّتها على ماسواهما تنزلاً إنما تكونُ بالنظر إلى مَنْ بعدَهما، لا المجتهدين المتقدمين عليها، فان هذا مع ظهوره قد يخْفى على بعضيهم أو يُخالِطُ به. والله سبحانه أعلم». انتهى بتصرف يسير. قال شيخنا الامام الكوثري رحمه الله تعالى فيا علَّقه على «شروط الأئمة الخمسة)) الحازمي (ص ٥٩) بعد أن نَقَلَ عبارةَ ابن أمير حاج هذه: «يُريدُ أنّ الشيخين وأصحابَ ((السنن)) جماعة" متعاصرون من الحفاظ أتوا بعد تدوين الفقه الاسلامي، واعتنوا بقسمٍ من الحديث، وكان الأئمة المجتهدون قبلتهم أوفر مادةً وأكثرَ حديثاً، بين أيديهم المرفوعُ والموقوفُ والمرسلُ وفتاوى الصحابة والتابعين . ونظرُ المجتهد ليس بقاصرٍ على قسمٍ من الحديث، ودونك ((الجوامع)) و((المصنَّفات))، في كل باب منها تُذكرُ هذه الأنواعُ التي لا يستغني عنها المجتهد. وأصحابُ ((الجوامع)) و((المصنَّفات)) قبل ( السّةِ) من الحفاظ: أصحابُ هؤلاء المجتهدين وأصحابُ أصحابهم. والنظرُ في أسانيدها كان أمراً هيناً عندهم لعلو" طبقتهم، لاسيما واستدلالُ الجَتهد بحديث تصحيحُ له. والاحتياجُ إلى ( السّة) والاحتجاجُ بها إنما هو بالنظر إلى من تأخّر عنهم فقط، والله أعلم». ٢٠٤ وابنُ أمير حاج العلام، (١) ومن تَبِعَهما في هذا المَرام.(٣) وقد تعقبَ عليه صاحبُ ((دراسات اللبيب)) (٣) بتعقباتٍ جيدة وإِبرادات قوية فلیُرْ جَعَ إِليه . فإذا وُجُدَ حديثٌ في ((الصحيحين)) غيرُ مُنْتَقد، وحديثٌ (١) في كتابه: ((التقرير والتحبير في شرح كتاب التحرير)): (٣٠/٣). ثم دعوى حَصْرٍ المخالفة في ابنِ الهُمام وابنٍ أمير الحاج ... لا برهانَ عليها، فقد جاء ما يدفعُ هذا الترتيبَ عن جمهرةٍ كبيرةٍ من أئمة المحقّقين الذين تقدموا ابن الصلاح أو تأخَّروا عنه. وقد أوسعَ البيانَ في ذلك أيما إيساعِ الأخُ العلامة المحققُ الناقدُ الشيخ محمد عبد الرشيد النعماني الهندي حفظه الله تعالى في تعليقاته على كتاب (( دراسات اللبيب)) المسماة: ((التعقيبات على صاحب الدراسات)): (ص ٣٧٤ حتى ٣٩٠)، وفي تعليقاته على ((ذبّ ذُبابات)) ((الدراسات)): (٢٤٠/٢-٢٤٢) فانظرهما لزاماً ففيها المقْنَع لكلّ عالمٍ مُنصف. (٢) أي واققتها على ما يدفع هذا الترتيب، كالحافظ ابن كثير، والعلامة القسطلاني شارح البخاري ، والعلامة عليّ القاري، والعلامة أكرم السندي في شَرْ حَيْهما على ((شرح نخبة الفكر))، والعلامة عبدالحق الدهلوي الحدث ، وغير م من الأجلَّة. انظر ((التعقيبات على صاحب ((الدراسات)) (ص ٣٧٤ - ٣٩٠)، و((ذبّ ذُبَابات ((الدراسات)) العلامة عبد اللطيف السندي (٢٤٢/٢). (٣) في الدراسة الحادية عشرة ( ص ٣٢٨-٣٧٤) ، وأطال في ذلك جداً حتى استوعَبَ ٤٦ صفحة وقد تعقّهُ صديقنا العلامة الشيخ محمد عبد الرشيد الهندي - كما سبقت الإشارةُ إليه - بحواشٍ طويلة علَّقها هناك كانت كما قال الزمخشري: ((الزيتُ مُخُ الزيتون، والحوانِي مختخَةُ المتون)). فجزاه الله خيراً عن العلم وأهله . ٢٠٥ معارِضٌ له مثلُهُ في الصحة تصريحٍ مُعتَمَد: يُرجَّحُ الأوَّلُ من حيث الأصحيَّة على الثاني لوجود اتفاق الأمَّة على الأوَّل دون الثاني، وإِن لم يكن مثله في الصحةِ فتقديمُ مافي ((الصحيحين)) عليه ظاهر. ولذا قال العضد في ((شرح مختصر ان الحاجب)) (١) : السابع - أي من وجوه الترجيح - أن يكون مُسْنَداً إِلى كتابٍ مشهور عُرفَ بالصحة (٢) كـ ((البخاري)) و((مسلم)) على ما لم يُعْرَف بالصحة كـ ((سُنن أبي داود)). انتهى. نعم قد يرجَّح المُخْرَجُ في غير ((الصحيحين)» على المُخْرَج في أحد ((الصحيحين)) بوجوهٍ أُخَرَ تُوجبُ الترجيح كماقال السيوطي في (التدريب)) (٢): قد يَعْرِضُ للمَفُوقِ ما يجعله فائقاً كأن تفقا على إِخراجٍ حديثٍ غريب، وُلُخْرجَ مسلمٌ أو غيرُهُ حدثً مشهوراً أو مما (٤) وُصِفتْ ترجمتُه بكونها أصحّ الأساسيد. قال الزركشيّ: ومِن ههنا يُعْلَم أن ترجيح كتاب ((البخاري)) على ((مسلم)) المرادُ به ترجيحُ الجملةِ على الجملة لا كل فرد من أحاديثه على كلٍّ فرد من أحاديثِ (١): (٣١١/٢). (٢) وقع في الأصل: (وعرف بالصحة). والتصويب عن ((شرح مختصر ابن الحاجب)). (٣) : (ص ٦٥). (٤) وقع في الأصل: ( ومما). وهو تحريف. والتصويب عن ((التدريب)). ٢٠٦ الآخر. انتهى . وفي ((شرح نخبة الفكر)) (١) لابن حجر: أما لوُ رُجّح قسمٌ على ماهو فوقه بأمور أخرى تقتضي الترجيحَ : فإنّه (٢) يُقدِّمُ على ما فوقه، إذ قد يَعْرِض للمفوقِ ما يجعله فائقاً، كما لو كان الحديثُ عند مسلم مثلا، وهو مشهورٌ قاصرٌ عن درجة التواتر، لكنه حفَّتْهُ قرينةٌ صارَ بها مفيداً للعلم، فإنه يُقدّمُ على الحديث الذيُخرجه (٣) البخاري إِذا كان فرداً مطلقاً، وكما لو كان الحديثُ الذي لم تُخْرباه مِن ترجمةٍ وُصُفَتْ بكونها أصحْ الأسانيد، كمالك عن نافعٍ عن ابن عمر فانه يُقدَّم على ما الفرَدَ به أحدُهما مثلا، ولا سما إِذا كان في إسناده منْ فيه مقال . انتهى . وأما كثرةُ طُرُّقِ الحديث: فاختَلَفوا فيها (٤) على قوابى: ارؤُوَّلُ : أنها ليست من أمارات الترجيح، وإليه ذَهب مامَّةٌ الحنفية وبعضُ أصحاب الشافعي، كذا قال البُخاري (٥) في (التحقيق (١): (ص ٤٧) بحاشية (لقط الدرر)). (٢) لفظ (فانه) ساقط من الأصل. (٣) وقع في الأصل: ( الذي خرجه). والمُثْبَتُ عن ((شرح النخبة)). (٤) وقع في الأصل : ( فيه) . (٥) هو العلامة عبدالعزيز بن أحمد بن محمد البُخاري مؤلفُ ((كشف الأسرار شرح أصول البزدوي))، وغيره ، المتوفى سنة ٧٣٠. والبسط في ترجمته يطلب من ((الفوائد البهيَّة)). قاله المؤلف اللكنوي في تعليقاته على ((الرفع والتكيل)): (ص ٣٩و٤٣). ٢٠٧ شرح المنتخَبِ الْحُسامي))(١) ووَجَّهُهُ بأنَّ كثرةَ العَدَدِ لاتكون(٢) دليلَ القوة مالمَ يخرُج عن حيّز الآحاد إلى حيز التواتر أو الشهرة، وأوضحهُ بأنه لا يترجَّح في الشهادة إِحدى الشهادتين بكثرة العدد . والثاني: أنها من أمارات الترجيح، وهو قولُ أكثرِ الشافعية، وبه قال أبو عبد الله الجُرْباني من أصحابنا وأبو الحسن الكَرْفي في رواية، لأن الترجيح إِنما يحصُلُ بقوة لأحد الخبرين لا تُوجَدُ في الآخر ، ومعلومٌ أنَّ كثرةَ الرواةِ نوعُ قوة في أحدِ الْخَبِرِين، لأن قولَ الجماعة أقوى وأبعدُ من السهو ، وأقربُ إلى إفادةِ العلم مِن (٣) قول الواحد ، فإنَّ خبرِ كلّ واحدٍ يُفيد ظنّاً، والظنونُ المجتمعةُ كلما كانتْ أكثرَ كان الصدقُ أغلبَ حتى ينتهي إلى القطع . كذا ذكر البُخاري في (( التحقيق)) أيضاً (٤). وفي ((مُسلَّم الثبوت)) مع شرْحِه للمولوي وليّ الله اللكنوي: لا ترجيحَ بكثرة الرواة عند أبي حنيفة وأبي يوسف ، خلافاً لأكثر العلماء كالأئمة الثلاثة وغيرهم ومنهم محمد، فيترجَّحُ بكثرة الأدلّة (١) وقال مثله في (( كشف الأسرار)): (١٠٢/٣). (٢) جاء في الأصل : ( لا يكون). (٣) وقع في الأصل : (عن) . وهو تحريف. (٤) وقال مثله أيضاً في ((كشف الأسرار)): (١٠٢/٣). ٢٠٨ والرواةِ عندهم وإِن لم يبلغ الشهرةَ، فما في ((كشف المنار)) من نسبة الخلاف إلى بعض أهلِ النظر: ليس على ما ينبغي . انتهى . والذي يقتضيه رأيُ المُنْصِفِ (١)، ويرتضيه غيرُ المتسِفِ، هو اختيارُ ماعليه الأكثر ، وأنه بالنسبة إلى الأوَّل أظهر ، وقد مال إِليه صاحبُ ((مُسلَّم الثبوت))، حيث ضعَّفَ دلائلَ المذهب الأوَّل، وأشار في دليل المذهب الثاني إلى الثبوت، واختارَهُ أيضاً الزيلعيّ حيث قال في (( نصب الراية لتخريج أحاديث الهداية)) في بحث (جهر البسملة )(٢): مع أنَّ جماعةً من الحنفية لا يرون الترجيحَ بكثرة الرواة، وهو قولٌ ضعيفٌ لبعد احتمال الغلط على العَددِ الأكثر، ولهذا جُمِلَت الشهادةُ على الزنا أربعةٌ لأنه أكبر الحدود. انتهى. وفي كتاب ((الاعتبار)) (٢) الحازمي: مما يُرجَّح به أحدُ الحديثين على الآخر كثرةُ العَدَد في أحدِ الجاسين، وهي مؤثرةٌ في باب الرواية، لأنها تُقَرّبُ مما يُوجِبُ العِلمَ وهو التواتر، وقال بعضُ الكوفيين: كثرة الرواةِ لا تأتير لها في باب الترجيحات ،لأن (١) وقع في الأصل: ( المصنف) . وهو تحريف . (٢): (٣٥٩/١) . (٣): ( ص ٩). ٢٠٩ طريقَ كل واحد منهما (١) غلبةُ الظن فصار كشهادة الشاهدين مع شهادة الأربعة . يُقالُ على هذا: إِلحاقُ الرواية بالشهادةِ غيرُ ممكن، لأنَّ الرواية وإِن شاركت الشهادة في بعض الوجوه فقد فارقَتْها في أكثر الوجوه ، ألا ترى أنه لو شهد خمسون امرأةً لرجلٍ عالٍ لاتُقْبلُ شهادَ تُهُنَّ، ولو شَهِدَ به (٢) رجلانِ قُبِلَت شهادتُها؟ ومعلومٌ أنَّ شهادة الخمسين أقوى في النفس من شهادة رجلين ، لأنَّ غلبة الظن إِنما هي معتبرة في باب الرواية دون الشهادة . وكذا سَوَّى الشارعُ بين شهادةِ إِمامينِ عالمينِ وشهادة رجلين لم يكونا في منزلهما. وأما في باب الروايةُ رجَّح رواية الأعلم على غيرِهِ من غيرِ خلافٍ يُعرَفُ في ذلك ، فلاحَ الفَرقُ بيهما. نھی . ومما ينبغي أن يُعلم أنَّ الاعتمادَ على كثرةِ الرواةِ وتعدُّد الطُّرُقِ، والترجيحَ بها: إِنما يكون بعدَ صِحَّةِ الدليلينِ، وإلا فكم من حديث كثُرَتْ رُوانُهُ وتعدَّدتْ طُرُقُهُ وهو ضعيف. وإِنما (١) لفظ (منها) زيادة من ((الاعتبار)). (٢) لفظ (به) زيادة من ((الاعتبار)). ٢١٠ يُجَّح بكثرةِ الرواةِ إِذا كانواُ مُمْتجً بهم من الطَّرَفِينِ، كذا ذَكَرَ الزيلميُ في ((تخريج أحاديث الهداية)) (١) والميني في (( البناية شرح الهداية))(٢) وغيرُهما. وأما فق الراوي : فقال الحازمي (٣): الوجْهُ الثالثُ والعشرون - أي من وجوه الترجيح - أن يكون رُواةُ أحدِ الحديثين - مع تساويهم في الحفظِ والاتقان - فقهاء مارفين باجتناء الأحكام من مُثُراتِ الألفاظ، فالاسترواحُ إِلى حديث الفقهاء أولى. وحكى عليْ بن خَشْرَم قال: قال لنا وكيع: أيُ الإِسنادين (٤) أحبُ اليكم؟ الأعمشُ عن أبي وائل عن عبد الله؟ أو سُفيانُ عن منصورٍ عن إِبراهيم عن علقمة عن عبد الله ؟ فقلنا: الأعمشُ عن أبي وائل عن عبد الله، فقال: ياسبحان اله! الأعمشُ: شيخ، وأبو وائل: شيخ . وسفيانُ: فقيه، ومنصورٌ: فقيه ، وإبراهيم: فقيه، وعلقمةُ: فقيه. وحديثٌ تداولُهُ الفقهاء خيرٌ من أن تتداوله الشيوخ(٥).انتهى. (٢) : (٦٢٧/١) . (١): (٣٦٠/١). (٣) في كتابه: ((الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الأخبار)): (ص ١٦). (٤) وقع في الأصل: ( أي الاسناد). وهو تحريف. والتصويب عن (الاعتبار)). (٥) رواه الحاكم في ((معرفة علوم الحديث)): (ص ١١). وقال ابن الأثير في (((جامع الأصول)): (٦٢/١) بعد ذكره: ((فهذا من طريق الفقهاء رباعي إلى ابن مسعود، وثنائي من طريق المشابخ، ومع ذلك قُدّم الرباعي لأجل فقه رجاله )) . أفاد الصديق الشيخ محمد عبد الرشيد النعماني في تعليقه على ((دراسات اللبيب)): (ص ٢٠٧). ٢١١ وفي ((التدريب)) (١) : ثالثها - أي من وجوهِ الترجيح- فِقْهُ الراوي سواء كان الحديثُ مرويّاً بالمعنى أو اللفظ ، لأن الفقيه إذا سَمِعَ مَا يمتنعَ حَمْلُه على ظاهره بحَثَ عنه حتى يطَّلِعَ على ما يزولُ به الإِشْكالُ بخلاف العامي (٢). انتهى. وفي ((مُسلَّم الثبوت))(٣): وفي السَّنّد: بفقه الراوي وقوّة ضبطهِ وَوَرَعِهِ . انتهى . قال مولانا وليء الله اللكنوي" في ((شرحه)): اعلم أنَّ حصولَ الترجيح بالفقاهة إنما هو لأنّ الفقيه يميزُ بين ما يجوزُ روايتُه وما لا يجوز، فإذا سمعَ كلاماً لا يجوزُ إِجراؤه على الظاهر لا يجْترِىء على روايته في أوَّل النظر بل يفحصُ عن معناه ويَسألُ عن سببٍ ورُودِهِ، فيطَّلِعُ على ما يُزِيلُ إِشْكَالَهُ ثم ينقُلُه، بخلاف غيرِ الفقيه فانه لاَ يَقْدِرُ على ذلك فينقل القَدْرَ المسموع، وهذا بعينه يقتضي ترجيحَ الأفقهِ على من هو أدنى منه في الفقاهة، فيرجَّحُ رواية من هو أكثرُ فقها على رواية من ليس بتلك المرسبة. انتهى. وقال أيضا: اعلم أنّ الترجيحَ بالفقاهة يقع(٤) مطلقاً لما عرفتَ، فما قيل إن هذا الترجيحَ يُعتبرُ في خبرينِ مَرْ وِيَّيْنِ بالمعنى لا في (١) : للسيوطي (ص ٣٨٩). (٢) وقع في الأصل: (بخلاف العابد). وهو تحريف. والتصويب عن ((التدريب)). (٤) وقع في الأصل: (تقع). وهو سبق قم. (٣): (٢٠٦/٢). ٢١٢ المَرْويَّيْنِ في اللفظ تحكمٌ. انتهى. وفي (أصول البَزْدَوي)(١): قَصُرَتْ رِوايَةُ من لم يُعرَف بالفقه عند مُعارضةٍ من عُرِفٍ بالفقهِ فيباب الترجيح، وهذامذهبُنا في الترجيح . انتهى . وفي ((حاشيته)): قياس مذهب أهل الحديث عدمُ الترجيح فقه الراوي لأنَّ نقْل الحديثِ بالمعنى لا يصحُ عنده أصلا فيستوي في النقل الفقيهُ وغيرُ الفقيه. وقال قومٌ هذا الترجيحُ إِنما يُعتبرُ في خبرين مَرْ وِ بِينٍ بالمعنى. أما باللفظ فلا، والحقّ أنه يقع به الترجيح مطلقاً . انتهى . وفي (( تنوير المناز)» لبحر العلوم اللكنوي: الحديث الذي رُواثُه أفقَهُ مُقدمٌ في العملِ على الحديث الذي ليست رُواتُه كذلك انتهى، لخصاً معربا. وفي ((فتح القدير)) (٣) بعد ذكر مناظرة أبي حنيفة مع الأوزاعي: فرجَّح بفقه الرواة كما رجَّح الأوزاعيُّ بعلوّ الإِسناد، وهو (٣) المذهبُ المنصورُ عندنا، انتهى. ومثلُه في ((حَلْبة المُجَنِّي شرح مُنْيَة المُصلي))(٤) لابن أمير حاج الحلبي . والمناظرةُ التي جرت بين أبي حنيفة والا وزاعي المشهورةُ بين الفقهاء (١) : (٣٩٧/٢) . (٢) : (٢١٩/١). (٣) أي الترجيح بفقه الراوي . (٤) وقع في الأصل: (حلية المحلّي). وهو تحريف . صوابُه ما أثبتُه كماسَبقَ التنبيه عليه في (ص ١٩٧ - ٢٠١). ٢١٣ هي: أنه اجتمَعَ هو والأوزاعيُّ في دار الحَنَّاطين بمكة، فقال الأوزاعيّ لأبي حنيفة: مابالكم لا ترفعون أيديكم في الصلاة عند الركوعِ وعند الرفع منه؟ فقال أبو حنيفة ؛ لأجل أنه لم يصحَّ عن رسول الله فيه شيء ، فقال: كيف لم يصحّ وقد حدثني الزهري عن سالم عن أبيه عن رسول الله أنه كان يرفعُ بديه إِذا افتتح الصلاة، وعند الركوعِ ، وعند الرفع منه؟ فقال أبو حنيفة: حدثنا حمادٌ عن إِبراهيم عن علقمةَ والأسودِ عن عبد الله بن مسعود أنّ رسول الله ټ ێ كان لا يرفعُ يده إلا عند افتتاح الصلاة ولا يعودُ لشيء من ذلك، فقال الأوزاعي: أُحدّتك عن الزهريّ عن سالم عن أبيه وتقولُ: حدَّتَنا حمَّدٌ عن إبراهيم ؟! فقال أبو حنيفة: كان حمادٌ أفقهَ من الزهريّ، وكان إِبراهيمُ أفقهَ من سالمٍ ، وعلقمةُ ليس بدون انٍ عُمَر في الفقه، وإِن كانت لابنُعُمَرَ صُحْبَةٌ وله فضلُ صُحْبة. فالأسودُ(١) له فضلُ كبير، وعبدُ الله: عبدُ الله، فسكتَ الأوزاعيْ. قلتُ : قد اشتهر بين العوامّ أنَّ هذه المناظرة مما لا سَنَدَ لها لا صحيحاً ولا ضعيفاً حتى إِنَّ صاحب ((الدراسات)) قال (٢): إِن هذه (١) جاء في الأصل: (والأسود). وجاء في ((فتح القدير)): (٢١٩/١) و((الجواهر المنيفة)): (٦١/١): (فالأسود) . فأثبتها. (٢) في (( دراسات اللبيب في الأسوة الحسنة بالحبيب)). (ص ٢٠٥) منها. ٢١٤ الحكاية عن سفيان بن عيينة معلّقة، ولم أر من أسندها، ومَنْ عنده السند فلیات به . انھی . وليس كذلك، فقد أسنَدَها أبو محمد عبدُ الله بن محمد بن يعقوب بن الحارث الحارثيِّ البخاريُ المعروفُ بالأستاذ، تلميذُ أبي حفصِ الصغير، ابن أبي حفص الكبير ، تلميذ الإمام محمد بن الحسن في ((مُسْنَده)) بقوله: حدّثنا محمد بن إبراهيم بن زياد الرازي، حدثنا سلمان بن الشَّاذَ كُوني ، قال سمعتُ سفيان بن عيينة يقول: اجتمَع أبو حنيفة والأوزاعيّ في دار الخُنَّاطين مكة ... إلى آخرِ مام ذكرُهُ(١). كذا نقَلَهُ السيد مرتضى الحُسيني(٢) في كتابه: ((عُقود الجواهر المُنيفة في أدلَّةِ الإمام أبي حنيفة))(٣). (١) وقد أسندها عن الحارثي الامامُ الموفق المكيّ في ((مناقب الامام الأعظم»: (١ /١٣٠) . والحارثيُ إمامٌ حافظ مشهورٌ من كبار فقهاء الحنفية. ذكره الذهبي في ((تذكرة الحفاظ)) في ترجمة القاسم بن أصبغ ( ص ٨٥٤). فقال: (((وفي سنة أربعين وثلاثمائة: مات عالمُ ماوراء النهر ومحدثُه الامامُ العلامة أبو محمد عبد الله بن محمد بن يعقوب بن الحارث الحارثي البخاري ، الملقب بالأستاذ ، جامع ((مسند أبي حنيفة الامام))، وله اثنتان وثمانون سنة. أفاد المحقق محمد عبد الرشيد النعماني في تعليقه على ((دراسات اللبيب)): (ص ٢٠٥). (٢) وقع في الأصل: (الحسني) . وهو تحريف. (٣): (٦٠/١-٦١). وقال المرتضى بعدها: ((والشاذكوني": واءٍ مع حفظه ، إلا أنّ القصة مشهورة)). ٢١٥ وفي (( شرح شرح النخبة)) لعلي القاري(١): المذهبُ المنصورُ عند علمائنا الحنفية: الأفقهيةُ دون الأكثرية. انتهى . فهذه عباراتُ العلماء قد دلَّتْ على اعتبار الترجيح بالفقه، وأنَّ فيه ثلاثَة مذاهب (٢): عدمُ اعتباره مطلقاً، واعتبارُهُ مطلقاً، واعتبارهُ فيما إِذا كان مَرْويّاً بالمعنى دون ما إِذا كان مَرْويًّاً باللفظ ، وأنَّ مختارَ الحنفيةِ وبعضِ المحدّثين هو المذهبُ الأخير . وقد أَنى صاحبُ ((دراسات اللبيب)) ههنا بكلام ينفي اعتبار الترجيح بالفقه عند الحنفية حيث قال (٣) - عند ذكر وجوه الإغراب في المعارضة المشهورة بين أبي حنيفة والأوزاعي في بحث رفع اليدين مانصُّه _: الثالثُ: فقْهُ الرواة لا أثر له في صحة المروي، وإِعامدارُها على العدالةِ والضبطِ وكلّ ما اشتُرطَ في صحة الحديث. إِذ قلَّةُ الفقهِ لاتُوجِبُ (٤) الوَهْنَ في شرائط التحملِ وما يُلازمُه الوُمُوقُ بالرواية، وإِذا انتفى ذلك بقيَ العلوُّ لسَنَد ابن عُمَر مع ماله من (١): (ص ١٠٤) . (٢) وقع في الأصل: ( ثلاث مذاهب ). وهو يتمشى على رأي الكوفيين دون الجمهور . (٣) في (ص ٢٠٦) منها . (٤) جاء في الأصل: ( يوجب). ومثله في ((دراسات اللبيب)): (ص ٢٠٧). ٢١٦ الصحة، والحنفيةُ لا يعتقدون أيضاً أنَّ قلةَ فقه الراوي مما يتطرّقُ به الوهْنُ إِلى مَرْوه، بل مرَوْن أنَّ روايةَ قليل الفقه من الصحابة إِذا خالفها القياسُ مِن كلِ وجهٍ يُقدَّمُ القياسُ عليها من غير أن تطرَّقَ عندهم وهن بعدَمٍ فِقْهِ الراوي في صحَّة مَرْويّه، أو يحصُلَ زيادةُ وُثُوقٍ بفقهِ الراوي لصحَّةٍ مَرْوِيهِ مِن مَرْوِيّ مَنْ دونَه في الفقه . وما ذهبوا إليه من تقديم القياس على رواية مثل أبي هريرة، وأنسٍ ، وجابرٍ ، وهم عندهم ممن يقلُّ فِقِبُهم من الصحابة، قد وفَع عليهم بذلك الطعْنُ الشديدُ، لاسيمافي حكمهم على أبي هريرة بقلَّة الفقه . انتهى . ثم قال(١) بعد كلام طويل: وإِذ قد بَيَّنَ أنهُ لا أثرَ لفقْه الزاوي في صحة الحديث وقُوَّه على حديث غير الفقيه، وأنَّ أصحاب أبي حنيفة إِنما برَوْن الأثرَ لكثرة الفقه وقلتِه من جهة أخرى غير ترجيح المرْوِيّ وهي تقديمُ القياس، فنسبةُ القولِ بترجيح رواية الفقيه على غير الفقيه إلى أبي حنيفة في هذه الحكاية من أمارات الاختلاق (٢) عليها . انتهى . (١) في ( ص ٢١٢). (٢) وقع في الأصل: ( الاختلاف ). وهو تحريف . ٢١٧ وهذا الكلامُ فيه نظرٌ لا يخفى ، فإنه - وان أصاب في أنه لا أثر للفقه في صحَّة المرويّ ، إِنَا مَدارُ ها على العدالة وغيرها من الشروط المذكورة في موضعها، وفي أنَّ قلَّة الفقه لأ وجبُ الوَهْنَ في شرائط التحمُّل ، وفي أنّه قد وقعَ الطعنُ على الذين قالوا بعَدَم قبولٍ رواية غير الفقيه المخالفة للناس وم جمعٌ من الحنفية لا كلهم كما هو مبسوط في ((الكشف))(١) و((التحقيق)) و ((التلويح)) (٣) و((التحرير))(٣) وغيرها - لكنه لم يُصبْ في أنه لا أثرَ لفقه الراوي في قوَّة الحديث على حديث غير الفقيه عند الحنفية، وأنهم إِما يَرون الترجيح بالفقه من جهة أخرى لا من هذه الجهة .فانَّ كُتبَ أصول الحنفية متواردةٌ على اعتبار ترجيح مرويّ الفقهاء على مَروي غيرِ الفقهاء، وليس انُ الهُمام متفرِداً بنسبته إلى أبي حنيفة، بل قد صرّحَ به جمعٌ من قبله ومَنْ بعده، كما لا يخفى على من وسَّعَ نظره وفتَّح بصره . وقد يتراءى في هذا المقام أنَّه لا أثرَ للفقه في المروي أصلاً ، إِنما المؤثرُ في ضعفه وقوَّته تفاوتُ درجات الراوي في شروط الصحة (١) للعلامة عبد العزيز البخاري: (٣٨٣/٢). ٢١ للسعد التفتازاني (٥/٢). (٣) الكمال بن الهمام (٢٥٠/٢) بشرح تلميذه ابن أمير الحاج الحلي . ٢١٨ نقصاناً وكمالا ، وإِنما الفقهُ أمرٌ تفاضَلُ به الفقيه في نفسِه على غير الفقيه ، فينبغي أن لا يقع ترجيحُ مروي الفقيه على مروي غير الفقيه. والجوابُ عنه: أنَّ بالتفاوت في الفقة يقع التفاوت في المروي أيضاً. لاأنه لا يقع به فيه أمرُ أصلا، وذلك لأن الرواية بالمعنى قد شاعَتْ بينهم وقل من لمُ يُجَوّزها منهم، فإذا كان الراوي فقيهاً يجتهدُ في فهم معاني اللفظ المرويّ، وتأمَّلُ في المعنى الظاهر والخفي ، بخلاف غير الفقيه ، فانه يأخذ ظواهرَ المعاني ولا يصِلُ إِلى بواطن المباني، فمن هذه الجهة يترجَّحُ الأوَّل على الثاني ، ولا يكون عند التعارض ترجيحٌ الثاني فان قلتَ: إِنَّ الصحابة كانوا أكثر اعتناء يحفظ ألفاظ الحديث بعينها وتبليغ الأحاديث بهيئتها، ولذا يُنقَلُ عنهم كثيراً: الشكُ بين اللفظينِ والتردُّدُ بين الجملتين، وكانوا أشدَّ نكيراً على من بدَّلَ لفظَ الخبرِ بلفظٍ آخَرَ وإن لم يحصل فسادُ المعنى ولم يتغيَّر، كما لا يخفى على من طالعَ كتب الفنّ، وتأمَّلَ رواياتٍ (السُّنْن))، فمع هذا يُسْتَبعَدُ عنهم وإِن كانوا غيرَ فقهاء أن يُبدّلوا الألفاظَ ولا يتأملوا مواقع الألحاظ . قلتُ : مع ذلك كان كثيرٌ من الصحابة مكتفين برواية المعنى غيرَ ملتزمين للمبنى ، فيظهر التفاوتُ بالفقه عند ذلك وإِن لم يظهر ٢١٩ هنالك، مع أن الاعتناء بالألفاظ وإِن كان موجوداً فى الصحابة لكنه مفقودُ فيمن (١) بعده من الرواة والأمة فلهم جوَّزوا الرواية بالمعنى من دون الاعتناء بالمبنى، وهو مذهبُ أكثر الفقهاء والمحدّتين خلافاً لطائفة من الفقهاء والمحدّثين، فلا بُدَّ أَن يُعتبر الترجيحُ بنَقادتِهم(٣) في الفقه ومقدارٍ تأمُّلِهِم وأفهامِهم على أن ههنا وجهاً آخَرَ لاعتبارِ الترجيح بالفقاهة يشمّلُ ملز مي الألفاظ وغيرَم من الأمة والصحابة ، وهو أنه قد يكون للحديث مَوْرِدُ يختصُ به ولا يتجاوزُ إِلى غيره، وقد يكون له متعلَّقٌ ينكشفُ بضمّهِ المقصودُ، أو متعلَّقُ يَنْحَلُ به المعقودُ ، فالفقيهُ إِذا رَواه رَوَاه بعد إِساطة الأطراف، وغيرُ الفقيه يقتصرُ على رواية الأطراف ، فترجَّحُ عند التعارضِ مِن هذه الحيثيةِ روايةُ الفقيه على غير الفقيه وإِن تَساويًا في الصبط والعدالة وسائر شروط الصحة . (١) وقع في الأصل: ( فيما ). (٢) يريد بنَقْدِمٍ. ولفظ (نقادة) غير وارد في معاجم اللغة .