النص المفهرس

صفحات 141-160

١٤٠
السؤال الثّالِث
هل يجوز الاحتجاج بجميع ما في كتب الحديث !
هل يجوز الاحتجاجُ في الأحكام بجميع ما في هذه الكتب من
غير وَقْفةٍ ونظر أم لا؟ وعلى الثاني فما وجْهُ تمييزِ ما يجوز الاحتجاجُ
به عما لا يجوزُ الاحتجاج به ؟
الجواب
لا يجوز الاحتجاجُ في الأحكام(١) بكلّ مافي الكتب المذكورة
وأمثالها من غير تعمُّقُ يرشد إِلى التمييز، لما مَّ(٣) أنها مشتملة على
الصّحاح والحيسان والضعاف . فلابدَّ من التمييز بين الصحيح لذاته
أو لغيره، أو الحَسَن لذاته أو لغيره فيُحتجُ به، وبين الضعيف
(١) احترز بهذا عن الاحتجاج بها في السَّر وفضائل الأعمال ونحوها .
وقد سَبّقَ للمؤلف رحمه الله تعالى استيفاء البحث في ذلك في (ص ٣٦-٥٩).
(٢) يعني في جواب السؤال الثاني : (ص ٦٦ - ١١٨).

١٤١
بأقسامه فلاُ يحتجُ به، فِيَأْخُذُ (١) الحَسَن من مظَانّه، والصحيح
من مَظانِه، ويرجعُ إِلى تصريحات النُقَّاد الذين عليهم الاعماد ،
ويَنْتقدُ بنفسه إِن كان أهلاً لذلك، فان لم يوجد شيء من ذلك ،
توقَّفَ فما هنالك (٢).
قال زكريا الأنصاريّ في ((فتح الباقي شرح ألفية العراقي))(٣):
من أراد الاحتجاج بحديثٍ من السُّنن أو من المسانيد إِن كان متأهلاً
لمعرفة ما يحتجُّ به من غيره فلا يحتجُ به حتى يَنظر في اتصال
إِسناده وأحوالِ رُواته، وإِلا فانْ وَجَدَ أحداً من الأمة صحَّحه
أو حسَّنه فله تقليدُهُ وإِلا فلا يحتجُ به. انتهى.
(١) أي ذلك العالمُ المميّزُ بين الصحيح والضعيف.
(٢) قال الحافظ ابن حجر: ((السبيلُ لمن أراد الاحتجاجَ بحديثٍ من
((السنن الأربعة)) لاسيما ((سنن ابن ماجه))، و((مصنّف ابن أبي شيبة))،و(مصنْف
عبد الرزاق))، مما الأمرُ فيه أشدّ، أو بحديثٍ من ((المسانيد)) لأنَّ هذه لم
يشترط جامعوها الصحّة والحُسْن: أنّهُ إنْ كان أهلاً للنقل والتصحيح فليس
له أن يحتجَّ بشيء من القسمين حتى يحيط به . وإن لم يكن أهلاً لذلك: فان وجَدَ
أهلاً لتصحيحٍ أو تحسين قلّده، وإلا: فلا يُقْدم على الاحتجاج كحاطب ليل.
فلمَّه يحتجٌ بالباطل وهو لا يشعر؟!)). نقله العلامة علي القاري في ((المرقاة شرح
المشكاة)): (٢١/١). وكلام ابن حجر هذا هو أصلٌ لكلام الشيخ زكريا
الأنصاري التالي ذكره .
(٣) : (١٠٧/١).

١٤٢
وقال ابن سيمية في ((منهاج السنة)) (١): المنقولاتُ فيها كثيرٌ
من الصدق وكثيرٌ من الكذب . والمرجعُ في التمييز بين هذا وبين
هذا إلى أهل الحديث (٣)، كماُ يُرجَع إلى النحاة في النحو،
و يرجع إلى علماء اللغة فيما هو من اللغة، وكذلك علماء الشعر والطب"
وغيرِ ذلك ، فلكل على رجالٌ يُعرفون به ، والعلماء بالحديث أجلُ
قدْراً من هؤلاء، وأعظمُهم صدقاً (٣)، وأعلام منزلةً وأكثرُم
ديناً . انتهى .
وقال أيضاً في موضع آخر (٤): لو ناظر فقبهان في مسألة من
مسائل الفروع لم تقم الحُجَّة على المُنَاظِرِ إِلا بحديثٍ يُلَمُ أنه
مُسنَدٌ إِسنادً تقوم به الحُجَّة أو يُصحّحه من يُرجَع إليه في ذلك(٥)
فاذا لم يُعَلَم إِسنادُه ولا أنْبِتَه ألمّةُ النقل فمن أن يُعلّم؟ انتهى.
وفي ((خلاصة الطبي)): اعلم أن الخبر بنقسم إلى ثلاثة أقسام:
(١): (١٠/٤) .
(٢) في ((منهاج السنة)): ( إلى علم الحديث ) .
(٣) وقع في الأصل: ( والعلماء بالحديث أجلّ هؤلاء، وأعظمُ قدراً ،
وأعظمهم صدقاً ... ). والمثبت عن ((منهاج السنة)).
(٤) : (٨١/٤) .
(٥) وقع في الأصل: ( من ذلك). والتصويب عن ((منهاج السنة)).

١٤٣
قسمٌ يجب تصديقهُ، وهو مانصَّ الأمةُ على صِحَّته.
وقسمٌ يجب تكذيبُه، وهو مانَصُّوا على وضعه.
وقسمٌ يجب التوقفُ فيه لاحتمالهِ الصدق والكذب كسائر
الأخبار، فإنّه لا يجوز أن يكون كله كذبً، لأنَّ العادة بمنع في
الأخبار الكثيرة أن تكون كلها كذبًا مع كثرةِ رُواتها واختلافِهِم،
وأن تكون كلْها صدقاً، لأنَّ النبي ◌َّمِ قال: ((سيُكذَبُ
عَليّ بعدي))(١). انتهى.
(١) وهكذا أورَدَ هذا الحديثَ الحافظُ ابنُ كثير في كتابه « اختصار علوم
الحديث)) في ((النوع الحادي والعشرين)): (ص ٨٠). ولم يعلّق عليه الشيخُ
أحمد شاكر رحمه الله تعالى بشيء! وقد بحثتُ عنه طويلاً فلم أجده، ثم رأيت
العجلونيّ قال في ((كشف الخفاء ومزيل الالباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة
الناس)): (٤٦٥/١): ((سيُكَذَّبُ عليّ)). قال ابنُ اللقيّن في ((تخريج أحاديث
البيضاوي)): هذا الحديث لم أره كذلك. نعم في أوائل ((صحيح مسلم)): (٧٨/١)
عن أبي هريرة أن رسول الله ێ ێ قال: «يكون في آخر الزمان دجالون كذابون،
يأتونكم من الأحاديث بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم ، فاياكم وإيام ، لا يُضِلونكم
ولا يَفْتِفُونَكم)). انتهى. ثم رأيت العلامة جلال الدين المحلي" قد نَّه عليه في
شرحه على ((جمع الجوامع)) للسبكي في مبحث السُّنة (٨١/٢) فقال: ((وهو حديث'
لا يُعرف، كما قال المصنّف».

١٤٤
وفي ((مقدمة ابن الصلاح))(١): ثم إِنَّ الزيادة في الصحيح على
ما في ((الكتابين)) (٢) تلقَّاها طالبُها مما اشتمَلَ عليه أحدُ المصنَّفات
المعتمَدَة المشهرة لأمة الحديث، كأبي داود السّجِسْتاني ، وأبي
عيسى الترمذي ، وأبي عبد الرحمن النّسائي، وأبي بكر بن خُزَيْمَة
وأبي الحَسَن الدَّارِ قُطني وغيرِمٍ، منصوصاً على صحَّتَه فيها، ولا
يكفي في ذلك مجرَّدُ كونه موجودًفي (( كتاب أبي داود))و((كتاب
الترمذي))، و((كتاب النَّسائي))، وسائرٍ من جمع في كتابه بين
الصحيحِ وغيره، ويكفي مجرَّدُ كونه موجودًفي كُتب مَن اشترَطَ
منهم الصحيحَ فيما جَمَعَه كـ (( كتاب ابن خُزَعة))(٣).
(١) : (ص ١٦).
(٢) أي ((الصحيحين )).
(٣) قلتُ: في هذا الكلامِ نظرٌ طويل. فقد شملَ بإطلاقه: ((صحيح ابن
حبان ))، وقد قال الشيخُ ابنُ الصلاح نفسهفي «مقدمته)): (ص ١٨)حين تحدّثَ
عن ((المستدرك على الصحيحين)) للحاكم: ((والحاكمُ واسعُ الخَطو في شَرْط
الصحيح ، متساهلٌ في القضاء به . ويُقاربُهُ - يعني في التساهل- صحيحُ أبي حاتم
ان حبَّان البُسْي)). انتهى.
وعلى هذا فلا يسوغُ لابن الصلاح رحمه الله تعالى هذا الجزمُ باطلاق
الصحّة لما وُجِدَ ((في كُتُب من اشترَطَ منهم الصحيحَ فيما جمعه ككتابٍ
ابن خُزيمة ».
ثم إنّ تلك الكتبَ - على اشتراط مؤلِّفيها (الصحيحَ) فيها - لم تتداولها =

١٤٥
= أيدي العلماء الثقَّاد بالنقد والتمحيص كما تداولت (الكتب الستة) وبيَّنتْ
مافيها من صحيحٍ مسلَّمِ الصحة أو غيرِ مُسلَّمها، فاطلاقُ القول هكذا من
ابن الصلاح غيرُ مقبول.
كيف وقد أدرج ابن الجوزي في كتابه: ((الموضوعات)) جملةً وافرةً من
((صحيح ابن خُزيمة)) و((صحيح ابن حبَّان)) كما صرَّحّ به السيوطي في آخر
كتابه: ((التعقبات على الموضوعات)): (ص ٧٤) ، وسيأتي نقلُه تعليقاً عند أواخر
كلام المؤلف على تشدّد ابن الجوزي، وإن تعقَّه السيوطي فيها بالتقوية والتثبيت في
((اللآلى المصنوعة)) فهي على كل حالٍ لا تخلو من مطاعن تنتفي معها صحتها المطلقة"
التي أفادها كلامُ الشيخ ابن الصلاح هنا. وقد رَوَى الحافظُ ابنُ كثير في ((البداية
والنهاية)): (١٠٠/٢) حديثاً من ((صحيح ابن حبَّان)) ثم قال: ((وهذا حديث"
غريبٌ جداً وإن صحَّحه ابنُ حِبَّان)).
وإليك - على سبيل المثال - ثلاثة أحاديث ضعيفة من صحيح ابن خزيمة
الذي زكاه ابنُ الصلاح رحمه الله تعالى هذه التزكية:
١ - قال الحافظ ابن حجر في ((فتح الباري)) في باب تشبيك الأصابع في
المسجد وغيره (٤٦٨/١): حديثُ كعب بن عُجرة قال: قال رسول اللّه ◌َ له: ((إذا
توضأ أحدكم ثم خرج إلى المسجد فلا يُشَّكَنَّ يديه فانه في صلاة)): أخرجه
أبو داود وصحَّحه ابنُ خزيمة وابنُ حبَّان - رَوَياه في ((صحيحيها)) - وفي إسناده
اختلاف ، ضعَّفِهِ بعضُهم بسببه )).
وقال الشوكاني في ((نيل الأوطار)): (٢٨٢/٢): تعليقاً على هذا الحديث:
(( في إسناده عند الترمذي رجل مجهول، وهو الراوي له عن كعب بن عجرة،
وقد كنى أبو داود هذا الرجلَ المجهولَ ، فرواه من طريق سعد بن إسحاق، قال :
حدثني أبو ثمامة الحنَّاط عن كعب، وقد ذكره ابن حبان في ((الثقات)) وأخرج
له في « صحيحه» هذا الحديث ».

١٤٦
= وقال شيخُ شيوخنا العلامة خليل أحمد الأنصاري الهندي رحمه الله تعالى
في ((بذل المجهود في حلّ أبي داود)): (٣١٧/١): ((قال الحافظ ابن حجر في
(((التقريب)): أبو ثمامة حجازي مجهول الحال. وقال في ((تهذيب التهذيب)): وقال
الدار قطني: لا يُعرف، يُتْرَك)).
وقال المُناوي في (( فيض القدير)) عند كلامه على سند هذا الحديث :
(٣٢٢/١): ((وقال الذهبي في ((الميزان)) أبو ثمامة لا يعرف، وخبره هذا عن
كعب بن عجرة مُنكّر، ولذلك رَمَزَ المؤلف - يعني السيوطي" - لضعفه )).
أما الحديث الثاني والثالث فقد نبَّه إليهما العلامة المحدّثُ الناقدُ الشيخ محمد
عبد الرشيد النعماني الهندي حفظه الله تعالى، فقال في تعليقه على كتاب ((دراسات
اللبيب في الأسوة الحسنة بالحبيب)) لمحمد معين السّندي ( ص ١٤٣): صحيح ابن
خزيمة من الكتب التي قد انعدمَتْ قبل زمن الحافظ ابن حجر العسقلاني، ولم
يبق منه إلا ربُعُه، كما صرَّح به الحافظ ابنُ فهد المكي في ((لحظ الألحاظ بذيل
طبقات الحُفاظ)) في ترجمة الحافظ ابن حجر ( ص ٢٣٣) . وقال السخاوي في
((فتح المغيث)): (ص ١٣): ((إن صحيح ابن خزيمة عُدمَ أكثرُ.)).
وهذا الرُّبعُ القليل أيضاً لا يُسْمعُ منه عينْ ولا أثر، ومع ذلك فكم في
كتاب ابن خزيمة من حديثٍ محكوم بصحته، وهو لا يرتقي إلى الحَسن فضلاً
عن الصحيح ؟!
٢ - كحديث كثير بن عبد الله المزني عن أبيه عن جده قال: سُئل رسول الله
صَّ له عن هذه الآية: ((قد أفلح من زكثى، وذكر اسمَ ربّه فصلنَّى))؟
قال: أنزلَتْ في زكاة الفطر. رواه ابن خزيمة في «صحيحه)).
قال الحافظ المنذري في ((الترغيب والترهيب)، (٢٧٥/٢): ((كثير بن
عبد الله: واهٍ)). وقال أيضاً في كتاب الجمعة من ((الترغيب)): (١٤/٢):
((كثيرُ بن عبد اللّه: واهٍ بمرّة، وقد حسَنَ له الترمذي وصحَّحَ له
حديثَ ((الصلحُ جائز بين المسلمين))، فانتقد له الحُفَّاظ تصحيحه له بل =

١٤٧
= وتحسينه والله أعلم)). انتهى. وقال ابنُ حبَّان: ((له عن أبيه عن جدّ.
نسخةُ موضوعة)). نَقَلهُ الذهبي في ((ميزان الاعتدال)): (٣٥٥/٢)، وعدً
هذا الحديثَ من مناكير ..
٣ - وكحديثٍ 'عمر بن أبي خَثْمَم، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول اللّه صَّ له: ((من صلَّى بعد
المغرب سِتَّ رَكَعّات لم يتكلّم فيما بينهنَّ بسوءٍ عَدَلْنَ له بعبادة اثنتي عشرة
سنة )). رواه ابن خزيمة في «صحيحه».
قال الذهبي في ((الميزان)) في ترجمه ('عمر بن عبد الله بن أبي خَثْمَم):
(٢٦٤/٢): ((قال البخاري: منكر الحديث ذاهب)). ثم ذكر الذهي هذا
الحديثَ من مناكيره. وكذا أورده ابنُ طاهر المقدسي في ((تذكرة الموضوعات)):
(ص ٨٩) . وقال ميرك: هو ضعيفٌ بإجماع أهل الحديث.
وقال ابن حجر في ((تهذيب التهذيب)) في ترجمته أيضاً (٤٦٨/٧): «قال
الترمذي عن البخاري: ضعيفُ الحديث ذاهب. وضعَّفَهُ جداً . وقال البرذعي
عن أبي زُرْعة: واعي الحديث حدَّثَ عن يحيى بن أبي كثيرٍ بثلاثة أحاديث
كانت في خمسمائة حديثٍ لأفدتها. وقال ابنُ عدي: منكر الحديث، وبعض
حديثه لا يُتابَعُ عليه )).
وقال ابن حجر أيضاً في ((تهذيب التهذيب)) في ترجمة (عمر بن راشد):
(٤٤٦/٧): ((قال أبو حاتم ابن حبَّان: "عمر بن راشد هو الذي يقال له: عمر
ابن عبد الله بن أبي خثعم: يَضَعُ الحديث، لا يحلّ ذكرُهُ إلا على سبيل القَدْح
فيه . وتابَعَهُ أبو ثُمَيم الأصبهاني في جعله إياه معمّرَ بن عبيد الله بن أبي خثعم.
وقال الدار قطني: خلط أبو حاتم ، يعني حيث جعلتها واحداً، وهما اثنان)). انتهى
كلامُ الشيخ التعماني بتصرف وزيادة.
وأورد السيوطي الحديث الثالث المذكور في( الجامع الصغير)) عن ((سنن =

٠١٤٨
= الترمذي)) و((سنن ابن ماجه)). وقال شارحُهُ المُناوي (١٦٧/٦): ((قال:
الترمذي: غريب ضعيف. اهـ. وذلك لأن فيه مُعَمَرَ بنَ أبي خثمْم)). ثم ساق
المُناوي كلامَ البخاريّ وابن حبَّان فيه .
فاذا كانت هذه الأحاديث الثلاثة في ((صحيح ابن خزيمة)) ولا شك أنّ
لها أمثالاً، فكيف يصح أن يقال: ((ويكفي - للحكم بصحة الحديث - مجرّدُ
كونه موجوداً في كتُبٍ من اشترَطَ منهم الصحيحَ في جَمْعه؟)).
ولهذا تعقَّ العلامة ◌ُ الصنعانيّ في ((توضيح الأفكار)): (٦٤/١) قول"
ابنِ الصلاحِ ومن تابعَهُ عليه فقال: ((قال ابن النحوي" في (( البدر المنير»: غالب
(صحيح ابن حبان) منتزَعُ من ((صحيحٍ)) شيخيهِ محمد بن خُزيمة، إلا أنه
قال ابنُ الصلاح: ((صحيح ابن حبان)) يقاربُ ((مستدرك الحاكم)) في حكمه.
ونَقَل ابنُ حجرٍ الهيتميّ في ((فهرسته)) أنه قال الحاكمُ: إنّ ابنَ حِبَّان ربما
"يخرجُ عن مجهولين. ولا سيما ومذهبُهُ إدراجُ الحَسَن في الصحيح. ونَقَل
العمادُ ابنُ كثير أيضاً: أنّ ابن حبان وابن خُزيمة التز ما الصحّة، وهماخير
من ((المستدرك)) بكثير، وأنظفُ إسناداً ومتونا .
وعلى كل حل فلا بدَ التأهيل من الاجتهاد والنظر، ولا يُقَلْدُ هؤلاء
ومَنْ نحا نحُومٍ، وكمٍ حكم ابن خزيمة بالصحة لما لا يرتقي عن رتبة الحَسَن؟)).
قل الصنعاني بعد هذا: ((فلا تأخذ مماذكره المصنفُِ وغيره حكماً كليًّا). انتهى.
وعلى ذكر ((صحيح ابن خزيمة)) وفقد أكثر، ، فقد قال شيخنا الامام
الكوثري رحمه الله تعالى في ((مقالات الكوثري)): (ص ٥٠): ((وكتاب التوحيد
لابن خزيمة يُعدّ قطعةً من ((صحيحه)). انتهى. وقد طبيعَ بمصر سنة ١٣٥٣
في المطبعة المنيرية .
وماجاء في ((مقدمة تحفة الأحوذي)) للمباركفوري ( ص ٥٠) : من قوله:
((اعم أن نسخة قدية من ((صحيح ابن خلزية)) موجودة في خزانة الكتب=

١٤٩
وكذلك ما يوجد في الكتب المخرّجة على كتاب البخاري
ومسلم كـ (( كتاب أبي عوانة الاسْفَرانيّ))، و(( كتاب أبي بكر
الإسماعيلي))، و (( كتاب أبي بكر البَرْ قاني(١))، وغيرِمِ. انتهى.
وفيه أيضاً (٢): إِذا وجدنا فما يُروَى من أجزاء الحديث
وغيرِها حديثاً صحيحَ الإسناد ولم نجده في أحد ((الصحيحين)) ولا
منصوصاً على صحته في شيءٍ من مصنَّفات أئمة الحديث المعتمدة
المشهورة فإنَّا لاتجاسَرُ على جَزْمِ الحكم بصحته، فقد تعذَّرَ في هذه
الأعصار الاستقلالُ بادراك الصحيح بمجرد اعتبار الأسانيد(٣)،
= الجرمنية - يعني برلين - وعلى هامشها حواشٍ للحافظ ابن حجر مفيدةُ نافعة ،
والمجادان الأخيران منها سالمان عن النقص، والمجلد الأوّلُ منها ناقص)). فاللّه
أعلم بتحقيقه ؟
(١) لفظ (البَرْقاني) ساقط من الأصل.
(٢) أي في ((مقدمة ابن الصلاح)): (ص ١٢).
(٣) قد اشتهر أن ابن الصلاح رحمه الله تعالى يقول بمنع المتأخرين من
(تصحيح الحديث) . وقد خالفه جماعة فقالوا بجواز (تصحيح الحديث) ممن ثبتت
أهليتُهُ لذلك، كما سيذكره المؤلف في ( ص ١٥٢) وما بعدها .
وقد قلتُ لشيخنا العلامة الشيخ عبد الله بن الصِّدِّيق الغُماري - فرَّج
الله عنه - حينما قرأتُ عليه ((مقدمة ابن الصلاح)) في مصر سنة ١٣٦٨ حينمررنا
بهذه الكلمة لابن الصلاح: فعلى رأي ابن الصلاح هذا متى ينتهي ( تصحيحُ
الحديث وتحسينُهُ)؟ قال: ((في منتصف القرن الخامس تقريباً، أي في زمن
البيهقي ، وأبي ثُمَّيم، وابن منده، وهو الزمن الذى انقطعتْ فيه رواية الحديث =

١٥٠
لأنه ما من إِسناد إلا وتجدُ في رجاله من اعتَمَد في روايته على ما في
كتابه عَريًا عما يُشترَطُ في الصحيح من الحفظ والضبط والإتقان،
فآل الأمرُ إِذاً في معرفة الصحيح والحسنِ إِلى الاعتماد على مانصً
عليه أئمةُ الحديث في تصانيفهم المعتمَدة المشهورة التي يُؤْمَنُ فيها
- لشهرتها -من التغيير والتحريف. انتهى.
وقد اقتفى أثرَ ابنِ الصلاح - في كلّ ما ذكره - مَنْ جاء
بعده إِلا في تعذّر التصحيح في الأعصار المتأخرة،فخالفَهُ فيهَ جمْعٌ
ممن لحِقَةُ (١).
فقال العراقي في ((شرح ألفيَّته)) (٣): لمَّا تقدَّم أنَّ البخاري
= بالسند ( تخريجاً) من المحدّث من غير واسطة أجزاءٍ أوكُثُبٍ قبلَهُ، فيروي
البيهقي مثلاً حديثاً بسنده إلى النبي صَّ له ، ولا يكون هذا الحديث مروياً في کتاب
من كتب الحديث المشهورة قبله، فيتفرّدُ البيهقي بتخريجه، وقد وُجدَ (التخريج)
بالمعنى المذكور بعد القرن الخامس على قلةٍ في كتاب ((المختارة)) للضياء المقدسي،
و ((تاريخ دمشق)) لابن عساكر، فقد انفردا فيها بأحاديث لم توجد عند غيرهما فيا
ظهر من الكتب والأجزاء)).
(١) قال الحافظُ ابنُ حجر: ((ثم ما اقتضاه كلامُ ابن الصلاح من قبول
التصحيح من المتقدّمِين وَردّهٍ مِن المتأخرين، قد يَسْتَازِمُ ردَّ ماهو صحيح ،
وقبولَ ماليسَ بصحيح، فكم من حديثٍ حَكَمَ بصحته إمامٌ متقدّم ، الطَّعَ
بصحته ، ولا سيما إن كان ذلك
المتأخّرُ فيه على عِلَّةٍ فادحةٍ تمنَعُ من الحــ
المتقدّمُ ممن لا يَرّى التفرقة بين الصحيح والحَسْن، كابن خُزيمة وابنٍ حِبَّان)).
تَقَلَهُ السيوطي في ((التدريب)): (ص ٨٢). وسيذكر المؤلفُ في أواخر
جواب ((السؤال الرابع)).
(٢): (٥٢/١) .

١٥١
ومسلماً لم يستوعبا إِخراجَ الصحيح فكأنّه قيل: فمن أن يعُرَفُ
M
الصحيحُ الزائدُ على مافيهما؟ فقال: خُذْهِ إِذْ تُنَصُ صِحَّتُه، أي
حيث يَنصُ على صحتِهِ إِمامٌ معتمَدُ كأبي داود والترمذي والنَّسائي
والدارقطني والبيهقي والخَطَّابي في مصنَّفَاتهم المعتمَدة. كذا قيَّده
ابنُ الصلاحِ، ولم أَفيِّدْه بل إِذا صحَّ الطريقُ إليهم أنهم صحَّحوه ولو
في غير مصنَّفاتهم، أو صحَّحه من لم يشتهر له تصنيف من الأمة
كيحي بن سعيد القطَّن وابن مَعِين ونحوِهما، فالحكم كذلك
على الصواب .
وإِنما قيَّده ابنُ الصلاح بالمصنَّفات لأنه ذهب إلى أنه ليس
لأحدٍ في هذه الأعصار أن يُصَحِّح الأحاديثَ ، فإذا لم يَتمِدِ على
صحة السَّنَد في غير تصنيف مشهور ، وسيأتي الكلامُ عليه .
ويُؤْخَذُ الصحيحُ أيضاً من المصنَّفات المختَصَّةِ بَجَمْعِ
الصحيح فقط كـ((صحيح)) أبي بكر محمد بن إسحاق بن خُزَيمة ،
و ((صحيحٍ)) أبى حاتم محمد بن حبَّان البُستي المسمى بـ ((التقاسيم
والأنواع)) وكتاب (المستدرك على الصحيحين) لأبي عبد الله الحاكم (١)،
وكذلك ما يُوجد في ((المستخرجات)) على ((الصحيحين)) من زيادة
(١) تقدَّمَ تعليقاً في (ص ١٤٤- ١٤٨) أن في هذه الكتب الصحيح وغيره فلا تغفل.

١٥٢
أو تتمة لمحذوف فهو محكومٌ بصحته . انتهى.
ثم نَقَلَ بعدذلك (١) تعذّرَ الحكم بالتصحيح في هذه الأعصار
عن ابنِ الصلاح، ونَقلَ عن النووي جوازَه، وقال : هذا هو الذي
عليه عمَلُ أهلِ الحديث، فقد صحَّح غيرُ واحدٍ من المعاصرين لابن
الصلاح وبعدَهُ أحاديثَ لم نجد لمن تقدَّمَهم فيها تصحيحاً، كأبي
الحسن بن القطَّان، والضياء المقدسي، والزكيّ عبد العظيم -المنذري-
ومن بعدم . انتهى .
وقال ابنُ جماعة في ( مختصره)) بَعْدَما نَقَلَ عن ابن الصلاح
التعذُّرَ: قلتُ: معَ غلبةِ الظن أنَّه لوصَحَّ لما أهمدهُ أمّةُ الأعصار
المتقدّمة لشدَّةِ فحصهم واجتهادهم، فان بَلَغ واحدٌ في هذه الأعصار
أهليةَ ذلك والتمكن من معرفتِهِ احتُمِل استقلالُه. انتهى
وقال النووي في ((التقريب)) (٢): الأظهرُ عندي جوازُه لمن
مَكَّنَ وقويَتْ معرفتُهُ. انتهى.
وقال السيوطي: (٣) قال العراقي: هو الذي عليه عَمَلُ أهلِ
الحديث، فقد صحح جماعةٌ من المتأخرين أحاديث لم نجد لمن تقدَّمهم
فيها تصحيحاً .
(١) أي العراقيّ في شرح ((ألفيته): (٦٦/١).
(٢): (ص ٧٩) بشرح ((التدريب)).
(٣) في ((التدريب)): (ص ٧٩) .

١٥٣
فمى المعاصرين لابن الصلاح : أبو الحسن على بن عبد الملك بن
القطَّان صاحبُ كتاب ((الوَهَ والإيهام)) صحح فيه حديث ابن عمر
(أنه كان متوضَّأْ ونعلاهفي رجليه، ويقول: كان رسول الله عَّ اسمه يفعل
ذلك)). أخرجه الزَّار. وحديثَ أنس ((كان أصحابُ رسول الله
ينتظرون الصلاة فيضعون جُنُوبَهم، فمنهم من ينامُ ثم يقوم إلى
الصلاة)) . أخرجه قاسمُ بن أصْبَغ .
ومنهم الحافظ ضياء الدين محمد بن عبد الواحد المَقْدِسِي،
جمع كتابا سماه (المختارة)) التزم في الصحة، وذكر فيه أحاديث لم
يُسبَق إِلی تصحيحها (١).
(١) تمامُ اسم كتاب ((المختارة)): على مافي (الرسالة المستطرفة)): ((الأحاديث
الجياد المختارة مماليس في الصحيحين أو أحدهما)). وقد سبق تعليقاً في ( ص ٨٧ )
طَرفُ من الحديث عنه، وهنا أستكملُ الطرفَ الآخَرَ، قال الحافظ ابن كثير في
((البداية والنهاية)): (١٧٠/١٣): ((وكتاب المختارة: فيه علوم حسنة حديثيَّة،
وهي أجود من ((مستدرك الحاكم)) لو كملَ !)).
وقال العلامة الكتافي في ((الرسالة المستطرفة)): (ص ٢٢): ((وهو مرتب
على المسانيد على حروف المعجم، لا على الأبواب، في ستة وثمانين جزءاً - أي جزءاً
حديثياً -، ولم يكمل ، التزم فيه الصحة، وذكر فيه أحاديث لم يُسبَق إلى تصحيحها
وقد سُلِّمٍ له فيها إلا أحاديث يسيرة جداً تُعقّتْ عليه)).
قال عبد الفتاح: لعل الحافظ الضياء المقدسيَّ رحمه اللّه تعالى لم يَتمَّ له
الوفاء بما التزم من الصحة لأنه لم يتمَّ تأليف الكتاب حتى يفرغ لتنقيحه؟ فقد =

١٥٤
= وقع فيه بعضُ الحديث الضعيف والمنكر، وإليك بعضّ تلك الأحاديث التي
رواها السيوطي رحمه الله تعالى في ((الجامع الصغير)) عن ((المختارة)) للضياء، ونبَّه
العلماء على ضعفها أو نكارتها :
١ - حديث ((ابنوا المساجد وأخرجوا القُمَامة منها ... )) رواه الطبراني
والضياء في ((المختارة)) عن أبي قرصافة. قال المناوي في ((فيض القدير شرح الجامع
الصغير)): (٨٥/١): ((رَمَزْ المصنّفُ - يعني السيوطي - لصحته، وإن تعجب
فعجبْ رَمْزُهُ! مع حكم الحافظ المنذري بضعفِهِ، وإعلالِ زين الحُفَّاظ العراقي
في شرح الترمذي له بأن في إسناده جهالة ، وقول الحافظ الهيئمي وغيره: في
إسناده مجاهيل! لكن المؤلف اغترَّ بتصحيح الضياء)).
٢ - حديث ((اتقوا دعوة المظلوم فإنها تحمل على الغمام ... )) رواه الطبراني
والضياء عن خزيمة بن ثابت. قال المناوي في ((فيض القدير)): (١٤٢/١): ((قال
الهيثمي : وفيه من لا أعرفه . وأقول: فيه سعد بن عبد الحميد أورده الذهبي في
((الضعفاء)) وقال: فحُشَ خطأه قاله ابنُ حـان، وضعَّفه غيره أيضاً ولم يُترك،
لكن قال المنذري: لا بأس باسناده في المتابعات)».
٣ - حديث ((أربعُ أُزان من كنزٍ تحت العرش: أمُّ الكتاب، وآية الكرسي
وخواتيم البقرة، والكوثر)). رواه الطبراني وأبو الشيخ والضياء عن أبي أمامة.
قال المناوي في ((فيض القدير)): (٤٦٩/١): ((قيل إن المصنف - يعني السيوطي-
رَمَز اصحته! وفيه عبدُ الرحمن بن الحسن، أورده الذهبي في ((الضعفاء » وقال:قال
أبو حاتم لا يحتّجُّ به، والوليدُ بن جميل عن القاسم أورده الذهبي في ((الضعفاء)) وقال:
قال أبو حاتم: ر وى عن القاسم أحاديث منكرة، وقال في ((الكاشف)): ليَّنه أبو زرعة)).
٤ - حديث ((ركعتان من متأهل خير من ثنتين وثمانين ركمة من العزّبَ)).
رواه تمَّام في ((فوائد) والضياء فى ((المختارة)) عن أنس. قال المناوي في (( فیض
القدير)): (٣٨/٤): ((قال الحافظ ابن حجر: هذا حديث منكر ، مالا خراجه =

١٥٥
وصح الحافظُ زكيُ الدين - عبدُ العظيم - المُنْذِرِي مديت
يونس عن الزهري عن سعيد وأبي سلمة عن أبي هريرة في غفران
ما تقدَّمَ مِن ذنبه وما تأخر.
ثم صح الطبقةُ التي غلى هذه: فصحح الحافظ الدمياطي حديث
جابر: ((ماء زمزم لما شُرب له)).
تم صحيح طبقة بعد هذه: فصحرِ الشيخُ تقي الدين السُبْكي حديث
ابن عُمَر في الزيارة(١). ولم يزل ذلك دأب (٢) مَنْ بَلَغ أهلية ذلك.انتهى.
= معنى - يعني في ((المختارة)) التي أُسّسَتْ على جمع الحديث الصحيح فحسب -
وفي ( الميزان)) للذهبي في ترجمة (مسعود بن عمرو البكري) أحدٍ رواتِهِ (١٦٤/٣):
((لا أعرفه، وخبره باطل))، ثم ساق هذا الخبر بعينه.
٥ - حديث ((عليٌ أصلي، وجمفرُ فرعي)). رواه الطبراني والضياء في
((المختارة)) عن عبد الله بن جعفر. قال المناوي في ((فيض القدير)): (٣٥٦/٤):
((قال الهيثمي: فيه من لم أعرفهم ». وقال أستاذنا الشيخ أحمد بن الصديق الغماري.
رحمه الله تعالى في كتابه: ((الغير على الأحاديث الموضوعة في الجامع الصغير)»:
(ص ٧١) بعد ذكره هذا الحديث: ((قلت: في سنده من لا يُعرف، وهو كلامُ
فاسد غيرُ مفهوم ولا معقول)).
وهناك أحاديث أخر رواها الحافظ الضياء في ((المختارة)) والعلماء فيها كلام
وتضعيف، انظر بعضتها في المواطن التالية من ((فيض القدير)) للمناوي رحمه الله
تعالى: (١٧٢/٢ و ٢٢٣ و ٢٣٢ و ٣٢٣).
(١) في كتابه: ((شفاء السقام في زيارة خير الأنام)): (ص ٣-١٢). ونصّ
الحديث: ((من زار قبري وجَبَتْ له شفاعتي)).
(٢) وقع في الأصل: ( آداب). وهو تحريف قم. وأصلُ هذا الكلام الذي
قاله السيوطيء - بطوله هو الحافظ العراقي في حاشيته على ((مقدمة ابن الصلاح) :-

١٥٦
ثم نَقَل (١) عن الحافظ ابن حجر أنه قال: أمَّا الكتب المشهورة
(ص ١٢-١٣). ولما قرأتُ ((المقدمة)) المذكورة على شيخنا العلامة المحدث الشيخ
عبد الله ابن الصدِّيق الغماري في مصر ، وانتهينا إلى ذكر تقي الدين السبكي وأنه
(صَحَّحَ) أيضاً، قال شيخنا فرَّج الله عنه: وقد (صحَّح ) الحافظُ الذهبيُّ
حديثَ الطير في جزءٍ خاص . وكذلك المؤلِفُ العراقيّ، والحافظُ ابنُ حجر،
والسخاويُ، والسيوطيّ. فقلت له: فما رأيكم في (تصحيحٍ ) المُناوي
و (تحسينِهِ )؟ قال: المناويُ له (تصحيحُ) و (تحسينٌ) في شرحَيْه على( الجامع
الصغير ))، لكنه يَهِمُ في ذلك كثيراً، كما بيَّنه أخونا الشيخ أحمد في حاشيته على
((الشرح الصغير، للمُنّاوي. انتهى كلام شيخنا.
وانظر كلية للحافظ الذهبي في تأصيلٍ حديث الطير ، وتجويد حديث
((من كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه)) في كتابه: ((تذكرة الحفاظ)) في ترجمة الحاكم أبي
عبد الله النيسابوري صاحب ((المستدرك على الصحيحين)): (ص ١٠٤٢ -١٠٤٣).
وانظر أيضاً - للوقوف على ماقيل في حديث الطير -: ((لسان الميزان)) للحافظ
ابن حجر (٣٧/١ و ٤٣)، و((مقدمة تحفة الأحوذي)) للمباركفوري (ص ٧٦)،
و((المستدرك) للحاكم (١٣٠/٣)، و((أجوبة)) الحافظ ابن حجر عن أحاديث
وقعت في ((مصابيح السنة)) البغوي، ونُشِرَتْ في آخر الجزء الثالث من «مشكاة
المصابيح)) للتبريزي (٣١٣/٣)، و (التصدير ) للأستاذ الألباني في أول الجزء
الثالث أيضاً: الصفحة (وزح)، و((مرقاة المفاتيح)) لعلي القاري (٥٦٩/٥).
هذا، وقد ( صحَّحَ) و(حسَّنَ) شيخنا العلامة المحدّث الكبير
الشيخ أبو الفيض أحمد بن الصدِّيق العماري رحمه الله تعالى - شقيق شيخنا
الشيخ عبد الله - غيرَ حديث، وألّفَ في ذلك أجزاءَ خاصَّة، منها: ((اغتنام
الأجر في تصحيح حديث أسفروا بالفجر))، و«تحسين الخبر، الوارد في الجهاد
الأكبر)). انظر فهرس مؤلفاته في آخر كتابه: «توجيه الأنظار لتوحيد المسلمين
في الصوم والافطار)): (ص ١١٦ - ١٢٠).
(١) أي السيوطي في ((التدريب)): (ص ٨١).

١٥٧
التي تُغني بشهرتها عن اعتبار الإسناد منًا (١) إلى مؤلفها كالمسانيد
والسُّنن ممالا يحتاج في صحة نسبتها إلى اعتبارِ إِسناد مُعيَّن، فان
المصنّف منهم إِذا رَوَى(٢) حديثاً، ووُجِدَت الشرائطُ فيه مجموعة،
ولم يَطْلَع (٣) المحدّثُ الْمُتْقِنُ المطَّلِعُ فيه على عِلَّة: لم يمتنع الحكمُ
بصحته، ولو لم يَنُصَّ عليها أحدٌ من المتقدّمين. انتهى.
ثم قال السيوطي (٤): لم يتعرَّض المصنّفُ ومَنْ بعده كابنٍ
جماعة وغيره ممن اختصر ((ابن الصلاح))، والعراقيّ في ((الألفية))،
والبُلْقِيِيّ إِلا لـ (لتصحيح) فقط، وسكتُوا عن (التحسين). وقد
ظهر لي أن يقال فيه: إِنَّ من جوَّز (التصحيحَ ) فـ (التحسينُ) أولى،
ومَنْ مَنَعَ فِيُحْتَمِلُ أنْ يجوّزَهُ. وفر ص المِزِّيُ حديثَ
(طلبُ العلم فريضة)) مع تصريح الحفاظ بتضميفه (٥)، وفر مس
(١) وقع في الأصل: ( منها). والتصويب عن ((التدريب)). وعبارة
((التدريب)) ثُغايرُ في صياغتها - لا في مدلولها - ماجاء هنا.
(٢) وقع في الأصل: (رأى) . وهو تحريف ظاهر .
(٣) وقع في الأصل: ( ولا يطَّلع). والتصويب عن ((التدريب)).
(٤): أي في ((التدريب)) (ص ٨٣).
(٥) قلتُ: أفاد كلامُ السيوطي هذا أنه قاله قبل أن يُصحّحَ الحديثَ
المذكور، كما سأنقله من كلامه رحمه الله تعالى. وقد حسَّن الحديثَ أيضا الحافظ
ابن حجر كما في ((كشف الخفاء)» للعجلوني: (٤٤/٢).سـ
=

١٥٨
جماعةٌ كثيرون أحاديثَ صرَّحَ الْحُفَّاظُ بتضعيفها. ثم نأمَّلتُ
كلامَ ابن الصلاح فرأيتُهُ سَوَّى بينه وبين التصحيح. انّهى.
ثم قال (١): الحاصلُ أنَّ ابنَ الصلاح سَدَّ باب (التصحيح)
= وقال شيخ شيوخنا العلامة محمد بن جعفر الكتاني رحمه الله تعالى في ((نظم
المتناثر من الحديث المتواتر)): ( ص ٢٧ ) حيث عَدَّ هذا الحديثَ فيه من المتواتر:
((وقال السيوطي: جمعتُله خمسين طريقاً، وحكمتُ بصحته لغيره، ولم أصحح
حديثاً لم أُسبق لتصحيحه سواه. وقال السيوطي أيضافي ((التعليقة المنيفة)): وعندي
أنه بلغ رتبة الصحيح ، لأني رأيتُ له نحو خمسين طريقاً وقد جمعتُها في جزء.
وقال السيوطي أيضا في (( تبييض الصحيفة في مناقب الإمام أبي حنيفة)): (ص ٧):
قال الحافظ المِزّي: رُوي - أي حديثُ طلب العلم ... الذي سمعَهُ أبو حنيفة مع
حديثين آخرين مشافهة" من أنس رضي الله عنه - من طرقٍ تبلغ رتبة الحسن.
قلتُ - القائل السيوطي -: وعندي أنه بلغ رتبة الصحيح، لأني وقفت له على نحو
خمسين طريقاً ، وقد جمعتها في جزء)).
ثم قال العلامة الكتاني بعد هذا: ((وفي ((ظَفَر الأماني)) للكنوي
(ص ٩٣): وبالجملة أسانيدُ هذا الحديث كثيرة جداً، حتى عدّ الحافظ السيوطي
في الأحاديث المتوافرة)). قال الكتاني عقبه: ((ولعلّه ذكره في(الفوائد المتكاثرة))؟
وأما ((الأزهار المتناثرة)) فاني لم أر له ذكراً فيها، والله أعلم)).
قال عبد الفتاح: ولأستاذنا العلامة الشيخ أحمد العُماري رحمه الله تعالى
جزء خاص بهذا الحديث سَمَّاه: ((المُسهم، بطرق حديث طلبُ العلم فريضة على
كل من)،، انتهى فيه إلى أن الحديث بلغ بمجموع طرقه رتبة الصحيح لغيره .
وقد لخصه تلخيصاً حسناً شقيقه العلامة الشيخ عبد العزيز الغماري حفظه الله تعالى
في « إتحاف ذوي الفضائل المشتهرة)): ( ص ٥٧ - ٦٠ ) فقف عليه ففيه
تحرير جيد .
(١) أي السيوطي في ((التدريب)): (ص ٨٣).

١٥٩
(والتحسين) (والتضعيف) على أهل هذه الأزمان لضعف أهليتهم،
وإِن لم يُوافق على الأوّل، ولا شكَّ أنَّ الحُكم بالوضْعِ أولى بالمنع
مطلقاً، إلا حيث لا يخفى (١): كالأحاديث الطّوال الركيكة، وإلا مافيه
مخالفةٌ للعقل أو الإجماع، وأما الحكمُ للحديث بالتواتر والشهرة فلا
يمتنعُ، إِذا وُجدت الطُّرُق المعتبرة في ذلك.(٢) انتهى.
(١) وقع في الأصل: ( لا تخفى). والتصويب عن ( التدريب)).
(٢) لفظ (في ذلك) زدتُهُ من ((التدريب)).