النص المفهرس

صفحات 101-120

١٠٠
الأوراق، ماوقع في ((المسند)) من رواية أحمد (١)، ومن رواية ابنه، مما
قال فيه بعضُ أئمة هذا الشأن: إِنه موضوع. انتهى ملخصاً. ثم أورَدَ
تسعةً أحاديث من ((المسند)) ونَقَلَ عن ابن الجوزي وغيرِهِ الحَكَم
بوضعها، وردَّهُ في بعضها .
ثم قام لردّه الحافظُ ابنُ حجر فصنَّفَ ((القول المسدَّد في
الذبّ عن مسند أحمد)) قال فيه (٢) - بعد الحمد والصلاة -: فقدرأيتُ
أن أذكر في هذه الأوراق ماحضرني من الكلام على الأحاديث التي
زَعَم أهلُ الحديث أنها موضوعة وهي في ((مسند أحمد)) ... الخ ...
ونَقَل فيه ((جزءً)) شيخه العراقي حرفاً حرفاً، وأجاب عنه حدثاً
حديثاً، ثم أورد عِدَّةَ أحاديثَ أُخَر من ((المسند)) حَكَم عليها
ابن الجوزي بالوضع مما لم يذكره العراقي، ونَفَى وضعتها بالبراهين
الساطمة والحُجَج القاطعة (٣).
وفي ((التدريب))(٤): قيل: وإِسماره(٥) بوردُ أمثل ماورد عن
(١) يشهد له إطلاق ابن تيمية في كلامه الذي سبق نقله تعليقاً في (ص ٩٨).
حيث يقول: ((وقد يكون في بعضها علّة تدل على أنه ضعيف بل باطل)).
(٢): (ص ٢) .
(٣) سبق في (ص٩٧) أن نقلنا لشيخنا الكوثري كلاماً يرتبط بهذا المقام فانظره.
(٤) : (ص ١٠١) .
(٥) هو الامام الحافظ الكبير أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، المعروف
بابن راهويه ، ولد سنة ١٦٦، وتوفي سنة ٢٣٨، وله ((المسند)) في ست مجلدات.
وسبق ذكرُ مسنده في (ص ٨٨).

١٠١
ذلك الصحابي فيما ذكره أبو زُرْعة الرازي عنه قال العراقي: ولا
يَنْزَمُ من ذلك أن يكون جميعُ مافيه صحيحاً، بل هو أمثلُ(١) بالنسبة
لما يتركه، وفيه الضعيف. انتهى (٢).
وفيه أيضا (٣): قيل و (مسند البزار)) يُبَيِّنُ فيه الصحيحَ من غيره.
قال العراقي: ولم يفعل ذلك إلا قليلا، إِلا أنه يتكلّمُ في فرُّدٍ بعضٍ
رواة الحديث ومتابعة غيره عليه (٤). انتهى .
وفي ((منهاج السنة)) لابن سيمية(٥): ما ينقد الثعلبي(٦) في (تفسيره))
لقد أجمع أهلُ العلم بالحديث أنه يروي (٧) طائفةً من الأحاديث
الموضوعة ، كالحديث الذي يرويه في أوَّل كلّ سورة وأمثالِ ذلك ،
(١) لفظ ((التدريب)): ( أمثلة ).
(٢) وسبق فيما نقلناه ملية ) في (ص٩٦) عن ابن تيمية ما يتعلق بإسحاق وطريقته في
کتابه ، فانظره لزاما .
(٣) أي في ((التدريب)) للسيوطي: (ص ١٠٢).
(٤) هكذا في ((التدريب)). ووقع في الأصل: (عنه).
(٥) : (٤/٤).
(٦) هو الشيخ أبو إسحاق أحمد بن محمد بن محمد بن إبراهيم النيسابوري الشعلي
المفسر ، ويقال له الثعالبي. وهو لقب لا نسب. توفي سنة ٤٢٧، له ((التفسير))،
و ((العرائس)) في قصص الانبياء المذكورين في القرآن الكريم، وهو مطبوع
منتشر ، وطُبع مرات، وفيه بلایا ورزایا !!
(٧) في ((منهاج السنة): ( رَوَتى).

١٠٢
ولهذا يقولون : هو كحاطب ليل (١).
وهكذا الواحدي (٢) تلميذُهوأمثالُهما من المفسرِ ين ينقلون الصحيح
والضعيف (٣).
(١) وقال ابن تيمية في ((منهاج السنة)) أيضا في (٢٥/٤): ((علماء الجمهور
متفقون على أن مايرويه الثعلبي وأمثاله لا يحتجُون به لا في فضيلة أبي بكروعمر،
ولا في إثبات حكم من الأحكام ، إلا أن يُعلم ثبُوتُه بطريقه)).
وقد تكرّر الكلامُ من ابن تيمية في ((منهاج السنة)) عن الثعلبي و ((تفسيره))
في المواطن التالية: (٣١٥٢٨٥١٨/٤و٤٨٩٤٦و٥٨٣ ٥٨٤ ١١٦٥١٠٥٥٩٥).
(٢) هو الشيخ أبو الحسن علي بن أحمد الواحدي النيسابوري ، المفسّر
النحوي الأديب، تلميذ الثعلبي المفسر، توفي سنة ٤٦٨، له كتاب ((أسباب النزول))،
وهو مطبوع، وله في التفسير ثلاثة كتب: ((البسيط)) و((الوسيط)) و((الوجيز)).
وهذا الأخير طبع بمصر على حاشية التفسير المسمى ((فراح لبيد)) لمحمد بن عمر
نووي الجاوي .
قال شيخ شيوخنا العلامة محمد بن جعفر الكتاني رحمه الله تعالى في ((الرسالة
المستطرفة)): (ص ٦٧): ((ولم يكن له ولا لشيخه الثعلبي كبيرٌ بضاعة في الحديث،
بل في ((تفسيريها)) وخصوصاً الثعلبي: أحاديث موضوعة وقصصٌ باطلة!)).
(٣) قلتُ: بل والموضوع! كماسيُصرّ ح به ابنُ تيمية بعد قليل، وكماصرَّح
به أيضا في ((منهاج السنة)) أيضا في مواطن آخر، فقال في (٢٥/٤ و٨٣°و١١٦)
وهو يتحدث عن تفسير البغوي: ((ولم يذكر الأحاديث التي تظهر لعلماء الحديث
أنها موضوعة ، كما يفعله غيره من المفسرين، كالواحدي صاحب الثعلبي، وكالز مخشري
وغيرهم من المفسّرين الذين يذكرون من الأحاديث ما يعم أهلُ الحديث أنه
موضوع.
ومن الموضوع فيه: الأحاديث التى في فضائل السُّوَر سورةً سورة، التي =

١٠٣
ولهذا لما كان البغوي عالماً بالحديث أعلمَّ به من التعلي والواحدي
وكان (( تفسيرُهُ)) مختصر ((تفسير الثعلبي)): لم يذكر في ((تفسيره))
شيئاً من الأحاديث الموضوعة التي يرويها الثعلي، ولا ذكر تفاسير
أهل البِدَع التي يذكرها (١) التعلي(٢). مع أن التعلبي فيه خيرٌ وَدِينٌ،
لكنه لاخُبرَ له (٣) في الصحيح والسقيم من الأحاديث.
وأمَّا أهلُ العلم الكبار أصحابُ التفسير (٤) مثل تفسير محمد بنه
جرير الطبري، وبقيّ بن مخلد، وابن أبي حاتم، وأبي بكر بن المنذر،
= يذكرها الثعلبي والواحدي في أوائل كل سورة ، ويذكرها الزمخشري في آخر
كل سورة ، وهي كذب موضوعة باتفاق أهل الحديث .
وقد تكرّر الكلامُ من ابن تيمية في ((منهاج السنة)) عن الواحدي
و ((تفسيره)) في المواطن التالية: (٤٨/٤ و ٨٠ و ٨٤ و٩٥).
(١) في ((منهاج السنة)): ( ذكرها).
(٢) لكن في ((تفسير البغوي)): الضعيفُ كما صرّح به ابن تيمية أيضا في
((منهاج السنة)) فقال في (٨٠/٤): ((وإذا كان الحديث في بعض كتب
التفسير التي يُنقَلُ فيها الصحيحُ والضعيفُ مثل تفسير الثعلبي والواحدي والبغوي
لم يكن مجرّدُ رواية واحدٍ من هؤلاء دليلاً على صحته باتفاق أهل العلم)).
وقد تكرّر الكلامُ من ابن تيمية في ((منهاج السنة)» عن البغوي و((تفسيره)
في المواطن التالية: (٢٥/٤ و ٨٣ و ٨٤).
(٣) في ((منهاج السنة)): ( لا خبرة له بالصحيح).
(٤) في منهاج السنة )): ( أهل التفسير ).

١٠٤
وأمثالهم فلم يذكروا فيها مثلَ هذه الموضوعات (١)، دَعْ مَنْ هو
(١) قلت: هذه التفاسير على جلالة قدر مؤلّفيها فيها من الأحاديث الضعيفة
والتالفة والغرائب والمناكير والاسرائيليات : غيرُ قليل! ولكنه مسوق بسنده
فيخفه خطرُهُ على أهل العلم بالرجال ، وقد يقع فيها الموضوع كما سأذكره. وقد
قال ابنُ تيمية أيضاً في ((منهاج السنة)) في (٨٠/٤): ((وإذا كان الحديث في بعض
كتب التفسير التي يُنقَلُ فيها الصحيح والضعيف مثل تفسير الثعلبي، والواحدي،
والبغوي، بل وابنٍ جرير، وابن أبي حاتم، لم يكن مجرّدُ رواية واحدٍ من
هؤلاء دليلاً على صحته باتفاق أهل العلم )) .
وقد وجَّهَ شيخنا الامام الكوثري رحمه الله تعالى صنيع المفسرين هذا
توجيهاً حسناً فقال في كتابه: ((المقالات)). (ص ٣٤ و ٣١٢): «ترى كثيراً من
المفسرين دوَّنوا ما يظنون به أنّ له نفعاً، لتبين بعض النواحي في أنباء القرآن
الحكيم من معارف عصرهم المتوارثة من اليهود وغيرهم ، تاركين أمرّ غَرْ بَلَتها
لمن بعدهم من الفُقَّاد، حرصاً على إيصال تلك المعارف إلى من بعدهم، لاحتمال أن
يكون فيها بعضُ فائدة في إيضاح بعض ما أجميل من الأنباء في الكتاب الكريم،
لا لتكون تلك الرواياتُ حقائق في نظر المسلمين، يُراد اعتقاد صحتها والأخذ"
بها على علاتها بدون تمحيص .
وقد اعتذر سليمان بن عبد القوي الطوفي في أوائل كتابه « الاكسير في أصول
التفسير)) عن المفسرين في تدوينهم كلَّ ما بلغهم من الاسرائيليات والأخبار الواهية
بأنهم لم يُلزِمِوا مَنْ بعدم قبولتها، وإنما دَوَّنوها خشية ضياع شيء يستطيعون
جمعه ، تاركين أمرّ تقدِها وتمحيصها إلى من بعدهم. وضَرَبَ لذلك مثلاً بصنيع
رواة الحديث حيث عُنُوا بادئ ذي بدء بجمع الروايات كلها، تاركين أمر التمييز
بين صحاحها وضعافها لمن بعدهم من النقاد . وهذا اعتذارٌ وجيه .
قال الحافظ ابن حجر في ((لسان الميزان) في ترجمة الطبراني: ( سلمان بن
أحمد): (٧٥/٣): إن الحفاظ الأقدمين يعتمدون في روايتهم الأحاديث الموضوعة=

١٠٥
= - مع سكوتهم عنها - على ذكر الأسانيد، لاعتقادهم أنهم متى أوردوا الحديث
بإسناده فقد برئوا من عهدته ، وأسندوا أمره إلى النظر في إسناده ».
قال تلميذه السخاوي في ((شرح ألفية المصطلح)) عند الكلام في الحديث
الموضوع ( ص ١٠٦) : لا يُبرَأ من العُهْدة في هذه الأعصار بالاقتصار على إيراد
إسناده بذلك، لعدم الأمن من المحذور به، وإنْ صَدَعه أكثر المحدّثين في
الأعصار الماضية، من سنةٍ مائتين وهلمَّ جراً، فانهم إذا ساقوا الحديث بإسناده
اعتقدوا أنهم برئوا من عهدته. قال شيخنا: وكان ذكرُ الاسناد عندهم من جملة
البيان)). انتهى كلامُ شيخنا الكوثري رحمه الله تعالى. وسَبَقَ في (ص٩١-٩٣) كلامٌ
حسنٌ طويل يتصلُ بهذا المعنى فانظره.
ولقد أحسن الحافظُ ابن كثير صُنْعاً حيث تعرّض في ((تفسيره)) لكثير
مما في تلك التفاسير بالنقد والبيان، فجزاه الله خيراً. وانطر نماذج من ذلك في
المواطنِ التالية من ((تفسيره)): (٧٧/١) عند تفسير قوله تعالى في سورة البقرة:
(( وإذ قلنا للملائكة اسجدوا)، و(١٣٩/١و١٤١١١٤٠) عند ذكر قصة,وما أنزل
على الملكين ببابل هاروت وماروت))، و (٥٧٥/١) عند تفسير قوله تعالى في
سورة النساء: ((وماقتلوه وما صلبوه))، و(٦/٣-٧) و (١٧/٣-٢١) عند تفسير
قوله تعالى في أول سورة الاسراء: ((سبحان الذي أسرى))، و(١١٧/٣-١١٨)
عند تفسير قوله تعالى في سورة مريم: (( فكلي واشربي ) و (١٧٣/٣) عند تفسير
قوله تعالى في أوائل سورة الأنبياء: ((ما آمنَتْ قبلهم من قريةٍ أهلكناها))،
و (٤٩١/٣) عند تفسير قوله تعالى في سورة الأحزاب: ((وتخفي في نفسك
ما اللّهُ مُبديه))، و (١٠٥/٤) أول تفسير سورة الشورى، و(٣٠٣/٤) عند
تفسير قوله تعالى في أوائل سورة الحديد: ((هو الأول والآخر)).
وقال رحمه الله تعالى في (٧٧/١) بعد ذكر حديثٍ رواه ابن جرير:
(((وهذا غريب، ولا يكاد إنحُ إسناده، ون فيه رجلاً مبها، ومثلُهُ لا يُحتَّجُ
به)). وقال في (٦/٣-٧) بعد ذكر حديثٍ رواه ابن أبي حاتم: «هذا سياق=

= فيه غرائب عجيبة !))، وقال في (١٧/٣-٢١) بعد ذكر حديثٍ طويل جدا
جداً، رواه ابن جرير: ((وهذا الحديث في ألفاظه غرابة ونكارة شديدة !)).
وقال في (٢٤/٣) عند تفسير قوله تعالى في سورة الاسراء: ((ثم رددنا
لكم الكرّة عليهم)): ((وقد رَوَى ابنُ جرير في هذا المكان حديثاً أسنده عن
حُذَيفة مرفوعاً مطوّلا، وهو حديث موضوع لا محالة ، لا يَستريبُ في ذلك
من عنده أدنى معرفةٍ بالحديث، والعَجَبُ كل العَجتب كيف راج عليه مع جلالة
قدره وإمامته؟ !! وقد صرَّح شيخنا الحافظ أبو الحجَّاج الميزْيُ رحمه اللّه بأنه
موضوعٌ مكذوب، وكَتّب ذلك على حاشية الكتاب)).
وقال في (٨٩/٣) عند تفسير قوله تعالى في سورة الكهف: «وإذ قلنا
للملائكة اسجدوا)): ((وقد رُوي في هذا آثار كثيرة عن السلف، وغالبها من
الاسرائيليات التي تنقل لينظر فيها ، والله أعلم بحالٍ كثيرمنها ، ومنها ماقد يُقطعُ
بكذبه لمخالفته للحق الذي بأيدينا)).
وقال في (٤٨٥/٤) عند تفسير قوله تعالى في سورة المطففين: ((وما أدراك
ماسِجّين)): ((وقد رَوَى ابنُ جرير في ذلك حديثاً غريباً منكراً لا يصح،
فقال ... )).
وقال في (٥٠٨/٤) عند تفسير قوله تعالى ((إرَمَ ذات العماد)): ((وقد
ذكر ابنُ أبي حاتم قصةَ إرم ذات العماد هاهنا مطوّلةً جداً! فهذه الحكاية ليس
يصحُ إسنادُها، ولو صَحَّ إلى ذلك الأعرابي فقد يكون اختلَقَ ذلك، أو أنه
أصابه نوع منالهوس والحبال فاعتقد أنّ ذلك له حقيقة في الخارج،وليس كذلك،
وهذا مما يُقْطَعُ بعدم صحته )) .
وقال أيضا في تفسير هذه السورة عند قوله تعالى: ((إن ربَّك لبالمرصاد»:
((وقد ذكرَ ابنُ أبي حاتم هاهنا حديثاً غريباً جداً، وفي إسناده نظر وفي صحته،
فقال . .....
==

= وقال في (٥١٩/٤ -٥٢٠) عند تفسير قوله تعالى في سورة الليل: ((وأمَّا
من بخل واستغنى)) بعد أن رَوَى حديثاً طويلاً عن ابن أبي حاتم: ((هكذا رواه
ابنُ أبي حاتم! وهو حديث غريب جداً)).
وقال في (٥٣٥/٤) في آخر سورة القدر: ((ذكرُ أثر غريب، ونبأ
عجيب، يتعلق بليلة القدر ، رواه ابن أبي حاتم عند تفسير هذه السورة الكريمة
فقال ... )).
وقال في (٥٥٦/٤) في آخر سورة الماعون: « وروى ابن أبي حاتم هاهنا
حديثاً عجيباً في إسناده ومتنه فقال ... )).
وقال في (٥٥٨/٤) في آخر سورة الكوثر: ((وقد روى ابن أبي حاتم
هاهنا حديثاً منكراً فقال ... )).
وهذا غيض من فيض مما نِبَّه إليه الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى.
وما أحسن ما قاله شيخُنا الامام الكوثري رحمه الله تعالى وسمعتُهُ منه غيرّمرّ.
((قيمةُ ما يَرويه ابنُ جرير قيمةُ سَنّده). وهذا ينطبقُ على جميع التفاسير المسندة
كما هو ظاهر. وسيأتي تعليقاً: (ص ١١٥) في كلام الشيخ عبدالعزيز الدهلوي عدد
((تفسير ابن جرير)) في الطبقة الرابعة من كتب الحديث، وهي التي تجمع إلى الحديث
الصحيح الأحاديثَ الضعاف والموضوعات ...
وقد سلّكَ الحافظ ابن كثير عليه الرحمة والرضوان في (( تفسيره )) مسلكا
حسناً فبيَّن عِلَل الأحاديث ومغامزها، ولم يكتف بسرد إسنادها اتكالاً على
معرفة رأواتها وما فيهم من جروح أو مطاعن، لعلمه أنّ(علم الرجال)) قد أقلَ
نجمُهُ في زمانه وماقبله فضلاً عن أزماننا المتأخرة !!
ومع هذا فقد ندَّ منه بعض الأحاديث فأورده بسنده دون أن يُنيّهَ إلى
عيلته ونكارته ، ومن ذلك ما أورده في تفسير سورة التوبة (٣٧٤/٢) عند قوله
تعالى: ((ومنهم من عاهد الله ... )) فذكر قصة ثعلبة بن حاطب الأنصاري
ومتنْعه الزكاة حين أغناه الله، بسندِها من رواية ابن جرير وابن أبي حاتم، دون=

١٠٨
أعلمُ منهم ، مثلُ تفسير أحمد بن حنبل، واسحاق بن راهويه، بل ولا
يُذَكَرُ(١) مثلُ هذا عند (٣) عبد بن حُمَيَد (٣)، ولا عبد الرزاق،
مع أنَّ عبد الرزاق كان يميل إلى التشيع، ويروي كثيراً من فضائل
علي رضي الله عنه وإن كانت ضعيفة .
وقد أجمع أهلُ العلم بالحديث على أنه لا يجوز الاستدلالُ بمجرَّد
= أن ينتقد سندَها كعادته رحمه الله تعالى. وهى قصة تالفة مريضة، وفي سندها
((مُعَانُ بن رفاعة)) بالنون، وهو ليّنُ الحديث، كثيرُ الارسال، عامّة" مايرويه
لا يُتابَع عليه، قل البخاري" فيه: منكر الحديث. أي لا تحلّ الرواية" عنه، كما
جاء تفسير هذه الجمله منقولاً عن البخاري نفسه في ((ميزان الاعتدال)) للذهبي
(٥/١) وفي ((الرفع والتكميل)) اللكنوي (ص ٩٧)، ولذلك قال الحافظ ابن حجر
في ((تخريج أحاديث الكشاف)): (ص ٧٧) بعد خبر ثعلبة: ((وهذا إسنادُ
ضعيف جداً)).
ويمكن أن نقول : خيرُ التفاسير المسندة التي بين أيدينا: تفسيرُ ابن كثير
ولكن كما قال المثل: ((لا تعدّمُ الحسناء ذامًاً)).
(١) فى ((منهاج السنة)): ((ولا تذكر مثل هذه عند ... )).
(٢) لفظ (عند) زيادة من ((منهاج السنة)).
(٣) قلت: لا يخلو ((تفسيره)) من غرائب وإسرائيليات. يوردها كما سَمِعَهَا
اعتماداً على علم الاسناد الذي كان شائعاً مرجوعاً إليه آنذاك في نقل كلّ خبرٍ
وتلقي كلّ تأليف. وقدساق الحافظ ابن كثير في ((تفسيره)) أخباراً كثيرة من
(((تفسيره))، وبيَّن مافيها. انظر على سبيل المثال مارواه في ( بسط قصة البقرة):
(١٠٨/١-١١٠).

١٠٩
خبر بروبه الواحدُ من جنس التعلي والنقَّاش (١) والواحدي وأمثال
هؤلاء المفسرين لكثرة مايروونه (٣) من الحديث ويكون ضعيفاً بل
موضوعاً . انتهي (٣).
(١) هو الشيخ الرحَّال الجوّال أبو بكر محمد بن الحسن البغدادي النقَّاش
المقرىء المفسّر، ولد سنة ٢٦٦، وتوفي سنة ٣٥١. قال الذهبي في (تذكرة الحفاظ»
في ترجمته: (ص ٩٠٨): ((كنتُ قد أعملتُه لوهذه، ثم رأيتُ أن أذكرهُ وأذكر"
عُجَره وُبجتره، روى فأكثر وأغرب وأعجب!ومع جلالته وذله فهو متروك الحديث».
وله تآليف كثيرة منها: التفسير المسمَّى: ((شفاء الصدور)) فيه موضوعاتٌ
كثيرة، قال ابن خَلِّكان في ((الوفيّات)) في ترجمته: (٤٩٠/١): ((قال البسَرْقاني:
كلّ حديث النقاش مناكير، وليس في ((تفسيره)) حديث صحيح)).
قال الذهبي: ((وقال أبو القاسم اللالكائي: ((تفسيرُ.)))) إِشفاء الصدور،ليس
بشفاء الصدور ! قال الذهبي : يعني مما فيه من الموضوعات)).
(٢) في ((منهاج السنة)): ( لكثرة مايرويه ).
(٣) وقال ابن تيمية أيضا في كتابه: ((الردّ على البكري)): (ص ٨):
((وإذا كان تفسيرُ الشعلي" وصاحبِهِ الواحدي ونحوهما فيها من الغريب الموضوع
في الفضائل والتفسير ما لم يجز معه الاعتماد على مجرّد عزوه إليها ، فكيف بغيرها
كتفسير أبي القاسم القشيري، وأبي الليث السمر قندي ، و « حقائق التفسير » لأبي
عبد الرحمن السُّلَمي الذي ذكَرَ فيه عن جعفر ونحوه ما يعلم أنه من أعظم الكذب؟!
مع أنّ هؤلاء المصنّفين أهلُ صلاح ودين وفضل وزهد وعبادة. ولكنهم
كما قال مالك: أدركتُ في هذا المسجد سبعين شيخاً، كلٌّ له فضلٌ وصلاحودين،
ولو ائتُمين أحدُهم على بيتٍ مال لأدَّى فيه الأمانة ، يقول أحدُم: حدّ تني أبي
عن جدّي عن رسول اللّه صَّ الله، ما نأخذُ عن أحدٍ منهم شيئاً. وكان ابن شهاب
يأتينا وهو شابٌ فتزدحمُ على بابه . لأنه كان يعرف هذا الشأن)).

١١٠
وفي موضعٍ آخرَ منه (١): قد رَوى أبو نعيم في أول ((الحلية))
في فضائل الصحابة وفي كتاب ((مناقب أبي بكر وعمر وعثمان وعلي)
أحاديثَ بعضُها صحيحةٌ ، وبعضُها ضعيفة بل منكرة، وكان رجلاً
عالماً بالحديث، لكنْ هو وأمثاله يروون ما في الباب لأَنْ يُعرف أنه
قدُروي كالمفسّرِ الذي ينقلُ أقوالَ الناسِ في التفسير، والفقيه الذي
يذكر الأقوال في الفقه، والمصنّف الذي يذكر حُجَجَ الناس
ليذكر ماذكروه (٢)، وإِن كان كثيرٌ من ذلك لا يعتقدُ صِحَّتَه بل
يعتقدُ ضعفَه، لأنه يقول: إِنما نقلتُ ماذَكَر غيري، فالعُهدة على
القائل لا على الناقل . انتهى.
وفي موضعٍ آخرَ منه (٣): أَنَّ أبانعيم رَوَى كثيراً من
الأحاديث التي هي ضعيفة بل موضوعةٌ باتفاقِ علماء الأحاديث وأهل
السُنَّة والشيعة ، وهو وإِن كان حافظاً ثقةً كثيرَ الحديث واسع
الراوية لكن رَوَى كما هو مادةُ المحدّتِين يَرْوون ما في الباب لأجلٍ
(١) : (١١/٤).
(٢) هذه الجملة التي بين الفاصلتين زيادةٌ على الأصل من ((منهاج السنة)).
(٣) : (١٥/٤).

١١١
المعرفة بذلك، وإِن كان لاُ يحتجُ من ذلك إِلا ببعضه. انتهى (١).
وفي موضعٍ آخرَ منه (٢): الثعلبِي روى ما وَجَدَ صحيحاً
كان أو سقما، وإِن كان غالبُ الأحاديث التي في ((تفسيره)) صحيحةً
ففيه ما هو كذبٌ موضوع. انتهى (٢).
وفي موضعٍ آخرَ منه (٤): (( كتاب الفردوس)) للريطي (٥):
(١) وسبق تعليقاً في (ص ٨٠) أن نقلنا للشيخ ابن تيمية أيضا كلمة" أخرى في
صنيع أبي نعيم في مؤلفاته فانظرها وسيأتي بعد سطور نصان آخران لابن تيمية في
أبي نعيم وقال ابن تيمية أيضا في (منهاج السنة)) في (٣٨٥١٠/٤): ((وما يرويه أبو
نعيم في ((الحلية)) أو في ((فضائل الخلفاء) قد انفق أهلُ المعرفة بالحديث على أن"
فيه كثيراً من الكذب الموضوع، ومجرّد كونه رواه لا يدل على صحَّة الحديث)).
وقد تكرّر الكلامُ من ابن تيمية في ((منهاج السنة)) عن أبي ثميم ومؤلفاته
في المواطن التالية: (١٥/٤ و١٨و٤٢و٤٦ و ٥٣و ١٩٤).
(٢) : (٢٥/٤) .
(٣) وسبق في (ص١٠١-١٠٢) كلامٌ وافٍ حول الثعلبي و«تفسيره))، فانظره.
(٤) : (٣٨/٤) .
(٥) هو المحدِّثِ المؤرّخ الرحَّال أبو شجاع شِيْرَ وَيْه بن شهر دار الهمذاني
الديلمي، ولد سنة ٤٢٥، وتوفي سنة ٥٠٩. واسم كتابه: ((فردوس الأخبار
بمأثور الخطاب المخرَّج على كتاب الشهاب)). أي على ((شهاب الأخبار)) للقُضَاعي.
أورد فيه عشرة آلاف حديث من الأحاديث القصار مرتبة على نحو عشرين حرفاً
من حروف المعجم. وهو الذي يعنيه ابن تيمية بكلامه هنا .
وقال في ((منهاج السنة)): (٧٨/٤): ((ابنُ شِيرَوَيْه الدّيْلمي الهمذاني
ذكر في كتابه ((الفردوس، أحاديث كثيرة صحيحة، وأحاديثَ حسنة، وأحاديث
موضوعة . وإن كان من أهل العلم والدين ولم يكن من يكذب هو ، لكنه نقل
مافي كتب الناس ، والكتبُ فيها الصدق والكذب )).

١١٢
فيه موضوعاتٌ كثيرةٌ، أَجمع أهلُ العلم على أنَّ مجرَّد كونه رواه
لا يدلُّ على صحة الحديث . انتهى .
وفي موضعٍ آخرَ (١) : النسائيْ صنفَ ((خصائص علي))
وذَكَرَ فيه عدَّة أحاديث ضعيفة، وكذلك أبو نعيم في ( الفضائل))،
وكذلك الترمذي في ((جامعه)) رَوى أحاديث كثيرة في فضائل علي
كثيرٌ منها ضعيف (٣).
وفي موضعٍ آخر منه(٣): من الناس من قَصدَ رواية كلّ
ما روي في الباب من غير مييز بين صحيحٍ وضعيف كما فعل أبو نعيم،
وكذلك غيرُهُ ممن صنَّف في الفضائل، ومثلُ ما جمعه أبو الفتح بن
(١) (٤٨/٤) .
(٢) قال الحافظ ابن حجر في مقدمة كتابه ((لسان الميزان)): (١٣/١) بعد
أن نقل قول الامام أحمد: ((ثلاثة كتب ليس لها أصول - أي أسانيد - وهي المغازي،
والتفسير ، والملاحم)) :
((قلتُ: ينبغي أن يضاف إليها: ((الفضائل)). فهذه أوديّةُ الأحاديث
الضعيفة والموضوعة، إذ كانت العُمدةُ في ((المغازي)) على مثل الواقدي، وفي
(التفسير)) على مثلٍ مقاتل والكلبي، وفي ((الملاحم) على الاسرائيليات . وأما
((الفضائل)) فلا يُحصى كم وضَعَ الرافضة في فضل أهل البيت، وعارضتهم
جَهَلَهُ أهل السُّنَّة بفضائل معاوية، بل وبفضائل الشيخين، وقد أغناهما الله
وأعلى مرتبتها عنها)).
(٣) : (٨٤/٤).

١١٣
أبي الفوارس(١)، وأبو على الاهوازي(٢) وغيرُهُما في «فضائل معاوية(٣).
وكذلك ما جمعه أبو القاسم بن عساكر في ((تاريخه)) في فضائل علي
وغيره(٤) .
(١) هو الحافظ المجوّد الرحال أبو الفتح محمد بن أحمد بن محمد بن فارس بنأبي
الفوارس البغدادي . ولد سنة ٣٨٨ وتوفي سنة ٤١٢ .
(٢) هو أبو علي الحسن بن علي بن إبراهيم الأهوازي المقرىء، صاحب
التصانيف ومقرىء الشام، وكان من السالمية، ولد سنة ٣٦٢، وتوفي سنة ٤٤٦،
له كتاب ((البيان في شرح عقود أهل الايمان)). قال الذهبي في ((الميزان)): (٢٣٧/١)
((لو لم يجمعه لكان خيراً له فانه أتىَ فيه بموضوعات وفضائح !... )). وأطال الحافظ
ابن عساكر الكلامَ فيه وفي مؤلفاته في كتابه «تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى
الامام أبي الحسن الأشعري): (ص ٣٦٤) وما بعدها ، فانظره .
وقال ابن تيمية في تفسير سورة المَلتق الذي نُشِرَ في ((مجموعة تفسير
شيخ الإسلام ابن تيمية » المطبوع بالهند في ( ص ٣٥٣ - ٣٥٤): ((أبو علي
الأهوازي له مصنَّفٌ في الصفات، قد جَمَع فيه الغثَّ والسمين)).
وكذلك ما يجمعه عبد الرحمن بن' منده، مع أنّه من أكثر الناس حديثاً
لكن يروي شيئاً كثيراً من الأحاديث الضعيفة، ولا يميز بين الصحيح والضعيف
وربما جتمع باباً وكلُ أحاديثه ضعيفة، كأحاديث أكلِ الطِّين وغيرها. وهو
يروي عن أبي على الأهوازي ، وقد وقع مارواه من الغرائب الموضوعة إلى
حَسَنٍ بن عَديّ فبنى على ذلك عقائدَ باطلة!)).
(٣) وقال ابن تيمية بعد هذا ((ومثلُ ماجمعه النسائي في فضائل علي)).
(٤) وقال ابن تيمية أيضا في كتابه: ((الردّ على البكري)) (ص ١٥): ((جمهورُ
مصنفي السَّرَ والأخبار وقصص الأنبياء: لا يميّزُ بين الصحيح والضعيف =

١١٤
= والغَتَ والسَّمين، كالثعلبي، والواحدي، والمهدوي، والزغشري، وعبدالجبار
ابن أحمد، وعلي بن عيسى الرّمّانى، وأبي عبد الله ابن الخطيب الرازي، وأبي نصر
ابن القُشيري - هو ابن الشيخ أبي القاسم مؤلف ((الرسالة القشيرية)) - وأبي
الليث السمر قندي ، وأبي عبد الرحمن السُّلَمي ، والكواشي الموصلي، وأمثالهم
من المصنّفين في التفسير .
فهؤلاء : لا يعرفون الصحيح من السقيم، ولا لهم خبرة بالمروي المنقول،
ولا لهم خبرة بالنَّقتلة، بل يجمعون فيما يروون بين الصحيح والضعيف ،
ولا يميزون بينها، لكن منهم من يروي الجميع ويجعلُ العهدة على الناقل كالثعلبي ونحوه،
ومنهم من يَنْصرُ قولا أو جملةً إما في الأصول أو التصوف والفقه بما يوافقها من
صحيح أو ضعيف، ويرُدُ ما يخالفها من صحيح أو ضعيف)).
ورأيت للامام الشيخ ولي اللّه الدّهلوي رحمه اللّه تعالى كلاماً حسناً في كتابه
((حُجَّة الله البالغة)): (١٠٧/١-١٠٨) فانه بعد أن عدّد طبقات كتب الحديث إلى
خمس طبقات، فذكر الطبقات الثلاث التي سبقت الإشارة إليها في (ص ٨٩): قال
رحمه الله تعالى: ((الطبقةُ الرابعة: كتبُ قَصَدَ مصنّفوها بعد قرون متطاولة
جمعَ مالم يوجد في الطبقتين الأوليين :
وكانت في المجاميع والمسانيد المختفية فنوَّهوا بأمرها .
وكانت على ألسنة من لم يَكْتُبْ حديثه المحدِّثون، كثيرٍ من الوُعَّاظ
المتشدّقين وأهل الأهواء والضعفاء.
أو كانت من آثار الصحابة والتابعين ، أو من أخبار بني إسرائيل ، أومن
كلام الحكماء والوعاظ، خلطها الرواة بحديث النبي صَّ له سم وأً أو عمداً!
أو كانت من محتملات القرآن والحديث الصحيح، فرواها بالمعنى قومٌ
صالحون لا يعرفون غوامض الرواية ، فجعلوا المعاني أحاديثَ مرفوعة ! =

١١٥
= أو كانت معانيّ مفهومة من إشارات الكتاب والسنة ، جعلوها أحاديث
مُستِدَّةٍ - أي مستقلة - برأسها عمداً.
أو كانت جُمَلاً شتَّى في أحاديثَ مختلفةٍ جعلوها حديثاً واحداً
بنسقٍ واحد!
ومظنَّةُ هذه الأحاديث: كتابُ ((الضُّعفاء)) لابن حبَّان، و((كاملٌ))
ابن عديّ، وكتبُ الخطيب، وأبي ثُميم ، والجُوزقاني ، وابن عساكر،
وابن النجار، والدَّيْلَمي. وكاد ((مُسْتَد)) الخوارزمي - أبي بكر أحمد بن محمد
البَرْقاني - أن يكون من هذه الطبقة.
وأصلحُ هذه الطبقة : ما كان ضعيفاً محتملاً ، وأسوأها: ما كان موضوعاً
أو مقلوباً شديد النكارة .
وهذه الطبقة": مادةُ كتاب ((الموضوعات)) لابن الجوزي. فالاشتغالُ
بجمعها والاستنباطُ منها نوعُ تعمّقٍ من المتأخرين. وإن شئتَ الحقَّ فطوائفُ
المبتدعين من الرافضة والمعتزلة وغيرهم يتمكنون بأدنى عنايةٍ أن يُلخّصِوا منها
شواهدَ مذاهبهم. فالانتصارُ بها غيرٌ صحيح في معارك العلماء بالحديث، والله أعلم.
وقال نجلُهُالشيخ عبدُ العزيز الدّهلويُ رحمه الله تعالى في ((المُجَالة
النافعة)) : - كما نقَلَه عنه وعرّبَه السيدُ صديق حسن خان في ((الحِطَّة في
ذكر الصحاح الستة)): (ص ٥٧ -٥٨) - ((وأحاديثُ هذه الطبقة - أي الرابعة -
التي لم يعُلتم في القرن الأول اسمُها ولا رسمُها ، وتصدّى المتأخرون لروايتها : فهي
لاتخلو عن أمرين: إِمَّا أنَّ السلف تفخَّصوا عنها ولم يجدوا لها أصلاً حتى يشتغلوا
بروايتها، أو وجدوا لها أصلاً ولكن صادفوا فيها قدحاً أو علمّة موجبةٌ لترك
روايتها فتركوها .
وعلى كل حالٍ: ليسَتْ هذه الأحاديث صالحةً للاعتماد عليها حتى يُتمسك بها
في إثبات عقيدة أو عمل . وقد أضل هذا القسمُ من الأحاديث كثير ◌ًمن المحدّثين عن
نهج الصواب حيث اغتروا بكثرة طرقها الموجودة في هذه الكتب، وحكموا بتواترها
وتمسّكوا بها في مقام القطع واليقين ، وأحدثوا مذاهب "تخالف أحاديث الطبقتين=

١١٦
= الأوليين على ثقتها .
والكتب المصنّفة في أحاديث هذا القسم كثيرة ، منها ما ذكر"، ومنها:
كتاب ((الضعفاء)) للعُقيلي، وتصانيفُ الحاكم، وتصانيفُ ابن مردويه،
وتصانيفُ ابن شاهين، و((تفسيرُ ابن جرير)) و ((فردوسُ الديلمي))، بل سائرُ
تصانيفه ، وتصانيفُ أبي الشيخ ابن حيَّان .
وغالبُ المساهلة ووضع الأحاديث في باب المناقب ، والمثالب ، والتفسير ،
وبيان أسباب النزول، وباب التاريخ، وذكر أحوال بني إسرائيل، وقصّص
الأنبياء السابقين، وذكر فضائل البلدان، والأطعمة، والأشربة ، والحيوانات ،
وفي الطب، والرّقَى والعزايم، والدعوات ، وثواب النوافل ، ثم المسائل النادرة
كاسلام أبوي النبي صَّ له، وروايات المسْح على الرجلين عن ابن عباس، وأمثالها
من النوادر : أكثرُها تخرْجُ من هذه الكتب.
حتى إنَّ غالبَ بضاعة الشيخ جلال الدين السيوطي ورأس ماله في تصنيف
الرسائل ونوادرها هي الكتبُ المشارُ إليها، فالاشتغال بأحاديثها واستنباط الأحكام
منها لا طائل تحته، ومع ذلك: مَنْ كانتْ له رغبةُ في تحقيقها فعليه بـ ((ميزانٍ))
الذهبي، و ((لسان الميزان)) للحافظ ابن حجر و((مجمع بحار الأنوار)) للشيخ محمد
طاهر الكُجْراتي الفَتَّي، يُغني لشرح غريبها وتوجيه عباراتها عن جميع المواد)).
قال عبد انفتاح: وقد سبقت الإشارة في (ص ٩٧) أنَّ العلامة المتأخرين
الشيخ محمد حسن السَّنْبَهْلي في طالعة كتابه الجليل: ((تنسيق النظام)): (ص ٦)
كلا ماجيداً انتقد فيه كلام الشيخ عبد العزيز ووالده رحمهم الله تعالى فراجعه
لزاماً ، ولولا هذه الاطالة لنقلتُه .
ثم قال الشيخ ولي الله الدهلوي في كتابه: ((حجة الله البالغة): (١٠٧/١):
«هاهنا طبقة خامسة :
منها : ما اشتهر على ألسنة الفقهاء والصوفية والمؤرّخين ونحوهم، =

١١٧
هذه عباراتُ العلماء قد أفادت وجودَ المنكرات والمضعَّفات
في الكتب المدوَّة ، وأمثالُها كثيرةٌ لا تخفى على الناظر في الكتب
المشتهرة . ولعلَّ المتدبر يعلم مما نقلنا أنَّ ما ارتكز في أذهان بعض
العوامّ أنَّ كلَّ حديثٍ في ((السُّنْن)) محتجٌ به: غيرُ معتدّ به.
وكذا ما ارتكز في أذهان البعض أنَّ كلَّ حديث في غير (( الكتب
السَّّة)) أو (السبعة)) ضعيفٌ: غيرُ محتجً به.
= وليس له أصلٌ في هذه الطبقات الأربع .
ومنها : مادَسَّهُ الماجنُ في دينه، العالمُ بلسانه، فأتى باسنادٍ قويّ
لا يمكن الجرحُ فيه وكلامِ بليغٍ لا يَبعد صدوره عنه عَّ له، فثارَ في الاسلام
مصيبة عظيمة !! لكن الجهابذة من أهل الحديث يُوردون مثل ذلك على المتابعات
والشواهد، فتُهتَكُ الأستار، ويَظْهر العُوار)).
تتمة ههمـة
مما كان يُحْسُنُ بالمؤلف اللكنوي رحمه الله تعالى أن يتعرض له في جواب
هذا السؤال الثاني: حالُ الكتب التي تجمعَ فيها الأحاديثُ جمعاً - أو تورد -
محذوفة الأسانيد. ولعلها أحوجُ إلى التنبيه من كتب الأحاديث المسندة؟ لأن
الحديث الضعيف أو الموضوع إذا كان معه سنّدُه كان الأمرُ أيسرَ في قبوله
أورد، أما اذا كان عارياً عن السُّنّد وفي مثل هذه الأزمان التي توانى
فيها العلماء عن الاشتغال بالسنة وعلومها كان كشفُهُ عسيراً وخطرُ، كبيراً.
ومن أهم تلك الكتب : تصانيف العلماء الأجلة : الغزالي ، وابن الجوزي
والمنذري، والنووي، والذهبي، وابن حجر ، والسيوطي ، وابن القيم،
رحمهم الله تعالى .

١١٨
أما الغزالي: فهو الامام حجة الاسلام أبو حامد الغزالي ، نسيج وحده في
علوم الفقه والأصول والتصوف والكلام والفلسفة والمنطق وغيرها من العلوم،
سوى علم الحديث الشريف فانه لم يتفرَّغ له، وقد قال رحمه الله تعالى عن نفسه في
كتابه: ((قانون التأويل)) (ص ١٦): ((وبضاعتي في علم الحديث "مزجاة)).
ولذلك تجد كتبه طافحة بالحديث الضعيف والموضوع، وبخاصة كتابه :
(((الا حياء)) فقد شاع فيه الحديث الضعيف والموضوع في أكثر أبوابه، ولعل
عذره في ذلك أنه اعتمد فيه على كتاب (( قوت القلوب)) لأبي طالب المكي، وساق
تلك الأحاديث التي ساقها! ومن أجلٍ هذا نهض العلماء الحدّثون النُّقَّاد بتخريج
أحاديثه وبيانها ، تحذيراً من الاغترار بما فيه من الأحاديث الضعيفة أو الموضوعة
اعتماداً على مكانة الشيخ أبي حامد مصنّفه رحمه الله تعالى.
فالف الإمام الحافظ العراقي کتابین في تخريج أحاديث (( الاحياء))، وأفرد
الامام ابن السُبْكي في ترجمة الغزالي في«طبقات الشافعية الكبرى، فصلاً كبيراًجداً
في أحاديثه التي لم يجد لها إسناداً، واستكمل تلك الجهود المشكورة العلامة الشيخ
مرتضى الزبيدي في كتابه شرح الاحياء: ((إتحاف السادة المتقين بشرح أسرار
علوم الدين))، فكفوا - جزاهم الله الخير - المؤنة، ويسَّروا الانتفاعَ بكتاب
(((الاحياء)) العالم والمتعلم على سواء. ولولا تلك التخاريجُ لوقع أغلبُ قُرّاء
(((الإحياء)) في أمرٍ مريج!
قال العلامة الشيخ مرتضى الزبيدي رحمه الله تعالى في مقدمة شرح الاحياء:
(((إتحاف السادة المتقين)) في (الفصل التاسع عشر في ذكر مصنَّفاته): (٢٨/١):
((قال ابن تيمية وتلميذه ابن القيم: بضاعة( الغزالي في الحديث مُزجاة . وقال أبو
الفرج بن الجوزي: قد جمعتُ أغلاط ((الاحياء)) في كتاب، وسمّيتُه: ((إعلام
الأحياء بأغلاط الاحياء))، وأشرتُ إلى بعض ذلك في كتاب (( تلبيس إبليس)).

١١٩
وقال سبطُهُ أبو المظفر: وضَعَه - أي وضعَ الغزاليُّ كتابه: ((الاحياء)) -
على مذاهب الصوفية، وَتَرَك فيه قانونَ الفقه، فأنكروا عليه مافيه من الأحاديث
التي لم تصحْ.
قال المولى أبو الخير: وأما الأحاديث التي لم تصح فلا يُنكر عليه في إيرادها
لجوازه في الترغيب والترهيب. قال صاحبُ ((كشف الظنون)): وليس ذلك على
إطلاقه ، بل بشرطِ أن لا يكون موضوعاً .
قلتُ - القائل: الشارح الزبيدي -: والأمر كذلك، فانّ الأحاديث
التي ذكرها المصنّف: مابين متفَقٍ عليه من صحيحٍ وحسنٍ بأقسامها، وفيه
الضعيفُ، والشاذُ، والمنكرُ، والموضوعُ على قلّة، كما ستقف عليه إن شاء
اللّه تعالى)).
قال عبد الفتاح: انظر على سبيل المثال ماقاله الشارح الزبيدي في (٩٩/١-١٠٠)
عند حديث ((حضور مجلس عالم أفضل من صلاة ألف ركعة ... )) الذي أقر الحافظُ
المراقيّ فيه ابن الجوزي على الحكم بوضعه.
ثم قال الشارح الزبيدي رحمه الله تعالى بعد كلام طويل في ( الفصل التاسع
عشر) أيضاً (٤٠/١): ((وإنما خرَّج أحاديثه الامام الحافظ زين الدين أبو الفضل
عبد الرحيم بن الحسين العراقي رحمه الله تعالى في كتابين: أحدهما كبيرُ الحجم في
مجلدات، وهو الذى صنَّفَه في سنة ٧٥١. وقد تعذّر - أي على الحافظ العراقي-
الوقوفُ فيه على بعض أحاديثه، ثم ظَفِرَ بكثيرٍ مما عَزّب عنه إلى سنة ٧٦٠
ثم اختصره في مجلد وسمَّاه: ((المغني بمن حَمْل الأسفار)) اقتصر فيه على ذكر
طریق الحديث، وستحابته، وُخْر جه، وبیان صحّتهوضعفٍ مخر جه.وحيث
كرّر المصنّفُ الحديث اكتفى بذكره في أول مرة، وربما أعاد لغرض من الأغراض.
ثم أتى تلميذه الحافظُ شهاب الدين ابن حجر العسقلانى فاستدرك عليه
مافاته في مجلّد. وصنّف الشيخ قاسم بن قُطْلوبُنا الحنفي كتاباً سماه: ((تحفة