النص المفهرس

صفحات 81-100

٨٠
صرَّح به العيني في ((البناية)) في بحث البسملة (١).
وأما تصانيف الحاكم: فقال الزيلعي في ((تخريج أحاديث
الهداية))(٢): قال ابن دحية في كتابه ((العَلَم المشهور))(٣). يجبُ على
أهل الحديث أن تحفّظوا من قول الحاكم، فانه كثير الغلط ظاهر السَّقَط،
وقدغَفَل عن ذلك كثيرٌ ممن جاء بعده وقلَّده في ذلك . انتهى .
وقال العيني في ((البناءة))(٤): قد عُرفَ تساهلُه وتصحيحُهُ
الأحاديث الضعيفة بل الموضوعة انتهي (٥).
(١): (٦٢٨/١). وقال الحافظ الذهبي في رسالته: ((الرواة الثقات المتكلّم
فيهم بمالا يوجب ردَّم)): (ص ١١): ((أحمدُ بن علي بن ثابت الحافظ أبو بكر
الخطيب: تكلّم فيه بعضُهم. وهو وأبو ثُمَيم وكثيرٌ من العلماء المتأخرين لا أعلم
لهم ذنباً أكبرَ من روايتهم الأحاديث الموضوعة في تآليفهم غير محذّرين منها !!
وهذا إثم وجناية على السُّنن !! فالله يعفو عنا وعنهم)). وقال الشيخ ابن تيمية في
((الردّ على البكري)) (ص ١٩): ((وأبو نعيم يروي في ((الحلية)) في فضائل الصحابة
وفي الزهد أحاديثَ غرائب يعلم أنها موضوعة ، وكذلك الخطيبُ وابنُ الجوزي
وابنُ عساكر وابنُ ناصر وأمثالهم».
(٢) هو المسمَّى: ((نصب الراية)): (٣٤٢/٠).
(٣) وقع في الأصل (المعلم ... ). وهو تحريف. واسم الكتاب بتمامه:((العلم
المشهور في فضائل الأيام والشهور)).
(٤) : (٦٢٧/١) .
(٥) قلتُ وقد أفصح الامام الزيلمي في كتابه النافع الجامع العظيم ((نصب الراية)):
(٣٤١/١ - ٣٤٢) عن وجه تساهل الحاكم، وقال كلاماً جامعاً ينطبق على صنيع.
كل من شابهَه وَوَقَعَ في مثل خطئه وما أكثرهم؟! وأنا ناقلُهُ لك بطوله =

٨١
ەر%
= لنفاسته واستيفائه .
قال رحمه الله تعالى: (( صاحبا الصحیح)) إذا أخرجا لمن تُكلم فيه ،فانها
ينتقيان من حديثه ما "توبيعَ عليه، وظهرتْ شواهده، وعُلِيمَ أنّ له أصلا . ولا
يرويان ماتفرّد به، سيًّا إذا خالفه الثقات، كما أخرج مسلم لأبي أو يس حديث:
((قسمتُ الصلاة بيني وبين عبدي ... ))، لأنه لم يتفرّد به، بل رواه غيره من
الأثبات كمالك ، وشعبة ، وابن عيينة ، فصار حديثه متابعة" .
وهذه العلّة راجتْ على كثيرٍ ممن استدرك على ((الصحيحين)) فتساهلوا
في استدراكهم. ومن أكثرهم تساهلا: الحاكمُ أبو عبدالله في كتابه (المستدرك)،
فانه يقول: ((هذا حديث على شرط الشيخين أو أحدهما)). وفيه هذه العلّة، إذ
لا يلزم من كون الراوي محتجًاً به في ((الصحيح)»: أنه اذا وجدَ في أيحديث
كان ذلك الحديث علی شرطه ، لما بيناه .
بل الحاكم كثيراً ما يجيء إلى حديثٍ لم يُخرَّج لغالب رواته في ((الصحيح))
كحديث عكرمة عن ابن عباس ، فيقول فيه : هذا حديث على شرط البخاري ،
يعني لكون البخاري أخرج لمكرمة . وهذا أيضاً تساهل .
وكثيراً ما يخرج حديثاً بعضُ رجاله البخاري وبعضُهم لمسلم، فيقول:
هذا على شرط الشيخين . وهذا أيضاً تساهل .
وربما جاء إلى حديث فيه رجلٌ قد أخرج له صاحبا ((الصحيح)) عن
شيخٍ معيَّن لضبطه حديثَهُ وخصوصيته به، ولم يخرجا حديثه عن غيره لضعفه
فيه ، أو لعدم ضبطه حديثه ، أو لكونه غير مشهور بالرواية عنه ، أو لغير ذلك ،
فيُخرجه هو عن غير ذلك الشيخ ، ثم يقول: هذا على شرط الشيخين أو البخاري
أو مسلم. وهذا أيضاً تساهل، لأن صاحبي ((الصحيح) لم يحتجًا به إلا في شيخ.
معين ، لا في غيره ، فلا يكون على شرطهما . وهذا كما أخرج البخاري ومسلم
حديث خالد بن مخلد القتطواني عن سليمان بن بلال، وغيره ، ولم يخرجا حديثه=

٨٢
وقال السيوطي في رسالة (( التعقبات على ابن الجوزي))(١): قال
شيخ الاسلام ابن حجر: تساهُلُه وتساهُلُ الحاكم في ((المستدرك))
أعدمَ النفع بكتابها (٢)، إِذ مامن حديث فيها إلا ويمكن أنه مما
وقع فيه التساهل ، فلذلك وَجَب على الناقد (٣) الاعتناء بما ينقله منها
من غير تقليد لهما . انتهى (٤).
= عن عبد الله بن المثنَى، فان ◌َ خالداً غير معروفٍ بالرواية عن ابن المثنى، فاذا
قال قائل في حديث يرويه خالد بن مخلد عن ابن المثنى : هذا على شرط البخارى
ومسلم كان متساهلاً .
وكثير أما يجيء إلى حديث فيه رجلٌ ضعيف أو مثَّهمٌ بالكذب، وغالبُ
رجاله رجال الصحيح، فيقول: هذا على شرط الشيخين أو البخاري أو مسلم .
وهذا أيضا تساهل فاحش! ومن تأمَّلَ كتابه: ((المستدرك)) تبيَّنَ له ماذكرناه)).
(١): (ص ١) من طبعة المطبع العلوي في لكنو.
(٢) أي لغير أهل العلم بالصناعة، كما قيده السخاوي في ((الاعلان بالتوبيخ
من ذم أهل التوريخ)): (ص ٦١) فقال: ((ممن تعطَّلَ - لغير العارف - الانتفاعُ
بتصانيفهم جماعة" كالحاكم، فانه تساهَلَ في ((مستدركه)) حتى أدرج فيه الموضوع
فضلاً عن الضعيف)).
(٣) هكذا جاء في الأصل وفي ((التعقبات)) من طعة المطبع المحمدي في
لاهور (ص ٢). وجاء في طبعة المطبع العلوي: ( الناقل) . وهو تحريف .
(٤) ونصَّ الحافظُ ابن حجر أيضا على تساهل الحاكم في ( أجوبته) عن
أحاديث وقعت في ((مصابيح السنة)) ووُصِفَتْ بالوضع، نُشرت تلك الأجوبة في
آخر («مشكاة المصابيح)) من طبعة دمشق (٣١٣/٣) فقال رحمه الله تعالى: ((والحاكم
مشهور بالتساهل في التصحيح ، وابن الجوزي مشهور بالتساهل في دعوى الوضع)).

٨٣
وفي ((طبقات الشافعية)) لتقي الدين ابن شُهْبة: قال الذهبي: في
((المستدرك)) جملةٌ وافرةٌ على شرطهما، وجملةٌ وافرةُ على شرط أحدهما،
وجموعُ ذلك نحوُ نصف الكتاب، وفيه نحوُ الربع مما صحّ سندُه
وفيه بعضُ الشيء معلَّل، وما بقي منا كيرُ وواهياتٌ لا تصحَ، وفي
ذلك بعضُ موضوعات، قد أعلمتُ عليها لما اختصرته. انتهى(١).
(١) توجد عبارة الذهبي هذه من أوّلها إلى لفظ (موضوعات) في ((تدريب
الراوي)): (ص ٥٢). وقال الذهبي في ترجمة الحاكم في ((تذكرة الحفاظ)):
(ص ١٠٤٢ و ١٠٤٥): ((لاريب أن في ((المستدرك)) أحاديث كثيرة ليست على
شرط الصحة، بل فيه أحاديث موضوعةشان ((المستدرك)) بإخراجها فيه ، وليته
لم يصنّف ((المستدرك))؟! فانه غضَّ من فضائله بسوء تصرّفه)).
وقال السيوطي في ((التدريب)) أيضاً: ( ص ٥٢): ((لَخَّصّ الذهيُ
((مستدرك الحاكم))، وتعقّب كثيراً منه بالضعف والنكارة، وجمع جزءاً فيه
الأحاديث التي فيه وهي موضوعة، فذكر" نحو مئة حديث)).
وقال شيخنا الكوثري رحمه الله تعالى في ((المقالات)): (ص ٤٠): «قال
الذهبي عن الحاكم: صدوق لكنه يُصححُ في ((مستدركه)) أحاديثَ ساقطة،
فيكثر من ذلك، فما أدري هل خفيَّتْ عليه؟ فما هو ممَّن يجهل ذلك. وإن عَلِيمَ"
فهو خيّانة عظيمة. وَحمّلَ ذلك ابنُ حجر على حصول تغيرٍ وغفلةٍ له في آخر
عمره أثناء تأليفه ((المستدرك)).
وقال الحافظ أبو بكر الخطيب في ((تاريخ بغداد)) في ترجمة الحاكم:
(٤٧٤/٥): ((وكان الحاكم يميل إلى التشيع، فحدثني أبو إسحاق إبراهيم بن محمد
الأُرمَوي بنيسابور وكان شيخاً صالحاً فاضلاً عالما، قال: جَمَع الحاكم أبو عبد الله
أحاديثَ زَعَم أنها صحاحٌ على شرط البخاري ومسلم ، يَازَمُها إخراجُها في =

٨٤
=(صحيحيها)، منها ((حديث" الطير))، وحديثُ(من كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه).
فأنكَر" عليه أصحابُ الحديث ذلك، ولم يلتفتوا إلى قوله ، ولا صوَّبوه في فعله)).
وقال الحافظ ابن طاهر المقدسي والحافظ ابن حجر العسقلانى: ((الحاكم
شيعي مشهور)). كما في خاتمة ((المستدرك)): (٦١٤/٤).
قال الحافظ الذهبي في ((تلخيص المستدرك)) عند رواية الحاكم لحديث
الطير: (١٣٠/٣-١٣١): ((ولقد كنتُ زماناً طويلا أظن أنّ حديث الطير لم
يَجْشُر الحاكم أن يودعه في ((مستدركه))، فلما علَّقتُ هذا الكتاب رأيتُ الهَوْلَ
من الموضوعات التي فيه! فإذا حديثُ الطير بالنسبة إليها: سَمَاء)).
وقال إمامُ العصر الشيخ محمد أنور الكشميري رحمه الله تعالی - کما في
مقدمة كتابه: ((فيض الباري على صحيح البخاري)): (٣٦/١): ((وقال بعضُهم:
ليس في ((المستدرك)) حديث صحيح! وتوهَّم بعضُهم أنّ فيه إلحاقاًمن الروافض،
والأمرُالذي هو بَيْنَ الأمرين ما صَرَّحَ به الذهيُّ: أنَّ نصفه صيحاحٌ
وحسان ، والمائتان أو أزيدٌ منه ممالا ينبغي عليه العمل، والباقي يشتمل على
الضعاف والموضوعات أيضاً ».
ثم قال الامام الكشميري بَعْدَ هذا: ((ولا أدري ماوقع للحافظ الحاكم
وأيّ أمرٍ دعاه إلى وضعِ الموصوعات في كتابه؟ وكيف ساغ له ذلك ؟! وقد
اعتذر عنه الناسُ وذكروا في التفصي عنه وجوهاً لا ترجع إلى كثيرٍ طائل.
ثم اعلم أني أرى فيه أحاديثَ في أسانيدها رجالُ البخاري من أعلاها،
والوضّاءون والكذّابون من طرفٍ آخر، ومع ذلك يحْكُم عليها الحاكمُ أنها
على شرطه! ثم ظَهَر لي أنَّ حكمه هذا ينسحبُ على قطعةٍ دون قطعة ، فكأنه
اصطلاحٌ جديدٌ منه؟ وإلا فالظاهرُ أن يحكم باعتبار مجموع الاسناد لا باعتبار
طَرَفٍ منه)). انتهى كلام إمام العصر.
قال عبد الفتاح: وقد أغضَبَ صَنِيعُ الحاكم هذا الحافظ الذهبيَّ في =

٨٥
وفي ((مقدمة ابن الصلاح)) (١): هو - أي الحاكمُ - واسعُ
الخَطْو في شرط الصحيح، متساهلٌ في القضاء به، فما حَكَم
بصحته، ولم نجد ذلك لغيره من الأمة إن لم يكن من قَبِيل الصحيح
فهو من قَبيل الحسن، يُحتجُ به ويُعمل به (٢)، إِلا أن تظهر فيه علَّة
توجب ضعفه .انھی.
وسبعه النووي حيث قال في ((التقريب))(٣): فما صحَّحه ولم نجد
فيه لغيره تصحيحاً ولا تضعيفاً حَكَمنا بأنه حَسَنٌ إِلا أن يظهر فيه
علّة توجب ضَعْفَه. قال السيوطي في ((التدريب))(٤): قولُه: فما
صحَّحه احترازُ مما وُجدَ في الكتاب ولم يُصرّح بتصحيحه فلا
يُعتمَدُ عليه. انتهى .
لكن تعقَّبَ ابنَ الصلاح البدرُ بنُ جماعة فقال في ((مختصره»:
الصوابُ أنْ يتَبَّع وُيحكم عليه بما يليق من الحُسن أو الصحة أو
= ((تلخيص المستدرك)) غَضَبَاتٍ كثيرةً اضطرّته إلى اشتداد اللهجة والقسوة
على الحاكم، وأن يُقْسِمَ عند بعضِ الأحاديث باللّهِ وقالله إنها لموضوعة، وإليك
أرقامَ بعضِ تلك الأماكن من ((المستدرك)) و((تلخيصِه)): (٢٣٤/١) و(٣١٥/٢
و ٦١٧)، و (١٢٦/٣ و ١٢٧ و١٢٩ و ١٥٣ و ١٦٠).
(١): (ص ١٨).
(٢) لفظ (به) زيادة من ((المقدمة)).
(٣): (ص ٥٢) بشرح ((التدريب)) للسيوطي.
(٤) : (ص ٥٣) .

٨٦
الضعف. وتَبِعَهُ في هذا التعقُّب شُرَّاحُ ((الألفية)»: العراقي
والأنصاري والسخاوي ، وقالوا: إِنما قال ابنُ الصلاح ماقال بناء على
رأيه أنه ليس لأحد أن يُصححَ في هذه الأعصار حديثاً .
وذَكَرَ ابن الصلاحِ(١): أنَّ ((صحيح ابن حبان)) يقاربه - أي
((مستدرك الحاكم)) في التساهُل. لكن نَقَل العراقي(٣) عن الحازمي
أنه قال: انُ حبَّان أمكَنُ في الحديث من الحاكم. انهى.
وقال السيوطي في ((التدريب))(٣): قيل ما ذُكِرَ مِن تساهُل
ابن حِبَّان ليس بصحيح ، فاشتُه أن يُسمّي الحَسَن صحيحاً ، فان
كانت (٤) نسبته إلى التساهل باعتبار وجدان الحَسَن في كتابه فهي
مُشاحَّة في الاصطلاح، وإِن كانت(٤) باعتبار خفَّة شروطه فانه يخرج
في الصحيح ما كان راويه ثقةً غيرَ مدلِس سمِع من شيخه وَسَمِع
منه الآخذُ عنه، ولا يكون هناك إِرسالٌ ولا انقطاع. وإذا لم يكن
في الراوى جرْحٌ ولا تعديل ، وكان كلٌّ من شيخه والراوي عنه
(١) في ((المقدمة)): (ص ١٨).
(٢) في ((شرح الألفية)): (٦٥/١).
(٣): (ص ٥٣).
(٤) في الأصل: (كان). وفي ((التدريب)): ( كانت). فآثرتها.

٨٧
ثقةً ولم يأت بحديث منكر فهو عنده ثقة، وفي كتاب ((الثقات))
له كثيرٌ مَّنْ هذا حالُه، ولأجلِ هذا ربْما اعترَضَ عليه فِي جَعْلِهِم
ثقاتٍ مَنْ لم يَعرِفِ حاله (١) ولا اعتراضَ عليه(٢)، فانَّه لا مُشاحَّة
في ذلك. وهذا دون شرط الحاكم، فالحاصلُ أنَّ ان حبَّان وَفَّى
بالتزام شروطه ولم یوف الحا کم. انهى .
ومما يدلُّ على كون ابن حبَّان أشدَّ تحريً من الحاكم ما نقله
السيوطي في ((اللآلى المصنوعة)) (٣) عن ((تخريج أحاديث الرافعي))
للزركشي: أنَّ تصحيح الضياء المقدسى صاحب ((المختارة)) أعلى
مر سبه من تصحيح الحاكم، وأنه قريبٌ من تصحيح الترمذي وان
حِيَّان . انتهى. (٤)
(١) وقع في الأصل: (من لا يعرف عليه). والتصويب عن ((التدريب)).
(٢) هكذا في ((التدريب)). وفي الأصل: ( فلا اعتراض عليه ).
(٣): (٢٦/١).
(٤) وقال العلامة الآلوسي في تفسيره: ((روح المعاني)) عند قوله تعالى في سورة
النور: ((حتى تستأنسوا)): (٤٦/٦): ((كتابُ الأحاديث المختارة للضياء المقدسي
كتابٌ معتبر، فقد قل السخاوي في ((فتح المغيث)) في تقسيم أهل المسانيد: ومنهم
من يقتصر على الصالح الحُجّة كالضياء في ((مختارته)). والسيوطيُّ بَعْدَ ما عَدَّ
في ديباجة ((جمع الجوامع، الكتب الخمسة، وهى: ((صحيح البخاري))، و((صحيح
مسلم))، و((صحيح ابن حبان))، و((المستدرك))، و((المختارة)) للضياء ، قال:
وجميعُ مافي هذه الكتب الخمسة صحيح. ونَقَلَ الحافظُ ابن رجب في ((طبقات
الحنابلة)) عن بعض الأثمة أنه قال: ((المختارة)) خيرٌ من ((صحيح الحاكم)).
وسيأتي في أواخر جواب السؤال الثالث تتمةُ الكلام على كتاب ((المختارة ) فانظره.

٨٨
وذَكَرَ النووي في ((شرح المهذَّبِ)) اتفق الحُفَّاظ على أنّ
البيهقي أيضاً أشد تحريماً من الحاكم(١). انتهى.
وذَكَرَ ابنُ الصلاح(٢): كتبُ المسانيد غيرُ ماتحفة د((الكتب
الخمسة)) التي هي: ((الصحيحان))، و(( سنن أبي داود))، و ((سنن النَّسائي
و (جامع الترمذي)) وماجرى مجراها في الاحتجاج بها والركون
إلى ما يورد فيها (٣) - كـ ((مسند أبي داود الطيالسي))، و(( مسند
عُرِيد الله بن موسى))، و((مسند أحمد))، و ((مسند إِسحاق بن
راهويه))، و ((مسند عَبْد بن حُمَيد))، و((مسند الدارمي))،
و ((مسند أبي يَعْلى الموصلي))، و ((مسند الحسن بن سفيان))، و «مسند
البزَّار))، وأشباهها(٤). فهذه عادتهم فيها: أن يخرجوا في مسند
(١) هذا النصّ ذكره السيوطي فى ((التدريب)): (ص ٥٢).
(٢) في ((المقدمة)): (ص ٤١).
(٣) هكذا في ((المقدمة)). ووقع في الأصل: ( الى ماهو فيها) .
(٤) مثل تصانيف ابن أبي شيبة كـ ((المسند) و((المصنف)) ولم يتعرض المؤلف
اللكنوي رحمه الله تعالى لبيان حال مؤلفات ابن أبيشيبة مع ورود اسمه في السؤال:
اكتفاء بهذه اللمحة العامة التي نقلها عن ابن الصلاح. وكلُّ مَنْ وقف من أهل
الصناعة على ((مصنَّف ابن أبي شيبة)) علم أن فيه الصحيح والضعيف.
قال الحافظ ابن حجر في ((هدي الساري مقدمة فتح الباري)): ( ٤/١ ) :
رأى بعضُ الأئمة أن يُفرَّد حديثُ النبي صَّ الّ خاصة، وذلك على رأس المأتين
فصنَّف عُبيد الله بن موسى العَبْي الكوفي ((مسنداً))، وصثَّف مُسدّد بن
مُرْ هَد البصري ((مسندا)، وصنَّف أسد بن موسى الأموي ((مسندا))، وصنّف
نعيم بن حمّاد الخزاعي نزيل مصر ((مسندا)).
=

٨٩
= ثم اقتفى الأئمة بعد ذلك أثرهم، فقلّ إمامٌ من الحُفَّاظ إلا وصنّفَ
حديثه على المسانيد، كالامام أحمد ، وإسحاق بن راهويه ، وعثمان بن أبي شيبة ،
وغيرهم من النبلاء .
ومنهم من صنّفَ على الأبواب والمسانيد معاً كأبي بكر بن أبي شيبة . فلما
رأى البخاري هذه التصانيف وجَدّها جامعةً بين ما يدخل تحت التصحيح
والتحسين، والكثير منها يشمله التضعيف فلا يقال لغئه: سمين، حَرَّكَ
حِمَّته لجمع الحديث الصحيح الذي لا يرتاب فيه أمين)).
وقال العلامة علي القاري في مقدمة كتابه: ((المرقاة شرح المشكاة)) (٢١/١):
((وبالجملة فالسبيلٌ واحدٌ لمن أراد الاحتجاج بحديثٍ من ((السنن))، لاسيمادسنن
ابن ماجه)) و((مصنَّف ابن أبي شيبة)) و((عبدالرزاق)) مما الأمر" فيه أشد"، أو بحديث
من ((المسانيد)) لأن هذه كلها لم يَشْترط جامعوها الصحة والحُسْن.
وتلك السبيلُ: أن المحتجّ إن كان أهلا للنقل والتصحيح فليس له أن
يحتجًّ شيء من القسمين حتى يحيط به ، وإن لم يكن أهلاً لذلك فان وَجَدَ أهلاً
لتصحيح أو تحسينٍ قَّدهُ، وإلا فلا يُقْدمُ على الاحتجاج فيكون كحاطب ليل!
فلعله يحتجُ بالباطل وهو لا يشعر؟!)).
وقال الشيخ وليّ اللّه الدهلوي رحمه الله تعالى في كتابه: ((حُجَّة الله
البالغة)): (١٠٧/١) وقد عدّدَ طبقاتٍ كتب الحديث إلى خمس طبقات، فجعَلَ
الطبقة الأولى لكتاب ((الموطأ)) و((الصحیحین )). والثانية لـ « سنن أبي داود ))
و ((سنن الترمذي)» و«سنن النسائي)).
ثم قال: ((والطبقة الثالثة: مسانيد، وجوامع، ومصنَّفات . صُنِّفت قبل
البخاري ومسلم ، وفي زمانهما وبعدهما. جمعت بين الصحيح والحسن، والضعيف
والمعروف، والغريب ، والشاذ، والمنكر ، والخطأ والصواب ، والثابت
والمقلوب. ولم تشتهر في العلماء ذلك الاشتهار ، کـ« مسند أبي یعلی » و «مصنّف
عبد الرازق))، و((مصنَّف أبي بكر بن أبي شيبة))، و((مسند عبد بن حميد)))=

= و((مسند الطيالسي))، وكُب البيهقي والطحاوي والطبراني.
وكان قصدُم جمعَ ماوجدوه لا تلخيصه وتهذيبّه وتقريبه من العمل.
ولم يتداول الفقهاء ما تفرّدت به كثيرً تداول. ولم يفحص المحدثون عن
صحتها وسقمها كثيرَ فحص. ولم يخدمه لغوي* بشرح غريب، ولا فقيهٌ بتطبيقه
بمذاهب السلف. ولا محدّثُ ببيان مشكله، ولا مؤرّخ بذكر أسماءِ رجاله.
ولا أريد المتأخرين المتعمقين ، وإنما كلامي في الأئمة المتقدمين من أهل الحديث.
فهى باقية على استتارها واختفائها وخمولها ، فلا يُباشِرُها للعملِ عليها والقول بها
إلا النحاريرُ الجهابذة الذين يحفظون أسماءَ الرجال وعِلِلَ الأحاديث. نعم ربما
يؤخذ منها المتابعات والشواهد ، وقد جعل الله لكل شيء قدرا)).
قال عبد الفتاح: وعندي نظرٌ طويلٌ جداً في عد الشيخ ( كتب البيهقي
والطحاوي ) من هذه الطبقة الثالثة مع تعميميه الحكم على كتبها، وخاصة
الطحاوي فانه مشهودٌ له بالامامة والتبريز في العلم ونقدِ الرجال مع النزاهة والتجرد.
وقال الشيخُ عبد العزيز الدهلويُ نجلُ الشيخ وليّ اللّه في «العجالة
النافعة)): ((ورجالُ هذه الكتب - كتب الطبقة الثالثة - موصوفون بالعدالة، وبعضُهم
مستورون ، وبعضُهم مجهولُ الحال، ولهذا لم يكن أكثرُ أحاديث هذه الكتب
معمولاً بها عند الفقهاء ، بل انتقد الاجماع على خلافها. وبين هذه الكتب
أيضاً تفاوتُ وتفاضُل، بعضُها أقوى من بعض، ومنها: ((مسندُ الشافعي))
و(سُكْنُ ابن ماجه))، و((مسندُ الدَّارمي))، و((سُننُ الدار قطني،» و((صحيح
ابن حيَّان» و «مستدرك الحاكم)). انتهى. كمانَقَلَهُ عنه وعرَّبَهُ صديق حسن
خان في ((الحِطَّة بذكر الصِّحاح السنّة)): (ص ٥٦) .
قال عبد الفتاح: دَعْوَى الشيخ عبد العزيز رحمه الله تعالى: ( أنّ أكثر
هذه الكتب لم يكن معمولاً بها عند الفقهاء، وأنَّ الاجماعَ انعقَدَ على خلافِها )
دَعْوَى باطلةُ مردودةُ لا تحتاجُ إلى بيان. وقد رأيتُ لعلامة المتأخرين المحدِّن=

١.
كل صحابي مارووه من حديثه غيرَ مُتقيدين بأن يكون حديثاً محتجًاً
به . انتهى(١).
= الفقيه الشيخ محمد حَسن السَّنْبَهْلي الهندي المتوفى سنة ١٣٠٥ في فاتحة كتابه
العظيم: ((تنسيق النظام في ترتيب مسند الإمام)) أي الامام أبي حنيفة (ص ٦)
كلاماً جيداً جداً انتقد فيه كلام الشيخ عبد العزيز ووالده رحمهم الله تعالى
وإيانا ، وساق فيه أنظاراً حسنة فراجعه لزاماً .
(١) تمام عبارة ابن الصلاح: ((فلهذا تأخرتْ مرتبتها - وإنْ جلَّتْ لجلالة
مؤلتفيها - عن مرتبة ((الكتب الخمسة)) وما التحق بها من الكتب المصنَّفة على
الأبواب)).
وهذا الذي قاله ابن الصلاح في عادة أصحاب ((المسانيد)): هو شأن*
المتقدّمين من المحدّثين والمفسرين والمؤرّخين، فقد جرتْ عادتهم أن يُوردوا كلّ
ما في الباب من الأحاديث والأخبار ، ولو كان غير صحيح الإسناد، أو كان
إسنادُ، باطلاً يعلمون بطلانه، اتكالاً منهم على ذكر سَنّده، فانَّ ذكر السنّد
يُبرىء الذمَّة من المؤاخذة في إيراده، إذ قد كان (علمٌ الاسناد ) يعيش فيهم على
أتم وجه.
وما أحسن ماقاله الأستاذ السيد محب الدين الخطيب في كلمة له في (مجلة
الأزهر » في المجلد ٢٤ (ص ٢١٤) عنوانُها: ((المراجعُ الأولى في تاريخنا)).
وبدأ فيها بالحديث عن كتاب (تاريخ الأمم والملوك)) للامام المحدّث المفسّر المؤرْخ
ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى فقال:
((إِن مَثَلَ الطبري ومَنْ في طبقته من العلماء الثقات المثبتين - في إيراده
الأخبار الضعيفة - كمَثَلِ رجال النيابة - القضاء - الآن إذا أرادوا أن يبحثوا
في قضية فانهم يَجْمَعون كلّ ما تصِلُ إليه أيديهم من الأدلة والشواهد المتصلة
بها: مع علمهم بتفاهة بعضيها أو ضعْفه، اعتماداً منهم على أنّ كل شيء سيُقدَرُ =

٢
= قدْره.
وهكذا الطبريء وكبارُ حَمّلة الأخبار من سَلَقنا، كانوا لا يُفرّطون في
خبرٍ مهما علموا من ضَعْفٍ ناقلة خشية أن يفوتهم باحماله شيء من العلم ولو من
بعضٍ النواحي، إلا أنهم يُوردون كلٌّ خبر معزوً إلى راويه، ليَعْرفَ القارى)
قوةً الخبر من كون رواته ثقات، أو ضعفَهُ من كون رواته لا يُوثَقُ بهم،
وبذلك يَرَون أنهم أدَّوا الأمانة، ووَضَعوا بين أيدى القُرّاء كلّ ما وصلَتْ
إليه أيديهم .
قال الحافظ ابن حجر في ترجمة الطبراني - سليمان بن أحمد - من ((لسان
الميزان)): إنَّ الحُفَّاظ الأقدمين يعتمدون في روايتهم الأحاديث الموضوعة - مع
سكوتهم عنها - على ذكرهم الأسانيد، لاعتقادهم أنهم متى أوردوا الحديث باسناده
فقد برئوا من عُهدته، وأسندوا أمرَهُ إلى النظر في إسناده.
ومن فوائد إيراد الحادث الواحد بأخبار من طرق شتى وإن كانت
ضعيفةً: قولُ شيخ الإسلام ابن تيمية في ((مقدمة في أصول التفسير)): (ص ٣٠):
إنّ تعدّدَ الشرق مع عدم التشاعر أو الاتفاق في العادة: يُوجب العلمّ بمضمون
المنقول - أي بالقدر المشترك في أصل الخبر - لكن هذا يُنْتَفَعُ به كثيراً في علم
أحوال الناقلين - أي تزعاتهم والجهة التي يحتمل أن يَتعصَّب لها بعضُهم - وفي
مثلِ هذا يُنتَفَعُ برواية المجهولِ والسيىء الحفظ، وبالحديث المرسل ونحوٍ
ذلك. ولهذا كان أهلُ العلم يكتبون مثلَ هذه الأحاديث ويقولون: إنه يَصْلُح
للشواهد والاعتبار مالا يتصلُح لغيره، قال أحمد: قد أكتبُ حديثَ الرجل
لأعتبره )).
قال عبد الفتاح: وقال شيخنا الامام الكوثري رحمه الله تعالى في كتابه:
((المقالات)): (ص ٣١٢ و ٤٦١): وأما المحدثون والمفتّرون الذين ذكروه - أي
الحديثَ الموضوع - وسكتوا عليه، فلا يدلُ صنيعُهم هذا على صحَّته عندمِ أصلاً
لأنّ السلف كانوا يعتقدون براءة ذمتهم من عهدة الخبرِ الباطلِ إذا ذكروه =

٩٣
وفي (التدريب))(١): صرَّح الخطيبُ وغيرُهُ بأن (الموطأ)) مقدم
على كل كتاب من الجوامع والمساير، فعلى هذا هو بَعْدَ ((صحيح الحاكم)).
وأمَّ انُ حزم فقال: أُولى الكُتُب: ((الصحيحان)).
ثم ((صحيحُ سعيد بن السكن))، و ((المنتقى)) لابن الجارود
وقاسم بن أصبغ (٧).
ثم بعد هذه الكتب: ((كتابُ أبي داود))، و((كتابُ النَّسائى)»،
و ((مصنَّفُ قاسم بن أصبغ ))، و ((مصنَّفُ الطحاوي))، ومسانيدُ
أحمد، والنزَّارِ، وابنيْ أبي شيبة: أبي بكر، وعثمان، وابن راهويه،
= بسَنُده، لما في السّنّد من بيان البطلان، كما تجدُ تفصيلَ ذلك في شرح
.السخاوي على ((ألفية المصطلح)): (ص ١٠٦). ومن يزعُمُ خلافَ ذلك، فقد
جَهِلَ ما هنالك وقَوْلَ تقويلٍ كلّ آفك!
وابنُ جرير الطبري على جلالة قدره في الحديث والتفسير والفقه والتاريخ
لم يتضْمنْ أصلاً صحة ما أورده في (( تاريخه ))، بل قال في فاتحته: (٥/١): « فما
كان في كتابي هذا مما يستنكره قارئه، أو يَستشنعه سامعه، من أجلٍ أنه لم
يَعْرف له وجهاً في الصحة، ولا معنى في الحقيقة، فليَمْلم أنه لم يُؤتَ ذلك مِن
قبلنا، وإنما أُتي مِن قِبَل بعضٍ ناقليه إلينا، وإنما أدَّينا ذلك على نحوٍ ما الدّي
إلينا)). وقال هناك أيضا (٤/١): «إذ لم نَقْصِد بكتابنا هذا قصدَ الاحتجاج)).
(١): (ص ٥٤) .
(٢) أي و ((المنتقى)) لقاسم بن أصبغ.

٩٤
والطيالسي،والحسنِ بن سفيان، والمُسنّدي(١)، وابن سَنْجَر، وعلي بن
المديني، وابن أبي غَرَزَة (٣)وماجرى مجراها ، التي أُفردَت لكلام(٣)
رسول الله ﴿﴾ .
ثم ما كان فيه الصحيحُ فهو أجلّ ، مثلُ ((مصنَّفٍ عبدالرزاق»،
و ((مصنَّفِ ابن أبي شيبة)) وبَقيّ بنَ مَخْلَد وكتاب محمد بن نصر
المَرْوَزي وابن المنذر.
تم ((مصنَّفُ)) حَمَّد بن سَلَمة، وسعيد بن منصور، ووكيع
و ((موطأ مالك)) (٤)، و((موطأ ابن أبي ذئب))، و((موطأ)) ابن
وهب، و ((مسائلٍ)) ابن حنبل، وفقه أبي ثور. انتهى ملخصاً (٥)
(١) لفظ (والمسندي) زيادة من ((التدريب)).
(٢) لفظ (وابن أبي غر زة) زيادة من ((التدريب)). و(غَرَزَة ) بالغين
المعجمة ثم الراء المهملة ثم الزاي المنقوطة مفتوحات، كما في ((تاج العروس))
في (غرز). ووقع في طبعتي ((تدريب الراوي)) محرفاً إلى ( عزرة ) !
(٣) هكذا في ((التدريب). ووقع في الأصل: ( بكلام).
(٤) سيأتي بعد أسطر قليلة ذكر استدراك الذهبي على ابن حزم في شأن ترتيب
((الموطأ)) في هذه المرتبة الأخيرة.
(٥) كلام ابن حزم هذا قاله في كتابه: ((مراتب الديانة)، كما عزاه السيوطي إليه
في ((التدريب)). وقد أورده الذهبي في ((تذكرة الحفاظ)) (ص ١١٥٣)، وفي
((سير أعلام النبلاء)) كما سيذكره المؤلف بعد أسطر قليلة.

ثم نقل السيوطي (١) عنه (٣) أنه قال: في (الموطأ) نيّفٌ
وسبعون حديثاً قدَ بَرَك مالكٌ نفسُهُ العَمَلَ بها، وفيه أحاديثُ
ضعيفة . انتهى .
ونَقلَ الذهبي في (سير النبلاء)) عن ابن حزم نحوَ مامَرّ
وقال: ما أنصفَ ابنُ حزم، بل ربةُ ((الموطأ)) أنُذكَر تلوَ
((الصحيحين)) مع ((سنن أبي داود))، لكنه أدَّبَ وقدَّم المُسنَدات
النبوية الصرْفة. وماذكَرَ(٣) ((سننَ ابن ماجه)) ولا ((جامعَ أبي
عيسى))، فانه مارآهما، ولا دَخَلا إلى الأندلس إلا بعدموته. انتهى.
وذكر الزُرْ قاني في ((شرح الموطأ)(٤) عن السيوطي أن «الموطأ))
صحيحٌ كلُّه على شرط مالك .
وقال الذهبي في ((سِيَر النبلاء)): فيه - أي ((ُسندٍ أَحمد)) .
جملةٌ من الأحاديث الضعيفة، مما يَسوغُ نقلُها ولا يجبُ الاحتجاجُ
بها، وفيه أحاديثُ معدودةٌ شبيهُ موضوعة، لكنها قطرة في بحر(٥).
(١) أي في ((التدريب)): (ص ٥٤).
(٢) أي عن ابن حزم.
(٣) أي ابنُ حزم .
(٤) : (٩/١)
(٥) قال شيخنا الامام الكوثري رحمه الله تعالى في تعليقه على ((خصائص المسند))
لأبي موسى المدني: (ص ١٢): ((وجملةُ مانظمه ابن الجوزي من أحاديث («المسند» في
سلك الموضوعات: ثمانية وثلاثون حديثا، وإن تُعقّب جُلْها. وأما الأحاديث الضعيفة
في ((المسند)) فكثيرةٌ ولا كلام. وجزء العراقي وتعقب ابن حجر عليه شذرة من
الأخذ والردّ في ذلك)).

٩٦
وقال ابنُ تيمية في ((منهاج السُّنَّة)) (١) صنّف أحمد كتاباً في
فضائل الصحابة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وغير مٍ(٢)، وقد رَوَى(٣)
في هذا الكتاب ماليس في (( مسنده))، وليس كلُ ما رواه أحمد في
((المسند)) وغيره يكون حُجَّةً عنده، بل يروي ما رواه أهل
(٤)
العلم (٤).
وشرطُه في ((المسند)): أن لايروي عن المعروف (٥) بالكذب
عنده، وإِن كان في ذلك ما هو ضعيف. وشَرْطُهُ في ((المسند))
(١) : (٢٧/٤) .
(٢) لفظ (وغيرهم) غير موجود في ((منهاج السنة)) المطبوع.
(٣) في ((منهاج السنة)): (وقد يروي).
(٤) وقال الشيخ ابن تيمية أيضاً في ((منهاج السنة)): (١٥/٤): وقد يروي
الامام أحمد وإسحاق وغيرهما أحاديثَ تكون ضعيفةً عندم لاتهام رواتها بسوء
الحفظ ونحو ذلك، ليُعتَبرَ بها، ويُستشهد بها، فانه قد يكون لذلك الحديث ما
يشهد له أنه محفوظ، وقد يكون له ما تشهد بأنه خطأ، وقد يكون صاحبُها كذابا
في الباطن ليس مشهوراً بالكذب، بل يروي كثيراً من الصدق، فيُروَى حديثُه
وليس كلّ مارواه الفاسق يكون كذبا. بل يجبُ التبين في خبره كما قال تعالى
((يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبيَّنْوا)) الآية. فيُروَى لتُنظر الشواهدُ
هل تدل على الصدق أو الكذب؟».
(٥) في ((منهاج السنة)): (عن المعروفين).

٩٧
أمثلُ من شرط أبي داود في ((سننه))(١).
(١) وقع في ((منهاج السنة)) المطبوع: (مثلُ شرطٍ أبي داود) وهو تحريف.
وقد نَقَل العلامة ابن الجزرى في ((المصعد الأحمد)): (ص ٢٥) عن ابن تيمية
قوله: ((شرط المسند أقوى من شرط أبي داود في «سننه)). وقد روى أبو
داود عن رجالٍ أعرّضَ عنهم في ((المسند))، مثل ( محمد بن سعيد المصلوب)
ونحوه )».
وعلَّق عليه شيخنا الامامُ الكوثري رحمه الله تعالى بقوله: ((أبو داود أشبه*
انتقاداً للرجال من الترمذي. ويقول ابن رجب: لا أعلم أنَّ الترمذي خرَّج عن
متهمِ بالكذب متفقٍ على اتهامه بإسناد منفرد ، إلا أنه قد ◌ُخرج حديثاً مروياً من
طرق . وفي بعض طرقه متهم ، وعلى هذا الوجه خرَّج حديث ( محمد بن سعيد
المصلوب) و(محمد بن السائب الكلبي). وقد يخرّجُ عن سيِّىء الحفظ، وعمْن
غَلَب على حديثِهِ الوَهم ، ويُبيّنُ ذلك غالباً ولا يسكتُ عنه. انتهى)).
قال شيخنا الكوثري عليه الرحمة: «فاذا تعدّدت الطرق يكون التعويل*
على طريقٍ ليس فيه متهم. فلا يُسَلَّم لابن تيمية كونُ شرط ((المُسْند)) أقوى
مع تخريجه عمن ساء حفظُه وكثُرَ وهَمُه من غير تبيين ذاك.
ولا يُقاسُ ما أخِذَ على ((المُسْند)) من أحاديثه في الكثرة بما أخذ على
بعض الأصول ، بل في ((المسند)، إخراجُ حديثٍ باسنادٍ منفرد عمن هو ليس
بأحسن حالاً من ( محمد بن سعيد المصلوب ) كـ (عامر بن صالح ) الذي يقول عنه
ابن معين: جُنَّ أحمد؟! يُحدِّثُ عن (عامر) !!
وأنت ترى أنَّ النسائي تحامتى عن رجالٍ أخرج الشيخان أحاديثهم، ومع
ذلك لم يجعلوا(( سنن النسائي )) فوق ( الصحيحين )).
فكيف هذا وقد انفرد في رواية ((المُسْند)) مثلُ القَطِيعي؟ وعنه مثلُ
ابن المُذْهِب؟ وعنه أخذ ابنُ الحصين، وعنه حنبل، وهكذا في طريق سماع
(((المُسنَد) من غير فوت؟ وجُلثهم بل كلثهم ما كانوا بلغوا الحُلم حين سمعواهذا
(((المسندَ) الكبير، وكانواهر مين حين أسمعوه. ولا ترى مثل ذلك في (الأصول الخمسة)).

١٨
وأما في (١)(كتب الفضائل)) فَرَوى (٢) ماَ سمعه من شيوخه
سواء كان صحيحاً أو ضعيفاً ، فانه لم يقصد أن لا يروي في ذلك إِلا
ما ثبت عنده (٣)، ثم زاد ابنهُ عبد الله على ((مسند أحمد)» زيادات،
وزاد أبو بكر القَطيعي زيادات، وفي زيادات القَطيمي أحاديثُ
كثيرةٌ موضوعة (٤)، فظنَّ ذلك الْجُهَّالُ (٥) أنه من رواية أحمد ، وأنه
(١) لفظ (في) غير موجود في ((منهاج السنة)).
(٢) في ((منهاج السنة)): ( فيروي).
(٣) وقال ابن تيمية أيضا في ((منهاج السنة)): (٦١/٤): ((وكل من عرف
العلم يعلم أن ليس كل* حديث رواه أحمد في ((الفضائل) ونحوه يقول: إنه صحيح،
بل ولا كلّ حديث رواه في ((مسنده)) يقول: إنه صحيح، بل أحاديث (منده»
هي التي رواها الناس عمن هو معروف عند الناس بالنقل ولم يظهر كذبه .
وقد يكون في بعضها علة تدل على أنه ضعيفٌ بل باطل ، لكن غالبها وجمهورها
أحاديثُ جيدة يحتج بها. وهي أجود من أحاديث «سنن أبي داود)).
وأما مارواه من الفضائل فليس من هذا الباب عنده ، والحديث قد يعرف
أن محدّثه غليطَ فيه أو كتذَبَهُ من غير علم بحال المحدّث، بل بدلائل أخر)).
وقال أيضا في (٧٥/٤): ((وأحمد له ((المسند)) المشهور، وله كتاب مشهور
في فضائل الصحابة، ر وى فيه أحاديثَ لا يرويها في ((المسند»، لما فيها من الضعف
لكونها لا تصلح أن تُروى في ((المسند))، لكونها مراسيل أو ضافاً بغير
الارسال ».
(٤) قلت: قد نصَّ ابن تيمية في غير موضع من ((منهاج السنة)) على وقوع
الموضوعات الكثيرة في زيادات القطيعي ، انظر منه : (٧٥/٤ و ١٠٦).
(٥) في ((منهاج السنة)): ( ذلك الجاهل). ويَعني ابنُ تيمية به الرافضيّ
الذي يردّ عليه في كتاب ((منهاج السنة))، فغيَّر المؤلِّفِ لفظ (الجاهل) إلى (الجمال)
ليكون الكلامُ عامًاً وإن حَصّل في العبارة بعضُ الركاكة.

رواها في ((المسند))، وهذا خطأ قبيح. انتهى.
وخالفه العراقي وادَّعى أنَّ في ((مسند أحمد)) موضوعات، وصنَّف
جزءاً مستقلاً (١) وقال فيه - بعد الحمد والصلاة -: قد سألني بعضُ
أصحابنا من مقتدي الامام أبي عبد الله أحمد بن حنبل في سنة خمسين
وسبعمائة أو بعدها يسير أن أُفرد له ماوقع في ((مسند الامام أحمد))
من الأحاديث التي قيل فيها: إِنها موضوعة، فذكرتُ له أنَّ الذي
في ((المسند)) من هذا النوع أحاديثُ ذواتُ عدد ليستْ بالكثيرة،
ولم يتفق لي جمْعُها.
فلما قرأتُ ((المسند)) سنةً ستين وسبعمائة على الشيخ المُسنِد
علاء الدين أبي الحسن علي بن أحمد بن محمد بن صالح الدمشقي وفَع في
أثناء السماع كلامٌ: هل في ((المسند)) أحاديثُ ضعيفة؟ أو كله صحيح؟
فقلتُ : إِنَّ فيه أحاديثَ ضعيفةً كثيرة، وإِنَّ فيه أحاديثَ يسيرةٌ
موضوعة ، فبلغني بعد ذلك أنَّ بعض من ينتمي إلى مذهب الامام
أحمد أنكر هذا إِنكاراً شديداً ، ونقل عن الشيخ ابن تيمية أن الذي
وقع فيه من هذا هو من زيادات القطيعي ، لا من رواية أحمد ، ولا
من رواية انه ، فحرَّضني قولُ هذا القائل على أن جمعتُ في هذه
(١) أورده بتمامه الحافظ ابن حجر تلميذ العراقي في أول كتابه:« القول المسدّد
في الذبّ عن مسند أحمد)»: (ص ٣- ١٠).