النص المفهرس

صفحات 41-60

٤٠
الشرعيَّة من الحلال والحرام وغيرهما، أو في العقاد كصفات الله
تعالى وما تَجُوز ويَسْتحيل عليه، ونحو ذلك، فلمَ بِرَوا التساهُلَ في
ذلك. وثمَّن نَصَّ على ذلك من الأمة: عبدُ الرحمن بن مَهْدِيّ، وأحمدُ
ابن حنبل ، وعبدُ الله بن المبارك وغيرُم. انتهى.
وقال النوويّ في ((التقريب)) (١): يجوزُ عند أهل الحديث
التساهلُ في الأسانيد الضعيفة(٢)، وروايةُ ماسوى الموضوع من
الضعيف ، والعملُ به من غير بيان ضعفه في غير صفات الشّوالأحكام.
انتهى .
قال السيوطي في شرحه ((التدريب))(٣): لم يذكر انُ الصلاح
والمصنّف - ههنا وفي سائر كتبه - لِمَا ذَكِرَ سوى هذا الشرط،
وهو كونه في الفضائل ونحوها، وَذَكَر شيخُ الإسلام (٤) له
ثلاث شروط:
أهمها : أن يكون الضعفُ غيرَ شديد، فيَخْرُجُ من الفرد من
الكذَّابِينِ (٥) والمتَّهين بالكذب ومن فَحُشَ غلطُه.
(١): (ص ١٩٦) بشرح ((التدريب)) للسيوطي.
(٢) لفظ ( الضعيفة) غير موجود في ((التقريب)) المطبوع.
(٣) : (ص ١٩٦).
(٤) أي الحافظُ ابن حجر العسقلاني . منهرحمه الله .
(٥) هكذا عبارة ((التدريب)). ووقع في الأصل: (فيحترز من الكذابين ... )
وهو تحريف .

والثاني : أن يندرج تحت أصل معمول به.
والثالث: أن لا يُعْتَقَد (١) عند العَمَل به ثبوتُه، بل يُعْتقَدُ
الاحتياط. وهذان ذكرها ابنُ عبد السلام وابنُ دقيق العيد .
وقيل : لا يجوزُ العملُ به مطلقاً، وقيل: يُعمَلُ به مطلقاً . انتهى.
وقال ابنُ الهُمَام في كتاب الجنائز من ((فتح القدير))(٢):
الاستحبابُ يَثْبُتُ بالضعيف غير الموضوع. انتهى.
وقال النووى في كتاب ((الأذكار))(٣) قال العلماء من المحدِّين
والفقهاء وغيرهم : يجوزُ ويُستَحبُّ العملُ في الفضائلِ والترغيب
والترهيبِ بالحديث الضعيف ما لم يكن موضوعا، وأمّا الأحكامُ
كالحلال والحرامِ والبَيْعِ والنكاح والطلاقِ وغير ذلك فلا يُعمَلُ
فيها إلا بالحديث الصحيح أو الحَسَن، إلا أن يكون في احتياط
في شيءٍ (٤) من ذلك . انهى .
وفي ((أربعين النووي)) وشرحه المسمَّى بـ ((الفتح المبين))(٥)
(١) هكذا في ((التدريب)). ووقع في الأصل: (يقصد).
(٢) (٤٦٧/١) من طبعة بولاق .
(٣): (ص ٧ - ٨).
(٤) هكذا جاء في ((الأذكار)) وشرحها أيضا لابن علان (٨٦/١). ووقع في
الأصل: ( من شيء ).
(٥): ( ص ٣٢).

٤٢
لابن حجر المكي الهيتمي : قد انَفَق العلماء على جواز العمل بالحديث
الضعيف في فضائل الأعمال، لأنه إِن كان صحيحاً في نفس الأمر فقد أعطي
حقَّه من العمل به (١)، وإلا لم يترتب على العمل به مفسدةُ تحليلٍ ولا تحريم
ولاضياعٍ حقّ للغير. وفي حديثٍ ضعيفٍ: ((من بَلَغُهُ عني ثوابُ
عَمَلِ فِعَمِلهُ حَصلَ له أجْرٌ (٢) وإِن لمأكن قلتُهُ)). أو كماقال(٣).
(١) لفظ ( من العمل به) زيادة من ((شرح الأربعين)).
(٢) لفظ ((شرح الأربعين)): (أجرُهُ).
(٣) لم أجد هذا اللفظ في كتب الضعفاء والموضوعات، وفيها أحاديث بنحو.
معناه، انظرها في ((اللآلى المصنوعة)) للسيوطي في كتاب العلم (٢١٤/١ - ٢١٥)
وفي ((تنزيه الشريعة المرفوعة)) لابن عراق (٢٦٥/١).
وقد تعقَّب العلامة المُناويُ سياقةَ ابن حجر الهيتمي هذه فقال: ((رَوَى أبو
الشيخ ابنُ حَيَّان في (( كتاب الثواب) عن جابر، وابنُ عبدالبَر" عن أنس مرفوعاً:
(((من بَلَغه عن اللّه شيء فيه فضيلةُ فأخَذَ به إيماناً ورجاءً لثوابه أعطاء الله ذلك
وإن لم يكن كذلك)). وقد أورد بعضُ الشرَّاح - يعني ابنَ حجر الهيتمي - هذا
الحديثَ مشوّشاً على غيروجهه، ولم يستحضرله مخرجاً ولا صحابياً، وقال عَقيه:
أو كما قال. وكان الأولى تجنُّته لذلك)). نتقتله المدابغي رحمه الله في ((حاشيته)) على
((الفتح المبين)): ( ص ٣٢).
وقال المناوي في ((فيض القدير) عند هذا الحديث (٩٥/٦): ((وحكم ابن*
الجوزي بوضعه وأقرّه المصنّف - يعني السيوطي في ((اللآلى المصنوعة)) (٢١٤/١)-
وحاول السخاويُ في ((المقاصد الحسنة)): (ص ٤٠٥) أن ينفيَ عنه البطلانَ بأن له
شواهد، ثم قال: (( فان قيل: كيف هذا مع اشتراطهم في جواز العملِ بالضعيف
عدَمَ اعتقاد ثوته؟ قلنا: بحملِهِ على ماصحَّ مماليس بقطعيّ حيث لم يكن صحيحاً
في نفس الأمر، أو بحمْلِهِ إن كان عاماً بحيث يشملُ الضعيف على اعتقاد
الثبوت من حيث إدراجهُ في العمومات، لا من جهةِ السَّنَد)).

٤٣
وأشار المصنّفُ بحكاية الإجماع - على ما ذكره - إلى الردّ على
من نازَعَ فيه بأنَّ الفضائل إِنما تُتَلفَّى من الشرع ، غاثباتُها بالحديث
الضعيف اختراعُ عبادةٍ وشرعُ في الدين(١) مالم يأذن به الله. ووَجْهُ
ردّهِ: أنَّ الإِجماع - لكونه قطعيًّاً تارة، وظنياً(٢) ظناً قويّاً ثارة -
لاُ ◌ُرَدُ بعثلِ ذلك لو لم يكن عنه جواب، فكيف وجوابه واضح؟
إِذ ذلك (٣) ليس من باب الاختراع في الشرع، وإِنما هو ابتغاء فضيلة
ورجاؤها بأمَارة (٤) ضعيفة من غير ترتب مفسدة عليه كما تقرّر.
انہی کلامه .
وفي ((القول البديع في الصلاة على الحبيب الشفيع))(٥) لشمس
الدين السخاوي : سمعتُ شيخنا ابن حجر - أي المَسْمَلاني المصري-
مراراً يقول: شرط العملِ بالحديث الضعيف ثلاثة:
الأول : متفقٌ عليه، وهو أن يكون الضعفُ غيرَ شديد،
(١) هكذا عبارة ((شرح الأربعين)). وجاء في الأصل: ( شرعٌ من الدين).
(٢) هكذا في ((شرح الأربعين)). وجاء في الأصل: (وظنه ظنا ... ) ..
(٣) هكذا عبارة ((شرح الأربعين)). وجاء في الأصل: (وذلك ... ).
(٤) هكذا عبارة ((شرح الأربعين)). وجاء في الأصل (مع أمارة).
(٥): (ص ١٩٥).

٤٤
فِيَخْرُجُ (١) من انفرد من الكذابين والمشَّهمين ومن فَحُشَ غلطه.
والثاني: أن يكون مندرجاً تحت أصلٍ عامَ، فَيَخْرُجُ مُاُ يُخْرَعُ
بحيث لا يكون له أصل أصلاً .
والثالث: أن لا يُعْتَقَد عند العملِ به(٢) ثبوتُه. لئلايُفْسَبَ إِلى
النبي ◌َّةٍ مالم يقله . قال(٣): والأخيرانِ عن ابن عبد السلام وابن
دقيق العيد، والأوَّلُ نَقَلَ العلائيّ الأنفاقَ عليه (٤).
(١) هكذا عبارة ((القول البديع). ووقع في الأصل: (كحديث من انفرد ... ).
وهو تحريف .
(٢) لفظ ( به) ساقطة من الأصل، وموجودة في ((القول البديع)).
(٣) أي ابنُ حجر. ولفظ ( قال) زيادة من ((القول البديع)).
(٤) قلتُ: وإليك أمثلةً من الحديث الضعيف الذي تنطبقُ عليه هذه
الشروط الثلاثة ، قال المؤلف الامام اللكنوي رحمه الله تعالى في كتابه النافع الجامع
الماتع: ((ظفر الأماني في مختصر الجُرْجَاني)) بعد أن ذكر الشروط الثلاثة في
(ص ٩٨): ((وله أمثلةُ كثيرة لا تخفى على ماهر فن الفقه:
فمن ذلك :
١ - ماذكره أصحابنا أنه يُستحبُ للمؤذن أن يترسَّل في الأذان، وَيخْدُر
- أي يُشْرع - في الاقامة. واستدلوا له بحديثٍ رواه الترمذي (٣١١/١) عن
عبد المُنعيم بن ثُمَيْم، عن يحيى بن مُسْليم، عن الحسنِ وعطاء ، عن جابر أنّ
رسول اللّه صَّ لّهِ قال لبلال: ((يابلالُ إِذا أذَّنْتَ فترسَّلَ في أذانِك،
وإِذا أقمْتَ فاحدْر، واجعَلْ بين أذَانك وإقامتِكُ قَدْرَ ما يَفْرُغُ الآكلُ مِن
أكلِه، والشاربُ من شُربِه، والمُمْتَصِيرُ - المحتاجُ لقضاء الحاجة - إذا دخل
لقضاء حاجته، ولا تقوموا حتىتروني».

٤٥
:
= قال الترمذي: هذا حديثٌ لا نعرفه إلا من هذا الوجه ، من حديث
عبد المُنْعِم ، وهو إسنادُ مجهول . انتهى .
وعبدُ المنعم هذا ليس له في ((جامع الترمذي)) إلا حديثٌ واحدٌ هو
هذا ، وقد ضمَّفه الدار قطني وجماعة أخرى.
وأخرجه الحاكم في ((مستدركه)): (٢٠٤/١) عن عَمْرو بن فائد
الأسواري، عن يحي بن مُسْلم بسنده السابق، وليس في إسناده - مطعونٌ غير
عَمْرو بن فائد، لكن لمَّا كان الحديث الضعيفُ كافياً في فضائل الأعمال حكموا
باستحبابٍ ذلك مع كونه مؤيَّداً بعملِ الصحابة ومَنْ بعده .
ومن ذلك أيضاً :
٢ - ماذكره أصحابنا: أنه يُستحَبُّ في الوضوء مَسْحُ الرَقبة. واستداُوا
بحديثٍ مرويّ في ذلك وإن كان ضعيفا. فر وى أبو داود (٣٢/١) وأحمدُ
(٤٨١/٣) من حديثٍ طلحة بن مُصرّقٍ، عن أبيه، عن جدّه قال: ((رأيتُ
رسولَ اللّه صَّهِ يَمْسَحُ رأسَه مرةً واحدةً حتى بلغ الفتَذَال)). ووقع في
(((سنن أبي داود )) تفسيرُهُ بأوّلِ القَفَا.
ورَوَى الطحاوي في ((شرح معانى الآثار)): (١٧/١): حدّثنا ابنُ
مَرْزُوقَ، قال: حدَّثَنَا عبدُ الصََّد بن عبد الوارث، قال ثنا أبي وحَفْصُ بن
غياث، عن ليث ، عن طلحة بن مُصرِقٍ، عن أبيه، عن جدًّ قال: ((رأيتُ
رسول اللّه صَّهِ مَستح مُقدَّم رأسهٍ حتى بلغ القَذّال من مُقدّمْ عُنُقِهِ)).
ورَوَى أبو عليّ بنُ السكن في ( كتاب الحروف)) من حديث مُصرّفٍ
ابن عَمْو الشَّريّ بن مُصرّفِ ينَ عَمْو بن كعب، عن أبيه، عن جدّه يَبْلُغ به
عُمْوَ بن كعب قال: ((رأيتُ رسول اللّه صَِّ لّهِ توضَّاً فَمَسَح لحيتَهُ وقفاه)).
وهذه الأحاديثُ ضيفةُ لأجل طلحة بن مُصرّف. فقال ابنُ القطّان:
طلحة" وأبوه وجَدُّ، لا يُعرّفون. وقال النووي: طلحةُ بن مُصرف أحد
الأئمة الأعلام من التابعين، احتجَّ به الأئمة ◌ُ السنَّة، وأبوه وجَدُّه لا يُعرّ فان . =

٤٦
وعن أحمد أنه يُعْمَل بالضعيف (١) إِذا لم يُوجَد غيره (٢).
= وقال أبو داود (٣٢/١): سمعتُ أحمدَ يقول: زَّعَمُوا أنَّ ابن عيينة كان
يقول: أيْشٍ هذا طلحة بن مُصرٍٍّ عن أبيه عن جدّ؟!
ورَوَى الدارمي عن علي بن المتديني أنه قال: سألتُ عبد الرحمن بن
مَهْدِيّ عن تسبٍ جدّ طلحة فقال: عمرو بن كعب، أو كعبُ بن عمْرو،
وكانتْ له صُحبة.
ورَوَى الديلمي في ((مسند الفردوس)) من حديث ابن ◌ُعمّر مرفوعاً:
((مَسْحُ الرَّقَبَة أمانُ من الغُلّ يوم القيامة)). قال العراقي في ((تخريج أحاديث
الإحياء)): (٤٦/٢) هذا الحديثُ ضعيف)). انتهى كلامٌ المؤلف رحمه الله
تعالى، مصحَّحاً ما وقَعَ فيه من تحريفات متمَّمَ الفائدة .
ومن ذلك أيضاً:
٣ - ما كان من أحاديث الأحكام، وكان العَملُ به من باب الاحتياط،
كما ذكره النووي في ((الأذكار) في الفصل الثالث من الفصول التي استهلكَّهُ بها،
(ص ٧ - ٨) وقال: ((كما إذا ورَدَ حديثٌ ضعيفٌ بكراهة بعض البيوع أو
الانكحة ، فانّ المستحبُّ أن يتنزه عنه)).
قال شارحهُ ابنُ علان (٨٦/١): ((وكذا ماذكره الفقهاء- الحنفيّة كمافي
((رد المحتار)) لا بن عابدين(١٢١/١)، والشافعية كمافي- ((نهاية المحتاج)) لشمس الدين
الرملي (٥٩/١) - من كراهة استعمال الماء المُشمَّس - بشروطه - عملاً بخبر
عائشة مع ضعفه، لما فيه من الاحتياطِ وَتَرْك ماريب)). وانظر تخريجَ خبر عائشة
رضي الله عنها في (( نصب الراية)) للزيلمي (١٠١/١).
(١) جاء في الأصل: ( يعمل به). وجاء في ((القول البديع)): ( يعمل
بالضعيف ) فآثرته لوضوحه .
(٢) تمام عبارة الامام أحمد في ((القول البديع)) بعد هذا: (ولم يكن ثمّ
ما يعارضه ).

٤٧
وفي رواية عنه: ضعيفُ الحديث عندنا أحبُ من رأي الرجال (١).
(١) قال العلامة ابن علان رحمه الله تعالى في ((شرح الأذكار)): (٨٦/١):
((ماذُقِلَ عن الامام أحمد من العملِ بالحديث الضعيف مطلقاً حيث لم يُوجَد غيرُه
وأنّه خيرٌ من الرأي: مُحمِلَ الضعيفُ فيه على مقابل الصحيح على عرْ فه وعُرف
المتقدّمين، إذ الخبرُ عندهٍ صحيحٌ وضعيف، لانه ضَعُفَ عن درجة الصحيح،
فيشمْلُ الحسن.
وأمَّا الضعيفُ بالاصطلاح المشهور، أي ما لم يَجْمع شروط القبول فليس
مراداً، كما نقله ابنُ العربي عن شيخه. وهو حَسنُ، به يندفع ما ذكر من
الكلام في هذا الامام.
قال الزركشيُ: وقريبٌ من هذا قولُ ابن حزم: الحنفية متفقون على
أنّ مذهب أبي حنيفة أنّ ضعيف الحديث عنده أولى من الرأي . والظاهر أن
مرادهم بالضعيف ما سبق.
وقال الشيخُ ابنُ تيمية رحمه الله تعالى في ((منهاج السنة النبوية)): (١٩١/٢):
((قولنا: إنّ الحديثَ الضعيف خيرٌ من الرأي: ليس المرادُ به الضعيف المتروك،
لكن المرادُ به الحسّنُ، كحديث عَمْرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه، وحديث
إبراهيم الهَجَري، وأمثالهما ممن ◌ُحسِّنُ الترمذي حديثه أو يُصححه".
وكان الحديثُ في اصطلاح مَنْ قبلَ الترمذي: إمَّا صحيحاً، وإِمَّا ضعيفاً.
والضعيفُ نوعان: ضعيفٌ متروك، وضعيفٌ ليس بمتروك. فتكلّم أئمة الحديث
بذلك الاصطلاح، فجاءمَن لا يَعْرف إلا اصطلاحَ الترمذي" فسمِعَ قول بعض
الأئمة: ((الحديثُ الضعيفُ أحبُ إليّ من القياس)). فظنَّ أنه يَحْتَجُ بالحديث
الذي يُضْعَّفه مثلُ الترمذي، وأخَذَ يُرجّحُ طريقةَ من يرى أنه أتبعُ
للحديث الصحيح، وهو في ذلك من المتناقضين الذين يُرجّحون الشيء على ماهو
أولى بالرجحان منه إن لم يكن دونه)).
وقال تلميذةُ العلامة ابن القيم الحنبلي في ((إعلام الموقعين)): (٣١/١)=

٤٨
=((الأصلُ الرابع من أصولِ الامام أحمد التي بنىَ عليها فتاويه: الأخْذُ بالمرسْلِ
والحديثِ الضعيفِ إذا لم يكن في الباب شيء يدفعه ، وهو الذي رجَّحه على
القياس .
وليس المرادُ بالضعيفِ عنده الباطلَ ولا المنكرَ، ولا مافي رُواتِهِمُثَّهمُ
بحيث لا يَسوغُ الذهابُ إليه والعَملُ به، بل الحديثُ الضعيفُ عنده قسيمُ
الصحيح وقِسِمٌ من أقسام الحَسن، ولم يكن يُقسمُ الحديثُ إلى صحيحٍ
وحسنٍ وضعيف، بل إلى صحيح وضعيف، وللضعيفِ عندَهُ مراتب، فاذا لم
يجد في الباب أثراً يدفعه، ولا قولَ صاحب، ولا إجماعاً على خلافه: كان العَمَلُ
به عنده أولى من القياس .
وليس أحدٌ من الأئمة إِلا وهو موافقهُ على هذا الأصل من حيث الجملة،
فانه مامنهم أحدٌ إلا وقد قدَّمَ الحديث الضعيفَ على القياس.
فقدَّمَ أبو حنيفة حديثَ القهقهة في الصلاة على محضِ القياس. وأجمعَ
أهلُ الحديث على ضعفه . وقدَّمَ حديثَ الوضوء بنبيذ التمر على القياس، وأكثرُ
أهلِ الحديث يُضعِّفه. وقدَّمَ حديثَ ((أكثرُ الحيضِ عشرَةُ أيامٍ))، وهو
ضعيفٌ باتفاقهم على محض القياس، فاناً الذي تراه في اليوم الثالث عشر مُساوٍ في
الحدّ والحقيقةِ والصّفةِ لدَم اليومِ العاشر. وقدَّمَ حديث ((لا مَهْرَ أفلُّ من
عشرّةٍ درام))، وأجمعواعلى ضعفه بل بطلانه، على محضِ القياس، فانّ بذل الصداق
مُعَاوَضةٌ في مقابلة بذل البُضْع، فما تراضيا عليه جاز قليلاً كان أو كثيراً.
وقدَّم الشافعيّ خبرَ تحريم صيدوَجٍّ (١) مع ضعفه على القياس. وقدَّمَ خبرَ =
(١) نص الخبر كما رواه البيهقي: ((ألا إن صيد وجـ وعضاهه - يعني شجره - حرام
محرم)). قال ابن الأثير في ((النهاية)): ((وج: موضع بناحية الطائف، وقيل: هو اسم
جامع لحصونها ، وقيل : اسم واحدٍ منها)) .
وانظر لمعرفة مذهب الشافعي في هذا وماقيل في حديث وج: ((المهذب)» الشيرازي
(٢١٩/١)، و((المجموع)) النووي (٤٧٩/٧)، و((فتح العزيز شرح الوجيز)) الرافعي
(٥١٨/٧- ٥٢٠) وفيه تخريج الحديث مستوفيّ.

وذكر ابنُ حزم الإِجماعَ على أنَّ مذهبَ أبي حنيفة : أنَّ
ضعيف الحديث أولى عنده من الرأي والقياسِ (١) اذا لم يجد في
= جواز الصلاة بمكة في وقت النهي ، مع ضعفه ومخالفته لقياس غيرها من البلاد.
وقدّمَ في أحدٍ قولَيْهِ حديثَ ((مَنْ قَاءَ أو رَعَفَ فليتوضَّأْ ولِيْنِ على صلاته)»
على القياسِ ، مع ضعفِ الخبر وإرساله .
وأما مالكُ فاتَّه يُقدّمُ الحديثَ المرسَلَ والمنقطعَ والبلاغاتِ وقولَ
الصحابيّ على القياس.
فاذا لم يكن عند الامام أحمد في المسألة نصٌ ولاقولُ الصحابة أو واحدٍ
منهم، ولا أثرٌ مرسَلُ أو ضعيفٌ: عَدَّل إلى الأصل الخامسٍ وهو القياس،
فاستعمله للضرورة. وقد قال في ((كتاب الخلال)): سألتُ الشافعيّ عن القياس.
فقال : إنما يُصارُ إليه عند الضرورة، أو ماهذا معناه)).
(١) وتقلّه عن ابن حزم أيضاً الحافظ الذهبيُ في الجزء الذي ألَّفه في
((مناقب الإمام أبي حنيفة)): (ص ٢١) وطُبع بمصر سنة ١٣٦٧ مع جزئيه أيضاً
في مناقب الإمام أبي يوسف والامام محمد بن الحسن رحمهم الله تعالى.
وقال ابنُ القيم الحنبلي رحمه الله تعالى في ((إعلام الموقعين)): (٧٧/١):
(((وأصحابُ أبي حنيفة رحمه اللّه ◌ُمجميعُون على أنَّ مذهب أبي حنيفة أنّ ضعيف
الحديث عنده أولى من القياس والرأي، وعلى ذلك بنى مذهبه ، كما قدَّم حديث
القهقهة .- مع ضعفه - على القياس والرأي، وقدَّمّ حديثَ الوضوء بنبيذ التمر في
السفر - مع ضعفه ـ على الرأي والقياس، ومَنَعَ قطعَ السارق بسرقة أقلّ من
عشرة دراهم، والحديثُ فيه ضعيف، وشَرَطَ في إقامة الجمعة المصر ، والحديث
فيه كذلك، وَتَرّك القياس" المحض في مسائل الآبار، لآثارٍ فيها غير مرفوعة.
فتقديمُ الحديثِ الضعيف وآثار الصحابة على القياس والرأي قولهُ وقولُ الامام أحمد.
وليس المرادُ بالحديثِ الضعيف في اصطلاح السَّلَفِ هو الضعيف في اصطلاح
المتأخرين، بل ما يُسمّيه المتأخرون حسناً قد يُسمّه المتقدمون ضعيفاً كما تقدَّم
بيانُه)). يعني الذي نقلتُه عنه تعليقاً في (ص ٤٧ - ٤٨).

الباب غیره (١).
فتحصلَ أَنَّ في العمل بالحديث الضعيف ثلاثة مذاهب: لا يُعملُ
بر مطلقاً، يعملُ به مطلقاً(٢)، يعملُ، في الفضائل شروط (٣). انتهى
كلامه .
وفي ((فتح المغيث بشرح ألفية الحديث)) (٤) للسَّخاوي:
قال ابن عبد البرّ: أحاديثُ الفضائل لا يحتاجُ فيها إِلى من
◌ُحتج به.
وقال الحاكمُ: سمعتُ أبازكريا العَنْبَرِيَّ يقول: الخبرُ إِذا
وَرَدَ لمُ نُحرّمٍ حلالاً ، ولم يحلّ حراماً، ولم يوجب حكما، وكان في
ترغيب أو ترهيب: أَغْمِضْ عنه وتَسَهَّلْ في رواته.
ولفظُ ابن مهديّ فيما أخرجه البيهقي في ((المدخل)): إِذا رَوَينا
عن الني مٍَّ في الحلال والحرامِ والأحكامِ شَدَّدنا في الأسانيد
(١) جملة ( إذا لم يجد في الباب ... ) غير موجودة في ((القول البديع)) في هذا
السياق، ولا في نصّ ابن حزم في (جزء الذهبي)، وإنما جاءت في كلامٍ للامام أحمد
ساقه السخاوي في ((القول البديع )) بعد سياقةِ كلام ابن حزم، فسبَقَ نظَرُ
الشيخ المؤلف رحمه الله تعالى فأدرجها في سياقة ابن حزم .
(٢) عبارة ((القول البديع)): ( يعمل به مطلقاً إذا لم يكن في الباب غيره) .
(٣) قال السخاوي في ((القول البديع)) عقيب" هذا القول: ((وهو الذي
عليه الجمهور )).
(٤) : ( ص ١٢٠).

٥١
وانتقدنا في الرجال ، وإِذا رَوَبنا في الفضائلِ والثواب والعقابِ :
سَهَّلنا في الأسانيد وتسامَحْنا في الرجال.
ولفظُ أحمر - في رواية الميموني عنه -: الأحاديثُ الرقائقُ
مُحتمَلُ أن يتَساهَل فيها حتى يجيءَ شيء فيه حُكم.
وقال - في روايةِ عِبَّاسِ الدُّوريّ عنه -: ابنُ إِسحاق رجلٌ
"تُكتَبُ عنه هذه الأحاديث - يعني المغازيَ ونحوها - وإِذا جاء
الحلالُ والحرامُ أَرَدَنا قوماً هكذا - وقَبَضَ أصابعَ يدِهِ (١)
الأربعَ ۔.
لكنها منيًّ رحمه الله بالضعيف(٣) حيث لم يكن في الباب غيرُهُ
وسبعه أبو داود، وقدَّمَاهُ على الرأي والقياس. ويُقال عن أبي حنيفة
أيضا ذلك (٣) ، وإِن الشافعي يحتجٌ بالمرسل إذا لم يجد غيره.
وكذا إِذا تلقَّت الأُمَّةُ الضعيفَ بالقبول يُعمَلُ به (٤) على
(١) هكذا جاء في الأصل. وجاء في ((فتح المغيث)): ( أصابع يديه) .
(٢) هكذا عبارة ((فتح المغيث)). وجاءت عبارة الأصل: (لكنه احتجُ
أحمدُ بالضعيف حيثُ ... ) .
(٣) سبَقتْ شواهدُ ذلك تعليقاً في (ص٤٨ - ٤٩).
(٤) لفظ (به) زيادة من ((فتح المغيث)).

٥٢
الصحيح(١)، حتى إنه يُنْزَّلُ منزلةَ المتواترِ في أنه يَنْسَخُ المقطوعَ
به، ولهذا قال الشافعيّ في حديث ((لاوصية لوارث)): إِنه لا يُثبتُهُ
أهلُ الحديث، ولكن العامَّة تلقَّتْه بالقبول وَعَمِلُوا به حتى جعلوه
ناسخاً لآية الوصيّة(٣).
أو كان في موضع احتياط، كما إِذا وَرَدَ حديثٌ ضعيفٌ (٣)
بكراهةِ بعض البيوعِ أو الأنكحة، فإنَّ المستحبَّ - كما قال
النووي (٤) _ أن يُتْزَّه عنه ولكن لا يجب.
ومَنَعَ ابنُ العربى العملَ بالضعيف مطلقاً. ولكن قدحَكَى
النووي في عِدَّة من تصانيفه إِجماع أهلِ الحديث وغيرِمٍ على
(١) أي يُعمَلُ به وجوباً، ويكون ذلك العملُ تصحيحاً له، كما صرَّح
به الحافظ ابنُ حجر في ((ثُكَته)) على ((مقدمة ابن الصلاح)) ونَقتله عن جماعة
من أئمة الأصول. ويُفهَمُ" هذا من قولٍ تلميذه السخاويّ هنا: ((حتى إنهينزّلُ
منزلة المتواتر ... )).
وقد جَمْعتُ نصوص علماءِ المحدّثين والفقهاء الدالّة على ذلك جمعاً وافياً
حتى صَلّحتْ - لطوليها - أن تكون رسالةٌ مستقلة، فرأيتُ أن أجعلها في آخر
هذا الكتاب فانظرها هناك .
(٢) قلت: كَتّب شيخنا الامامُ الكوثري" رحمه الله تعالى في كتابه: ((المقالات)
مقالاً خاصاً بهذا الحديث: (ص ٦٥ - ٦٧)، نَقَل فيه إجماع العلماء على العمل
به ، كما نقل أيضاً أنه حديثٌ صحيحٌ سنداً، فانظره .
(٣) لفظ (ضعيف) زيادة من ((فتح المغيث)).
(٤) في كتابه: ((الأذكار)): (ص٧-٨) كما مسبّق نقله عنه تعليقاً في (ص٤٦).

٥
العمل به في الفضائل ونحوها خاصة. فهذه ثلاثةُ مذاهب . انتهى.
هذه العباراتُ ونحوُها الواقعةُ في كتب الثقات تشهد بتفرقهم
في ذلك، فمنهم من مَنَع العَمَل بالضعيف مطلقاً، وهو مذهبٌ
ضعيف . ومنهم من جوّزه مطلقاً ، وهو توسع سخيف . ومنهم من
فصَّلَ وقيَّد، وهو المسلَكُ المسدَّد.
ومماَ رِدُ في هذا المقام - على قولهم: ((الحديثُ الضعيفُ
مقبولٌ في فضائل الأعمال))، وعلى (١) صَنيعٍ كثير من الفقهاء حيث
تكلَّمون في حديث أمر مستحب ويقولون: هو وإِن كان ضعيفاً
لكن يُتسامَحُ به في فضائل الأعمال -: أنهمَ صرَّحوا بأنَّ الحديث
الضعيف لا تَثْبُت به الأحكام الشرعية. وجوازُ العملِ واستحبابُه
من الأحكام الشرعية ، فاذا استُحِبَّ العملُ بمقتضى الحديث الضعيف
کان نبوته به، فبیْن كلماتهم تناقض.
وأجاب عنه أحمدُ الخفَاجيّ في (( نسيم الرياض شرح شفاء
القاضي عياض))(٢) بأنَّ بين الأمة مَنْ جوّزَ العمل بالضعيف بشروطه
وقدَّمه على القياس ، وبأنَّ نبوت الفضائل والترغيب لا يَلزَمَهُ حكم.
(١) لفظ (على) زيادة مني على الأصل للايضاح.
(٢) : ( ٥٤/١ ) .

٥٤
ألاَ مَرَى أنه لو ورد حديثٌ ضعيف في ثوابٍ بعض الأمورِ الثابت
استحبابُها والترغيبُ فيها (١) أو في فضائل بعض الصحابة، أو
الأذكارِ المأثورة: لم يلزم ما ذُكر نبوتُ حكرٍ أصلا، ولا حاجة
لتخصيص الأحكام والأعمال - كما تَوهمَّه الدَّوَّاني - للفرق الظاهرِ
بين الأعمال وفضائل الأعمال. انتهى .
أقول: هذا صريحٌ في أنَّه ◌َمَل قولَهم باعتبار الحديث في
فضائل الأعمال على اعتباره في فضل الأعمال الثابتة بالأحاديث
الصحيحة، وبه صرَّح بعضُ شُرّاح ((أربعين النووي )) وغيره.
لكنه مخروشٌ: بأن يخالفه صنيعُ كثير من الفقهاء والمحدّتين
حيث يستدلون على مندوبيّة أمرٍ -لم يثْبُت ندبهُ بحديثٍ صحيح-
بحديث ضعيف، ويذكرونه في معرض الاستناد، وبأن تخالفه
عباراتُ المحدّتين، حيث ذكروا قَبولَ الضعيف في الترغيبِ
والترهيبِ والمناقبِ وفضائلِ الأعمال، فانه لو كان المرادُ بفضائل
الأعمال ماذكره لم يكن ذلك مغايراً لقبوله في الترغيب والترهيب،
وكلامُهم يَدلُ على المغايرة.
وبأر تخالفه عبارةُ النووي في ((الأذكار)) المنقولةُ سابقاً(٢)،
(١) جاء في الأصل وفي ((نسيم الرياض)): (والترغيبُ فيه).
(٢): (ص٥٢).

وحمْلُها على ماذكره بعيدٌ جدّاً.
وبأنْ تخالفه مخالفةً بينةً عبارةُ ان الهُمَام المذكورةُ سابقاً (١)،
حيث نَصَّ على ثبوت الاستحباب بالحديث الضعيف .
وبأن لو كان كذلك لما كان لذكر الحافظ ان حجر وغيره
الشرائطَ الثلاثة التي ذكروها معنى، فانه إِذا كان المرادُ به اعتبارَ
الحديث الضعيف في فضل الأعمال الثابتة بالأحاديث الصحيحة فحسب،
لمُ يُحْتَجْ إلى اشتراطِ الاندراج تحت أصلٍ معمول به، واشتراط
علمٍ قصد الثبوت، كما لا يخفى على من له أدنى دُرْبة.
فالحق في هذا المقام: أنه إذا لمَ يَثْبُت ندبُ شيء أو جوازُه
بخصوصه بحديث صحيح، وورد بذلك حديثٌ ضعيف ليس شديد
الضعف: يَثْبُت استحبابُه وجوازُه به، بشرط أن يكونَ مندرجاً
تحت أصل شرعي، ولا يكونَ مناقضاً للأصول الشرعية والأدلة
الصحيحة .
وما أحسنَ كلامَ المحقّق جلال الدين الدَّوَّاني في رسالته: ((أنموذج
العلوم)) (٢) التي جمع فيها الفوائد المتفرقة حيث قال في صدرها:
(١) : (ص٤١).
(٢) : (ص ٢). والمؤليف اللكنوي رحمه الله تصرّف بالعبارة قليلا.

٥٦
المسألة الأولى في أصول الحديث : اتفقوا على أن الحديث الضعيف
لاَ تَثْبُت ◌ِه الأحكام الشرعية، ثم ذكروا أنه يجوزُ بل يُستحَبُ
العملُ بالأحاديث الضعيفة في فضائل الأعمال، وممن صَرّح به النووي
في كتبه لاسيما كتاب ((الأذكار)). وفيه إِشكال، لأنَّ جوازَ العمل
واستحبابَه كلاهما من الأحكام الخمسة الشرعية(١)، فإذا استُحبّ
العملُ مقتضى الحديث الضعيف كان ثبوتُه بالحديث الضعيف،وذلك
مُنَافي ما تقرَّر من عدم ثبوت الأحكام بالأحاديث الضعيفة.
وقد حاولَ بعضُهم التفضّي عن ذلك و(٣) قال: إِنَّ ◌ُمراد
النووي أنه إذا تَبَت حديثٌ صحيحٌ أو حسنٌ في فضيلةٍ عَمَل من
الأعمال تجوزُ روايةُ الحديث الضعيف (٣) في هذا الباب.
ولا يخفى أن هذا لاَ يرْبط بكلام النووي فضلاً عن أن
يكون مرادُه ذلك، فكم من فَرْقٍ بين جوازِ العمل واستحبابِهِ،
وبينَ مجرَّدٍنقل الحديث، على أنه لولم يثْبُت الحديثُ الصحيح أو الحسن
في فضيلةٍ عمل من الأعمال بجوزُ نقل الحديث الضعيف فيها، لاسيما مع
(١) جاء في الأصل: ( الأحكام الشرعية الخمسة). وجاء في ((أنموذج العلوم)).
( الأحكام الخمسة الشرعية) فآثرته بالاثبات.
(٢) الواو زيادة من ((الأنموذج)).
(٣) في الأصل: (الضعيفة). وهو سهو قلم.

٥٧
التنبيه على ضعفه، ومثلُ ذلك في كتب الحديث وغيره كثيرٌ شائع،
یشهد به من ◌ُبّع أدنی نُبع .
والذي يصلح (١) للتعويل: أنه إِذا وُجِدَ حديثٌ ضيف في فضيلةٍ
عَمَلِ من الأعمال، ولم يكن هذا العملُ مما يحتملُ الحرمة أو
الكراهة فإنه يجوز العملُ به ويُستحبُ، لأنه مأمونُ الخطرومر جو
النفع ، إِذ هو دائرٌ بين الإِباحة والاستحباب ، فالاحتياطُ العملُ به
رجاء الثواب .
وأمَّا إِذا دار بين الحرمة والاستحباب فلا وجه لاستحباب
العمل به .
وأمَّا إِذا دار بين الكراهة والاستحباب فيمجالُ النظر فيه واسع،
إِذ في العمل دغدغةُ الوقوع في المكروه، وفي الترك مظَّنةُ ترك
المستحبّ . فلينظر :
إِن كان خطرُ الكراهة أشدّ بأن تكون الكراهة المحتملةُ
شديدةَ ، والاستحبابُ المحتملُ ضعيفاً(٢)، فحينئذُ مُرجَّح الترك على
العمل ، فلا يُستحَبُّ العملُ به.
(١) لفظ ((الأنموذج)): ( يصحْ).
(٢) وقع في الأصل ( ضعيف ).

٥٨
وإن كان خطرُ الكراهة أضعفَ بأن تكون الكراهة -على تقدير
وقوعها - كراهةً (١) ضعيفةً دون مرتبة ترك العمل - على تقرير
استحبابه - فالاحتياطُ العملُ به.
وفي صورة المساواة: يحتاجُ إلى نظرِ يَامَ، والظنُّ أنه يستحبُ
أيضاً، لأنَّ المباحات قصيرُ بالنيَّة عبادة، فكيف مافيه شبهةُ الاستحباب
لأجل الحديث الضعيف ؟
فجوازُ العمل واستحبابُه مشروطان: أمَّا جوازُ العمل فبعدم
احتمالِ الحرمة ، وأما الاستحبابُ : فیما ذكر ناه مفصّلا.
بغي ههناشيء، وهو أنَّه إِذاعُدِمِ احتمالُ الحرمة فجوازُ العَمل
ليس لأجل الحديث، إِذ لولم يوجد الحديث (٢) يجوزُ العَملُ أيضاً،
لأن المفروض انتفاء الحرمة. لا يقال: الحديثُ الضعيفُ سفي احتمال
الحرمة، لأنَّا نقول: الحديث الضعيف لا يَثْبت به شيء من الأحكام الخمسة،
وانتفاء الحرمة يَسْتلزمُ ثبوت الإباحة، والإباحةُ حُكمٌ شرعيَ ،فلا
تَثْبُت بالحديث الضعيف ، ولعلَّ مراد النووي ماذكرنا؟ وإِنما
1
ذَكَرَ جواز العمل توطئة للاستحباب.
(١) لفظ (كراهة) زيادة من ((الأنموذج)).
(٢) لفظ (الحديث) زيادة من ((الأنموذج)).

وحاصلُ الجواب: أنّ الجوازَ معلومٌ من خارج، والاستحبابَ
أيضاً معلومٌ من القواعد الشرعيَّة الدالّة على استحباب الاحتياط في
أمر الدين، فلم يَثْبُت شيءٍ من الأحكام بالحديث الضعيف ، بل أوقعَ
الحديثُ الضعيفُ(١) شبهةَ الاستحباب، فصار الاحتياطُ أن يُعمَلَ
به، واستحبابُ (٢) الاحتياط معلومٌ من قواعد الشرع. انتهى كلام
الدَّوَّاني .
ولتُطلب زيادةُ تنقيح هذا البحث من رسالتي ((ظَفَر الأماني
بشرح المختصر المنسوب إلى الجُرْجاني))(٣).
بقي ههنا أمر آخر وهو أنَّه - وإِن كان لأُ بدّ للاسناد في كلّ
أمرٍ من أمورِ الدين - لكنْ قد يقومُ مقامَه نقلُ من يُعتَمَدُ عليه،
(١) لفظ (الضعيف) زيادة من ((الأنموذج)).
(٢) في الأصل: ( فاستحباب). وفي ((الأنموذج)): ((واستحباب)) فآثرتها.
(٣) قد أجاد المؤلِفُ رحمه اللّه تعالى تحقيق هذا الموضوع - العمل بالحديث
الضعيف - في كتابه الكبير الجامع الماتع: ((ظفر الأماني)). وتسميتُهُ له «رسالة)
تواضعٌ منه ، فان صفحاته تزيد على خمسمائة صفحة من صفحات هذا الكتاب.
وقد ذكر فيه أقوال العلماء وتحرير آرائهم في هذا البحث على أفضلٍ
وجه وأجمعيهٍ فراجعه: ( ص ٩٧ - ١٠٧). وانظر أيضاً ما كتبه شيخنا
الامام الكوثري رحمه الله تعالى حول هذا الموضوع في ((مقالات الكوثري)):
( ص ٤٤ - ٤٦ ).