النص المفهرس

صفحات 41-60

٤١
بابن حَيَّوْيَة) البغدادي، المولود سنة ٢٩٥، والمتوفى سنة ٣٨٢ ببغداد:
((حدَّثَني الأزهريُّ قال: كان أبو عُمَر بن حَيُّوْيَة مكثراً - من الرواية - ،
وکان فیه تسامح، ربما أراد أن يَقرأ شيئاً، ولا يَقرُبُ أصلُه منه، فیقرأهُ من كتابٍ
أبي الحسن بن الرزّاز، لثقتِهِ بذلك الكتاب، وإن لم يكن فيه سَمَاعُه، وكان مع
ذلك ثقةً .
سمعتُ العتيقيَّ ذكَرَ ابنَ حَيُّوْيَهْ، فَأَثْنَى عليه ثناء حسناً، وذكرَه ذكراً
جميلاً، وبالَغَ في ذلك، وقال: كان ثقةً صالحاً دَيِّناً ذا مُرُوءة)). انتهى .
والشاهدُ في هذا الخبر أن هذا الحافظ الثقة الحجة المتيقظ ... ، لمَّا قرأ من
کتاب لثقةٍ ضابطٍ (لم یکن فیه سماعه)، عُدَّ متسامحاً! وأُخِذَ ذلك عليه، واقتضى
أن يُذْكَرَ مَغْمَزاً في ترجمتِهِ وتاريخ حياتِهِ العلمية، وفي هذا دلالةٌ بالغةً على موقعِ
الإسنادِ عند العلماءِ المتقدمين رحمهم الله تعالى.
قال الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى، في كتابه ((الاعتصام))(١)، في الفصل
الأول من (الباب الرابع): ((جعلوا الإِسنادَ من الدِّين، ولا يَعْنُون: (حَدَّثني فلان
عن فلان) مُجرِّداً، بل يريدون ذلك لما تضمِّنَهُ من معرفةِ الرجالِ الذين يُحدِّثُ
عنهم، حتى لا يُسنَدَ عن مجهولٍ ولا مجروحٍ ولا مُتَّهَم، إلَّ عمنٍ تَحصُلُ الثقةُ
بروايته، لأنَّ رُوحَ المسألةِ أن يَغْلِبَ على الظنِّ من غير رِيبةٍ - أي شَكِّ - أنَّ ذلك
الحديثَ قد قاله النبي صلى الله عليه وسلم، لنعتَمِدَ عَليه في الشريعة، ونُسنِدَ إليه
الأحکام». انتھی.
وقد عاب الإِمامُ أبو منصور الأزهري المَرَويُّ اللغوي، محمدُ بنُ أحمد
المولود سنة ٢٨٢، والمتوفى سنة ٣٧٠ رحمه الله تعالى، على من ألَّف الكتبَ في
اللغة، وأسنَدَ فيها إلى العلماء من غير سماع منهم، وإنما أَخَذَ من كتبهم
(١) ١ : ٢٢٥.

٤٢
وصُحُفِهم، ورَدَّ عليه وحذَّرَ من الأخذِ عنه، ووَصَفَهُ بأنه صَحَفيَّ، وقال: ((من
كان رأسُ مالِهِ صُحْفاً فإنه يُصحِّفُ فيُكثِرُ! وذلك أنه يُخْبِرُ عن كتبٍ لم يَسمعها،
ودفاترَ لا يَدري أصحِيحٌ ما كُتِبَ فيها أم لا؟ !... فقد أقرَّ أنه صَحَفيِّ لا روايةً
له ولا مُشاهَدة، ودَلَّ تصحيفُهُ وخطوُّهُ على أنه لا معرفةً له ولا حِفظ)». انتهى.
ويعني أنَّ هذا كافٍ لإِهمالِ كتابِهِ، لفقدِ السماعِ والمشافهةِ للشيوخ المعتمَدِين.
قال رحمه الله تعالى، في مقدمة كتابه ((تهذيب اللغة))(١)، بعدَ أن ذكّرَ
(الأئمةَ الذين اعتَمَد عليهم في جمْع هذا الكتاب)، وترجمَ لهم، وساق أسانيدَهُ
إليهم(٢)، قال ما يلي:
((وإذْ فَرَغنا من ذكرِ الأُثباتِ المتقِنين، والثقاتِ المبرِّزين من اللغويين،
وتسميتهم طبقةً طبقة، إعلاماً لمن غَبِيَ عليه مكانُهم من المعرفة، كي يعتمدوهم
فيما يجدون لهم من المؤلّفات المرويةِ عنهم، فلنذكر بعَقِبَ ذكرِهم: أقواماً أَتَّسَمُوا
بسِمَةِ المعرفة وعلم اللغة، وألَّفوا كتباً أودَعُوها الصحيحَ والسقيم، وحشَوْها
بالمُزَالِ المُفْسَد، والمصحَّفِ المغيِّر، الذي لا يَتميَّزُ ما يَصِحُّ مِنه إلا عند النِّقَابِ
- هو العلامةُ البحَّاثةُ الفَطِنُ - المبرِّزِ، والعالمِ الفطِن، لنُحذِّر الأغمارَ اعتمادَ
ما دَوَّنوا، والاستنامةَ إلى ما ألَّفوا)).
ثم قال(٣): ((وممن ألَّف وجَمَعَ من الخراسانيين في عصرنا هذا، فصحَّفَ
وغيِّر، وأزال العربيةَ عن وجوهها: رجلان، أحدُهما يُسمَّى: أحمد بن محمد
الْبُشْتِي، ويُعرَف بالخارْزَنْجِي - توفي سنة ٣٤٨ -، والآخَرُ يُكنى أبا الأزهر
البُخاريّ .
فأما البُشْستي فإنه ألَّف كتاباً سمّاه (التكملة))، أوماً إلى أنه كمِّل بكتابه ((كتاب
(١) ٢٨:١ و٣٢ - ٣٤.
(٢) من ص ٨ حتی ص ٢٢ .
(٣) في ص ٣٢.

٤٣
العين)) المنسوبَ إلى الخليل بن أحمد. وأما البخاري فإنَّه سَمِّى كتابه ((الحصائل))،
وأعاره هذا الاسم لأنه قَصَد قَصْدَ تحصيل ما أغفله الخليل.
ونظرتُ في أول كتاب البُشْتِي، فرأيتُه أَثبَتَ في صدره الكتبَ المؤلّفةَ التي
استخرج كتابَه منها، فعدَّدها وقال: منها للأصمعي ... )) . - وساقها الأزهري
ثم قال - :
((قال أحمد بن محمد البُشْتي: استخرجتُ ما وضعتُه في كتابي من هذه
الكتب ، ثم قال: ولعلَّ بعضَ الناس يبتغي العنّت بتهجینه والقدحَ فیه، لأني
أسندتُ ما فيه إلى هؤلاء العلماءِ من غير سماع.
قال: وإنما إخباري عنهم إخبارٌ من صُحُفهم، ولا يُزري ذلك على من
عَرَف الغَثَّ من السَّمِين، وميَّز بين الصحيح والسقيم، وقد فعَلَ مثلَ ذلك
أبو تُراب صاحبُ كتاب (الاعتقاب))، فإنه رَوَى عن الخليل بن أحمد، وأبي
عَمْرو بن العلاء، والكسائي، وبينه وبين هؤلاء فترة، وكذلك القُتَسِيُّ رَوَى عن
سيبويه، والأصمعي، وأبي عَمْرو، وهو لم يَرَ منهم أحداً.
قلتُ أنا - القائل الأزهري - : قد اعتَّرَف البُشْتِي بأنه لا سماعٌ له في شيء
من هذه الكتب، وأنه نَقَل ما نَقَل إلى كتابه من صُحُفهم، واعتَلَّ بأنه لا يُزري
ذلك بمن عَرَف الغَثَّ من السَّمين.
وليس كما قال! لأنه اعتَّرَف بأنه صَحَفي، والصَّحَفي إذا كان رأسُ ماله
صُحْفاً قرأها، فإنه يُصحَّف فيُكثِرِ، وذلك أنه يُخْبِرُ عن كُتبٍ لم يَسمعها، ودفاترَ
لا يَدري أصحيحٌ ماكُتِبَ فيها أم لا؟ وإنَّ أكثر ما قرأناً من الصُّحف التي
لم تُضَبَط بالنّقْط الصحيحِ - أي بالشَّكْل -، ولم يَتولَّ تصحيحَها أهلُ المعرفة:
لَسَقِيمَةٌ لا يَعتمدُها إلا جاهل.
وأما قولُه: إنَّ غيرَه من المصنّفين، رَوَوْا في كتبهم عمن لم يَسمعوا منه، مثلَ
أبي تُراب، والقُتَبِي، فليس روايةُ هذين الرجلين عمن لم يَرياه حُجَّةٌ له، لأنهما

٤٤
وإن كانا لم يَسمعا من كل من رَوَيا عنه، فقد سَمِعا من جماعةِ الثقاتِ المأمونين.
فأما أبو تراب فإنه شاهَدَ أبا سعيد الضَّرِّيرَ سنين كثيرة، وسَمِعَ منه كتباً
◌َّة، ثم رحَلَ إلى هَرَاةَ فسَمِعَ من شِمْرٍ بعضَ كتبه. هذا سوى ما سَمِعَ من
الأعراب الفصحاء لفظاً، وحَفِظه من أفواهِهم خطاباً، فإذا ذكَرَ رجلًا لم يَرَه
ولم يسمع منه سُومِحَ فیه، وقيل: لعلّه حَفِظَ ما رأی له في الكتب من جهة سماع
ثبَتَ له، فصار قولُ من لم يَره تأييداً لما كان سَمِعَه من غيره، كما يَفعلُ علماءٌ
المحدِّثين، فإنهم إذا صحَّ لهم في الباب حديثٌ رواه لهم الثقاتُ عن الثقات،
أثبتوه واعتمدوا عليه، ثم ألحقوا به ما يؤيده من الأخبار التي أخذوها إجازةٌ.
وأما القُتَيي فإنه رجلٌ سَمِعَ من أبي حاتم السِّجْزِيّ كتبَه، ومن الرِّيَاشي
سَمِعَ فوائدَ جمّة، وكانا من المعرفة والإِتقان بحيث تُثْنَى بهما الخناصر - يقال:
فلان تُعْنى به الخناصر أي تبتدىُ به عدّاً إذا ذُكِرَ اشکالُهــ، وسمِعَ من أبي سعيد
الضرير، وسَمِعَ كتب أبي عُيَيد، وسَمِعَ من ابن أخي الأصمعي، وهما من
الشُّهرةِ وذهابِ الصيتِ والتأليفِ الحَسَن، بحيث يُعْفَى لهما عن خَطِيئَةٍ غَلَط،
ونَبْذِ زَلَّةِ تقع في كتبهما، ولا يُلحَقُ بهما رجلٌ من أصحابِ الزوايا لا يُعرَفُ إلا
بِقَرْيتِه، ولا يُوثَقُ بصدقِهِ ومعرفتِهِ، ونقلِهِ الغريبَ الوحشيَّ من نسخةٍ إلى نسخة،
ولعل النُّسَخَ التي نَقَل عنها ما نَسَخ كانت سقيمة.
والذي ادَّعاه البُشْتِي من تمييزِه بين الصحيح والسقيم، ومعرفتِه الغَثّ من
السَّمين: دعوى! وبعضُ ما قرأتُ من أول كتابه دلَّ على ضِدِّ دعواه، وأنا ذاكرٌ
لك حروفاً صحَّفها، وحروفاً أخطأ في تفسيرها، من أوراقٍ يسيرة كنتُ تصفّحتُها
من كتابه، لُأَثبِتَ عندك أنه مُبطِل في دعواه، متشبِّع بما لا يفي به)). ثم ذكر
الأزهري جملةً كبيرةً جداً من أغلاطِهِ وتصحيفاتِهِ لا داعي لنقلها هنا، ثم قال
بعدها(١):
(١) ص ٤٠.

٤٥
((وقد ذكرتُ لك هذه الأحرفَ التي أخطأ فيها، والتقطتُها من أوراقٍ قليلة،
لتَستدلَّ بها على أن الرجل لم يَفِ بدعواه، وذلك أنه ادَّعى معرفةٌ وحفظاً يُميِّزُ بهما
الغثَّ من السَّمين، والصحيحَ من السقيم، بعد اعترافه أنه استنبط كتابَهُ من
صُحُفٍ قرأها، فقد أقرَّ أنه صَحَفيِّ لا رواية له ولا مشاهدة! ودلَّ تصحيفُه
وخطؤه على أنه لا معرفة له ولا حفظ.
فالواجبُ على طلبة هذا العلم ألا يَغتَرُّوا بما أَوَدَع كتابَه، فإنَّ فيه مناكير
جّة، لو استَقْصَيتُ تَهذيبها اجتمَعَتْ منها دفاترُ كثيرة. والله يُعيدنا من أن نقولَ
ما لا نعلمه، أو نَدَّعيَ ما لا نُحسِنُه، أو نتكثَّرَ بما لم نُوْتَه، وفَّقنا الله للصواب،
وأداءِ النّصح فيما قصدناه، ولا حَرَمَنا ما أمُّلناه من الثواب.
وأما أبو الأزهر البُخَاري، الذي سَمِّى كتابه «الحصائل))، فإني نظرتُ في
كتابه الذي ألَّفه بخَطِّه، وتصفَّحتُه، فرأيتُه أقلَّ معرفةٌ من البُشْتِي، وأكثَرَ
تصحیفاً! ولا معنی لذکرٍ ما غيِّر وأفسد، لكثرته!)). انتهى .
ومن أجلِ هذا الذي أشار إليه أبو منصور الأزهري، وهو الوقوعُ في
التصحيف لمن أَخَذَ عن الكتب، ولم يَسمع من أفواهِ العلماء، ويُسند عنهم، قال
بعضُهم في فضلِ الإِسناد، يَذْكُرُ قوماً لا روايةً لهم:
لو ناظَرُوا بَاقِلًا يوماً لَمَا غَلَبُوا
ومِن بُطُونِ کَرَارِيسٍ رِوَايْتُهِمْ
كالبَيْتِ ليس له سَقْفٌ ولا طُنُبُ(١)
والعِلمُ إِن فَاتَّهُ إِسنادُ مُسْنِدِهِ
وقال الحافظُ أبو القاسم بن عساكر الدمشقي (علي بن الحسن)، المتوفى
سنة ٥٧١ رحمه الله تعالى، كما في ترجمته في ((الوفيات)) لابن خَلِّكان(٢):
وأَشْرَفُهُ: الأحاديثُ العَوَالِي
ألا إنَّ الحديثَ أجَلُّ عِلْمٍ،
وأحسَنُهُ: الفوائدُ والأَمَالِي
وأنفَعُ كلِّ نوعٍ منه عندي
(١) من ((الكفاية)) للخطيب البغدادي ص ١٦٣
(٢) ٣: ٣١٠.

٤٦
يُحقِّقُهُ كأفْوَاهِ الرِّجالِ
وإنك لن تری للعلمِ شيئاً
وخُذْهُ عن الرِّجالِ بلا مَلالٍ
فگنْ یا صَاحِ ذا حِرْصٍ علیهِ
ولا تأخُذْهُ مِن صُحُفٍ فَتُرمَى من التصحيفِ بالدَّاءِ العُضَالِ
وإليك هذا الخبرَ لتستزيدَ منه: المعرفةَ بقيمةِ الإِسناد، وبمنزلةِ التلقي
بالسَّنَّدِ عن الشيوخ عند المتقدمين، وهو خبرٌ عُجَاب.
جاء في ترجمة الإِمام الزمخشري (محمود بن عمر)، علامةِ العربية وشيخها
في عصره، المولود بخُوارزم سنة ٤٦٧، والمتوفى بها سنة ٥٣٨ عن ٧١ سنة، أنه
قصَدَ - للتحمُّل والرواية - الإِمامَ أبا منصور الجَوَاليقي البغداديَّ (موهوبَ بنَ
أحمد)، عالَمَ الأدب واللغة، وأحَدَ مفاخِرِ بغداد في زمانه، المولود بها سنة ٤٦٦،
والمتوفى بها سنة ٥٤٠ عن ٧٤ سنة رحمه الله تعالى.
قصَدَه لَيَقرأَ عليه، ويَتحمَّلَ منه، ويَستجيزَ الروايةَ عنه، إذْ لم يكن لدى
الزمخشري على غزيرِ علمِهِ لقاءٌ للشيوخِ ولا روايةٌ بالإِسناد، وكان ذلك في سنة
٥٣٣، أي قبلَ وفاةِ الزمخشري بخمسٍ سنوات، وهو إذْ ذاك في السادسةِ
والستين من العُمر.
قال القاضي ابنُ خَلِّكان في كتابه ((الوَفَيَات))(١)، في ترجمة الإِمام أبي اليُمْن
الكِنْدِي(٢)، (زيد بن الحَسَن) الأديبِ المُقرِىء النُّحْوِي البغدادي الدمشقي،
(١) ١ : ١٩٦.
(٢) هكذا الصواب في كنيته: (أبو اليُمْن)، بضم الياء وسكون الميم بعدها. وقد
وقع محرَّفاً تحريفاً غريباً! في المقدمة التي كتبها ثلاثة من الأفاضلِ أركانِ العلم بالعربية
لكتاب ((الحُجَّة في ◌ِلَل القراءات السُّبْع)) لأبي علي الفارسي، المطبوع بالقاهرة سنة ١٣٨٥،
فقد كتبوه فيها وكرِّرُوه في ص ٣٧ و٣٨ و٣٩ بلفظ (أبو اليمين) هكذا! بياءٍ قبلَ الميم وياءٍ
بعدَها! وهو تحريفٌ فاحش عجيب! يُتعجّبُ كيف سَرَى على المحقّقين الثلاثة! مع
رجوعِهم لترجمةِ أبي اليُمْن، وكيف سَرَى أيضاً على الحُجَّةِ المحقّق مُراجعِ الكتاب معهم ! =

٤٧
المعمِّر، المولودِ في بغداد سنة ٥٢٠، والمتوفى بدمشق سنة ٦١٣، عن ٩٣ سنة
رحمه الله تعالى، قال:
((ونُقِلَ من خَطِّه أي خَطِّ أبي اليُمْنِ: كان الزمخشريُّ أعلمَ فضلاءِ العَجَمِ
بالعربية في زمانه، وأكثرهم اكتساباً واطِّلاعاً على كتبها، وبه خُتِمَ نُضَلاؤهم،
وكان متحقِّقاً بالاعتزال، قَدِمَ علينا بغدادَ سنةً ثلاثٍ وثلاثين وخمسٍ مئة، ورأيتُهُ
عند شيخنا أبي منصور الجَوَاليقي مَرَّتين قارئاً عليه بعضَ كتبِ اللغةِ من فَوَاتحها،
ومستجيزاً لها، لأنه لم يكن له - على ما عنده من العلم - لِقاءً ولا رواية، عَفَا الله
عنه وعنًا)». انتهى(١).
وكان الزمخشري قبلَ هذا التاريخ بسنين طويلة، إماماً تُضرَبُ إليه أكبادُ
الإِبِل إلى خُوارَزْم، وتُحَطُّ بفِنَائِهِ رِحَالُ الرِّجَال، وتُحدَى باسمِهِ مَطَايا الآمال،
وما دَخَل بلداً إلا اجتمعوا عليه، وتتلمذُوا له، واستفادوا منه، وكان يقال له:
عَلَّمَةُ الأدب، ونَسَّابَةُ العرب، فما نقَصَهُ وهو بهذه المكانةِ السامية، أن يَستزيد
= فاقتضى التنبية إليه.
هذا، وقد وقع نحوُ هذا التحريف في ((هَذي الساري)) للحافظ ابن حجر في طبعتيه :
البولاقية ص ٤٨١ والمنيرية ٢: ١٩٥، في ترجمة البخاري في (ذكر سيرته وشمائله)، فجاء
بلفظ (أبي اليمان الكِنْدي)، وصوابه أبو اليُمْن، بضم الياء كما جاء مشكولاً في النسخة
المخطوطةِ المقروءة على الحافظ ابن حجر، وعليها خطّه، المحفوظة في (مكتبة الرياض
السعودیة) في ص ٦٠٣ منها.
(١) ذَكَّر هذا الخبرَ الوزيرُ جمالُ الدين القِفْطي، في كتابه ((إنباه الرواة على أنباه
النحاة)) ٣: ٢٧٠، في ترجمة الزمخشري. ووقع فيه هناك من تصرُّف محقِّق الكتاب وترجيحِهِ
الخاطىء ! - إذْ رَجْح وأثبَتَ في نَصّ الكتاب لفظةَ (قُلتُ) بدلاً من لفظةِ (قَالَ) التي جاءَتْ
في الأصل - مَا جَعَلَ الرائيَ والحاضرَ والراوِيَ لهذا الخبرِ هو: القِفْطِيُّ مؤلّفَ ((إنباءِ الرواة))!
في حين أنَّ الرائيَ والراوِيَ والمُشاهِدَ له هو: أبو اليُمْنِ الكِنْديُّ المذكور، لأن القِفْطيِّ وُلِدَ
سنة ٥٦٨، أي بعد وفاةِ الزمخشري بثلاثين سنة، فكيف يَراهُ ويلتقي به وهو بعدُ لم يُولّد؟ ! .

٤٨
الفضائلهِ شَرَفَ التلقي، بالرواية والإِسناد، وما كُبُرَ عليه أن يَجلِسَ جِلْسةَ الطالب
المستفيد، ويستزيدَ بطريقِ التحمُّلِ والسِّمَاعِ المُسْنَدِ ما يَستزيد. وذاك شاهدٌ
رفيعٌ من مثلهِ بأنَّ التلقِّيَ بالإِسنادِ وِسَامٌ عظيم.
قال الإِمام ابنُ الجوزي رحمه الله تعالى، في فاتحة كتابه اللطيف: ((الحثُّ
على حفظِ العلم وذكرُ كبارِ الْحُفَّاظ))(١)، مشيراً إلى مَزِيَّةِ ما خُصَّتْ به هذه الأُمَّةُ
المحمدية :
((أما بعدُ فإن الله عز وجل خَصَّ أُمَّتَنا بحفظِ القرآنِ والعِلم، وقد كان مَنْ
قبلَنا يقرأون كتبّهم من الصُّحُف، ولا يَقدِرُون على الحفظ، فلما جاء عُزَيْرٌ فقرأ
التوراة من حفظِهِ قالوا: هذا ابنُ الله.
فكيف نَقُومُ - نحن معشر المسلمين - بشُكْرٍ مَنْ خَوَّلَنا أنَّ ابنَ سَبْع سنين
مِنَّا يَقرأ القرآنَ عن ظَهْرٍ قلب.
ثم ليس في الأُمَم ممن يَنقُلُ عن نبيِّهِ أقوالَهُ وأفعالَهُ على وَجْهٍ يَحصُلُ به الثقةُ
إلا نحن، فإنه يَروي الحديثَ مِنَّا خالِفٌ عن سالِف، ويَنظُرُون في ثِقةِ الراوي إلى
أن يَصِلَ الأمرُ إلى رسولِ الله. وسائرُ الأمم يَرْؤُونَ ما يذكرونه عن صَحِيفةٍ،
لا يُدرَى مِن كَتَبها، ولا يُعرَفُ من نَقلَها.
وهذه المنحةُ العظيمةُ نفتقِرُ إلى حِفظها، وحِفظُها بدوامِ الدراسةِ ليَبقَى
المحفوظُ، وقد كان خَلْقٌ كثيرٌ من سَلَفِنا يحفظون الكثيرَ مِن الأمر - كذا،
وصوابه: من العِلمِ -، فآل الأمرُ إلى أقوامٍ يَفِرُون من الإِعادةِ مَيْلاً إلى
الكَسَل، فإذا احتاج أحدُهم إلى محفوظٍ لم يَقدِر عليه!))(٢). انتهى.
(١) ص ٢٣ .
(٢) قال الحافظ الخطيب البغدادي في ((الكفاية)) ص ٢٣٠: ((قال مروانُ بنُ محمد:
ثلاثةٌ ليس لصاحبِ الحديثِ عنها غِنى: الحِفِظُ، والصدقُ، وصِحَّةُ الكُتُب، فإن أخطأَتْهُ
واحدة وكانت فيه ثِنتانٍ لم يَضُرُّه: إن أخطأَ الحفظَ، وَرَجْعَ إلى صِدقٍ وصِحَّةٍ كتبٍ لم يَضرِّ ..
وقال أيضاً: طالَ الإِسنادُ وسَيْرجِعُ الناسُ إلى الكُتُب)». انتهى.
=

٤٩
إنَّ علماءنا المتقدمين - رضي الله عنهم - نَقَلوا لنا هذا الدِّينَ وعلومَه
بضبطٍ وإتقانٍ يضاهي ضبطَ الآلات المسجّلةِ اليوم، وأَدَّوْا الأمانةَ العلميةَ لمن
بعدهم خيرَ أداء، فرحماتُ الله عليهم ورضوانُه العظيم(١).
=
وقد رَسَمِ الإِمامُ ابنُ الجوزي طريقةَ إِحكامِ الحِفظِ وإتقانِهِ في كتابه المذكور، فقال فيه
ص ٣٥: ((البابُ الرابع في بيان طَريقِ إحكام المحفوظ: الطريقُ في إحكامه: كثرةُ الإِعادة،
والناسُ يتفاوتون في ذلك، فمنهم من يَثْبُتُ معه المحفوظُ مع قلةِ التكرار، ومنهم من
لا يَحفظُ إلا بعدَ التكرارِ الكثير.
فينبغي للإنسان أن يُعيد بعدَ الحفظ، لَيَثبُتَ معه المحفوظ، وقد قال النبي صلى الله
عليه وسلم: ((تعاهَدُوا القرآنَ، فإنه أشَدُّ تَفَصِّياً من صُدُور الرجال من النَّعَم من عُقُلِها)»
- رواه البخاري ومسلم - .
وكان أبو إسحاق الشيرازي يُعيدُ الدرسَ مِئَةَ مرَّة، وكان إِلْكِيَا - الهَرَّاسِيّ - يُعِيدُ
سبعين مرَّة. وقال لنا الحَسَنُ بنُ أبي بكر النيسابوري الفقيهُ: لا يَحصُل الحفظُ إلا حتى يُعادَ
خمسين مرة. وَحَكَى لنا الحَسَنُ أن فقيهاً أعاد الدرسَ في بيتِهِ مِراراً كثيرة، فقالَتْ له عجوزٌ
في بيتِهِ: قد واللَّهِ حَفِظتُهُ أنا، فقال: أَعِيدِيهِ فأعادَتْهُ، فلما كان بعدَ أيام قال: يا عجوز،
أَعِيدي ذلك الدرسَ، فقالت: ما أحفَظُهُ، قال: أنا أكرِّرُ هذا الحِفِظَ لئلا يُصِيبَني
ما أصابك». انتھی.
وانظر طائفةً ممن كان على هذه الهِمَّةِ العلياء، من نُبَغاءِ العلماء، في كتابي ((صَفَحات
من صبر العلماء على شدائدِ العلم والتحصيل)»، في الخبر ١٩٤ وما علّقته عليه.
(١) هذا، ووقفتُ بعد فراغي من هذه الرسالة على مقالٍ ماتعٍ جامعٍ للعلامة
الأستاذ الدكتور صالح أحمد العلي رئيس المجمع العلمي العراقي، بعنوان (الرِّوَايَةُ
والأسانيدُ وأثرُهما في تطور الحركةِ الفكرية في صَدْرِ الإِسلام)، نَشَرَهُ في مجلة المجمع العلمي
العراقي، في المجلد ٣١ في العدد ١ عددٍ صفر سنة ١٤٠٠ كانون الثاني ١٩٨٠، في
٢١ صفحة من ص ١١ - ٣٣، فأحيل القارىء الباحث إلى الوقوف عليه، ففيه لمحات
طيبة في موضوع الإسناد والرواية .

٥٠
هذا، وبَقِيَ عليَّ هنا أن أُنَبِّه إلى أمرين اثنين هامّين، أحدُهما حديثٌ
موضوع! أورده بعض العلماء في بيان فضل (الإِسناد) فلم يُصِب. والآخرُ تحريفٌ
عجيب! وقع في كلمة الإِمام عبد الله بن المبارك، التي صدِّرْتُها في أول الكلمات
التي جاءت عن الأئمة في فضل (الإِسناد)، فأردتُ كشفَ هذا التحريف، وتجليةً
الصواب فيه بالشواهد الناطقة .
ويتضمن كشفُ هذا التحريف ذكرَ تصحيفاتٍ متعددةٍ، وقعت في كلمة
واحدة على وجوهٍ شتى، تصلحُ لدراسة تحول الكلمة عن وجهها شيئاً فشيئاً
- عندما تحرف - ، حتى تصبحَ أبعد ما تكون عن أصلها وحقيقتها.
حديث موضوع في فضل الإسناد:
أما الحديث الموضوع! فهو ما جاء في ((شرح المواهب اللدنية))(١)، لخاتمة
المحدثين العلامة الزرقاني رحمه الله تعالى، وذلك قولُه فيها: ((أخرج الحاكم
وأبو نُعَيم وابنُ عساكر عن علي مرفوعاً: ((إذا كتبتم الحديثَ فاكتبوه بإسنادِهِ، فإن
يكُ حقاً كنتم شركاءَ في الأجر، وإن يكُ باطلاً كان وِزْرُه عليه)». وفيه شَرَفُ
أصحاب الحديث، ورَدُّ على من كَرِه كتابتَه من السَّلَف. والنهيُ عنه في خبرٍ آخَرَ:
منسوخٌ أو مؤوِّل)». انتهى كلام العلامة الزرقاني.
ونقَلَه عنه العلامةُ الشيخُ عبدُ الحي اللَّكْنَوِي في كتابه («الأجوبة
الفاضلة))(٢)، على الاعتمادِ والاستنادِ إليه، دون أي ترددٍ فيه! وسبَقَهما إلى نقلِهِ
والاستدلالِ به على الإِذنِ بكتابةِ الحديث شيخُ الإِسلام سيِرَاجُ الدين البُلْقِيني
عُمَرُ بن رَسْلَان شيخُ الحافظ ابن حجر، في كتابه ((محاسن الاصطلاح» المطبوع
مع ((مقدمة ابن الصلاح) (٣)، فقال: ((فَقد جاء عن علي مُسنَداً مرفوعاً: إذا كتبتم
(١) ٥ :٤٥٤.
(٢) ص ٢٦ .
(٣) ص ٣١٠ في أوائل (النوعُ الخامسُ والعشرون في كتابةِ الحديث ... ).

٥١
الحديثَ فاكتبوه بِسَنَدِه)). انتهى. ونقّلَه عنه وتابعَهُ عليه مُتابعةً تامة الحافظُ
البِقاعيُّ، في ((النُّكَت الوفية بما في شرح الألفية)) للعراقي(١)، ولم يَعْزُوَاهُ إلى
مصدرٍ حديثيّ .
وهذا منهم رحمهم الله تعالی عجيب، فإنهم محدِّثون وناقدون بصیرون،
فكيف غَفَلوا عنه وأقُرُّوه في كتبهم؟ والظاهرُ أنهم نقلوه على المتابعةِ دون توجهٍ
للكشف عنه، وهذا يقَعُ مِثْلُه لكثير من كبار العلماء والأئمة. والحديثُ ذكره
السيوطي في ((الجامع الصغير)) وقال شارحه العلامة المُناوي في ((فيض
القدير))(٢): ((قال الذهبي في الميزان: موضوع))(٣).
أما التحريف العجيبُ الذي وقع في كلمة الإِمام عبد الله بن المبارك،
فإليك بيانَه وكشفَه وشواهده العديدة، وهي على طولها وكثرتها: لطيفةٌ طريفة في
(١) في الورقة ٢٧٥ من المخطوط.
(٢) ١ : ٤٣٤ .
(٣) قلت: قال الذهبي في (الميزان)) ٤: ٩٨، ((مَسْعَدَةُ بن صَدَقَة، عن مالك، وعنه
سعيدُ بنُ عَمْرٍو، قال الدارقطني: متروك. قلتُ: رَوَى عَنْهُ عَبَّادُ بنُ يعقوب الرِّوَاجِنِيّ،
حدِّثنا سعيدُ بن عَمْرو، عن مَسْعَدَة بن صَدَقة، عن جعفر بن محمد، عن أبيهِ، عن جدِّه،
عن أبيهِ، عن علي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا كتبتم الحديثَ فاكتبوه
بإسناده، ... هذا حديث موضوع)». انتھی.
وأقرَّه الحافظ ابن حجر في ((اللسان)) ٦: ٢٢. ووقع فيهما: (رَوَى عن عَبَّادٍ بن يعقوب
الرِّوَاجِني). وهو تحريف عما أثبتُه، لأن العبارة هكذا تُفسِدُ الإِسناد، فَتَجعَلُ (عَبَّاداً) شيخَهُ،
وتَجعَلُ (سعيد بنَ عَمْرو) شيخَ شيخِه، ثم تجعلُهُ الراويَ عن (صدقة)! فلذا صححتها كما
رأيت. ولم أجد الحديثَ في ((معرفة علوم الحديث)) للحاكم، ولا في ((الحِلية)) المطبوعين،
فالله أعلم.
ومن أجل معرفة موضع قولِ الذهبي هذا في ((الميزان))، طالعتُ ((الميزان)) كلَّه في أقلّ
من عشرين يوماً، في أول أيام استزارتي من جامعة أم دُرْمَان في مدينة الخُرطُوم بالسودان، في
٨ من رجب حتى ٢٥ منه لعام ١٣٩٦ .

٥٢
مضمون أخبارها، تتضمنُ جانباً مهماً من تاريخ بعضٍ حياة المحدِّثين والعلماء،
وقُوَّة حفظهم ومُباراتهم به .
رَوَى مسلم في ((مقدمة صحيحه))(١)، بسنده إلى ((عَبْدانَ بن عثمان يقول:
سمعتُ عبد الله بن المبارك يقول: الإِسنادُ من الدين، ولولا الإِسنادُ لقال من
شاء: ما شاء)). ورَوَى هذه الكلمةَ أيضاً الترمذيُّ في كتابه ((العِلَل الصغير))
الملحق بآخر كتابه ((الجامع)): ((السنن))(٢)، وابنُ أبي حاتم في ((الجرح
والتعديل))(٣)، وابنُ حبان في ((كتاب الضعفاء والمتروكين))(٤)، والرَّامَهُرْمُزِيُّ في
((المحدِّث الفاصِل))(٥)، والحاكمُ في (معرفة علوم الحديث))(٦)، وابنُ عبد البر في
«التمهيد»(٧).
كما رواها الخطيب البغدادي في ((شرف أصحاب الحديث))(٨)،
و((الكفاية))(٩)، و((الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع))(١٠)، وابن الصلاح
في ((علوم الحديث))(١١)، وابنُ تيمية في ((منهاج السنة النبوية))(١٢)، وابنُ
عبد الهادي في ((الصارم المنكي)) (١٣)، والذهبي في ((تذكرة الحفاظ))(١٤)، في ترجمة
(أبي الفتح محمد بن أحمد بن أبي الفوارس)، والتاج السبكي في ((طبقات
الشافعية))(١٥)، والسّخاوي في ((فتح المغيث))(١٦)، والسيوطي في ((تدريب
(١) ٨٧:١ بشرح صحيح مسلم للنووي.
(٢) ٣٠٧:١٣ بشرح ابن العربي و٤: ٣٨٨ بشرح المباركفوري من طبعة الهند.
(٣) ١/١ :١٦.
(١٠) ١٤٧:٢.
(٤) ١ : ١٨.
(١١) ص ٢١٥ .
(١٢) ٤ : ٩٦.
(٥) ص ٢٠٩.
(١٣) ص ٢٦٨ .
(٦) ص ٦.
(١٤) ٤ : ١٠٥٤.
(٧) ١ : ٥٦.
(٨) ص ٤١.
(١٥) ١ :١٨٧.
(١٦) ص ٣٣٥.
(٩) ص ٣٩٣.

٥٣
الراوي))(١)، والزُّرقاني في ((شرح المواهب اللدنية))(٢).
وذكرها بعضُ هؤلاء الأئمة من غير سند، وأكثرُهم اقتصر على هذا القدر
المذكور منها، وأتَّها بعضُهم فذكرَها بلفظ «الإِسنادُ من الدين، ولولا الإِسنادُ
لقال من شاء: ما شاء، فإذا قيل له: من حدَّثك؟ بَقِي!)). أي بَقِيَ ساكتاً
مُفْحَماً، أو بَقِيَ ساكتاً مَبْهُوْتاً منقطعاً عن الكلام(٣).
(١) ص ٣٥٩.
(٢) ٥ :٤٥٣.
(٣) وهذا أسلوبُ معروفُ الاستعمالِ في مُحاوَرَاتِ أهلِ القرن الثاني والثالثِ
والرابع، يَحِذِفون بقيّةَ هذه الجملةِ للعلم بها، وأدَباً منهم في طيِّها، لأنها تكثِفُ عن ضَعْفٍ
المَقُولَةِ فيه أو نَقْده، فيطوونها للبُعدِ عن التصريح بما يُفيدُ الذمَّ أو النقصَ . وهذا خُلُقٌ
كريمٌ رفيعٌ مُرَاعَىْ عند السلف، بل ما يَزالُ يُراعَى عند بعضِ الناس إلى يومِنا هذا،
فيقولُ الكلمةَ ويَطوي ما وراءَها مما فيه الشِّينُ والعيبُ، فَتُعلَمُ من غيرِ النطق بها. وهذه
نُكتَةً غاليةٌ عَذْبَةٌ فَتَح الله بها.
ثم غاب هذا الأسلوبُ وغَمُضَ معناه في هذه الجملة، بتقادُمِ تَرْكِه، فلذا وقع في
كلمةٍ ابن المبارك هذه وأشباهِها التي جاء فيها: (فَبَقِيَ) تحريفاتٌ كثيرة، لعدم استعمالها
في مُحادثاتِ الناس بعدَ تلك القرون.
ولحذفِ الكلمةِ المكروهةِ في مُحاوَرَاتِ العرب - كِيَاسَةٌ وأدَباً وترفُعاً ورِفْقاً،
واستغناءً بذكرِ ما قبلَها عنها - شواهدُ كثيرةً في كلامهم، بل في كلامِ الناسِ اليومَ من
ذلك شيءٌ کثیر.
١ - فمن شواهدٍ حَذْفِها في كلامِ الصحابةِ الكرام، لرعايةِ ما أشرتُ: ما جاء في
(تاريخ بغداد)) للخطيب ٤: ١٣٥ ((عن محمد بن السائبِ بنِ بَرَكة، عن أُمِّهِ قالت: طُفتٌ
مع عائشة بالبيتٍ في نسوةٍ من بني المغيرة، فذكّرْنَ حَسَّانَ بنَ ثابتٍ وَوَقَعْنَ فيه، فقالت
عائشةُ: ابنُ الفُرَيْعَةِ تَسُبُّونَهُ منذ الليلة! قُلْنَ: يا أمَّ المؤمنين، إنه ممِّنْ، قالت: أليس هو
القائلَ : - أي في الرد على أبي سفيان قبلَ إسلامِهِ - :
هَجوتَ مُحَمِّداً وأَجبتُ عنه وعندَ اللَّهِ في ذاكَ الجَزّاءُ
=

٥٤
فإنَّ أَبِي وَوَالِدَهُ وعِرْضِي لِعِرْضٍ مُحمَّدٍ منكم ◌ِقَاءُ
=
واللَّهِ إني لأرجو أن يُدخِلَهُ اللَّهُ الجنة)). انتهى. أي بذَبِّهِ عن النبي صلى الله عليه
وسلم بلِسَانِهِ. وقَوْهُنَّ: (إِنَّهُ مِمنْ)، يَعْنِينَ أنه ممن خاضَ في خَبَرِ الإِفك.
٢ - ومن الشواهد أيضاً ما جاء في ((صحيح البخاري)) ١: ٥٣٢، في كتاب الصلاة
(باب نوم المرأة في المسجد): ((عن عائشة رضي الله عنها أنَّ وَلِيدَةً كانت سوداءَ لحيّ من
العرب، فأعتقوها فكانَتْ مِعَهُمْ، قالَتْ - أي الوليدةُ -: فخرجَتْ صَبِيَّةٌ لهم عليها وِشَاحٌ
أُحَمَرُ من سُيُور، قالَتْ: فوضَعَتْهُ أو وَقَعَ منها. فمَرَّتْ به حُدَيَّةٌ وهو مُلْقَىْ، فَحَسِبَتْهُ لَحْماً
فخَطِفَتْهُ.
قالت: فالتّمَسُوه فلم يجدوه، قالت: فاتَّهموني به، قالت: فطَفِقُوا يُفَتِّشون حتى
فَتِّثُوا قُبُلَها - تعني الوليدةُ نفسَها ولكنها أسندت الكلام بلفظِ الغَيْبَةِ أدباً منها وخجلاً -،
قالت: واللَّهِ إني لقائمةً معهم إذ مَرَّتْ الْحُدَيَّةُ فَأَلقَتْهُ، قالَتْ: فوقع بينهم، قالت: فقلتُ:
هذا الذي اتّهمتوني بهِ زَعَمْتُم ، وأنا منه بَرِيئَةً وهُو ذَا هُو.
قالت: فجاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلَمَتْ، قالت عائشة: فكان
لها خِبَاءٌ في المسجد أو حِفْشٌ - بيتٌ ضيِّق صغيرً متواضع من بيوت الأعراب -، قالت:
فكانت تأتيني فَتَحدَّثُ عندي، قالت: فلا تجلِسُ عندي مجلساً إلا قالت:
ويومَ الوِشَاحِ مِن تعاجِيبٍ رَبِّنا أَلَا إِنه من بَلْدَةِ الكُفْرِ أَنْجاني
قالت عائشة: فقلتُ لها: ما شأنُك لا تقعدين مقعداً إلا قلتِ هذا؟ قالت: فحدَّثَتْني
بهذا الحديث)). انتهى. والشاهدُ أنها طَوَتْ من الذكرِ مفعولَ (زَعَمْتُمْ)، وهو (أني سرقتُهُ)،
كراهة التصريح به ولمعرفته من السياق.
وقولها: (من سُيُور) أي من سُيُورِ الجلد، وهي الخُيوطُ العريضةُ التي تُقَدُّ من الجلد.
وقولها في البيت (أنجاني) روايةٌ أوردها البخاري هنا، وأَورد روايةً ثانية: (نَجَّاني)
بتشديد الجيم، في الجزء ٧: ١٤٨، في كتاب مناقب الأنصار (باب أيام الجاهلية). والوُشاحُ
بكسر الواو ويجوزُ ضمّها: خَيْطانِ من لؤلؤ وجوهر، منظومانٍ، يُخالَفُ بينهما، معطوفٌ
أحدُهما على الآخر، ونَسِيجٌ عريضٌ من أَديمٍ يُرصِّعُ بالجواهر، وتَشُدُّهُ المرأةُ بين عاتِقها
وكَشْجِها. ومعذرةً من الإِطالة ففي الحديث قصةٌ طريفة، ولذا أوردتُه بطوله.
=

٥٥
ولفظُ (بَقِيَ) بصيغة الفعل الماضي، كما جاء في ((العلل الصغير)) للترمذي،
و((الضعفاء والمتروكين)) لابن حبان، و((التمهيد)) لابن عبد البر، و«الكفاية)»
للخطيب البغدادي، و((تذكرة الحفاظ)) للذهبي. وكما رأيته في أكثر من نسخة
مخطوطة موثوقة من ((سُنن الترمذي)).
ومنها: ثلاث نسخ في المكتبة الظاهریة بدمشق، إحداها كُتِبَتْ سنة ٥٤٠،
وفي آخرها سماعات كثيرة جداً، وقد قُرِئتْ هذه النسخة على حافظ الدُّنيا
أبي الحَجَّاجِ المِزِّي رحمه الله تعالى، ورقمُها في المكتبة الظاهرية (ح: ٥٢٨).
والثانيةُ كُتبت سنة ١٠٩٩، ورقمها (ح: ٧٩٤)، والثالثةُ كُتبت سنة ١٢٠٢
ورقمها عام (٦٣٤٢).
والرابعةُ: نسخة في المكتبة المحمودية بالمدينة المنورة، عليها شرحُ
أبي الطيب السُّنْدي. وقد كُتِبَتْ كلمةُ (بَقِيَ) في جميع النسخ التي رأيتها بصيغة
الفعل الماضي واضحةً جليّة، لا لَبْسَ فيها ولا احتمال.
ومع الأسف الشديد: قد تلوَّن التحريفُ فيها ألواناً شتى من النُّسَّاخِ،
وذلك لبُعدٍ فهمهم عنها، لانقطاع استعمالها في الأزمان المتأخرة، فتخبَّط فيها
النّساخ، ثم تَبِعهم كثيرٌ غيرُهم من المصحّحين والمحقِّقين، واستنكروا صِحةً هذه
الكلمة! لعدم وقوفهم على استعمالها ومعناها! والإِنسانُ ـ كما قيل - عَدوُ
ما جھِل.
=
٣ - ومن الشواهد أيضاً قولُ الصحابي الجليل عبدِ الله بن مسعود رضي الله عنه،
حين رَوَى الحديثَ المرفوع: ((الطَّيّرَةُ شيرْك))، قالَ بعدَهُ: ((وما مِنَّا إلَّ، ولكنَّ اللَّهَ يُذهِبُهُ
بالتوكل)). رواه أبو داود ٤: ٢٣٠، في كتاب الطب (باب الطَّيْرَة)، والترمذي ٤: ١٦٠، في
كتاب السِّير (باب ما جاء في الطّيرة)، وقال: ((هذا حديث حسن صحيح))، وابن ماجه
٢: ١١٧ في الطب (باب من كان يُعجِبُهُ الفَأْل).
قال الإِمام الخطابي: ((قولُهُ: (وما مِنَّا إلا)، معناه: إلاَّ مَنْ يَعترِهِ التطيِرُ، ويَسِقُ إلى
قلبِهِ الكرامَةُ منه، فحُذِفَ اختصاراً للكلام، واعتماداً على فَهْمِ السامع)).

٥٦
وأذكُرُ هنا بعضَ العبارات التي حُرِّفتْ فيها هذه الكلمة، ليقف القارىء
على وجوه التحريف فيها، ثم أسوقُ شواهدَ صحةِ استعمالها، ليتضح للقارىء في
أيامنا هذه كيف كانت هذه الكلمة شائعةً متداولةً قبلَ أَكثرَ من ألفٍ سنة .
١ - رَوَى الحافظ ابن عبد البررحمه الله تعالى في ((التمهيد))(١)، من طريق
الحسين بن الحسن المَرْوَزي، عن ابن المبارك، قال: ((لولا الإِسنادُ لقال كلُّ من
شاء: ما شاء، ولكن إذا قيل له: عمن؟ بقي!)). انتهى.
ولم يُوفَّق محقِّقًا كتاب ((التمهيد)) لفهم العبارة، فعلَّقا عليها بقولهما: ((كذا
ورد في النّسخِ التي بين أيدينا، ولعلَّ في الكلام بَتْراً؟ نشأ عن عدم تثبتِ
الناسخين، لأن المعنى غيرُ ظاهر ما بقي التعبيرُ على حاله)). انتهى تعليقُهما
وتغليطُهما لصحة الكلمة التي وردت على الصحة في جميع النسخ التي بين يديهما!
والتعبيرُ سليم قويم، لا شِيَةَ فيه، ولكن لما فاتهما الوقوفُ على أصل هذه الكلمة
ومعنى استعمالها، غلَّطاها وقالا: ما قالا!
٢ - وعندما أورد الترمذيُّ الكلمة بتمامها في كتابه «العِلَل)) الصغير آخِرَ
كتابِهِ (الجامع)(٢)، تردّد شارحُهُ المباركفوري في (تحفة الأحوذي)) في شرح
معناها، فقال: ((قولُه: (فإذا قيل له: من حدَّثك؟ بقي!) بفتح الموحدة وكسر
القاف، كذا ضُبِطَ بالقلم في النسخة الأحمدية، وقال محشيه: أي سَكَت. قلتُ
- القائل المباركفوري -: لم أجد في كتب اللغة: البقاءَ بمعنى السكوت،
والظاهرُ عندي أن المراد بَقِيَ حيران، أو بَقِيَ ساكتاً. وفي بعض النسخ: يَقِي
بفتح الياء التحتية، وكسر القاف، من وَقَى يَقِي، أي يَصُونُ نفسَه عن التحديث
(١) ١ :٥٦.
(٢) ٤ :٣٨٨.

٥٧
بلا إسناد، قال في ((القاموس): وَقَاء وَقْياً وواقِیةً: صانه)). انتهى .
٣ - وجاء في ((شرح عِلَل الترمذي)) للحافظ ابن رجب الحنبلي(١)، من
رواية الترمذي في ((العِلَل))، من طريق ((عَبْدَان، عن ابن المبارك ... فإذا قيل
له: من حدَّثك؟ نفى)). انتهى. ومَرَّ عليه محقِّقُه على الإِقرارِ والموافقةِ دون
توقف!(٢).
٤ - وجاء فيه أيضاً(٣) ((وخرّج البيهقي من طريق علي بن حُجْر، قال:
قال ابن المبارك: لولا الإِسنادُ لذهب الدِّينُ، ولقال امْرؤٌ ما شَاءَ أن يقولَ(٤)،
ولكن إذا قلتَ: عمِّن؟ يبقى)). انتهى. ومَرَّ عليه محقِّقُه أيضاً دون تردُّدٍ
أو استشكال!(٥).
٥ - وعندما وقف الأستاذ عزيز القادري محقق كتاب ((الضعفاء
والمتروكين)) لابن حبان(٦)، على هذه الكلمة: (بَقِي)، توقف فيها، وعلّقَ عليها
(١) ص ٨٧ بتحقيق السيد صبحي السامَرَّائي.
(٢) وجاء في الكتاب نفسه ٥٦:١ بتحقيق الدكتور نور الدين عتر: (بَقِي)، وعلَّقَ
عليه بقوله: (أي بقي حائراً أو ساكتاً. وفي بعض النسخ (يَقِي) أي يقي نفسَهُ من الكذب.
انظر شفاءَ الغَلَل شرحَ العِلَلِ، آخِرَ تحفة الأحوذي ٣٨٨:٤). انتهى. فتردِّدَ في صحة
كلمة (بَقِي)، إذْ ذَكَر معها (يقي)، وفسرِّها أيضاً، والتفسيرُ فرعُ الصحة. و(يقي) تحريفٌ
لا ريب فيه، والصواب (بَقِي).
(٣) ص ٨٨ بتحقيق السيد صبحي السامرائي.
(٤) وقع في هذه الجملة هناك تحريف! فجاءت (ولقالَ مَنْ شاءَ أن يقول).
والصواب فيها كما أثبتُهُ وكما جاء في طبعة الدكتور عتر وطبعة الدكتور همَّام.
(٥) وهكذا وقع في الكتاب نفسه: ((شرح علل الترمذي)) ١: ٣٦٠ بتحقيق الدكتور
حَمَّام سعيد. والصواب فيه: (بَقِي).
(٦) ١٨:١ من طبعة حيدرآباد الدكن سنة ١٣٩٠.

٥٨
في الحاشية بقوله: ((كذا في نسخة ح ونسخة و، وعليه بين السطور حاشية
(کذا).)). انتهى.
وسَبَبُ هذا التوقف منه وممن وقف عليه قبله على هذه اللفظة في تينك
النسختين: غموضُ معناها بالنسبة لمخاطباتِ الناس ومُكاتباتِهم في معهودهم.
٦ - وجاء في ((مناقب الشافعي)) لابن أبي حاتم الرازي(١): ((سمعتُ
محمد بن عبد الله بن عبد الحكم: سمعتُ الشافعيَّ يقول: اجتمع مالك
وأبو يوسف عند أمير المؤمنين - هارون الرشيد -، فتكلَّموا في الوُقُوفِ
وما يُحُبِّسُهُ الناس.
فقال يعقوبُ - أبو يوسف -: هذا باطلٌ قال شُرَيحٌ: جاء محمدٌ
- صلى الله عليه وسلم - بإطلاقِ الْحُبُس، فقال مالك: إنما أَطلَق ما كانوا
يُحُبِّسُونه لآلهتِهم من البَحِيرة والسَّائِبة، فأمَّا الوُقُوفُ فهذا وَقْفُ عمر رضي الله
عنه، قد استأذن النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال - له -: حَبِّسْ أَصْلَها،
وسَبِّلْ ثَمَرتَها، وهذا وَقْفُ الزُّبَيْرِ، فَأَعجَبَ الخليفةَ ذلك منه، ونَفَى يعقوب)).
وعلَّق عليه شيخُنا عبد الغني عبد الخالق رحمه الله تعالى بقوله: ((قولُهُ:
(ونَفَى يعقوب) كذا بالأصل و((المناقب)) - يَقصِد ((مناقب الشافعي)) للفخر
الرازي ص ١٣ - ١٤ -، وفي (السنن الكبرى)) للبيهقي ١٦٣:٦ (وبقي)،
وهو تصحيف)). انتهى. وما حَكَم عليه بأنه تصحيفٌ هو الصوابُ، وما صَوَّبه
هو تصحیف، کما تَری!
٧ - وجاء في ((ترتيب المدارك)) للقاضي عياض (٢)، في ترجمة الإمام
(١) ص ١٩٧ - ١٩٩ .
(٢) ١٢١:٣ من طبعة بيروت، و٤: ٢٢٥ من طبعة المغرب.

٥٩
ابن عبدوس (محمد بن إبراهيم بن عَبْدُوسِ القَيْرَوَاني) فقيهِ المالكية بعدَ شيخِهِ
شَّحنون، المولود سنة ٢٠٢، والمتوفى سنة ٢٦٠ رحمه الله تعالى(١):
((ودَخَل محمد بن عَبْدُوس على سَّحنون، وعنده ابنُه محمد، وأبو داود
- العطار أحمدُ بنُ موسى الأُزْدِي -، وعبدُ الله بن الطُّبْنَةِ(٢)، وعبدُ الله بنُ
(١) من أغرب ما وقع للعلامة المؤرِّخ المحقّق الزركلي رحمه الله تعالى، في كتابه الماتع
النَّفَاعِ: ((الأعلام)) ١٨٣:٦، أنه قال في ترجمة (ابن عَبْدُوس) هذا: ((ولد سنة ٢٠٢ وتوفي
سنة ٢٦٠، فقية زاهد، من أكابر التابعين)). انتهى .
وكيف يكون من أكابر التابعين من يُولَدُ بعد المئتين؟! ولكنها الغفلة التي لا يخلو عنها
الإنسان! وإنما وقع له هذا الغلط، بسبب ما جاء في ترجمته عند من ترجموه: ((قال أحمد بن
زياد: ما أظنُّ كان في التابعين مِثْلُه؟)). قال القاضي عياض في ((ترتيب المدارك))، في ترجمتهِ
عَقِبَ هذه الكلمة: ((يعني في الفضل والزهد. وهذا غُلُوّ)). انتهى.
(٢) وقع في ((ترتيب المدارك)) من طبعة بيروت: (عبد الله بن الطبية)، أي بتقديم الباء
الموحدة على الياء! وعلَّق عليه محقِّقُه هنا تخليطاً وتخبيطاً! وأما تحقيقهُ لهذا الكتاب العظيم
فيستحقُّ عليه التعزير! وقد وقع في الطبعة التي حققها تحريفات وتصحيفات لا تعد! ثم
نقصٌ وسَقْطٌ لتراجم عددها ٤١٠ فقط !! اكتفى بالإشارة إليها بقوله في حاشية الجزء
٣: ٢٧٥ بقوله: ((لعل بالأصل نقصاً من الناسخ)). وهذه التراجم الناقصة تراها في طبعة
المغرب التامة في الجزء ٤: ٤٠٢ حتى ٢٥٣:٥.
وجاء في طبعة المغرب: (عبد الله بن الطيبة)، أي بتقديم الياء المثناة على الباء
الموحدة! وكلاهما تحريف! وصوابه كما في ترجمته بين أيدي المحققين لهذا الكتاب ١٢٧:٣
و ٤: ٢٣١ (عبد الله بن الطّبْنَة)، بضم الطاء ثم بسكون الباء الموحدة ثم نون ثم تاء
مربوطة، وكما جاء في ترجمة ابنه: (حَمْدُون بن عبد الله بن الطُبْنَة) ١٠٠:٥ من طبعة
المغرب.
ووقع نحو هذا التحريف في ترجمة (حمدون) في كتاب ((علماء إفريقية)) لمحمد بن
الحارث الخُشَني ص ٢١٤، فاعرفه.

٦٠
سَهْلِ القِبْرِيَاني(١)، وجماعةٌ من كبارِ أصحابِهِ، وقد أَلْقَى عليهم مسألةٌ، فبقي
عليهم في الجواب(٢).
فقال: أَيْشٍ تتكلمون؟ فقال سحنون: أُخبِرُوه، فأخبَرُوه، فقال: قال
فيها بعضُ أصحابنا: كذا، وبعضُهم: كذا، وذَكَر الجوابَ والاختلاف. فقال
سحنون: نعم، انظروا من يَدْرُس، وأنتم تركتم الدرس!)).
٨ - وجاء في ((أدب الإملاء والاستملاء)) للإِمام أبي سَعْد السمعاني(٣)،
بسنده إلى ((ضَمْرَةَ بنِ ربيعة الرَّمْلي، عن عبدِ الله بنِ شَوْذَب، قال: مثَلُ الذي
يَرْوِي عن عالمٍ واحد، كمثلِ رَجُلٌٍ له امرأةٌ - واحدة - إذا حاضَتْ نَقِيَ)). كذا
وقع فيه بالنون مشكولاً كلُّه، وصوابُّهُ: (بَقِيَ) بالباء الموحدة من تحتُ لا غير.
٩ - وجاء في كتاب ((الاستقامة)) للإمام ابن تيمية (٤) قولُ أبي يزيد
البِسْطامي رحمه الله تعالى: ((عَمِلتُ في المجاهدةِ ثلاثين سنة، فما وجدتُ شيئاً
أشدَّ عليَّ من العِلمِ ومتابعتِهِ، ولولا اختلافُ العلماء لتَفَتَّتُ، واختلافُ العلماء
رحمةً إلا في تجرید التوحید». انتهى.
(١) القِبْرِيّاني: بقاف مكسورة، ثم باء موحدة ساكنة، وراء مكسورة، بعدها ياء
باثنتين من تحتها، وبعد الألف نون. كما ضبطه به القاضي عياض في صدر ترجمته في ((ترتيب
المدارك)) ١٩٢:٤ من طبعة المغرب، و٩٤:٣ من طبعة بيروت. ومما يؤسف له أنه وقع في
الطبعة المغربية المحققة! في ترجمة (محمد بن عبدوس) هكذا: (عبد الله بن الفريابي) !!
(٢) كذا وقع في الطبعتين من ((ترتيب المدارك)). والعبارةُ صحيحةٌ ويكونُ أصلُها:
(فَبَقِي كلُّهم في الجواب)، فحرِّفها بعضُ من قرأ الكتاب أو نَسَخَه ولم يَفهمها، والله تعالى
أعلم .
(٣) ص ٥٤، وفي ص ١٢٦ من هذا الكتاب نفسه المنشور باسم ((المذهب التربوي
عند السمعاني)) بتحقيق الأستاذ شفيق محمد زيعور.
(٤) ١ : ٢٥١.