النص المفهرس

صفحات 21-40

٢١
وقال الحافظُ الجَوَّال الرحَّال أبو سَعْد السمعاني رحمه الله تعالى، في كتابه
((أدب الإِملاء والاستملاء))(١): ((وألفاظُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم لا بُدَّ
لها من النَّقْل، ولا تُعرَفُ صِحَّتُها إلا بالإِسنادِ الصحيح، والصحةُ في الإِسنادِ
لا تُعرَفُ إلا بروايةِ الثقةِ عن الثقة، والعَدْلِ عن العدل)).
ثم ساق بإسناده إلى «زُنَيْجٍ محمدٍ بن عَمْرو - الرازي شيخ الإِمام مسلم
وأبي داود وابن ماجه -، قال: سمعتُ بَهْزَ بنِ أَسَدٍ - العَمِّ البصري، المتوفى
بُعَيْدَ سنة ٢٠٠ رحمه الله تعالى، الحافظَ الثقةَ الثَّبْتَ - يقولُ إذا ذُكِرَ له الإِسنادُ
الصحيحُ: هذه شهاداتُ العُدُولِ المَرْضِيِّينَ بعضِهم على بعض، وإذا ذُكِرَ له
الإِسنادُ فيه شيء، قال: هذا فيه عُهْدَة، ويقولُ لو أنَّ لرجلٍ على رجلٍ عَشَرَةً
دراهم، ثم جَحَدَهُ، لم يَستطع أخْذَها منه إلا بشاهدينٍ عَدْلَينِ، فدِيْنُ الله أحقُّ
أن يُؤْخَذَ فيه بالعُدُول))(٢).
وجاء في ((تاريخ نيسابور)) للحاكم النيسابوري رحمه الله تعالى: عن
إسحاق بن إبراهيم الحنظلي - هو إسحاق بن رَاهُوْيَه(٣) - قال: كان عبد الله بن
(١) ص ٤ و ٥٥.
(٢) قولُهُ: (فدِيْنُ الله أحقُّ ... ) بكسر الدال، بعدها ياء مثناة من تحتُ، ثم نون.
ويعني بالدِّيْنِ هنا: أحاديثَ النبي صلى الله عليه وسلم. ووقع في المطبوع من ((أدب
الإملاء)» ص ٥٥، وفي ((المذهب التربوي عند السمعاني)) بتحقيق الأستاذ شفيق محمد زيعور
ص ١٢٧ (فبينَّ الله أحق ... ). وهو تحريف !.
(٣) يَنطِقُ المُحدِّثون لفظَ (راهويه) وأمثالِهِ نحو سيبويه، نفطويه، عمرويه، بضم
ما قبل الواو مع سكون الواو، لأثر تناقلوه في ذلك. ويَنطِقُها اللغويون والأدباء بفتح ما قبل
الواو وفتح الواو أیضاً، تمشياً مع أصل الترکیب لغة، انظر ۔۔ إذا شئت - تفصيل ذلك فيما
علَّقته على ((قواعد في علوم الحديث)) للعلامة التهانوي رحمه الله تعالى ص ١٣١، وتمشياً مني
مع مذهبِ المحدثين - إذ المقالُ في بعض علومهم - شَكَلْتُه كما ينطقه المُحدِّثون هنا وفيما
سیأتي، فاعلمه.

٢٢
طاهر - أمير خراسان في العصر العباسي توفي سنة ٢٣٠ - ، إذا سألني عن
حديث فذكرتُه له بلا إسناد، سألني عن إسناده ويقول: روايةُ الحديث بلا إسناد
من عَمَلِ الزَّمْنَ - أي المَرْضَى - ! فإنَّ إسناد الحديثِ كرامةً من الله لأمّةٍ محمد
صلى الله عليه وسلم.
وقال الحافظ أبو حاتم الرازي رحمه الله تعالى: لم يكن في أُمَّةٍ من الأمم،
منذ خَلَقَ الله آدم، أمناءُ يحفظون آثارَ نبيهم، وأنسابَ سَلَفِهم(١)، إلا في هذه
الأمة، فقال له رجل: يا أبا حاتم، ربما رَوَوا حديثاً لا أصل له ولا يصح؟ فقال
أبو حاتم: علماؤهم يعرفون الصحيحَ من السّقيم، فروايتُهم ذلك - أي الحديثَ
الواهيَ - للمعرفة، لَيَتبيّنّ لمن بعدهم أنهم ميِّزوا الآثارَ وحفظوها.
وقال الإِمام أبو العباس محمد بن عبد الرحمن الدَّغُوْلِي السَرَخْسِي (٢) رحمه الله
(١) وقع في ((شرح المواهب اللدنية)) للزرقاني ٤٥٤:٥، ثم في ((الأجوبة الفاضلة))
لعبد الحي اللكنوي ص ٢٤ نقلاً عنه هكذا: ( ... وأنسابَ خلفهم). وهو تحريف، فلذا
تركتُه وأثبتُ الصواب ونبهت إليه.
(٢) هو الحافظ المُحَدِّثُ الفقيه أبو العباس محمد بن عبد الرحمن بن سابور الدَّغُوْلِي
السُّرَخْسي توفي سنة ٣٢٥ رحمه الله تعالى، كما في ترجمته في ((تذكرة الحفاظ)) للذهبي
٨٢٣:٣، و((العبر)) للذهبي أيضاً ٢: ٢٠٥ .
والدَّغُوْلِي بفتح الدال المهملة وضَمِّ الغين المعجمة، كما ضبطه الحافظُ السمعاني في
((الأنساب)) ٣٥٩:٥، والصلاحُ الصَّفَدِي في ((الوافي بالوفَيَات)) ٢٢٦:٣. وقد وقع في
مختصر ((الأنساب)): ((اللباب في تهذيب الأنساب)) لابن الأثير ٤٢١:١ ضَبْطُهُ هكذا:
((الدَّغَولي بفتح الدال المهملة والغين المعجمة)). انتهى. وهو خطأ نشأ عن سَقْطِ لفظةٍ
(وضَمِّ الغين المعجمة)، كما هي عبارة الأصل: ((الأنساب)). وتبينٌ لي أنَّ لفظةً (وضَمِّ الغينِ
المعجمة) ساقطةً من الأصل الذي كان بيد الشيخ ابن الأثير رحمه الله تعالى، كما تفيده إشارة
محقق طبعة ((الأنساب)) في حاشيته، وقد بين اصطلاحه وخطته في مقدمة الكتاب ص ٣٦.
وقد تابَعَ ابنَ الأثير على هذا الضبط الخاطىء: العلامةُ الزَّرْقَاني في «شرح المواهب =

٢٣
تعالى : سمعت محمد بن حاتم بن المظفَّر(١) يقول: إن الله تعالى قد أكرم هذه
= اللدنية)) ٤٥٣:٥، والعلامةُ الكَتَّاني في ((الرسالة المستطرفة)) ص ١٣٦، ثم تابعتُهُ أنا في
ضبطي له في ((الأجوبة الفاضلة)) للكنوي ص ٢٥، ثم المُعَلِّقُ على ((العِبْرَ)) للذهبي
٢: ٢٠٥، ثم محقّقا ((طبقات الشافعية الكبرى)) للتاج السبكي ٧١:٣ و١٨٤ و٣٢٩
و ٣٤٥. والصوابُ فيه الدَّغُوْلِيِ بفتح الدال وضَمِّ الغين، والواو ساكنة، ومما يَشهَدُ لصحة
هذا الضبط قولُ أبي عبد الله البَاذِلي الشاعرِ الأديب في أبيات:
إلَّ سَرَخْسَ فَإِنّا مَوْفُورَةً مادامَ آلُ دَغُوْلَ في أكنافِهَا
كما ذكره الحافظ ابنُ رُشَيْدٍ ونَقَلَه في كتابه «إفادة النَّصِيح في التعريف بسند الجامع
الصحيح)» ص ٣٢.
(١) لم أظفر بترجمة (محمد بن حاتم بن المظفر)، فيما رجعتُ إليه من الكتب
والمراجع، مع كثرة ما رجعتُ إليه من نحو عشرين سنة إلى الآن، ولكل شيءَ أَجْل، وله
ذكرٌ في كتب غريب الحديث وغيرها، وهو من أهل القرن الثالث، لأنَّ تلميذَهُ أبا العباس
الدَّغُولي توفي سنة ٣٢٥، وأبو العباس هذا، هو (محمد بن عبد الرحمن السَّرَخْسِي
الدَّغُولِي)، كان من كبار علماء عصره في الحديث، ومن بيتٍ علمٍ كبير بسَرَخْس، وكان
شيخَ خراسان في زمانه، فلا يَنقُلُ إلا عن كبيرٍ جليل.
وعبارةُ شيخِهِ (محمد بن حاتم بن المظفَّ هنا: تَدُلُّ على علو مقامِهِ في العلم والمعرفة،
وأنه من أصحاب البصارة فيه، فلا بُدَّ أنَّ له ترجمةٌ ذاتَ بالٍ وشأن، ولكني لم أُوفَّق للوصول
إليها .
وجاء في ((غريب الحديث)) للخطابي ٦٢:١، بعدَ ذكرٍ بيتٍ شعر للحُطَيْئة: ((قال
أبو سليمان - هو الخطابي - : أنشدنِيهِ بعضُ الأثبات، عن محمد بن حاتم المُظَفِّري،
أنشدَنَاهُ الرِّياشِيُّ)»، وفي ٦٣:١ ((وأخبرني أحمدُ بن إبراهيم بن مالك، نا الدَّغُوْلِيُّ، نا
المُطَفَّرِيُّ، نا أبو بَهْزِ بنُ أبي الخطاب السُّلَمي)»، وفي ٥٢:٢ ((حدَّثْنَاهُ ابنُ مالك، نا
الدَّغُولِيُّ، نا محمدُ بنُ حاتم المظفَّرِيُّ، نا مصعَبُ ... ))، ((حدِّثَنِيهِ أحمدُ بن مالك، نا
الدَّغوليُّ، عن المُظَفِّرِي، قال: قال ذلك أبو عُبَيْدَة)). انتهى.
=

٢٤
الأمة وشرَّفها وفضَّلها بالإِسناد، وليس لأحدٍ من الأمم كلُّها قديمها وحديثها
إسناد، وإنما هي صُحف في أيديهم، وقد خَلَطوا بكتبهم أخبارَهم، وليس
عندهم تمييزٌ بين ما نزَل من التوراة والإنجيل مما جاءهم به أنبياؤهم، وبين
ما ألحقوه بكتبهم من الأخبار التي أخذوها عن غير الثقات.
وهذه الأمّةُ الشريفةُ - زادها الله شرفاً بنبيِّها -، إنما تَنُصُّ الحديثَ - أي
تَرويه - عن الثقة المعروف في زمانه، المشهور بالصدق والأمانة، عن مثله، حتى
تَتْنَاهَى أخبارُهم، ثم يبحثون أشدَّ البحث حتى يَعرفوا الأحفظَ فالأحفظ،
والأضبط فالأضبط، والأطولَ مُجالسةً لمن فوقه ممن كان أقصَرَ مُجَالَسَةً، ثم يكتبون
الحديثَ من عشرين وجهاً - أي طريقاً - وأكثر (١)، حتى يُهذِّبوه من الغَلَط
فهو تلميذُ الرِّياشيِّ اللغوي البصري، المتوفى سنة ٢٥٧، وتلميذُ مُصْعَبِ الزُّبَيريّ
=
المَدَني ثم البغدادي، المتوفى سنة ٢٣٦، فهو من علماء القرن الثالث، وخفاء ترجمته على
أمثالنا لیس بضارِّ في علو مقامِه، فقد قیل:
علی امْرِىءٍ ذي جَلالِ
بِعَارٍ
الخُمولُ
لیس
وتلك خيرُ اللَّيالي
شْفی
القَدْرِ
فليلةُ
(١) قال الحافظ الذهبي رحمه الله تعالى في ((تذكرة الحفاظ)) ٢: ٤٣٠، في ترجمة
الإمام الحافظ شيخ المحدثين (يحيى بن معين) رحمه الله تعالى: ((قال يحيى بن معين: لو
لم نكتب الحديث خمسين مرة ما عرفناه)).
وقال الحافظ ابن حجر في ((تهذيب التهذيب)) ٢٨٢:١١، في ترجمة (ابن معين)
أيضاً: ((قال مجاهد بن موسى: كان ابنُ معین یکتُبُ الحدیثَ نیفاً وخمسين مرة. وقال عباس
الدُّوريُّ عن ابن معين: لو لم نكتُب الحديثَ من ثلاثين وجهاً ما عقلناه)).
وقال الحافظ الذهبي في ((تذكرة الحفاظ)) ٥١٦:١، وفي ((ميزان الاعتدال)) ١: ٣٥،
في ترجمة الحافظ (إبراهيم بن سعيد الجوهري الطبري ثم البغدادي): ((قال عبدُ الله بن
جعفر بن خاقان السلمي: سألتُ إبراهيمَ بنَ سعيد عن حديث من (مسند أبي بكر
الصديق)، فقال لجاريته: أخرجي لي الجزء الثالث والعشرين من (مسند أبي بكر)، فقلتُ:
لا يَصِحُّ لأبي بكر عِشرون حديثاً، من أين ثلاثةً وعشرون جُزْءاً؟ فقال: كلُّ حديثٍ لم يكن =

٢٥
والزّلل، ويَضْبِطُوا حُروفَه، وَيَعُدُّوه عَدّاً.
فهذا من أفضل نِعَم الله تعالى على هذه الأمّة، فَنَستوزعُ اللَّهَ شُكرَ هذه
= عندي من مئة وجهٍ - أي طريق - فأنا فيه یتیم)).
وقال الحافظ العراقي رحمه الله تعالى في شرح (ألفيته) في مصطلح الحديث ٢٣٣:٢
من طبعة المغرب، في باب (آداب طالب الحديث): ((روينا عن أبي حاتم الرازي قال: لو
لم نكتب الحديث من ستين وجهاً - أي طريقاً - ما عقلناه)).
وقال الحافظ الذهبي أيضاً في ((تذكرة الحفاظ)) ٢: ٩٣٣، في ترجمة الحافظ (حمزة بن
محمد المصري الكِنَاني) رحمه الله تعالى: ((قال أبو عُمَر بن عبد البر: سمعتُ عبدَ الله بنّ
محمد بن أسد، سمعتُ حمزة الكِنَاني يقول: خَرَّجتُ حديثاً واحداً عن النبي صلى الله عليه
وسلم من نحوٍ مِئتي طريق، فداخَلَني من الفَرَحِ غيرُ قليل، وأُعجِبتُ بذلك، فرأيتُ
يحيى بن معين في المنام، فقلتُ: يا أبا زكريا، خَرَّجتُ حديثاً من مئتي طريق، فسكت عني
ساعةً ثم قال: أَخشى أن يَدخُلَ هذا تحتَ ﴿أَلَْاكُمُ التِّكاثُّرُ﴾ ! .
يُشيرُ الإِمامُ يحيى بنُ معين رحمه اللّه تعالى، إلى أنَّ هذا التوسّعَ في التخريج قليلُ
الجَذْوَى، وربما كان مبعثُهُ التفاخرَ والتعاظمَ والزُّهْوَ على الآخَرِين، فلا يُستَحسَنُ الدخولُ
فيه. وقد عَدَّ الإِمامُ الشاطبيُّ هذا العَمَلَ من مُلَح العلم لا من صُلْبه، فما ينبغي إذهابُ
الوقتِ والطاقاتِ الأخرى فيه، قال رحمه الله تعالى في ((الموافقات)) ٧٧:١ و٨١ ((من العِلْم
ما هو من صُلْب العِلْم، ومنه ما هو من مُلَحِ العِلْم لا من صُلْبِهِ، ومنه ما ليس من صُلْبِهِ،
ولا مُلَجِه)).
ثم قال في التمثيل لما هو من مُلَح العلم: ((مِثلُ التَأنَّقِ في استخراج الحديث من طرقٍ
كثيرة، لا على قَصْدِ طلبٍ تواتُرِهِ ، بل على أن يُعَدَّ آخِذاً له عن شيوخٍ كثيرة، ومن جهاتٍ
شَتَّى، وإن كان راجعاً إلى الآحادِ في الصحابة أو التابعين أو غيرهم، فالاشتغالُ بهذا من
المُلَح لا من صُلْبٍ العلم».
ثم أورد الشاطبي حكايةً حمزة الكناني هذه، وعَقَّبها بقوله: ((هذا ما قال - أي
يحيى بن معين -، وهو صحيحٌ في الاعتبار، لأنَّ تخريجَهُ من طُرقٍ يسيرة كافٍ في المقصود
منه، فصار الزائدُ على ذلك فضلاً)».

٢٦
النعمةِ وغيرِها من نِعَمِه(١)، ونسألُه التثبيتَ والتوفيقَ لما يُقرِّبُ إليه، ويُزِلِفُ
لدیه، وُسِكُنا بطاعتِه، إنه ولي حمید.
وقال الحافظ الرحَّال المصنّفُ أبو بكر محمد بن أحمد بن راشد بن مَعْدَان
الثقفي الأصبهاني، المتوفى سنة ٣٠٩ رحمة الله تعالى(٢): بلَغَني أن الله تعالى خَصّ
(١) وقعت هذه العبارة محرفة، في نسخة الحافظ الزرقاني من كتابٍ ((المواهب
اللدنية))، فشرحها تبعاً لتحريفها! فقال رحمه الله تعالى في ((شرح المواهب اللدنية)) ٤٥٤:٥
(( . .. فنستودعُ الله تعالى شُكرَ هذه النعمةِ وغيرها من نِعَمِه، فإنه إذا استُودِعَ شيئاً حَفِظَه)».
انتهى. وهي تحريف عن (فنستوزِعُ)، بالزايَ بعد الواو، أي نستلهمُ اللَّهَ شُكرَها. وعلى
هذا: فيكون قول الشارح الزرقاني: (فإنه إذا استُودِعَ شيئاً حَفِظَه) في غير محله، إذ هو مبني
على تحريف الكلمة السابقة .
(٢) هذه العبارة أوردها الحافظ القسطلاني في ((المواهب اللدنية)) بلفظ ((قال أبو بكر
محمد بن أحمد: بلغني أن الله خص ... )). فكتب عليها العلامة الزرقاني في ((شرح المواهب
اللدنية)) ٤٥٥:٥، مُعرِّفاً بأبي بكر محمد بن أحمد ما يلي: ((أبو بكر محمد بن أحمد بن عبد
الباقي بن منصور البغدادي، الحافظ الإمام القدوة، کان فاضلاً ... مات في ثاني ربيع.
الأول سنة تسع وثمانين وأربع مئة)). انتهى.
وهذا وَهَمِّ منه رحمه الله تعالى، في تعيين (أبي بكر محمد بن أحمد)، فإنَّ الخطيب
البغدادي المتوفى سنة ٤٦٣، رَوَى هذا الخبر بسنده في كتابه ((شَرَف أصحاب الحديث))
ص ٤٠ عن (أبي بكر محمد بن أحمد). وجاء في سَنَدِهِ هذا الشيخُ المسمى: شَيْخَ شَيْخِ
شيخِه، فهو متوفٌّ قبلَ الخطيب بدُهورٍ طويلة. والذي ظهر لي أنه هو: أبو بكر محمد بن
أحمد بن راشد بن مَعْدَان، الثقفي مولاهم، الأصبهاني، ترجَمَ له الذهبي في ((تذكرة
الحفاظ)) ٣: ٨١٤، ووصفه بالحافظ الرحَّالِ المصنّف، ثم قال: ((وقال أبو الشيخ: هو
مُحدِّثُ ابنُ مُحَدِّث، كثيرُ التصانيف، مات بكِرْمان سنة تسع وثلاث مئة)). انتهى.
وقد توقف الصديق العالم التركي الأستاذ الدكتور محمد سعيد خطيب أوغلي، في
تحقيقه لكتاب (شَرَف أصحاب الحديث))، في تعيين (أبي بكر محمد بن أحمد)، فبيّضَ لذكر
وفاتِه، ولم يعينه، ولم يَذكُر تاريخ وفاته، وهذا بيانه فيما وصل إليه فهمي، والله أعلم.

٢٧
هذه الأمَّة بثلاثة أشياء، لم يُعطِها مَنْ قبلَها من الأمَم: الإِسنادُ، والأنسابُ،
والإعرابُ.
وقال الحافظ ابن حزم رحمه الله تعالى في كتابه «الفِصَل في الِلَل والأهواء
والنُّحَلِ))(١)، ما خُلاصَتُه: ((نَقْلُ الثقةِ عن الثقة، حتى يَبلغَ به النبيِّ صلى الله
عليه وسلم، مع الاتصال، يُخْبِرُ كلَّ واحدٍ منهم باسمِ الذي أخبره ونَسَبِهِ، وكلُّهم
معروفُ الحالِ والعين والعدالة والزمانِ والمكان: خَصَّ الله به المسلمین دون سائر
أهلِ المِلَلِ كلِّها، وأبقاه عندهم غضّاً جديداً على قديم الدهور، يَرحَلُ في طَلَبِهِ
إلى الآفاق البعيدة من لا يُحصِي عَددَهم إلا خالِقُهم، ويُواظِبُ على تقييدِهِ من
کان الناقلُ قريباً منه.
قد تولَّى الله حفِظَهُ عليهم والحمدُ لله رب العالمين، فلا تفوتُهم زَلَةٌ في كلمةٍ
فما فوقها، في شيء من النقل إن وقعَتْ لأحدهم، ولا يُمكِنُ فاسِقاً أن يُقْحِمَ كلمةٌ
موضوعةٌ وللَّهِ تعالى الشكر(٢).
(١) ٢: ٨١ - ٨٢.
(٢) نعم وإليك شواهد هذا: ذكر الحافظُ الذهبي في ((تذكرة الحفاظ)) ٢٧٣:١، في
ترجمة الحافظ (أبي إسحاق الفَزاري)، والحافظُ ابنُ حجر في (تهذيب التهذيب)) ١٥٢:١ في
ترجمته أيضاً، والحافظُ السيوطي في ((تاريخ الخلفاء)) ص ١٩٤، والعلامةُ عليَّ القاري في
((الموضوعات)) ص ١٤ .
((عن ابن عُلَيَّة وإسحاق بن إبراهيم، قالا: أَخَذِ هارونُ الرشيد زنديقاً فأمَرَ بضرب
عنقه، فقال له الزنديق: لم تضربُ عنقي؟ قال: لُأُرِيحَ العبادَ منك، فقال: يا أمير
المؤمنين، أين أنت من أربعة آلاف حديث وضعتُها فيكم !! أُحرِّمُ فيها الحلال، وأُحلِّلُ فيها
الحرام، ما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - منها حرفاً !! فقال له الرشيد: أين أنت
يا عَدُوَّ اللّه من أبي إسحاق الفَزَاري وعبدِ الله بن المبارك !! يَنْخُلانها نخلاً، فُيُخرجانِها حَرْفاً
حرفاً !! )). انتهى .
وفي سنة ٤٤٧ في عهد الخليفة العباسي العادل الصالح القائم بأمر الله رحمه الله =

٢٨
وأما مع الإِرسال والإِعضال فيوجد في كثير من اليهود، ولكن لا يَقْرُبون
فيه من موسى عليه الصلاة والسلام قُرْبَنا من محمد صلى الله عليه وسلم، بل
يقفون بحيث يكون بينهم وبين موسى أكثرُ من ثلاثين عصراً، في أزيدَ من ألفٍ
وخمسٍ مئة عام، وإنما يَبلُغون بالنقل إلى شمعون ونحوِه.
وأما النصارى فليس عندهم من صِفة هذا النقل إلا تحريمُ الطلاق وحدَه
= تعالى، أظهَرَ بعضُ اليهود كتاباً، ادَّعَوْا أنه كتابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل
خَيْبَرَ (اليهودِ) بإسقاطِ الجزيةِ عنهم، وفيه شهادةُ بعض الصحابة رضي الله عنهم بذلك،
وذكروا أنَّ خَطُّ سيدنا علي رضي الله عنه فيه، وجاؤا بالكتاب إلى رئيس الرؤساء أبي القاسم
علي بن الحسن وزير القائم بأمر الله .
فعرضه رئيس الرؤساء على الحافظ الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى، فتأمُّلَهُ ثم
قال : هذا كذِبٌ مُزَوَّر ، فقيل له : من أين لك هذا ؟ قال : فيه شهادةُ مُعاوية
رضي الله عنه، وهو إنما أَسلَمَ عامَ فتحِ مكة - وكان فتحُها في سنةٍ ثمانٍ من الهجرة،
- وفَتْحُ خيبر كان في سنةِ سَبْع، وفيه شهادةُ سَعْد بن مُعَاذ رضي الله عنه، وهو قد مات يومَ
بني قُرَيْظَة قبلَ فتحِ خيبر بسنتين، فاستَحْسَن ذلك منه رئيسُ الرؤساء واعتَمَدهُ وأمضاه،
ورَدُّ اليهودَ شَرَّ رَدِّ لظهورِ تزويرِ الكتاب.
أي استدلَّ الخطيبُ رحمه الله تعالى على كذبِ الكتاب، بذِكرِهم فيه شهادةَ سَعْدٍ بن
معاذ الذي مات قبل فتح خيبر بسنتين، وذِكرِهم فيه شهادةَ معاوية الذي تأخّر إسلامُه سنةٌ
عن فتح خيبر، فلم يكن رضي الله عنه حِينَ فَتْحِها مُسْلِماً ولا صَحَابِيّاً، فكيف يكونُ شاهداً
من الصحابة؟!
والحادثةُ ذكرها من ترجَمَ للخطيب البغدادي مثلُ ياقوت الحَمَوِي في «معجم الأدباء)»
١٨:٤، والتاج السبكي في ((طبقات الشافعية)) ١٤:٣، والإمام ابن القيم في ((المنار المنيف))
ص ١٠٥، والحافظ ابن كثير في ((البداية والنهاية)) ١٢: ١٠١، والسُّخاوي في ((الإعلان
بالتوبيخ)) ص ١٠، فالحمدُ لله الذي أقام في كل عصر: من يحفظُ هذا الدين، من كيد
الكائدين، ودَسَ المُبْطِلين ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وإنا لَهُ لحَافِظُون﴾.

٢٩
فقط، على أنَّ ◌َخْرَجَه من كذَّاب قد صحَّ كَذِبُه !. وأما النَّقلُ بالطريق المشتملةِ على
كذابٍ أو مجهولِ العين، فكثيرٌ في نقل اليهود والنصارى.
وأما أقوالُ الصحابة والتابعين رضي الله عنهم، فلا يُمكن اليهودَ أن يبلغوا
إلى صاحبٍ نبي أصلاً، ولا إلى تابعٍ له، ولا يمكن النصارى أن يَصِلوا إلى أعلى
من شمعون وبُولُص)). انتهى(١).
وقال الحافظ القاضي أبو بكر بن العربي رحمه الله تعالى، في كتابه «سراج
المريدين)) ونقَلَه عنه شيخنا حافظ المغرب عبد الحي الكتاني رحمه الله تعالى في
كتابه ((فهرس الفهارس والأثبات))(٢): ((واللَّهُ أكرَمَ هذه الأمةَ بالإِسناد، لم يُعطِه
لأحدٍ غيرها، فاحْذَرُوا أن تسلكوا مسلكَ اليهود والنصارى، فتُحدِّثوا بغير
إسناد، فتكونوا سالبين نعمةَ الله عن أنفسكم، مُطَرِّقين للتَّهمةِ إليكم، خافِضين
المنزلتكم، ومشتركين مع قومٍ لَعَنهم الله وغَضِبَ عليهم، وراكبين لِسَنْتِهم)).
انتهى .
وقال الحافظ الإِمام ابن تيمية رحمه الله تعالى، في ((منهاج السنة
النبوية))(٣): ((الإسنادُ من خصائص هذه الأمّة، وهو من خصائص الإِسلام، ثم
(١) وقد عَقَد العلّامةُ المِحجاجُ النظَّارُ الشيخُ رحمةُ الله بنُ خليلِ الرحمن الدِّهْلَوِي
الهندي، المتوفى بمكة سنة ١٣٠٦ رحمه الله تعالى، في كتابه العظيم: ((إظهار الحق))، الذي
دَوَّنَ فيه مناظراته في الهند لكبير قِسِّيسي النصارى في عصره (فندر): عَقَّدَ (الفصلَ الثاني في
بيانٍ أنَّ أهلَ الكتاب لا يُوجَدُ عندهم سَنَّدٌ متصلٌ لكتاب من كتب العَهْد العتيقِ والجديد)،
وساق فیه الأدلة الناطقةً بذلك من کتبهم وأقوالهم في ٤٥ صفحة، من ١٠١:١ - ١٤٥ من
طبعة قَطَر ذات الجزءين، فانظره.
(٢) ١ : ٥٠.
(٣) ٤: ١١ من طبعة بولاق، و٣٧:٧ من الطبعة المحققة.

٣٠
هو في الإِسلام من خصائصٍ أهلِ السُنَّة، والرافِضَةُ أقَلُّ عنايةً به (١)، إِذْ
لا يُصَدِّقون إلا بما يُوافِقُ أهواءَهم. وعلامَةُ كذِبِهِ - أي عندهم - أنه يُخالِفُ
هَوَاهم! ولهذا قال عبد الرحمن بنُ مَهْدي: أهلُ العلم يكتبون ما لهم وما عليهم،
وأهلُ الأهواء لا يكتبون إلا ما لهم، وأهلُ البدع سَلكوا طريقاً أخرى ابتدعوها
واعتمدوها، ولا يذكرون الحديثَ، بل ولا القرآنَ في أصولهم إلا للاعتضادِ
لا للاعتماد». انتھی.
وقال العلامة الشيخ علي القاري رحمه الله تعالى، في كتابه ((شَرْحِ شَرْحٍ
النُّخْبَةِ))(٢)، ((أصلُ الإِسناد خَصِيصةٌ فاضلةً من خصائص هذه الأمّة، وسُنّةٌ
بالغةً من السنن المؤكّدة، بل من فروض الكفاية)). انتهى. وقال الحافظُ
ابنُ حجر رحمه الله تعالى: ((ولكون الإِسناد يُعلّم به الحديثُ الموضوعُ من غيره،
كانت معرفتُه من فروض الكفاية)). انتهى (٣).
وقال أستاذُنا المحقّقُ الإِمام، خاتمةُ شيوخ الإِسلام في الدولة العثمانية،
(١) قلتُ: نعم، هذا الاهتمامُ العظيمُ بالإِسناد خاصٌّ بأهل السنة، ولم يكن لدى
الشيعة الإمامية اهتمامٌ بالإِسناد، لأنهم يقولون: ((إنَّ أحاديثنا كلُّها قطعيةُ الصُّدُورِ عن
المعصوم، وما كان كذلك فلا يحتاجُ إلى مُلاحظةٍ سَنَدِه)). نقَلَهُ عنهم أحَدُ كبار علماءِ الشيعة
عبدُ اللّه المامَقَّاني، المتوفى سنة ١٣٥١، في كتابه ((تنقيح المَقَال في علم الرجال)) ١٧٧:١ ،
ثم نازع هو في قبول هذا القول، بوجودٍ الحاجة إلى ملاحظة أحوال الرجال.
وجاء في كتاب ((تاريخ الإِمامية وأسلافهم من الشيعة)) للدكتور عبد الله فياض، في
ص ١٤٠ قولُه: ((ولمّا كان الإِمامُ معصوماً عند الإمامية، فلا مجال للشك فيما يقول)». وفي
ص ١٥٨ قولُه أيضاً: ((إنَّ الاعتقاد بعِصمةِ الأئمةِ جَعَل الأحاديثَ التي تصدُرُ عنهم
صحيحةٌ، دون أن يشترطوا إيصالَ سَنَدِها إلى النبي صلى الله عليه وسلم كما هو الحالُ عند
أهلِ السُّنَّة».
(٢) ص ١٩٤ .
(٣) من ((مرقاة المفاتيح)) للعلامة علي القاري ٢١٨:١.

٣١
شيخ الإسلام مصطفى صبري التُّوْقَادي، المتوفى بالقاهرة سنة ١٣٧٣ رحمه الله
تعالى، في كتابه الفَذِّ الفريد الذي وُصِفَ حين صدوره بأنه (كتابُ القَرْنِ الرابعَ
عَشَر): ((مَوْقِفُ العقل والعِلم والعالم من رَبِّ العالمين وعبادِهِ المرسَلين))(١)، وهو
يتحدث عن اهتمام المسلمين بحفظ السُّنَّةِ المطهرةِ وضبطها، والعناية بحراستِها
وصيانتها بطريق الإِسناد، ما يلي:
((الطريقةُ المتبعَةُ في الإِسلام لتوثيق الأحاديثِ النبوية: أفضَلُ طريقٍ
وأعلاها، لا تُدانيها في دِقَّتِها وسُمُوِّها أيُّ طريقةٍ عِلمِيةٍ غَرْبِيّةِ اتَّبِعَتْ في توثيقٍ
الروايات، ففي ((صحيح البخاري)) مثلاً: ألفانٍ وسِتُّ مِئةٍ واثنانٍ من الأحاديث
المُسْنَدَة، سوى المكرَّرة، انتقاها البخاري من مِئةٍ ألفِ حديثٍ صحيح يحفظُها،
وفيه قريبٌ من أَلْفَيْ راوٍ، اختارهم من نَيِّفٍ وثلاثين ألفاً من الرُّوَاةِ الثقاتِ الذين
يَعرِفُهم. وكتابُ البخاري، البالغُ أربعَ مجلداتٍ كبيرة، يَبْقَى بعدَ حذفٍ أسانيدِهِ
على حَجْمِ مجلَّدٍ واحدٍ متوسطِ الحجم.
فهل سمعتُم وسَمِعَتْ الدنيا أن كتابَ تاريخ في هذا الحجم، يُروَى ما فيه
سَمَاعاً من ألفَيْ رجلٍ ثقة، يَعرفُهم المؤلفُ وغيرُهُ من أهل العلم، بأسمائهم
وأوصافهم، على أن تكون كلُّ جملةٍ معيّنةٍ من الكتاب، مؤلَّفةً من سطرٍ أو أكْثَرَ
أو أقَلَّ تقريباً، سَمِعَها فلان، وهو من فلان، إلى أن اتَّصَل ـ الإِسنادُ والسماعُ -
بالنبي صلى الله عليه وسلم، فيُقامُ لكل سَطْرٍ من سُطورِ الكتابِ تقريباً شُهودٌ من
الرُّواة يَتحمَّلون مسؤوليةَ روايتِه)). انتهى. وهذا شيءٌ لا يُوجَدُ في الدنيا إلا عند
المسلمين (٢).
(١) ٤: ٨٧، وفي كتابه ((القولُ الفصلُ بين الذين يؤمنون بالغيب والذين لا يؤمنون)»
ص ٦٧ من طبعة سنة ١٤٠٧ لدار السلام بالقاهرة، وكتابُهُ هذا هو البابُ الثالث من كتابه
(«موقف العقل))، طبَعَه على حِدَةٍ لمناسبةٍ اقْتَضَتْ التعجلَ بإخراجه.
(٢) وكان شيخُنا الإِمامُ مصطفى رحمه الله تعالى قال قبلَ هذا الكلام، في =

٣٢
•
= ص ٥٧ - ٥٨ و ٨٧ ما يلي: ((ولا مُغالاةَ أصلاً في نَفْي من يُساوي محمداً صلى الله عليه
وسلم أو يُدانيه، في كون حياتِهِ من بعدٍ مبعثِهِ إلى وفاته - ولا سيما أحاديثُهُ مع المناسباتِ
الداعيةِ إلى ورودِها - مضبوطةً مدوّنة. ولا نغالي أيضاً إذا قلنا: إنَّ ضبط سُنّةِ نبي الإسلام
أصحُّ وأثبتُ من ضبطٍ كُتُبٍ أهل الكتاب.
فقد أدَّى كمالُ الاعتناءِ الإِسلامي بحياة نبينا صلى الله عليه وسلم، وتتبّعِ أقوالِهِ
وأفعالِه، إلى الاعتناء بحياةِ المُتَبِّعين أنفسِهم أعني الرُّواةَ عنه، وليس أحَدٌ في الدنيا ◌ُفِيَ في
سبيلِ العنايةِ به، بكلِّ من لَقِيَهُ وبكلِّ من رَوَى عنه شيئاً، وبَمَنْ رَوَى، عمن رَوَى، عمن
رَوَى إلى آخرِهِ، - إلا رسولَ الله سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم - .
وأُلِّفَ في الصحابةِ الكُتُب، مثلُ طبقات ابن سعد، وكتابٍ الصحابة لابن السكن،
وكتاب الاستيعاب لابن عبد البر، ومعرفةِ الصحابة للبغوي، وأُسْدِ الغابة لابن الأثير،
والإصابة لابن حجر، وغيرها من المؤلفات، ففيها نحو عشرة آلاف صحابي مع تراجمهم.
ودُرِسَ في كُتبٍ أسماء الرجال من التابعين، وتَبَع التابعين، حياةُ نحو مئة ألف رجل
على الأقل، وعلى تخمين العالم الألماني ( شبرينجر ) خمسُ مِئة ألف، فلا أُغالي إذا قلتُ أيضاً:
إن كيفية الاعتناءِ بحياة محمد صلى الله عليه وسلم معجزةً من معجزاتِ الإِسلام، قال العالم
الألماني المارُّ الذكر في مقدمة كتاب ((الإصابة)) الذي طُبعَ في كلكته في الهند وتولی تصحيحه:
إن الدنيا لم تر، ولن ترى، أمّة مثلَ المسلمين، فقد دُرِسَ بفضل علم الرجال الذي أوجدوه
حیاةُ نِصفٍ ملیون رجل.
وحسبُك أنَّ نَقْدَ الرجال أي رجالِ الحديثِ أصبح علماً مدوَّناً في الإِسلام، له کتبٌ
خاصة لا تستوعبها المجلّدات، نذكر منها: ((تهذيب الكمال)» للمِزِّي، وعليه كتابُ
علاء الدين مُغُلْطَاي في ثلاثة عشر مجلداً، و((تهذيب التهذيب)) للحافظ ابن حجر في اثني
عشر مجلداً، و(ميزان الاعتدال)) للذهبي، و((لسان الميزان)) لابن حجر، وغيرها مما
لا يُحصى.
كان كلُّ هذا التوسّعِ في تدقيق أحوال الرجال، للاطلاع على منزلةِ رواة الأحاديث في
الصدقِ والضبطِ والأمانة، قال العلامة الفاضل الشيخ شبلي النعماني الهندي في كتابه عن
السيرة النبوية :
=

٣٣
وقال العلامة الشيخ عبد الرحمن المُعَلِّمي رحمه الله تعالى في فاتحة كتاب
((تقدمة المعرفة للجرح والتعديل)) لابن أبي حاتم الرازي: ((الإنسان يفتقر في دينه
ودنياه، إلى معلومات كثيرة، لا سبيلَ له إليها إلا بالأخبار، وإِذْ كان يقَعُ في
الأخبار الحقُّ والباطل، والصدقُ والكذب، والصوابُ والخطأ، فهو مضطرٌ إلى
تمييز ذلك.
وقد هيَّ الله تبارك وتعالى لنا سَلَفَ صِدْق، حَفِظُوا لنا جميعَ ما نحتاجُ إليه
من الأخبار، في تفسير كتابٍ ربنا عز وجل، وسُنَّةِ نبينا صلى الله عليه وسلم،
وآثارٍ أصحابِهِ، وقضايا القُضاة، وفتاوى الفقهاء، واللغةِ وآدابِها، والشعرِ،
والتاريخٍ ، وغير ذلكَ.
والتزموا وأَلزَمُوا مَنْ بعدَهم سَوْقَ تلك الأخبار بالأسانيد، وتتبعوا أحوالَ
الرُّوَاةِ التي تُساعِدُ على نقدِ أخبارهم وحَفِظُوها لنا في جملةِ ما حَفِظوا، وتفقّدوا
أحوالَ الرُّوَاةِ، وَقَضَوْا على كل راو بما يَستحقُّه، فميِّزوا من يجبُ الاحتجاجُ بخبره
ولو انفرد، ومن لا يجبُ الاحتجاجُ به إلا إذا اعتَضَد، ومن لا يُحْتَجِّ به ولكن
(إنَّ كل مِلَّةٍ وكلِّ طائفةٍ من معتنقي الأديان، تُقدِّسُ دينَها وتُفضِّلُه على دين غيرِها،
=
فلو وجَّهنا سؤالاً عاماً إلى جميع أهلِ الأرض عمن له المَوْجُودِيَّةُ الفائقة من بين مؤسِّسي
الأديان، فلا شك أن الأجوبة على هذا السؤال تَردُ مختلفةَ بعَدَدِ اختلافٍ مُرْسِليها في الدين.
ولكن إذا زدنا تفصيلاً وإيضاحاً في لفظ السؤال، فقلنا مثلاً: مَنْ ذا الذي ضُبِطَ جميعُ
نُصوصٍ كتابِهِ المُنْزَلِ عليه ضبطاً، وتُبِّتَ حَرْفِيّاً بموفَّقِيَّةٍ وصَداقةٍ لم تكونا من حَظُّ الكتبِ
المقدَّسة؟
ومن ناحية أخرى: قُيِّدَ ونُقِلَ جميعُ وقائع حياته، وجميعُ أفعالِهِ وأقوالِهِ وأسفارِهِ
وأخلاقِهِ وعاداتِه، حتى شَكْلُ لباسِه، وصُورةُ تلْبِهِ، وخُطُوطُ وجهه، وكيفيَّةُ تكلُّمِهِ
ومَشْيِهِ، وطَرْزُ مُعاشَرَتِه، وحتى أكلُّه وشُربُه ونومُهُ وتبسُّمُه ومَسَاعِيهِ بجميع فروعِهِ
وتفاصيله؟ فالجوابُ - لا بُدَّ أن يكون -: محمد صلى الله عليه وسلم)). انتهى باختصار
وتصرف يسير.

٣٤
يُستَشْهَد، ومن يُعتَمَدُ عليه في حالٍ دون أخرى، وما دُونَ ذلك من متساهلٍ.
ومُغَفِّلٍ وكذّاب.
وعَمَدوا إلى الأخبار فانتقدوها وفَحَصُوها، وخَلَّصُوا لنا منها ما ضمَّنوه
كتبَ الصحيح، وتفقّدوا الأخبارَ التي ظاهِرُها الصحة، وقد عَرَفوا بسَعَةِ علمِهم
ودِقَّةِ فهمِهم: ما يَدفَعُها عن الصحة، فشَرَحوا عِلَلَها، وبيَّنوا خَلَلَها، وضمِّنوها
كتبَ العِلْل.
وحاولوا مع ذلك إماتَةً الأخبار الكاذبة، فلم يَنقُل أفاضلُهم منها إلا
ما احتاجوا إلى ذكره، للدلالة على كذبٍ راويه أو وَهنِهِ. ومن تسامَحَ من
متأخِّريهم فرَوَى كلَّ ما سَمِع، فقد بين ذلك، وَوَكلَ الناسَ إلى النقدِ الذي قد
مُهِّدَتْ قواعدُهُ، ونُصِبَتْ مَعالِمُه، فبِحَقِّ قال المستشرقُ المحقّقُ مرجليوث:
(يَفْتَخِر المسلمون ما شاؤا بعِلْمِ حديثهم)). انظر ((المقالات العلمية)) ص ٢٣٤
و ٢٥٣)). انتهى.
قال عبد الفتاح: وهذه الكلماتُ وكثيرٌ غيرُها من كلمات الأئمة التي جاءت
في الاهتمام بالسُّند أو الإسناد، دَعَتْ المتقدمين من علماء المسلمين، أن لا يُعْطُوا
الاعتبارَ التامَّ للكتاب إلّ إذا كان راويه الثقةُ الضابطُ العَدْلُ، قد قرأَه على مؤلِّفه،
أو كان لديه سَنَدٌ متصلٌ بقراءة الكتاب وتلقّيه من شيوخِهِ عن شيوخِهم إلى
مؤلّفِه .
أما الكتابُ الذي يَجِدُه العالمُ (وِجَادةٌ)، ولم يَسمعه من مؤلِّفه، ولا له منه
إجازة، فهو من باب الخبر المنقطع والمرسَل، كما قرَّره علماءُ المصطلح، وقد مَنْعَ
الأخذَ منه معظمُ المحدِّثين والفقهاءِ من المتقدمين، وأجازه المتأخرون بشروط
ضيّقة، لتعذُّرِ شرطٍ الراوية في الأعصار المتأخرة. وهذا منهم فيما يُوثَقُ بنسبتِهِ إلى
مؤلِّفه، أمّا ما لا يُوثَقُ بنسبته، فلا اعتداد به بالاتفاق.
وما هذا كلُّه إلّ ليكون النقلُ صحيحاً، والتوثُّقُ تاماً، ولتأخُذَ الكلمةُ

٣٥
العلميةُ ثبوتها وصِحَتَها، وضَبْطَها وتاريخَها وانتقالها إلى الأجيال اللاحقة، على
أوثقٍ طريق .
ولهذا قرَّروا القاعدة المشهورة في أول كتب آداب البحث والمناظرة، وهي :
(إن كنتَ ناقلاً فالصِّحَّةُ، أو مُدَّعِياً فالدِّلِيلُ)، أي إن كنتَ ناقلاً لكلامٍ خَبَريّ
فعليك إِثباتُ صحتِهِ عن المنقولِ عنه، وإن كنتَ مُدَّعياً دَعْوَى في موضوعٍ مَّا
عَقْلِيٌّ، فعليك إقامةُ الدليل على صحةِ المدَّعى الذي تدَّعِيهِ .
وهذا الذي عبَّوا عنه بقولهم: (إن كنتَ ناقلاً فالصِّحةُ، أو مُدَّعياً
فالدليلُ)، عبّر عنه الإِمامُ الشيخُ ابنُ تيمية رحمه الله تعالى، بقولِهِ العَذْبِ الجامع
البليغ، في كتابه: ((مقدمة في أصول التفسير))(١): ((العلمُ إِمَّا نَقْلٌ مُصَدَّق،
وإمَّا استدلالٌ مُحُقَّق)). انتهى.
ومن هذا الذي تقدَّمَ كلِّهِ تَعلمُ أنَّ الكلمةَ التي يقرؤها طالبُ العلم اليومَ في
كتب علماء الإِسلام، منقولةٌ إليه عن قائلها بأضبطِ طُرقِ النقلِ والأمانة، وبأَدَقِّ
العنايةِ والاستيثاق. وهذا مما تميَّزتْ به مؤلّفاتُ علماءِ الإِسلام على مؤلَّفاتٍ غيرِهم
من الناس.
فقد جعلَ علماؤنا المتقدمون - رحمهم الله تعالى وأكرَمَ نُزُلهَم - (الإِسنادَ)
أو (السَّنَّدَ) من (سُنَنِ العلم) أياً كان ذلك العلم: دِيناً كعلم التفسير والحديث
والفقه والأصول ... ، أو آلةٌ لعِلم الدين كعلم الأدب والتاريخ واللغة والنحو
والشعر ونحوِها، أو أسماراً وحِكَماً ونوادرَ وطرائفَ.
فهذا الإِمام ابنُ الجوزي رحمه الله تعالى، لمَّا ذَكَر في مقدمة كتابه ((أخبار
الأذكياء)) كلمةَ الخليفةِ المأمونِ العباسيِّ لعَمِّهِ إبراهيمَ بنِ المهدي: ((لا شيءَ أُطَيَبُ
من النظر في عقول الرجال))، ساقها بالإِسناد، وهي كلمةً لطيفةً وجيزة، وحِكْمةٌ
(١) ص ٥٥.

٣٦
لا تترتَّبُ عليها مسؤوليةٌ مَّا، فأورَدَها بالإِسنادِ على طريقةِ العلماءِ السَّلَف، في
الاهتمام بالإسنادِ لكل منقول، ولو كان كلمةً حِكمةٍ أو نكتةَ إضحاك أو حكاية
سَمَر.
وهذا الطبيبُ النِّطَاسِيُّ أبو بكر الرازيُّ محمدُ بنُ زكريا شيخُ الطب في
عصره، المتوفى سنة ٣١١، رحمه الله تعالى، أدخَلَ الإِسنادَ في بعض منقولاتِهِ في
الطب، في كتابه ((الحاوي)) المطبوع في ثلاث وعشرين مجلداً، فكان من ذلك
توثيقٌ وتعريف بمن نَّقَّل عنهم، وافَقَهم أو خالَفَهم، فأحسَنَ وأفاد(١). وهكذا
دخل الإسنادُ في جملة العلوم، مع أنه ليس بضروري في بعضها.
وقد بيَنَّ الحافظُ الخطيبُ البغداديُّ، ما يكونُ الإِسنادُ له ضرورياً وشَرْطاً
في صحتِهِ، وما يكونُ الإِسنادُ له كمالاً وزِينةً في روايته، فقال رحمه الله تعالى في
كتابه «الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع)»، في (باب القول في کَتْبِ الحديثِ
على وجهِهِ وعُمومِه)(٢):
((والحديثُ يشتمِلُ على المسنَدِ، والموقوفِ، والمرسَلِ، والمقطوعِ،
والقويِّ، والضعيفِ، والصحيحِ ، والسقيمِ، وغير ذلك من الأوصافٍ
المختلفة، والنعوتِ المتغايرة، وفي كَتْبِ الكل فائدةٌ نحن نشيرُ إليها، ونذكُرُها
على التفصيل للأنواعِ التي وصفناها وغيرها مما لم نَصِفه)).
(١) قال الدكتور صالح أحمد العلي في مقاله ((الرواية والأسانيد)) ص ٣٣: ((فبفضل
عناية الرازي بذكر أسانيده في كتاب ((الحاوي)) العظيم، استطعنا أن نَعرِفَ أسماء وآراءَ
ومكانّةً عَدَدٍ كبيرٍ جداً من الأطباءِ الإِغْرِيقِ والسُّرْيان والعرب، ما كنا لنعرفَ عن آرائهم،
أو حتى أسمائهم لو لم يذكرهم الرازيُّ في أسانيده. انظر في ذلك («تاريخ الطب الإسلامي)»
لأولمان بالألمانية، و((تاريخ المؤلفات العربية)) للأستاذ فؤاد سزكين ج ٣)).
(٢) ١٨٢:٢، ١٨٩ - ٢١٥ من الطبعة التي حقّقها الدكتور الشيخ محمود طحان.

٣٧
ثم قال: ((الأحاديثُ المسنّداتُ إلى النبي صلى الله عليه وسلم: هي أصلُ
الشريعة، ومنها تُستفادُ الأحكام، وما اتَّصَل منها سَنَدُهُ، وَثَبتَتْ عدالةُ رجالِهِ،
فلا خلاف بين العلماء أن قبولَهُ واجب، والعملَ به لازم، والرادُّ له آثم».
ثم أَخَذ في الكلام على «الأحاديث الموقوفات على الصحابة، والمقاطيع:
الموقوفاتِ على التابعين، وأحاديثِ الضِّعَاف ومَنْ لا يُعتمَّدُ على روايته، وكتّبٍ
أحاديث التفسير، وكَتْبٍ أحاديث المغازي، وكَتْبٍ أحاديث حروف القراءات،
وكَتْبٍ أشعارِ المتقدمين، وكُتْبِ التواريخ، وكَتْبٍ كلام الحُفّاظ في الجرح
والتعديل، وكُتْبِ الأحاديثِ المُعَادَة، وكَتْبِ الطَّرُقِ المختلفة)».
ثم قال ((كلُّ ما تقدَّم ذكرُهُ يَفتقِرُ كَتْبُهُ إلى الإِسناد، فلو أُسْقِطَتْ أسانيدُه
واقتُصِرَ على ألفاظِهِ فَسَد أمرُه، ولم يَثْبُت حكمُه، لأن الأسانيدَ المتصلةَ شرطٌ في
صحتِهِ ولزومِ العمل به ... ، وأمَّا أخبارُ الصالحين، وحكاياتُ الزهادِ
والمتعبِّدين، ومواعظُ البلغاء، وحِكَمُ الأدباء، فالأسانيدُ فيها زِينَةً لها، وليست
شرطاً في تأدِيَتِها)).
ثم ساق بسنده إلى يوسف بن الحسن الرازي قال: إسنادُ الحكمةِ
وجودُها. ثم أسنَدَ إلى سعيد بن يعقوب قال: سمعتُ ابنَ المبارك - وسألناهُ
قلنا: نجدُ المواعظَ في الگُتُبِ فننظرُ فيها؟ - قال: لا بأس، وإن وجدت على
الحائطِ موعظةً فانظر فيها تتَّعِظ، قيل له: فالفقه؟ قال: لا يستقيمُ إلا بالسماع.
ثم ساق بسنده إلى محمد بن عبد الخالق قال: كنتُ جالساً عند يزيدَ بن
هارون، وخراسانيّ يكتبُ الكلامَ ولا يكتبُ الإِسنادَ، فقلتُ له: مالك لا تكتبُ
الإِسنادَ؟ فقال - بالفارسية ما معناه بالعربية -: أنا لِبَيْتٍ أُريدُهُ لا للسُّوْق
- يعني للعَملِ لا للرواية -.
وعلَّق عليه الحافظ الخطيب بقوله: ((إن كان الذي كتبه الخراساني من
أخبار الزهد والرقائق، وحكاياتِ الترغيب والترهيبٍ والمواعظ، فلا بأسَ بما

٣٨
فَعَل، وإن كان ذلك من أحاديث الأحكام، وله تعلُّقٌ بالحلال والحرام، فقد
أخطأ في إسقاطِ أسانيدِه، لأنها هي الطريقُ إلى تبيّنِهِ، فكان يَلزمُه السؤالُ عن
أمْرِهِ والبحثُ عن صحتِه.
وعلى كل حال: فإنَّ كَتْبَ الإِسنادِ أولى، سواءً كان الحديثُ متعلّقاً
بالأحكام أو بغيرها)). ثم رَوَى بسنده ((عن أبان بن تَغْلِب قال: الإِسنادُ في
الحدیث کالعلم في الثوب». انتھی.
ولِتعرفَ منزلةً (الإِسناد) عند المتقدمين في كل ذلك، خُذْ هذا الخبرَ
الصغير: جاء في ((تاج العروس شرح القاموس)) للعلامة المرتضى الزَّبيدي
رحمه الله تعالى، في مادة (نوف)(١)، عند تفسير كلمة (النَّوْف) ما نصُّه: ((قال
الأزهري: قرأتُ في كتابٍ نُسِبَ إلى مُؤرِّج - السَّدُوسي - غير مسموع: لا أدري
ما صِحةُ النَّوْف؟)). انتهى. فَتَرَى في هذا النص مَبْلَغَ حِرصِ المتقدمين - لشدة
تحريهم في طلب الصواب والحق - أن لا يُدوِّنوا اللغة إلا بالرواية والأسانيد
الصحيحة، كالشريعة المطهرة والسُّنَّةِ المشرّفة .
فمن أجل نقل كلمةٍ واحدة من کتاب، قد تكون تلك الكلمةُ من أصدق
الثابت المنقول عن قائلها، جعلَ الأزهريُّ رحمه الله تعالى يتَحفَّظُ من إسنادها إلى
قائلها، إذ لم يكن على الكتاب - أي النسخةِ التي وقعَتْ إليه - إثباتُ السَّاع
لذلك الكتابِ من مؤلِّفه أو مَنْ تلقَّى عنه. و(السَّمَاعُ) من (الإِسناد).
إنَّ هذا الموقفَ الدقيق - وأمثالُه كثيرٌ جداً - ليدل كلَّ الدلالة على موقع
(الإسناد) و(السماع) في كتابٍ من كتبٍ اللغة عند أولئك المتقدمين رحمهم الله
تعالى، فكيف الشأنُ بكتب التفسير والحديث والفقه ونحوها؟
وخُذْ نصَّأْ آخَرَ عن الإِمام ابن جرير الطبري، لتَرَى فيه نموذجاً من اهتمامٍ
(١) ٢٦٢:٦.

٣٩
السلفِ بالإِسناد في التفسير ولو للكلمةِ الواحدة، كلفظةِ (الحِين) مثلاً:
جاء في تفسير الإِمام أبي جعفر محمد بن جرير الطبري(١)، من تفسير سورة
البقرة ما يلي:
((القولُ في تأويل قولهِ تعالى: ﴿وَمَتَاعٌ إلى حِين﴾(٢)، قال أبو جعفر:
اخْتَلَف أهلُ التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: ولكم فيها بَلاغٌ إلى الموت،
ذْرُ من قال ذلك:
حدَّثني موسى بنُ هارون، قال حدثنا عَمْرُو بن حَمَّد، قال حدثنا أسْبَاط،
عن السُّدِّي، في قولِهِ ﴿ومَتَاعٌ إلى حِين﴾، قال يقول: بَلاغُ إلى الموت.
وحدَّثني يونسُ، قال أخبرنا ابنُ وهب، قال حدثنا عبد الرحمن بن مَهْدي،
عن إسرائيل، عن إسماعيل السُّدِّي، قال: حدثني من سَمِعَ ابنَ عباس: ﴿وَمَتَاعٌ
إلى حين﴾، قال: الحياة.
حدَّثني المُثنّی بنُ إبراهیم، قال حدثنا أبو خُذَيْفَة، قال حدثنا شِبْل، عن
ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد: ﴿ومَتّاعٌ إلى حِين﴾، قال: إلى يومِ القيامة، إلى
انقطاع الدنيا.
وقال آخَرُون: ﴿إلى حِين﴾ قال: إلى أَجَل. ذِكْرُ من قال ذلك:
حُدِّثتُ عن عَمَّارِ بن الحَسَن، قال حدّثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه،
عن الربيع: ﴿ومتاع إلی حین﴾، قال: إلی اجل)). انتھی کلامُ الإِمام ابن جرير
رحمه الله تعالى.
فانظر كيف تراه ساقَ من أجلِ الكلمةِ الواحدة: السطرينِ والثلاثةَ من
(١) ١ : ٥٣٩.
(٢) من سورة البقرة، الآية ٣٦.

٤٠
الإِسناد، ليُورِدَ الكلمةَ مَوْرِدَها عن قائلِها، فقد كان السندُ عندهم عُمدةَ الكلام
وطريقَ النقلِ والقبولِ إذا صَحَّ المنقول.
وبهذا المثالِ وأمثالِهِ تتضحُ لك قيمةُ الإِسنادِ عند الأسلاف، وقيمةُ التوثَّقِّ
عند المسلمين في الكلمةِ الواحدةِ تفسيراً، أو نَقْلاً عن الرسول الكريم صلى الله
عليه وسلم، أو عن عالمٍ من المسلمين، أو عن أديب، أو عن شاعر، أو شارٍدٍ
أو كافر، فلا بُدَّ في الكلمة المنقولةِ من الإِسنادِ الصحيح، لتأخُذَ حكمَها
وموضعَها المرسوم.
وإليك خبراً آخرَ من ((تاريخ مدينة دمشق)) للمحدِّث المؤرِّخ الحافظِ
ابن عساكر رحمه الله تعالى، في (ترجمة الإمام محمد بن شهاب الزهري)، في
طبعتها المستقلة(١)، فقد ساق كلَّ هذه الأسطُرِ التالية ليَذكُرَ بعدَها أنَّ (كُنْيَةَ)
محمد بن شهاب (أبو بكر)، قال:
«حدثنا أبو بکر یحیی بن إبراهيم، أخبرنا نعمةُ الله بن محمد، حدثنا
أحمد بن محمد بن عبد الله، حدثنا محمد بن أحمد بن سليمان، أخبرنا سفيان بن
محمد بن سفيان، حدثني الحسن بن سفيان، حدثنا محمد بن علي، عن محمد بن
إسحاق، قال: سمعتُ أبا عُمَر الضريرَ يقول: محمدُ بنُ شهاب: أبو بكر)).
وهذا خبرٌ آخَرُ في تأكيد قيمةِ الإِسنادِ والسماع، وأنَّ الثقة إذا حدَّثَ من
كتابٍ ليس عليه سَمَاعُهُ - وإن كان قد تلقَّه من شيخه - كان ذلك مَغْمَزاً وخَرْماً
في شأنه .
قال الحافظ الخطيب البغدادي في ((تاريخ بغداد))(٢)، في ترجمة الحافظ الثقة
الثِّبْتِ الْحُجَّةِ المتيقظِ الراويةِ المعمِّر (أبي عُمَر محمد بن العباس الخزَّاز المعروف
(١) ص ٣٧.
(٢) ١٢٢:٣.