النص المفهرس

صفحات 1-20

الأسْنَادُ مَن الدين
ق
ضَفْ حَ مُعْرِقَةَ
بقَكَم
عبد الفتاح أَبُو هُدّة
وُلِدَسَنَة ١٣٣٦ وَتُوَفيَّ سَنَّة ١٤١٧
رَحْمَةُ اللّه تعالى
مكتب المطبوعات الإسلاميَّة

قال الإمامُ عَبدالله بن المبارك رَحمد الله تعالى:
الإسنادُ من الدّين، ولولا الإسنادُ العالَ مَنْ شاء.
مَا شاء، فإذاقيل له: مَنْ حَدَّثْكَ؟ بَقِيَ .
الإِسْمَاءِ مِنَ الدِّينِ
الاز = ٧
ضَّفْ حَتَ مُشْرِقَةَ
مِنْ تَطْرُج ◌َمَاعَ الحَدِئْبِ عِنْدَ الحَد ◌ِيْ

قيْل للإمام يَحَى بْ مَعِين رحمهُ اللهُ
تعالىُ في مَرَضْ مَوْتِهِ: مَاذا تشتّيٌ؟
قال: بيتٌ خالى، وإسْنَادْ عَالِ.
جَبْعَ الُوامحفوظة
الطَبَّعَةُ الثَّالِثَة
١٤٣٥ هـ - ٢٠١٤م
ISBN 978-614-437-086-5
9 786144 370865
شركة دار التَسَائِ الإسْلامِيَّةُ
لِلطِبَاعَةِ وَالنَّشْرِ وَالتَّوزِيعِ ش.م.م.
أسّنها الشّيخ رمزيْ دِيثِقيّة رَحِمُ اللَّه تعالى
سنة ١٤٠٣ هـ - ١٩٨٣م
بيروت - لبنان - ص.ب: ١٤/٥٩٥٥
هاتف: ٠٠٩٦١١/٧٠٢٨٥٧ فاكس: ٧٠٤٩٦٣ / ٠٠٩٦١١
email: info@dar-albashaer.com
website: www. dar-albashaer.com

الإِسَادِ مِنَ الْدِ
ق
ضَفْحَتَ مُشْرِقَةَ
مِنْ تَطَرُ سَمَاعِ الحَدِيْ عِنْدَ الحَدْثِيْ
بقَلم
عَد الفتّاح أبو غُدّة
النَّاشِْر
مَكتب المطبُوعَاتِ الإسْلامِيَّة بحَلَبَ
دَارُ الشَِّ الإسْلامِيَّةِ

بِسْمِ اللهِالرَّحْمِ الرَّمِ
كلمةٌ بين يدي: الإِسنادُ من الدِّين
وصفحةٌ مُشرِقةً من تاريخ سَمَاعِ الحديث عند المحدِّثين
الحمدُ لله رب العالمين، والصلاةُ والسلامُ على سيدنا محمد سيد الأنبياء
والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعدُ، فيقول العبدُ الضعيف عبدُ الفتاح بن محمد أبو غُدَّة، غَفَر الله له
ولوالديه، وأحسن إليه بالعفوِ يومَ القدوم عليه: هذا كتابٌ رشيقٌ ممتع، ضمَّنَتُهُ
موضوعين هامَّين من موضوعاتٍ علوم الحديث النبوي الشريف.
أوَّلهُما: الإِسنادُ، وما جاء من أقوالِ الأئمةِ المحدِّثين في طلبِهِ، وشَرَفِه،
وتفرَّدِ الأُمَّةِ الإِسلاميةِ به، وأهميتِهِ، وموقعِهِ في روايةِ الحديثِ وتلقِِّه، ومَوْقعِهِ في
تلقِّي سائرِ العلوم، ودُخولِهِ في تحمُّلِ الخالفين عن السالفين ... ، وسمِّيتُه:
«الإِسنادُ من الدین)).
وثانيهما: سَمَاعُ الحديثِ عند المحدِّثين، وهو جانبٌ من العلم هامّ، يتجلّى
من الوقوفِ عليه: العنايةُ البالغةُ الفائقةُ التي قام بها المحدِّثون الكبار، في روايةٍ
الحديثِ وإسماعِهِ لناقليهِ عنهم ومُتَلقِّيهِ منهم، وما كانوا عليه من الدِّقَّةِ العجيبة،
والضبطِ الشديد، والإتقانِ البالغ، والأمانةِ التامَّةِ في خدمةِ السُّنَّةِ المطهرةِ ونقلِها
وحفظها ... ، وسمِّيتُه: ((صَفْحةٌ مُشْرِقةً من تاريخ سَمَاعِ الحديث عندَ المحدِّثين)).

٦
وجمعتُ بين هذين الموضوعين في هذا الكتاب، لتقاربهما وشديدِ الصلةِ
بينهما، راجياً من الله تعالى أن ينفع بهما إخواني المسلمين عامَّة، وخُدَّامَ الحديثِ
الشريفِ خاصَّة، فأسعَدَ بدعواتِهم، وأنالَ من بركاتِهم، ومن اللَّهِ أستمدُّ العونَ
والسُّداد، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أُنیب. وصلى الله على نبينا
محمد وعلى آله وصحبه وسلّم، والحمدُ لله رب العالمين.
في يوم الأربعاء ٥ من ربيع الآخر سنة ١٤١١.

الإِسْمَاءِ مِ الدِّينِ
بقَلم
عَد الفتّاحِ أبو غُدّة

٩
بِسْمِاللهِ الرّحمنِالرَِّ
تَقْدِمَةُ (الإسناد من الدین):
الحمدُ لله الذي خَصَّ الأُمّةَ المحمديَّةَ بِشَرَفِ الإِسناد، وأعلى مَقامَ الکتابِ
الكريمِ والسُّنّةِ المطهرةِ في كلِّ ناد، ويَسْرَ لمن استهداه سَبِيلَ الهُدَى والرشاد،
وأقام علماءَ الإِسلام المحدِّثين حُرَّاساً أُمِنَاءَ على حفظِ حديثٍ خيرِ العِبَاد، نبيِّنا
محمدٍ المصطفى، والرسولِ الأمينِ المُجتَبَى، صلّى الله عليه وسلَّم وعلى آله
وصحبه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم التِّنَاد.
وبعدُ فهذه رسالة لطيفة، سمّيتُها: ((الإِسنادُ من الدین)، تحدَّثتُ فيها عن
تعريفٍ (الإِسناد) لغةً واصطلاحاً وما يتصل بذلك، وذكرتُ فيها جملةً كبيرةً مما
نُقِل عن السلفِ وأئمةِ المحدِّثين في تعظيمِ أمرِ الإِسناد، وبيانِ مَوْقعِهِ من الدين،
كما حَكَيتُ فيها ما جاء عنهم في طَلَبِهِ، والحِرصِ عليه، وتفرُّدِ الأمّةِ الإِسلاميةِ به،
وفي فوائدِهِ، وفي العلومِ التي يُشترَطُ فيها الإسناد، والتي يكونُ الإِسنادُ فيها
كَمَالاً وزِينة، وما إلى ذلك من الأبحاث الهامّة.
ثم نبّهتُ إلى حديثٍ موضوعِ استَشِهَدَ واستدلَّ به طائفةٌ من كبارٍ
العلماءِ المحدِّثين على فضلِ الإِسناد، كما نبهتُ إلى تصحيفاتٍ عجيبة، وقعتْ في
كلمةِ الإِمام عبد الله بن المبارك: (الإِسنادُ من الدِّين، ولولا الإِسنادُ لقال مَنْ
شاء: ما شاء، فإذا قِيلَ له: مَنْ حَدَّثَك؟ بَقِيَ!).
فقد وقع في هذه الجملة الأخيرة في قوله: (بَقِي) تحریفاتٌ كثيرة، حتى
غدّتْ بسببها هذه الجملةُ: (فإذا قِيلَ له: مَنْ حَدَّثَك؟ بَقِي!) مهجورةً عند

١٠
الدارسين والمحدِّثين المتأخرين، لغموضٍ معناها، والاشتباهِ في صِيغةِ مَبْنَاها،
وسُقتُ نصوصاً كثيرةً مما تحرَّفَتْ فيها، وقعَتْ لكبارِ العلماءِ والمحقِّقين، ثم أوردتُ
النصوصَ الجمَّةَ التي بلغَتْ ١٨ نصاً شواهِدَ على تصويب هذه العبارة
وتوضيحِها، وذكرتُ توجيهَ استعمالها في لغة العرب ومُنَاطَقَاتِهم .
وذكرتُ خِلالَ ذلك كلِّه ما يتصلُ بالموضوع والمقامِ من الفوائد العلميةِ
الهامَّة، والتعليقاتِ المفيدةِ النافعةِ إن شاء الله تعالى، راجياً من الله تعالى التوفيقَ
والإِمداد، ومن المنتفعين بها صالحَ الدعاء، اللهم ارزقنا جميعاً الإِخلاصَ في
القول والعمل، وجَنُّبْنا الخطأ والزلل، واجعلنا من عبادِك الموفَّقين إلى طريقك
المستقيم، وهَذي نبيِّك القويم، وصَلِّ اللهم وسلِّمْ على نبينا محمد وعلى آله
وصحبه أجمعين، والحمدُ لله رب العالمين.
وكتبه
في يوم الخميس ٩ من جمادى الأولى سنة ١٤١٠ بالرياض
عَد الفتّاح أبو غُدّة

١١
الأسََّادُ مِنَ الدِّينِ
لقد أكرم الله تعالى هذه الأمةَ الإِسلاميةَ المحمدية، بخصائص كثيرة،
ومزايا وفيرة، منها ما يتعلق بذات الشريعة المطهرة، وألوانٍ العبادات والمعاملات
والطاعات والمثوبات، يُسرأ وسهولةً ومضاعفةَ أجر ... ، ومنها ما يتعلّق بخدمةٍ
الشريعة ونقلها وتبليغها وتدوينها وضبطها وحفظها ... ، وفي كل ناحيةٍ من
هاتين الناحيتين خصائصُ غيرُ قليلة(١).
ومن أهم هذه الخصائص للأمة المحمدية خصيصةُ (الإِسناد) في تبليغ
الشريعة المطهرة وعلومها من السلفِ إلى الخلف، فقد كان الإِسنادُ الشرطَ الأولَ
في كل علم منقول فيها، حتى في الكلمةِ الواحدة، يتلقاها الخالفُ عن السالف،
واللاحقُ عن السابق بالإِسناد، حتى إذا منَّ الله تعالى على الأمة بتثبيت نصوص
الشريعة وعلومها، وأصبحت راسخة البنيان، محفوظةٌ من التغيير والتبديل،
تسامَحَ العلماءُ في أمر الإسنادٍ، اعتماداً منهم على شيوع التدوين وثبوت معالم
الدین.
قال العلماء: (الإِسنادُ) هو مصدرٌ من قولك: أسندتُ الحديثَ إلى قائلِه،
إذا رفعته إليه بذکر ناقِله.
(١) انظر - إذا شئت - خصائصَ الأمة المحمدية في (المواهب اللدنية)) للقسطلاني
٤٢٢:١ - ٤٣٣، وقد أوصَلَها إلى ٣٩ خَصِيصة، أو في ((شرح المواهب اللدنية)) للزرقاني
٣٩٨:٥ - ٤٧٤.

١٢
فمثلاً قول الإمام أبي عبد الله البخاري رحمه الله تعالى في كتابه الذي سمّاه:
((الجامِعُ المُسْنَدُ الصحيحُ المختَصَرُ من أُمُورِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم
وسُنَيْهِ وأيَّامِه))(١)، في كتاب العلم، في (باب إثم من كَذَبَ على النبي صلى الله
(١) هكذا كاملُ اسم ((صحيح البخاري)) عند غير واحد من العلماء كما يأتي نقلُ
عباراتهم، وقال الحافظ ابن حجر في ((هدي الساري)) ص ٦ من الطبعة البولاقية، و٥:١
من الطبعة المنيرية، وص ٨ من الطبعة السلفية: ((الفصلُ الثاني في بيانِ موضوعٍ جامعِهِ
الصحيح والكشفِ عن مَغْزَاهُ فيه: تقرَّر أنه التّزَمَ فيه الصحة، وأنه لا يُورِدُ فيه إلا حديثاً
صحيحاً، هذا أصلُ مَوْضُوعِه، وهو مستفادٌ من تسميتِهِ إياه: (الجامعُ الصحيحُ المسنّدُ من
حديثٍ رسول الله صلى الله عليه وسلم وسُنَيْهِ وأيامِه).)). انتهى.
وفي الاسم الذي ذكره لصحيح البخاري نظر، فقد قال ابن الصلاح في «مقدمته» في
علوم الحديث ص ٢٤ - ٢٥، في (النوع الأول: الصحيح)، في الفائدة السادسة: ((أسمُهُ
الذي سَمَّهُ - البخاريُّ - به: (الجامعُ المسنَدُ الصحيحُ المختَصَرُ من أُمُورِ رسول الله
صلى الله عليه وسلم وسُنَيْهِ وأيامِه).)). وبمثلِهِ تماماً نَقَل اسمَهُ عن البخاري الحافظُ أبو نصر
الكَلَاباذِيُّ في أوائل كتابه ((رجال صحيح البخاري)) ٢٤:١. وبمثلِهِ تماماً سمّه الحافظُ
ابنُ خَيْرِ الإِشبيلي في ((فهرست ما رواه عن شيوخه)) ص ٩٤.
وبمثلِهِ تماماً أيضاً قال الإِمامُ النووي في القطعة التي شَرّحها من ((صحيح البخاري))
ص.٧، وفي كتابه ((تهذيب الأسماء واللغات)) ٧٣:١، في ترجمة البخاري، قال: ((أمّا اسمُ
صحيح البخاري فسمّاه مؤلّفُه أبو عبد الله البخاري رحمه الله : (الجامعُ المسنَدُ الصحيحُ
المختصَرُ من أمورٍ رسول الله صلى الله عليه وسلم وسُنَيْهِ وأيامِه).)). انتهى. وبمثلِهِ تماماً
سمّه الحافظ ابنُ رُشَيْد السَّبْتي الأندلسي في كتابه ((إفادة النّصِيح في التعريف بسند الجامع
الصحيح)) ص ١٦ .
وهكذا قال البدرُ العيني في ((عمدة القاري)) ٥:١ (سَمِّ البخاريُّ كتابَه: (الجامعُ
المسنَدُ الصحيحُ المختَصَرُ من أُمورِ رسول الله صلى الله عليه وسلم وسُنَيْهِ وأيامِه).)).
انتهى. وقد جاء هذا الاسمُ على وجهِ مخطوطتين قديمتين، أوردتُ صورتَهُ فيهما بآخر
الكتاب.
فالاسمُ الذي أورده الحافظ ابن حجر فيه قصور، والدِّقَّةُ والتَّمَامُ فيما ذكره الآخرون، =

١٣
= فعند الحافظ ابن حجر قُدِّمَ لفظُ (الصحيحُ) على (المسنّدُ)، والأقوَمُ تأخيرُه كما جاء عند
الآخرين، ونَقَصَ عنده لفظُ (المختَصَرُ من أُمورِ رسول الله)، وجاء بدلاً عنه(من حديثٍ
رسول الله)، وما عندهم أدقُ وأشمَلُ.
ومن العَجَبِ كلِّ العَجَب أن هذا الاسم لكتاب ((صحيح البخاري))، لم يُثْبَت على
نسخة من طبعات الكتاب التي وقفتُ عليها، وحقُّه أن يُثبتَ على وجه كل جزءٍ من أجزائه،
لَيَدُلِّ على مضمونِهِ بالاسم العَلَمي الذي سَمّه به مؤلُّهُ رضي الله عنه.
وقُلْ مِثلَ هذا في إثباتِ اسمِ ((صحيح مسلم)) عليه، وقد سمّاه الحافظ ابن خير
الإشبيلي في ((فهرست ما رواه عن شيوخه)) ص ٩٨ ((المسند الصحيح المختصر من السُّنّن
بنقلِ العدلِ عن العدلِ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم)).
وقُلْ مثلَ ذلك في إثبات اسم كتابٍ الترمذيِّ عليه، فقد أُثبِتَ على وجهِ المطبوع منه
بالقاهرة ثم في بيروت: ((صحيحُ الترمذي بشرح الإِمام ابن العربي)). وهو خطأ، فليس هو
مُسمَّىَّ بالصحيح .
والعجبُ أن شيخنا العلامة أحمد شاكر رحمه الله تعالى، حينما شرّح كتاب الترمذي
أَثْبَتَ على وجهه (الجامعُ الصحيحُ، وهو سُنَّنُ الترمذي)). فالجزءُ الثاني من هذا الاسم:
(وهو سُنَنُ الترمذي)، من باب رعايةِ المعنى والمضمونِ للكتابِ فلا مانعَ منه، وقد اشتَهَر به
أيضاً كما أشار إليه صاحبُ ((كشف الظنون)) ١: ٥٥٩، أما الجزءُ الأوّلُ من هذا الاسم
وهو: (الجامعُ الصحيحُ)، فهذا الوصفُ: (الصحيحُ) ما كان ينبغي له إثباتُهُ على وجهِ
الکتاب، وقد أثبتّهُ غیرَ مرة: في وجهِ الجزء الأول، وفي ص ٩٠ من المقدمة، وفي وجه أول
الكتاب بعدَ المقدمة، وفي وجه الجزء الثاني من طبعة مصطفى البابي الحلبي.
وتابَعَ شيخُنا في هذا: مَنْ تساهَلَ في إطلاق هذا الوصف على كتاب الترمذي، فقد
أطلَق الحاكمُ عليه اسمَ (الجامع الصحيح)، وأطلَق الخطيبُ عليه أيضاً اسمَ (الصحيح)،
كما حكاه عنهما الحافظ ابنُ الصلاح في ((مقدمته))، في آخر (النوع الثاني: الحسن)، وتعقّبه
بقوله: ((وهذا تساهُلٌ، لأنَّ فيها - أي في الكتبِ المعدودِ فيها كتابُ الترمذي - ما صَرَّحوا
بکونه ضعيفاً أو منکراً أو نحو ذلك من أوصافِ الضعيف». انتهى.
وقال الحافظ الذهبي في (سير أعلام النبلاء)) ٢٧٤:١٣، في ترجمة الترمذي: ((في
((الجامع)) عِلْمُ نافع، وفوائدُ غَزِيرة، ورُؤوسُ المسائل، وهو أحَدُ أصول الإسلام، لولا =

١٤
عليه وسلم)(١):
((حدَّثَنَا مكيُّ بن إبراهيم، قال: حدِّثَنَا يزيدُ بنُ أبي عُبَيد الله ــ وهو مَوْلَى
سَلَمَة بن الأكوع -، عن سَلَّمَة، قال: سمعتُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم
يقول: من يَقُلْ عليَّ ما لم أَقُل، فلْيَتبوَّأ مقعدَهُ من النار)): يُسمَّى إسناداً. وذاتُ
السلسلةِ التي ذَكَّرَ فيها البخاريُّ الرُّوَاةَ تُسمّى (سَنّداً).
وعرِّفوا (الإِسناد) بقولهم: هو حِكايةُ طريق متن الحديث. وعرِّفوا (السِّند)
بأنه طريقُ متن الحديث. وسُمِّي (سَنَدأ) لاعتماد الحفاظ عليه في الحكم بصحة
الحدیث أو ضعفه، أخذاً من معنی (السِّنّد) لغةً، وهو ما استندت إليه من جدارٍ
أو غيره.
وعلى هذا: فـ (الإِسنادُ) هو قولُك أو قولُ البخاري مثلاً: حدَّثَنا فلان،
قال: حدثنا فلان ... ، و(السَّنَدُ) هو أولئك الرواةُ الناقلون المذكورون قبل مَتْن
= ما كدَّره بأحاديثَ واهية، بعضُها موضوع، وكثيرٌ منها في الفضائل)). انتهى. وقال الذهبي
أيضاً: ((انحطّتْ رُتبةُ جامع الترمذي عن سنن أبي داود والنسائي، لإخراجه حديثٌ
المَصْلُوب والكَلْبِي وأمثالِهِما))، نقَلَه السيوطي في ((تدريب الراوي)) ص ٩٩، في أواخر
الكلام على (الحديث الحسن).
فَوَصْفُ ((جامع الترمذي)» بلفظِ (الصحيح) غيرُ صحيح، فلا يَسُوغ إثباتُه عليه.
وسمّاه الحافظ أبو القاسم الإِسْعَرْدِي المتوفى سنة ٦٩٢ رحمه الله تعالى، في جزئه ((فضائل
الكتاب الجامع لأبي عيسى الترمذي)» ص ٣٨: ((المُسْنَد الجامع)). انتهى. وهذا لائقٌ به،
وسَمَّاه قبلَه الحافظُ ابنُ خَيْرِ الإِشبيليُّ المتوفى سنة ٥٧٥ رحمه الله تعالى، في ((فهرست ما.رواه
عن شيوخه)) ص ١١٧ بقوله: ((الجامعُ المختَصَرُ من السُّنْنِ عن رسول الله صلى الله عليه
وسلم ومعرفةُ الصحيحِ والمعلولِ وما عليه العَمَلُ)). انتهى. وهذا الاسمُ مطابقٌ لمضمونٍ
الكتاب، ووقفتُ عليه بعينه مُثْبَتاً على مخطوطتين قديمتين، كُتِبَتْ إحداهما قبلَ سنة ٤٨٠،
وقبل ولادة ابن خير سنة ٥٠٢، والأخرى في سنة ٥٨٢، وأثبتُ صورةَ وجههما بآخر
الکتاب.
(١) ٢٠١:١ بشرح ((فتح الباري)) طبعة السلفية سنة ١٣٨٠.

١٥
الحديث. ومتنُ الحديث هنا قولُه صلى الله عليه وسلم: ((من يَقُلْ عليّ
ما لم أقل ... )). والمحدِّثون يستعملون كلا من (السَّنَد) و (الإِسناد) في موضعِ
الآخر، ويُعرَف المراد بالقرائن.
قال العلامة الشيخ طاهر الجزائري رحمه الله تعالى، في ((توجيه النظر إلى
أصول الأثر))(١): ((وأما الإِسنادُ فقد عرفتَ أنه مصدرُ (أَسنَدَ)، ولذلك لا يُثنَّ
ولا يُجِمَع، وكثيراً ما يُرادُ به (السّنَدُ) فيثنى ويُجمَع، تقول: هذا حديثٌ له
إِسنادان، وهذا حديثٌ له أسانيد. وأما (السَّنَدُ) فيُثَنَّى ولا يُجمَع، تقول: هذا
حديثٌ له سَنَّدان، ولا يقال: هذا حديثٌ له أَسْنَاد بوزن أَوْتَاد، وكأنهم استغَنَّوْا
بجَمْع (الإِسناد) بمعنى (السَّنَد) عن جمعه. وقد ذكَرَ بعضُ اللغويين أن (السّنّد)
بمعانيه اللغوية لم يُجمَع أيضاً)). انتهى(٢).
و (الإِسنادُ) خَصِيصةٌ فاضلةٌ من خصائص هذه الأمة، لم يُؤْتَها أحدٌ من
(١) ص ٢٥ .
(٢) قلتُ: نَفْيُ بعضِ اللغوبين تَجْعَ (السِّنَدِ) بمعانيه اللغوية على (أسناد) مخالِفٌ لما في
أمهات كتب اللغة، ففي ((الجمهرة)) لابن دريد ٢: ٢٦٦ ((السَّنّدُ ما قابَلَكَ من الجَبَل مما علا
من السَّفْحِ، والجمعُ أَسْنَاد)). وفي ((أساس البلاغة)) للزمخشري في (سند): ((ونزلنا في سَنَدِ
الجَبَلِ والوادي، وهو مرتفَعُ من الأرض في قُبُلِهِ، والجمعُ أَسْنَاد)). ومثلُه في ((لسان العرب)»
لابن منظور في (سند)، وزاد عليه قولَهُ: ((والجمعُ الأَسْنَادُ، لا يُكَسَّرُ على غير ذلك».
انتهى. وهذه النصوصُ هي الأصل للمعنى الاصطلاحي للفظِ (السُّنَد).
وجاء في ((تهذيب اللغة)) للأزهري ٢: ٣٦٤ ((قال ابنُ بُزُرْج: السَّنَّدُ واحِدُ الأسناد من
الثياب، وهي البُرُودُ، وأنشد:
جُبّةُ أَسْنَادٍ نَقِيِّ لَوْنُهَا لم يَضْرِبِ الخَيّطُ فيها بالإِبْ
قال: وهي الحمراءُ من جِبَاب البرُود)). انتهى.
وفي هذه النصوص جميعِها تَجْعُ (السُّنَدِ) لأكثرَ من معنى من معانيه اللغوية. وتُفيدُ
عبارة (تاج العروس)) في (سند) أن الذي نَّفَى تَمْعَ (سَنَّدٍ) بمعَانيه اللغوية هو ابنُ الأعرابي.
=
وقد علمتَ أنَّ نصوصَ كبار اللغويين السابقةَ على خلافٍ قوله، فلا يُعوِّلُ عليه .

١٦
الأمم قبلَها. وهو من الدين بموقع عظيم، روى الحافظُ الخطيبُ البغدادي في
(تاريخ بغداد))(١)، في ترجمة (أبي إسحاق إبراهيم بن محمد الأمين البخاري)،
بسندِهِ إلى تلميذِ عبدِ الله بن المبارك: عَبْدَانَ، قال: سمعتُ عبدَ الله بنَ المبارك
ثم قول العلامة الجزائري رحمه الله تعالى: (ولا یقال: هذا حديثٌ له أسنادٌ بوزن
=
أوْتَاد، وكأنهم استغنوا ... ) لا يعارضه ما وقع في (ميزان الاعتدال)) ٥١٧:٣ في ترجمة
(محمد بن الحسن بن أزهر الدَّعَّاء) من قول الذهبي: ((ورأيت له حديثاً أسناده ثقات
سواه)). وضبط محقق («الميزان)) لفظةً (أُسنادَه) بهمزة فوق الألف وعليها فتحة، وهو ضبط
خاطىء والصواب ضبطه بكسر الهمزة.
وجاء في ((الميزان)) أيضاً في ٤: ١١، في ترجمة (محمد بن القاسم الطايكاني - ويقال له
الطايقاني أيضاً -): ((قال عبد الله الأسناد في المُسْنَدِ جْعِهِ، حدثنا أحمد بن محمد ... )).
ولفظة (الأسناد) ضبطها محقق (الميزان)) بهمزة فوق الألف.
وفيه تحريفان: تحريف في إثبات لفظ الأسناد بالهمزة فوق الألف، وتحريف أشد في
اللفظ نفسه الذي هو (الأسناد) فإنه محرِّف عن: ((وقال عبد الله الأَسْتَاذ ... )) فالأَسْتَاذهنا
لقب لعبد الله، وهو أبو محمد عبد الله بن محمد بن يعقوب البُخَاري السََّذْمُوني المتوفى سنة
٣٤٠، كما ضبطه السمعاني وترجم له في ((الأنساب)) ١٩٦:١، في لفظ (الأَسْتَاذ). قال:
((الأستاذ بضم الألف وسكون السين المهملة، وفتح التاء ثالث الحروف بعدها الألف، وفي
آخرها الذال المعجمة،هذا لقب أبي محمد عبد الله بن محمد بن يعقوب البُخَارِي السُّبَذْمُوني ... ).
ووقع تحريف (الأستاذ) إلى (الإسناد) أيضاً، في ((لسان الميزان)) من طبعة الهند
٣٤٣:٥، ومن طبعة دار الفكر ببيروت ٣٨٧:٥، وهو في مخطوطة ((لسان الميزان)) عندي
المقروءة على المؤلّف (الأستاذ) واضحاً جلياً.
ولا يعارضه أيضاً ما وقع في ((تهذيب التهذيب)» ٤٠٤:٦ في ترجمة (عبد الملك بن
عبد العزيز بن جريج): من قول علي بن المديني: ((نظرت فإذا الأسنادُ تدور على ستة،
فذكرهم ... )). فإن لفظة (تدور) التي تقتضي قراءة (الأسناد) بفتح الهمزة محرفة عن (يدور)
كما جاءت في المصورة من ((تهذيب الكمال)» للمزي، فتبين أن هذه النصوص التي وقع فيها
لفظ (الأسناد) بفتح الهمزة لا يعول عليها لتحريفها كما علمت.
(١) ٦ :١٦٦.

١٧
يقول: الإِسنادُ عندي من الدِّين، ولولا الإِسنادُ لقال من شاء: ما شاءٍ(١)، ولكن إذا
قيل له: من حَدَّثك؟ بَقِي (٢)! قال عَبْدَانُ: ذَكَر - أي عبدُ الله بنُ المبارك - هَذَا
عند ذكرِ الزنادقةِ وما يَضَعُون من الأحاديث)). انتهى(٣). وهذه الكلمة من
(١) روايةُ الخطيب: (لولا الإسناد ... ) بغير واو، وروايةُ مسلم في مقدمة
((صحيحه) وروايةُ الحاكم المسوقةُ بعدُ: (ولولا الإِسناد ... ) بإثبات الواو، فأثبتها.
(٢) أي بَقِيَ ساكتاً مُنْقطعاً مُفْحاً، وسيأتي مزيدُ بیان لمعنى هذه الكلمة في ص ٥٣،
وهذا المعنى وَرَدّ عن الإِمام سفيان الثوري وغيرِهِ بأُسلوپٍ آخر.
قال الحافظ ابنُ الصلاح في (معرفة أنواعٍ عِلم الحديث))، في (النوع الستين): ((رُوِّينا
عن سفيان الثوري أنه قال: لما استَعمَل الرواةُ الكذبَ، استعملنا لهم التاريخ. ورُوِّينا عن
حفص بن غياث أنه قال: إذا اتّهمْتُم الشيخَ فحاسِبُوهُ بالسِّنَّيْنِ. يعني احسبوا سِنُّهُ وبِنَّ من
کتب عنه.
وهذا كنحو ما رُؤَيْنَاهُ عن إسماعيل بن عياش، قال: كنتُ بالعراق، فأتاني أهلُ
الحديث، فقالوا: ها هنا رجلٌ يُحدِّثُ عن خالد بن مَعْدَان، فأتيتُهُ فقلتُ: أيَّ سنةٍ كتبتَ
عن خالد بن مَعْدَان؟ فقال: سنّةَ ثلاثَ عَشْرَة يعني ومِئة، فقلتُ: أنت تزعمُ أنك سمعتَ
من خالد بن مَعْدَان بعدَ موتِهِ بسَبْعٍ سنين! قال إسماعيل: مات خالد سنةً ستٍ ومئة.
ورُوِّيِنا عن الحاكم أبي عبد الله قال: لمَّا قَدِمَ علينا - نيسابور - أبو جعفر محمد بن
حاتم الكِشَيِّ، وحدَّثَ عن عَبْد بن مُميد، سألتُه عن مولِدِهِ، فذكَرَ أنه وُلِدَ سنةً ستين
ومئتين، فقلتُ لأصحابنا: سَمِعَ هذا الشيخُ من عَبْد بن مُميد بعدَ موتِهِ بثلاثَ عَشْرَةَ سنة)).
(٣) وقد وقع من الأستاذ أكرم ضياء العمري، في كتابه ((بحوث في تاريخ السنة
المشرفة))، في طبعتيهِ الأولى والثانية ص ٤٩، عَزْوُ هذه الكلمة إلى (محمد بن سيرين)، وأنها
في ((صحيح مسلم)) ١٥:١، و((الضعفاء والمجروحين)) لابن حبان ١٨:١، و«المحدِّث
الفاصِل)» للرامَهُرْمُزِي ص ٢٠٩ .
وهو سهو منه في إسنادها إلى ابن سيرين، وإنما هي لعبد الله بن المبارك، كما جاءت
معزوةً إليه في جميع المواضع التي أشار إليها، وقد قلَّده في هذا السهو الأستاذ أبو اليقظان
عطية الجْبُوري، في كتابه ((مباحث في تدوين السنة المطهرة)) ص ٩٦! وقديماً قالوا قد يُقلّدُ
الساهيّ الساهي، ولو كان (أبو اليقظان).
=

١٨
الإِمام عبد الله بن المبارك رضي الله عنه، من أفضلِ ما تُشخّص به منزلةُ الإِسنادِ
في الدين وأبلّغِه.
قال الحاكم أبو عبد الله النيسابوري، في كتابه ((معرفة علوم الحديث))(١)،
بعدَ ذكرِهِ كلمةً عبدِ الله بن المبارك «الإسنادُ من الدين وَلَوْلا الإِسنادُ ... )»:
((قال أبو عبد الله: فلولا الإِسنادُ وطَلبُ هذه الطائفةِ لَهُ، وكثرةُ مواظيتِهم
على حفظِهِ، لدَرَس مَنَارُ الإِسلام، وتمكّن أهلُ الإِلحادِ والبِدَعِ منه، بوَضْعِ
الأحاديث، وقَلْبِ الأسانيد، فإنَّ الأخبارَ إذا تعرَّتْ عن وجود الإِسنادِ فيها كانت
بُتْراً.
کما حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا العباسُ بن محمد الدُّوري،
حدثنا أبو بكر بن أبي الأُسْوَد، حدثنا إبراهيمُ أبو إسحاقَ الطَّالقَاني، حدثنا بَقِيَّةُ،
حدثنا عُتْبَةُ بنُ أبي حَكِيم أنه كان عند إسحاق بنِ - عبد الله بن - أبي فَرْوَة
- أحَدِ الضعفاءِ المتروكين -، وعنده الزُّهريُّ، فجَعَل ابنُ أبي فَرْوَة يقول: قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له
الزهريُّ: قاتَلَك الله يا ابنَ أبي فَرْوَة! ما أجرأَك على الله؟! لا تُسنِدُ حديثَك!
◌ُحدِّثُنا بأحاديثَ ليس لها خُطُمٌ ولا أَزِمَّة!))(٢). انتهى .
كما أن الأستاذ أكرم سَهَا أيضاً في عَزْوِهِ إلى ابن سيرين: ((بَيْنَنَا وبينَ القومِ القوائمُ.
=
يعني الإسناد)). وهي أيضاً لعبد الله بن المبارك كما في الموضع الذي عزاها إليه في ((صحيح
مسلم)) ١ : ١٥ .
(١) ص ٦.
(٢) قال ابن الأثير في ((النهاية في غريب الحديث والأثر)) في (خطم): ((خِطامُ البعير
أن يؤخَذَ حَبْلٌ من لِيفٍ أو شَعْر أو كَتَّان، فيُجعَلَ فِي أَحَدٍ طَرَفَيْهِ حَلْقَةً، ثم يُشَدَّ فيه الطُّرَفُ
الآخَرُ حتى يصيرَ كالحَلْقَة، ثم يُقَلَّدَ البعيرُ، ثم يُثْنَى على خْطمهِ - أي على أنفِهِ -، وأمَّا
الذي يُجِعَلُ في الأنفِ دقيقاً فهو الزّمامُ)). انتهى. فالخِطَامُ والزّمامُ كلاهما مما يُقادُ به البعير . =

١٩
ورواه من طريقٍ أخرى عن الزهريِّ الحافظُ أبو سَعْد السمعاني في كتابه
((أدب الإملاء والاستملاء))(١)، وجاء فيه بعد قوله (ليس لها خُطُمٌ ولا أزِمَّة):
(يعني : الإِسناد).
وقد جاء عن ابن المبارك وغيره من الأئمة كلماتٌ كثيرة في تبيين مقام
الإِسناد، كلّها تتجه إلى إبراز أهمية (الإسناد)، وفوائِدِه، ومزاياه، ولزوم العناية
به، وأنه من خصائص علوم الإِسلام، وفي نقلِ جملةٍ منها هنا استكمالٌ لبيان
موضعِ الإِسناد من الدين، وإيضاحُ لأثره في تبليغ هذه الشريعة الإسلامية
المطهرة وعلومها .
قال الإِمامُ مالك رحمه الله تعالى في تفسير قوله تعالى: ﴿وإنه لَذِكْرٌ لَكَ
ولِقوْمِك﴾(٢)، هو قولُ الرجل: حدَّثَني أبي عن جدّي.
وقال عبد الله بن المبارك أيضاً: مَثَلُ الذي يَطْلُبُ أمرَ دينه بلا إسناد،
كمثلِ الذي يرتقي السطح بلا سُلّم. وقال أيضاً: بيننا وبين القوم القوائم. يعني
بالقوائم: الإسناد، وبالقوم: أهلَ البِدع ومن شاكّلَهم.
وقال سفيان الثوري رحمه الله تعالى: الإِسنادُ سِلاحُ المؤمن، فإذا لم يكن
معه سلاح فبأَيِّ شيء يقاتل؟. وقال أيضاً: الإِسنادُ زَيْنُ الحديث، فمن اعتنى به
فهو السعيد.
((وجاء في (تهذيب التهذيب)) للحافظ ابن حجر(٣)، في ترجمة (مُقَاتِل بن
سُليمان الخُراساني البَلْخي) ثم البصري، صاحب (التفسير))، المتوفى سنة ١٥٠
ووَجْهُ الشَّبَهِ بين الأسانيدِ والخُطُمِ والأزِمَّةِ: الضبطُ والتعرُّف، فكما يُضبطُ سَيْرُ الناقةِ
=
بحركةِ زِمامِها، وتَتَعرِّفُ من حركتِهِ وجهةَ سَيْرِها الصحيح المطلوب، كذلك تُتَعَرَّفُ
الأحاديثُ وتُضْبَطُ برجالٍ أسانيدها، وبها يَتميّزُ صَحيحُها من سَقِيمها.
(١) ص ٦.
(٢) من سورة الزخرف، الآية ٤٤.
(٣) ١٠ : ٢٧٩.

٢٠
((قال نُعَيم بن حماد: رأيتُ عند ابن عيينة كتاباً لمُقَاتِل، فقلتُ: يا أبا محمد،
تَرْوِي لمُقَاتلٍ في التفسير؟ قال: لا، ولكن أستدلُّ به وأستعين، وقال ابنُ المبارك
لَّا نَظَرَ إلى شىء من تفسيره: یا لَهُ من علمٍ لو كان له إِسناد)».
ورَوَى الرَّامَهُرْمُزِيّ في ((المحدِّث الفاصِل بين الراوي والواعي))(١) عن
شعبة بن الحجاج قولَه: ((كلُّ حديثٍ ليس فيه حدَّثَنا أو أخبَرَنا، فهو خَلَّ
وبَقْل))(٢).
وقال الإِمام الشافعي رحمه الله تعالى: مثَلُ الذي يَطلبُ الحديث بلا
إسناد، كمثل حاطب ليل، يَحمِلُ حُزمةَ حَطبٍ وفيه أَفْعَى وهو لا يدري !. وقال
سفيان بن عيينة رحمه الله تعالى: حدَّث الزهريُّ يوماً بحديث، فقلت: هاتِهِ بلا
إسناد، فقال الزهري : أترقَى السطح بلا سُلّم؟!
وقال الحافظ بَقِيّةُ بن الوليد الحمصي رحمه الله تعالى: ذاكرتُ حمّادَ بن زيد
بأحاديث، فقال: ما أجودَها لو كان لها أجنحة، يعني إسناداً، ويُشيرُ بقوله: لو كان
لها أجنحة، إلى أنها ساقطةٌ لا ترتفعُ عن الأرض، لعدمِ الإِسنادِ فيها. وقال
بعضُ العلماء: الأسانيدُ قوائمُ الأحاديث. أي دعائمها التي تَثْبُتُ بها.
وقال بعض الحفاظ: مثَلُ الذي يطلُبُ دِينَه بلا إسناد، مثَلُ الذي يرتقي
السطح بلا سُلّم، فأَنَّى يَبلغ السّماء!؟ وقال الإِمام الأوزاعي رحمه الله تعالى:
ما ذهابُ العلم إلا ذهابُ الإِسناد. وقال الحافظ يزيد بن زُرَيع رحمه الله تعالى:
لکل دِین فُرسان، وفُرسان هذا الدین أصحابُ الأسانيد.
(١) ص ٥١٧.
(٢) ومثلُه عن شُعبة في ((الكامل)) لابن عدي ٤٨:١، و((الكفاية)) للخطيب
ص ٢٨٣، و((أدب الإملاء والاستملاء)) للسمعاني ص ٧، ووقع في ((جامع الأصول))
لابن الأثير ١: ٥٩، بلفظ (فهو خَلُّ وثفل). وهو تحريف عن (وَقْل). والمرادُ من قوله:
(خَلَّ وبَقْل) أنه رَخِيصٌ لا قيمة له ولا يُتعلَّقُ به، لفقدِهِ الإِسناد.