النص المفهرس

صفحات 201-220

٢١ - كتاب الجهاد (١٣) باب ما جاء فى الغلول - ٢٠١
٢٠٠٤٧ - وظاهرُهُ خِلافُ ما في هذا الحديثِ مِنْ قَولِهِ فيهِ: ((فَأَهْدى رِفَاعَةُ بْنُ
زَيْدٍ لِرَسُولِ اللَّهِ عَهِ غُلاَمَا أَسْودَ يُقَالَ لُهُ: مِدْعَمٌ))؛ لأنَّ رِفَاعَةَ كانَ يَومَئِذٍ على
مُفْرِهِ.
٢٠٠٤٨ - وَلَمْ يُذْكَرْ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ هَذَا الْخَرِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِلَّهِ رَدَّ الغُلام
عَليهِ .
٢٠٠٤٩ - وَقَدْ قَبِلَ عَ﴾ِ هَدِيَّةَ أُكَيْدَرَ دُومةَ، وهديَّةَ فروةَ بْنِ نفائةَ الجذاميِّ(١)
وهديَّةَ المُقَوقَسِ أَمِيرٍ مِصْرَ والإِسْكندريَّةِ وغَيْرِهِم، وَهُمْ فِي ذَلِكَ الوَقْتِ كُفّارٌ .
٢٠٠٥٠ - واخْتَلَف العُلَمَاءُ في معنى حَدِيثِ عياضِ بْنِ حمارِ المَذْكُورِ :
٢٠٠٥١ - فَقَالَ مِنْهِم ◌َاتِلُونَ: ذَلِكَ نسخ لَمَا كَانَ عليهِ مِنْ هَدَايَا الْكُفَّارِ،
وَذَكَرُوا حَدِيثَ عَامِرِ بْنِ مالكٍ ملاعبِ الأسنّةِ ، قالَ: قَدِمْتُ على النِّّ لَهُ بِهَدِيَةٍ،
فقالَ: ((إِنَّا لا نَقْبَلُ هَدِيَّةَ كُلِّ مُشْرِكٍ ))(٢).
= وقال حسن صحيح . ومعنى قوله : إنّي نُهیت عن زبد المشر کین ، يعني : هدایاهم . وقد روي
عنه أنه كان يقبل من المشركين هداياهم ، وذكر في هذا الحديث الكراهة ، واحتمل أن يكون
هذا بعد ما كان يقبل منهم ، ثم نهى عن هداياهم .
(١) انظر ترجمته في الإصابة (٥: ٢١٧) الترجمة (٧٠١٤).
(٢) عن أنس بن مالك، قال: أُهْدِى أُكَيْدَرُ دُومَة للنبي عَلِ جُبةً فتعجب الناس من حسنها، فقال
النبي #: ((لَمَنَادِيلُ سَعْدٍ فِى الَّةِ خَيْرٌ مِنْهَا))(١).
(١) أخرجه البخاري في کتاب الهبة (٢٦١٥)، باب « قبول الهدية من المشر کین». فتح الباري (٥: ٢٣٠)، وفي بدء اخلق ، باب:
صفة الجنة))، وأخرجه مسلم في كتاب الفضائل. الحديث رقم (٦٢٣٤) من طبعتنا ص (٧: ١١٥)، باب : من فضائل سعد بن
معاذ رضي الله عنه))، وبرقم: ١٢٧ - (٢٤٦٩)، ص (١٩١٦) من طبيعة عبد الباقي.
(لمناديل سعد بن معاذ في الجنة خیر منها وألین) : المنادیل جمع مندیل ، وهذا هو الذي يحمل في الید ، قال ابن الأعرابي وابن فارس
وغيرهما: هو مشتق من الندل، وهو النقل؛، لأنه ينقل من واحد إلى واحد ،وقيل: من الندل، وهو الوسخ؛ لأنه يندل به.
قال العلماء: هذه إشارة إلى عظيم منزلة سعد في الجنة؛ وأن أدنى ثيابه فيها خيرمن هذه؛ لأن المنديل أدنى الثياب؛ لأنه معدًّ للوسخ
والامتهان، فغيره أفضل، وفيه إثبات الجنة لسيدنا سعد رضي الله عنه.

٢٠٢- الاستذكار الجامع لمذاهب فُقهاء الأمصارِ / ج ١٤
٢٠٠٥٢ - وَقَدْ ذَكَرْتُ إِسْتَادَهُ في ((التَّمْهِيدِ))(١).
٢٠٠٥٣ - وَقَالُوا: هَذَا نَسْخٌ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَبَولِهِ لَِّ هَدَايَا الكُفَّارِ .
٢٠٠٥٤ - وقالَ آخرونَ: لَيس في هَذَيْنِ الخَبَرَّيْنِ نَسْخٌ مِنْ ذَلِكَ، وإنَّما المعنىّ
أَنَّهُ كَانَ لا يَقْبَلُ هَدِيَّةً مَنْ يَطْمَعُ بَالظَّهُورِ عَلَيْهِ وَأَخْذِ بَلَدِهِ ، أو دخوله في الإسْلاَمِ ؛
لأنَّ قْبُولَ هَدِيْتِهِ دَاعِيةٌ إلى تَرْكِهِ على حَالِهِ، وإْرَارِهِ على دِنِهِ ، وَتَرِكٌ لِمَا أُمِرَ بِهِ مِنْ
قِتَالِهِ، وَهُوَ قَدْ أُمِرَ أَنْ يُقَاتِلَ الْمُشْرِكِينَ حتَّى يَقُولُوا: لا إله إلا اللَّهَ.
٢٠٠٥٥ - وقالَ آخرونَ: بَلْ كَانَ لَيْ مُخَيِّرًا فِي قُبُولِ هَدِيَّةِ الكُفَّارِ وَتَرْكِ
قُبُولِها؛ لأَنَّهُ كَانَ مِنْ خُلُقِهِ - عليه السلام - أَنْ يُثِيبَ عَلَى الهَدِيَّةِ بِأَحْسَنَ منها
= قال الشافعي : قد كانت الملوك من أهل الحرب يهدون إلى رسول الله عَ﴾، ويقبل منهم. قد
أهدى أبو سفيان بن حرب إلى رسول الله ي أدمًا فقبل منه ، وأهدى إليه صاحب الإسكندرية
مارية أم إبراهيم فقبلها وغيرهما قد أهدى إليه ولم يجعل ذلك بين المسلمين .
وروي في الحديث الثابت عن أبي حميد الساعدي أنَّ مَلِكَ أَيْلَةَ أَهْدَي إلى رَسُول اللَّه عَلَّهِ بَغْلَةً
بَيْضَاءَ، فَكَسَاهُ النَّبِيُّ عَِّ بُرْدَةٌ (١).
وروي في حديث بلال فيما أهدى إلى النبي # عظيم فدك من ركائب عليهن كسوة وطعام،
وقول النبي ټے: ((فاقْبِضھُنَّ وَاقْضٍ دینك )»(٢) ، یرید ما استدان لأجل النبي
وروی ثوبر بن أبي فاختة ، عن أبيه ، عن علي بن أبي طالب ، قال : أهدى کسری إلى رسول الله
فَقَِّلَ مِنْهُ، وَأَهْدَى لَهُ الْمُلَوكُ فَقَبِلَ مِنْهُمْ (٣).
(١) (٢ : ١٢) .
(١) سنن البيهقي الكبرى (٩: ٢١٥).
(٢) أخرجه أبو داود في كتاب الإمارة، الحديث رقم ٣٠٥٥)، باب ((في الإمام يقبل هدايا المشركين)) (٣: ٧ - ١٧٢).
(٣) أخرجه الترمذي في كتاب السير، رقم (١٥٧٦)، باب « ما جاء في قبول هدايا المشركين (٤: ١٤٠)، وقال: حسن
غريب ، وموضعه في سنن البيهقي الكبرى (٩: ٢١٥).

٠.
٢١ - كتاب الجهاد (١٣) باب ما جاء في الغلول - ٢٠٣
وأَفْضَلَ ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَقْبَلْ هَدِيَّةً كُلِّ مُشْرِكٍ ، وكَانَ يَجْتَهِدُ فِي ذَلِكَ، وَكانَ اللَّهُ
يُوَقِّقُهُ فِي كُلِّ مَا يَصْنَعُهُ .
٢٠٠٥٦ - وَقَدْ ذَكَرْنا في ((التَّمْهِيدِ)) حَدِيثَ عَائِشَةَ - رضي الله عنها - قالتْ:
كانَ رَسُولُ اللَّهِ عَهِ يَقْبَلُ الهَدِيَّةِ وَيُثِبُ عليها (١).
٢٠٠٥٧ - وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ إِنَّمَا تَرَكَ قُبُولَ هَدِيَّةٍ عِياض وملاعب الأسنة ومثلهما ،
ونهى عَنْ زَيْدِ المُشْرِكِينَ، وَهُوَ رِفْدُهُمْ وَعَطَايَاهُمْ وَهَدِّتْهُمْ لما في النِّهادِي والرِّفْدِ مِنْ
إِيجابٍ تَلِْنِ القُلُوبِ، وَمَنْ حَادِّ اللّهَ وشَانَهُ، قَدْ حَرُمَتْ على الْمُسْلِمِينَ مُوَلاَتُهُ ،
وكانَ رَسُولُ اللَّهِ لَّهُ فِي ذَلِكَ بِخِلاَفٍ غَيْرِهِ؛ لأَنَّهُ مَأْمُونٌ مِنْهُ مَالا يُؤْمَنُ مِنْ أَكْثَرِ
١,٠٠
الأَمَرَاءِ بَعْدَهُ .
٢٠٠٥٨ - حَدَّثْنِي عَبْدُ الوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قِرَاءَةً مِّي عليهِ أنَّ قَاسِمَ بْنَ أصبغِ
حدَّثهم ، قالَ : حدَّثْنَا ابْنُ وَضاحٍ ، قالَ: حَدَّنَا عَبْدُ الَّلكِ بْنُ حبيبٍ المَصِصِيِّ،
وقَرَأْتُ على عَبْدِ الوَارِثِ أيضاً - رحمه الله، عَنْ قَاسِمٍ، عَنْ عُبيدِ اللَّهِ بْنِ
عَبْدِ الوَاحِدِ البزارِ أنَّهُ حَدَّثَهُ ، قالَ: حَدَّثنا أبو صالحِ الفَرَّاءُ محبوب بْن مُوسى ، قالا
جميعا: حدَّثَنا أَبُو إِسْحاق إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمِّدِ الغزاريُّ. قال: قُلْتُ للأوْزَاعِيِّ:
أَرَأَيْتَ لَو أنَّ أمِيرَ الرُّومِ أَهْدى لِلْأُمِرِ هَدِيَّةٌ ، رأيْتَ أَنْ يَقْبَلَها ؟ .
قَالَ : لا أَرَى بِذَلِكَ بأسًا .
قالَ: قُلْتُ: فَمَا حَالُهَا إِذَا قَبِلَها ؟.
قالَ : قُلْتُ لِلْمُسْلِمِينَ.
(١) طبقات ابن سعد (١: ٣٨٨)، والتمهيد (٢: ١٣).

٢٠٤- الاستذكار الجامع لِمَذاهب فُقهاء الأمْصارِ / ج ١٤
قُلْتُ: وَمَا وَجْهُ ذَلِكَ؟ .
قالَ: أَيْسَ إِنَّمَا أَهْدَاهَا لَهُ لأَنَّهُ والِي عَهْدِ الْمُسْلِمينَ ، فَلاَ يَكُونُ أَحَقِّ بِهَا مِنْهم،
ويُكافِهِ بِمِثْلِها مِنْ بَتِ مَالِ المُسْلِمِينَ.
قالَ الغَزَارِيُّ: قُلْتُ لِلأوزَاعِيِّ: فَلَو أَنَّ صَاحِبَ البَابِ أَهْدَى لَهُ صاحب العَدُوّ
هَدِيَّةً، أو صَاحِب ملطية أَيَقْبَلُهَا أَحَبُ إِلَيْكَ أَمْ يَرُدُّها ؟.
قَالَ: يَرُدُّهَا أَحَبُّ إليّ ، وَإِنْ قَبَلَها فَهِىَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ ويكافئُهُ بِمِثِلِها مِنْ بَيْتِ
المَالِ .
قُلْتُ : فَصَاحِبُ الصَّائِفَةِ(١) إِذَا دَخَلَ ، فَأَهْدَى لَهُ صَاحِبُ الرُّومِ هَدِيَّةً؟ .
قالَ يَكُونُ بَيْنَ ذَلِكَ الجيشِ، فما كانَ مِنْ طَعَامٍ قَسمَهُ بَيْنَهم ، ومَا كانَ سِوَى
ذَلِكَ جَعَلَهُ فِي غَنَائِمِ المُسْلِمِينَ .
٢٠٠٥٩ - وقالَ الربيعُ، عَنْ الشَّافِعِيِّ في كِتَابِ الزَّكَاة: إِذَا أَهْدِى رَجُلٌ إلى
الوَالِي هَدِيَّةٌ ، فَإِنْ كَانَ لِشَيْءٍ نَالَ مِنْهُ حَقّا أَو بَاطِلًا، فَحَرَامٌ عَلَى الوَالِي أَخْذَهُ؛ لأَنَّهُ
حَرَامٌ عَلَيهِ أَنْ يَسْتَجعلَ على الحقِّ جُعْلًا، وَقَدْ أَلْزَمَهُ اللَّهُ القِيَامَ بالْحَقِّ، وَحَرَامٌ عَلَيْهِ أنْ
يَقُومَ بِالْبَاطِلِ، وَالْجُعْلُ فِيهِ حَرَامٌ(٢).
٢٠٠٦٠ - قَالَ: وَإِنْ أَهْدى إِليهِ من غيرٍ هذين الوجهين أَحَدٌ مِن أَهْلٍ ولايته،
فكانَتْ تَفَضِّلا أو تَشكُّرًا لِحُسْنَى كانَتْ مِنْهُ في المعاملةِ ، فَلا يَقْبَلُها ، فَإِنْ قَبَلَها
كَانَتْ فِي الصَّدَقَةُ ، وَلَا يَسَعُهُ عِندِي غيرهُ، إلا أَنْ يُكَافِئَهُ مِنْ مَالِهِ بِقَدْرٍ مَا يسعُهُ أن
(١) الصائفة : الغزوة فى فصل الصيف . اللسان (م - صيف) .
(٢) قاله الإمام الشافعي في ((الأم)) (٢: ٥٨) ((الهدية للوالي بسبب الولاية)).

٢١ - كتاب الجهاد (١٣) باب ما جاء في الغلول - ٢٠٥
يتمولها بِهِ(١).
٢٠٠٦١ - وَقَدْ ذَكَرْنَا في ((التَّمْهِيدِ)(٢) مِنْ هَذَا الْمَعْنِى مَا هُوَ أَكْثَرُ مِنْ هَذَا،
والحَمْدُ لِلِهِ.
٢٠٠٦٢ - وأمَّا حَدِيثُهُ عَّهُ مِنْ قَولِهِ فِي هَذَا الْبَابِ: ((شِرَاكٌ أو شِرَاكَانِ مِنْ
نَارٍ»، فَهُوَ شَكِّ مِنْ مُحَدِّثٍ .
٢٠٠٦٣ - وَقَولُهُ فى الحديث قَبْلَهُ: ((أَدُوا الْخَائِطَ والِخْيَطَ)) فَيَدُلُّ على أنَّ
القَلِيلَ والكَثِيرَ مِنَ المَغْنَمِ لا يَحِلُّ أَخْذُهُ ، وَأَنْهُ بِخِلافِ الطَّعَامِ الْمُبَاحِ فِي دَارِ الحَرْبِ
أَكْلُهُ.
٢٠٠٦٤ - وَقَدْ رَوَى رُوَيْفِعُ بْنُ ثَابِتٍ، عَنِ النَّبِيِّ عَلْ قَالَ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ
بِاللَّهِ واليومِ الآخرِ ، فَلا يَرْكَبْ دَبَّةً مِنَ المَغْنَمِ، حتَّى إذا أَعْجَفَها رَدَّها في المَغَانِمِ ،
وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليومِ الآخِرِ ، فلا يَلْبس ثَوبًا مِنَ المَغْثَمِ، حَتَّى إِذَا أَخْلَقَهُ ردّهُ
فِي الْمَغْانَمِ)(٣).
٢٠٠٦٥ - وَرَوَى ثَوبانُ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َ#٤ِ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ فَارَقَ الرُّوحُ منه الجسدَ
(١) قاله الإمام الشافعي في ((الأم)) (٢: ٥٨-٥٩) ((الهدية للوالي بسبب الولاية)).
(٢) (٢ : ١٤ - ١٨) .
(٣) أخرجه الترمذي في النكاح (١١٣١) باب ((ما جاء في الرجل يشتري الجارية وهي حامل))،
وأبوداود في النكاح (٢١٥٨ - ٢١٥٩) باب ((في وطء النساء)) وفي الجهاد (٢٧٠٨) باب ((في
الرجل ينتفع من الغنيمة بشيء))، والإمام أحمد (٤: ١٠٨، ١٠٩)، وابن أبي شيبة في ((المصنف)
(١٢ : ٢٢٢ - ٢٢٣) و (١٤: ٤٦٥)، والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (٢٥١:٣)،
والبيهقي في ((السنن)) (٩ : ٦٢).

١
٢٠٦- الاستذكار الجامع لِمذاهب نُقهاء الأمصارِ / ج ١٤
وَهُوَ بَرِيءٌ مِنْ ثَلاثٍ دَخَلَ الجَنَةَ : الكِبْرِ والغُولِ، والدِّيْنِ(١)).
٢٠٠٦٦ - وَقَدْ ذَكَرْنَا أَسَانِيدِهَا في ((التَّمْهِيدِ))(٢).
٢٠٠٦٧ - وَقَدْ رَخَّصَتْ طَائِقَةٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ في الَيَسِيرِ مِنْ ذَلِكَ فِي دَارِ الحَرْبِ.
٢٠٠٦٨ - سئل الحسنُ البَصْريّ عَنْ رَجُلٍ عريانَ، أو مَنْ لَا سَلَاحَ لَهُ، أيلبسُ
الثَّبَ وَيَسْتَمِتْعُ بِالسَّلاَحِ؟ قالَ: نَعَمْ ، فَإِذَا حَضَرَ القسمُ قيموه .
٢٠٠٦٩ - وقالَ وَكِيعٌ: سَمِعْتُ سفيانَ يَقُولُ: لا بَأْسَ أَنْ يَسْتُعِينُوا بالسلاحِ
إِنِ احْتَاجُوا إليها في أَرْضِ العَدوِّ ، بِغَيْرِ إِذْنِ الإِمَامِ .
٢٠٠٧٠ - وفي قَولِهِ ، في حديثٍ مَالِكٍ ((فَقَالَ النَّاسُ: هَنِيْئًا لَهُ الجَنَّةُ ، فَقَالَ
: ((كَلا، والَّذِي نَفْسي بِيَدِهِ إِنَّ الشَّمْلَةَ الَّتي أَخَذَهَا يَومَ خَيبر مِنَ
رَسُولُ اللَّهِ عَُّ
الَّغَانِمِ ، لَمْ يصبْها المقَاسِمِ تَشْتَعِلُ عليهِ نَارًاً))، دَلِيلٌ عَلَى خَطَأْ مَنْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ
عَنْ يحيى أو غيرِهِ عَامَ حُنين وإِنَّمَا هَوَ عَامَ خيبر ، وكَذَلِكَ رَوَاهُ الأَكْثَرُ .
٢٠٠٧١ - وَمَعْنى قَولِهِ: ((كَلا)) رد لِقَولِهِم أَي لَيسَ كَمَا ظَنَْمِ، ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّ
الشَّمَلَةَ لَتَشْتَعَلُ عَلَيْهِ ، نَارًاً .
٢٠٠٧٢ - وَالشَّمْلَةُ: كِسَاءٌ مُخْمَلِ ذُو خَمْلِ كذا قَال صاحِبُ العَيْنِ.
٢٠٠٧٣ - وفي هَذَا كُلِّهِ، يُرَدُّ قولُ مَنْ قَالَ إِنَّ التَّوحِيد لا يَضُرَّ مَعَهْ ذَنْبٌ ، وَإِنَّ
(١) أخرجه الترمذي في السير (١٥٧٣) باب ((ما جاء في الغلول)) (٤: ١٣٨ -١٣٩)، وابن ماجه
في الصدقات (٢٤١٢) باب ((التشديد في الدين)) (٢: ٨٠٦)، والنسائي في السير من (سننه
الكبرى)) على ما جاء في ((تحفة الأشراف)) (١: ١٤٠).
(٢) (٢ : ٢٠ - ٢١) .

٢١ - كتاب الجهاد (١٣) باب ما جاء في الغلول - ٢٠٧
الذّنوبَ إِنْ لَمْ يَغْفِرْها اللّهُ، فَلا بُدَّ فيها مِنَ العَذَابِ ، واللّهُ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ، وَمَظَالِمُ
العِبَادِ القَصَاصُ بَيْنَهُمْ فيها بِالْحَسَنَاتِ والسّئَاتِ ، والغلُولُ مِنْ أَشَدّها .
٢٠٠٧٤ - حدَّثنا عَبْدُ الوَارِثِ، قَالَ: حَدَّثْنا قَاسِمٌ ، قَالَ: حَدَّثْنَا مُحَمَّدُ بْنُ
إِسْمَاعِيلَ، أبو إِسْماعيل، قالَ : حدَّثْنا أبُو الولِيدِ الطيالسيُّ، قالَ: حدَّثْنَا عِكْرِمَةُ بْنُ
عَمَّارٍ قَالَ: حدَّثْنِي أَبُو زُمَيلِ، قالَ: حدَّثْنِي ابْنُ عَبَّاسٍ، قَالَ : حدَّثْنِي عُمَرُ بْنُ
الْخَطَّبِ - رَضِي اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمَ خَبِير، قالُوا لِمَنْ قُتِلَ: فُلانّ شَهِيدٌ ،
فُلانّ شَهِيدٌ، حتَّى ذَكَرُوا رَجُلًا، فَقَالُوا: فُلانّ شَهِيدٌ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ عَّ :
((كَلا،، إِّي رَآيتُهُ في النَّارِ فِي عَبَاءَةٍ غَلَّها، أو بُرْدَةٍ غَلَّها))، وَقَالَ: (( يَا ابْنَ
الخطّابِ! اذْهَبْ، فَادٍ في النَّاسِ ، لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلا المُؤْمِنُونَ))، قالَ: فَذَهَبْتُ ،
فَنَادَيْتُ فِي النَّاسِ (١) .
٢٠٠٧٥ - قالَ أَبُو عُمَرَ: هَذِهِ الأُحَادِيثُ وَمَا كَانَ مِثْلَهَا يَحْتَجِّ بِها أَهْلُ الأَهْوَاءِ
المُكَفِرِينَ لِلنَّاسِ بِالذّنُوبِ ، ومَنْ قَالَ بِنْقَاذِ الوَعِيدِ .
٢٠٠٧٦ - وَهِيَ أَحَادِيثُ قَدْ عَارَضَها مِنْ صَحِيحِ الأَثَرِ مَا أَخْرَجَهَا عَنْ ظَاهِرِها،
وَلَيْسَ هَذَا مَوضِعَ ذِكْرِها، مِنْها: قَولُهُ مَّهِ: ((مَنْ قَالَ لا إِلَهَ إِلا اللَّه صَادِقًا مِنْ قَلْبِهِ،
٠
(١) أخرجه الدارمي (٢: ٢٣٠ - ٢٣١) عن أبي الوليد الطيالسي بهذا الإسناد ، والترمذي في السير
(١٥٧٤) باب ((ماجاء في الغلول)، والبيهقي في السنن (١٠١:٩) من طريقين عن عكرمة بن
عمار، به ، وقال الترمذي : حسن صحيح .
وأخرجه مسلم في الإيمان - باب ((غلظ تحريم الغلول وأنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون))، والإمام
أحمد (١: ٣٠)، وابن أبي شيبة في ((المصنف)) (١٤ : ٤٦٥) من طريق هاشم بن القاسم ، عن
عكرمة بن عمار ، به .

٢٠٨- الاستذكار الجامع لمذاهب نُقهاء الأمصارِ / ج ١٤
دَخَلَ الجِنَّةَ)) وَقُولُهُ مَِّ: ((مَنْ سَرَّتْهُ حَسَنَتُهُ، وَسَاءَتْهُ سَيِئْتُهُ، فَهُوَ مُؤْمِنٌ)) ويروَى :
(( دَخَلَ الجنَّةَ))، والآثَارُ مِثْلُ هَذَا كِثِيرَةٌ ، والحَمْدُ لِلَّهِ.
٢٠٠٧٧ - وفي هَذَا الحَدِيثِ دَلِيلٌ على أَنَّ الغَالَّ لا يَجِبُ عَليهِ حَرْقُ رَحْلِهِ
وَمَتَاعِهِ؛ لأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ عْ لَمْ يَحْرِقْ رَحْلَ الَّذِي أَخَذَ الشَّمْلَةَ، وَلَا أَحْرَقَ مَتَاعَ
صَاحِبِ الْخَرَزَاتٍ، وَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لِنُقِلَ ، وَلَو نُقِلَ لوصَلَ إِلينا، كَمَا وَصَلَ حديثُ
صَالِحِ بْنِ مُحَمِّدِ بْنِ زَائِدَةَ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَِّّ عَ أَنْهُ قَالَ: ((مَنْ
غَلَّ ، فَأَحْرِقُوا مَتَاعَهُ » .
٢٠٠٧٨ - وَهَذَا حَدِيثٌ انْفَرَدَ بِهِ صَالِحُ بْنُ زَائِدَةَ ، وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ ،
تَرَكَهُ مَالِكٌ، وَرَوَى عَنْهُ الدَرَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ، وليسَ مِمَّنْ يُحتجَّ بِحَدِيثِهِ(١).
(١) صالح بن محمد بن زائدة المَدَنيّ، أبو واقد اللَّيِيُّ الصَّغير ؛ روى عن أنس، وسالم بن عبد الله
ابن عمر ، وسعيد بن المسيب ، وغیرهم، وروى عنه : عبد الله بن دینار ، ووهيب بن خالد ،
ومحمد ابن صالح المدني ، وغيرهم . ضعفه ابن معين ، وابن المديني ، وابن مهدي ، وأبو زرعة ،
وأبو حاتم. وقال البخاريُّ : مُنکرُ الحديث ، تر که سليمان بن حرب . روی عن سالم عن أبيه عن
عمر رَفَعَهُ: مَنْ وجدتموه قد غَلَّ فأحرقوا متاعه. لا يُتَابَع عليه، وقال النبيّ ◌َ﴾: صَلُّوا على
صاحبكم ولم يحرق متاعهُ .
وقال أبو داود : لم يكن بالقويّ في الحديث .
وقال النسائيّ: ليسَ بالقويّ .
وقال أبو أحمد بنُ عَدِيّ: بعض أحاديثه مستقيمة ، وبعضها فيه إنكار، وهو من الضعفاء الذين
يُكتَبُ حدثُهم .
وقال الدارقطنيّ : ضعيف .
وقال يَعْقُوب بن سُفيان: كان سُلَيْمان بن حَرَّب سمع من وهَيْب ، له أحاديث ، فكنّاهِ وُهَيب ،
وجَهَلَهُ سُلَيمان، وكان لا يحدث عنه بالبصرة ، ولما استُقْضِيَ على مكة ، والتقى مع المدنيين ، =

٢١ - كتاب الجهاد (١٣) باب ما جاء فى الغلول - ٢٠٩
٢٠٠٧٩ - وَقَدِ اخْتُلَفَ العُلَمَاءُ فِي عُقُوبَةِ الغالِ .
٢٠٠٨٠ - فَقَالَ الأوزَاعِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، وَهُوَ قَولُ مْحُولٍ :
يُحْرَقُ متاعَ الغالِ كُلُّهُ .
٢٠٠٨١ - قَالَ الأُوزَاعِيُّ: إلا سِلاحَهَ وَثِيابَهُ الَّتي عليهِ وَسرجَهُ، وَلا تُنْتَزَعُ مِنْهُ
دَابّةٌ، وَيُحْرَقُ سَائِرُ مَتَاعِهِ كُلُّهُ، إلا الشَّيْءَ الذِّي غَلَّ، فإِنَّهُ لا يُحْرَقُ. قَالَ : وَلا
عقوبةَ عَليهِ غيرِ ذَلِكَ .
٢٠٠٨٢ - وقَالَ أَحْمَدُ وإِسْحَاقُ فِى عُقُوبَةِ الغالِّ: يحرقُ مَتَاعُهُ ورحلُهُ كَقَولِ
الأُوزَاعِيِّ .
٢٠٠٨٣ - وَرُوِيَ عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ أَنَّهُ قالَ: يُحْرَقُ جَمِيعُ رَحْلِهِ ، إلا أَنْ
يَكُونَ حَيَوَانًا أَوْ مُصْحَفًا .
٢٠٠٨٤ - وقَالَ مَالِكٌ، والشَّافِعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُم واللَّيثُ بْنُ سَعْدٍ :
لا يُحْرَقُ رَحْلُ الغَالِّ ، فَلا يُعَاقَبُ إلا بِالتَّعْزِيرِ عَلَى اجْتِهِدِ الأُمِرِ .
= أثنوا عليه ، وعَرفوا حاله وقالوا : كان من خيارنا ، ومن زُهّادنا ، صاحب غزرٍ وجهاد ،
فَحدَّثَ عنهُ بمكةَ .
قال محمد بن سعد ، عن الواقديِّ: قدرأیته ولم أسمع منه شيئاً ، و کان صاحب غزوةٍ ، وله
أحاديث، وهو ضعيف ، مات بعد خروج محمد بن عبد الله بن حسن بالمدينة ، وكان خروج
محمد فى سنة خمس وأربعين ومئة .
ترجمته في : تاريخ ابن معين (٢: ٢٦٥)، التاريخ الكبير (٤: ٢٩١) والضعفاء الصغير (٥٩)،
الجرح والتعديل (٢: ١: ٤١١) الكنى للدولابي (٢: ١٤٥)، والمجروحين (١: ٣٦٧)، ميزان
الاعتدال (٢٩٩:٢) وتهذيب التهذيب (٤٠١:٤)، وتهذيب تاريخ دمشق (٦: ٣٨١).

٢١٠- الاستذكار الجامع لِمَذاهب فُقهاء الأمْصارِ / ج ١٤ .
٢٠٠٨٥ - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَدَاوُدُ: إِنْ كَانَ عَالِمًا بِالنَّهْي، عُوقِبَ ، وَهُوَ قَولُ
اللَّيثِ .
٢٠٠٨٦ - وَقَدْ زِدْنَا هَذِهِ المَسْأَلَةَ بَيَانًا في ((التَّمْهِيدِ))(١).
٢٠٠٨٧ - وَأَجْمَعَ العُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ عَلَى الغَالِّ أَنْ يَرُدَّ مَا غَلَّ إِلى صَاحِبِ الَّقَاسِمِ،
إِنْ وَجَدَ إِلَى ذَلِكَ سَبِيلًا، وَأَنَّهُ إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ ، فَهِيَ تَوبةٌ لَهُ .
٢٠٠٨٨ - واخْتُلَفُوا إِذَا اقْتَرَفَ أَهْلُ العَسْكَرِ، وَلَمْ يُوصِلْ إِليهِ:
٢٠٠٨٩ - فَذَهَبَ أَكْثَرُ أَهْلِ العِلْمِ إلى أنَّهُ يَدفعُ إلى الإِمَامِ خُمُسَهُ، وَيَتَصَدِّقُ
بالباقي ، فَإِنْ خَافَ الإِمَامَ على نفسِهِ تَصَدِّقَ بِهِ كُلِّهِ .
٢٠٠٩٠ - وأحْسَنُ شَيْءٍ فِي هَذَا مَا رَوَاهُ سنيدٌ وغيرُهُ، عَنْ أبي فضالَةَ ، عَنْ
أزهرٍ بْنِ عَبْدِ اللَّه، قالَ: غَزَا مَالِكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الختعميُّ: أَرْضَ الرُّومِ فَغَلْ رَجُلٌ
مائة دينارٍ، ثُمَّ أتى بها مُعاويَةَ بْنَ أَبِي سُفيانَ بَعْدَ اقْتِرَاقِ الجيشِ، فَأَبِى أَنْ يَأْخُذَها
٠٠٠, ٠
وَقَالَ : قَدْ نَفَرَ الجَيْشُ وَتَفَرَّقُوا .
فَأَتِى بِها عُبَادَةَ بْنُ الصَّامِتِ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ ، فَقَالَ: ارْجِعْ إِليهِ فَقُلْ: خُذْ
خُمُسَهَا أَنْتَ ثُمَّ تَصَدَّقْ أَنْتَ بِالبَقِيَّةِ، فِنَّ اللَّهِ عَالِمٌ بِهِمْ جَمِيعًا .
فَأَتَى مُعَاوِيَةَ فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ : لَئِنْ كُنْتُ أَنَا أَفْتَيْتُكَ بِهَا أَحبَّ إِلىَّ مِنْ كَذَا وَكَذَا .
وفي هذا البابِ
٩٥٤ - مَالِكٌ، عَنْ يَحْتَى بْنِ سَعِيدٍ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ،
أَنْهُ قَالَ: مَا ظَهَرَ الْغُلُولُ في قَوْمٍ قَطَّ إِلا أَلْقِيَ فِي قُلُوبِهِمُ الْرَّعْبُ. وَلَا فَشَا
(١) (٢: ٢٢ - ٢٥).

٢١ - كتاب الجهاد (١٣) باب ما جاء في الغلول - ٢١١
الزِّنَا فِي قَوْمٍ قَطَّ إِلا كَثُرَ فِيهِمُ الَوْتُ، وَلَا نَقَصَ قَوْمٌ الْمِكْيَالَ والْمِيزَانَ إِلا
قُطِعَ عَنْهُمُ الرِّزْقُ ، وَلا حَكَمَ قَوْمٌ بِغَيْرِ الْحَقِّ إِلَا فَا فِيهِمُ الدَّمُ، وَلَا خَتَرَ (١)
قَوْمٌ بِالْعَهْدِ إِلاَ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْعَدُوّ(٢).
٢٠٠٩١ - قَالَ أَبُو عُمَرَ: مِثْلُ هَذَا لا يَكُونُ إِلا تَوقِيفًا؛ لأنَّ مِثْلَهُ لا يروى بالرأي
٢٠٠٩٢ - وَقَدْ روينا هَذَا الَحَدِيثَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مُتَصِلًا فَذَكَرَهُ سعيد بن عغير
في هذا المعنى حديث مسند، حدثناه خلف بْنُ قَاسِمٍ ، قالَ : مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ
زَكَرِيًّا النيسابُوريَّ بِمِصْر، قالَ: حَدَّثنا أبو الطَّبِ عيسى بْنُ أَحْمدَ الصَّرْفِيِّ، قالَ:
حدَّثْنَا عُبِيدُ اللهِ بْنُ كثيرٍ بْنِ عغيرٍ، قالَ: حدَّثْنَا أَبُو سعيدٍ بْنِ كثيرٍ بْنِ عغيرِ بْنِ
مسلمِ الأنْصَاريُّ، قالَ: حَدِّثْنَا مَالِكٌ، عَنْ عَمِّهِ سهيلٍ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ عطاءِ بْنِ
أبي رَبَاحٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: ((أنَّ رَجُلًا قالَ النّبِيِّ ◌َهُ أَيُّ الْمُؤْمِنِنَ أَفْضَلُ؟ قالَ:
(أَحْسَنُهم خُلُقً))، قالَ: فَأَيُّ الْمُؤْمِينَ أَكْيَسُ؟، قالَ: أَكْثَرُهُمْ لِلْمَوتِ ذِكْرًا،
وَأَحْسَنُهُمْ لَهُ اسْتِعْدَادًا، أولئِكَ الأَكْيَاسُ)(٣).
ثُمَّ قالَ : ((يَا أَيُّهَا الْمُهَاجِرُونَ لَمْ تَظْهَرِ الفَاحِشَةُ في قومٍ حتَّى تُعْلَنَ ، إلا فَشَا فِهِمُ
الطَّاعُونُ والأُوجَاعُ الَّتِى لَمْ تَكُنْ في أَسْلافِهم، وَلَمْ ينقص المِكْيَالُ والِيزَانُ إِلا أُخِذُوا
بالسِِّينَ وشدَّةِ الْمُؤْنَةِ ، وَجور السُّلْطَانِ، وَلَا مَنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلا مُنِعُوا المَطَرَ وَلَولا
(١) ( ختر) : غدر .
(٢) الموطأ : ٤٦٠ .
(٣) من أول الحديث حتى هنا أخرجه ابن ماجه في الزهد (٤٢٥٩) باب ((ذكر الموت والاستعداد له))
بإسنادٍ ضعيف من طريق نافع بن عبد الله ، عن فروة بن قيس ، عن عطاء بن أبي رباح .
أ

٠
٢١٢- الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصارِ / ج ١٤
البَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا ، وَلَا نَقَضُوا عَهْدَ اللَّهِ وَعَهْدَ رَسُولِهِ إِلا سلّطَ عليهم عَدُوَّهُم ،
فَأَخَذُوا بَعْضَ مَا فِي أَيدِيِهم، وَمَا لَمْ يَحْكُمْ أَئِمَتُهُمْ ◌ِكِتَابِ اللَّهِ ، وَيَتَحرّوا فِيهِ مَا
أَنْزَلَ اللَّهُ إِلاَ جَعَلَ اللَّهُ بِأُسَهُمَ بَيْنَهم)).
٢٠٠٩٣ - وأمَّا حَدِيثُ ابْن عَبَّاسِ الَّصِلُ فَإِّي قَرَأْهُ عَلى أبي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدٍ
ابْنٍ عَبدِ اللَّهِ أَنَّ مُحمِدَ بْنَ مُعَاوِيةَ حدَّثَهُ قالَ: حدَّثنِي أَبُو خَلِفَةَ الفَضْلُ بْنُ الْحْبَابِ،
قالَ: حدَّثنا محمدُ بْنُ كثيرٍ وأبو الوليد، قالا: حدَّثنا شُعْبةُ، قالَ: أَخْبُرَنِى
الحكمُ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مسلمٍ ، عَنِ ابْنِ عبَّاس، قالَ: مَا ظَهَرَ البَغْيُ في قَومٍ قطَّ ، إلا
أظهر المواتان، وَلَا ظَهَرَ الْبَخْسُ في المِكْيالِ والميزانِ ، إلا ابْتُلُوا بِالسّنةِ، ولا ظَهرَ
نَفْضُ العَهْدِ في قومٍ إلا ادیل منھم عدوّهم .
٢٠٠٩٤ - قال أبُو عُمرَ: حَدِيثُ مَالِكٍ أَتَّمٌّ، وكلُّها تقضي القول بها
والمشاهدة بِصِحْتها .
٢٠٠٩٥ - وحدَّثْنَا سَعِيدُ بْنُ نَصرٍ، قَالَ: حدَّثْنَا قَاسِمٌ، قالَ: حدَّثْنَا ابْنُ
وضاحٍ، حدَّثْنَا ابْنُ أَبِي شَيبةَ، قالَ : حدّثنا عبيدُ اللَّهِ بْنُ موسى قالَ: حدّثنا بشيرُ
ابْنُ المهاجر عَنِ ابْنٍ بريدةَ ، عَنْ أَبيه، قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ عَه: ((مَا نَقَضَ قَومٌ
العَهْدَ إِلا كانَ بَأُسُهُمَ بِينَهُم، وَلَا ظَهَرَتْ فَاحِشَةٌ قَطٌ ، إلا سُلِّطَ عَلَيهِم الموتُ،
وَلَا مَنَعَ قومُ زَكَاةَ أَمْوَالِهِم . إلا حَيْسَ اللَّهُ عَنْهم المَطَرّ)).
٢٠٠٩٦ - وأمَّا قولُه في حَدِيثٍ مَالِكٍ: ((َمَاظَهَرَ الغُلُولُ في قَومٍ إِلاَّ أَلْقِيَ في
قُلُوبِهِم الرَّعْبُ ))، فمَعْنَاهُ: أَلْقِيَ فِي قُلُوبِهِم الرُّعْبُ مِنْ عَدُوّهم فخافوا منهم، وَجَبْنُوا
عَنْ لِقَائِهِم ، فَظَهَرَ العدوُّ عليهم .

٢١ - كتاب الجهاد (١٣) باب ما جاء في الغلول - ٢١٣
٢٠٠٩٧ - وَيُحْتَمِلُ أَنْ يقصدَ بِذلكَ إِلَى كُلِّ مَنْ غَلَّ دُونَ مَا لَمْ يَغُلّ، وَلَمْ يَرْضَ
بِالْغُولِ ، والأظْهَرُ أَنَّ المُقُوبَةَ عَامَّةٌ فِي أَهْلِ ذَلِكَ الوَقْتِ ، وَذَلِكَ إِنَّمَا يَكُونُ إِذا أَقْرُوا
عَلَى النَّغْيِيرِ ، فَلَمْ يَفْعَلُوا، وَضَعِفُوا عَنْ ذَلِكَ، فَرَضَوا ، وَلَمْ تُنْكِرْهُ قُلُوبُهِمْ، واللَّهُ
أَعْلَمُ.
٢٠٠٩٨ - قالَ اللَّهُ عَزَّ وجلَّ: ﴿فَلَولا كانَ مِنَ القُرونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ
يَنْهَونَ عَنِ الفَسَادِ فِي الأَرْضِ﴾ [هود: ١١٦].
٢٠٠٩٩ - وقَالَ عزَّ وجلّ: ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَون عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ
ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾ [ الأعراف: ١٦٥].
٢٠١٠٠ - وقالوا: إنَّ اللَّهَ لا يُعَذِّبُ العامة بِذُنُوبِ الخَاصَّةِ، ولكنْ إِذَا صُنْعَ
الْمُنْكَرُ ، فَبِهَذَا استحَقَّ الْجَمَاعَةُ العُقُوبَةَ.
٢٠١٠١ - وَهَذا الَعْنِى قَد اسْتُغْنِى القَول فِيه الآثار المَرْفُوعة وَعَنِ السَّلَفِ أيضًا
عِنْدَ قَولِ أَمِّ سَلَمةَ في هذَا الكِتَابِ، وفي ((التَّمْهِيدِ) أَنْهَلَكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ يَا
رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: نَعَمْ إِذَا كَثُرَ الَبَثُ (١))، وباللَّهِ التَّوفيقُ.
*
(١) أخرجه البخاري في كتاب الأنبياء (٣٣٤٦) باب ((قصة يأجوج ومأجوج))،، ومسلم في الفتن
- باب ((اقتراب الفتن))، والإمام أحمد (٤٢٩:٦)، وعبد الرزاق (٢٠٧٤٩).

(١٤) باب الشهداء في سبيل اللّه(*)
٩٥٥ - ذَكَرَ فِهِ مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزَنَادِ، عَنِ الأعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛
أَنْ رَسُولَ اللّهِ عَه قَالَ: (( وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوَدِدْتُ أَنِّي أُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ
اللَّهِ، فَأَقْتَلُ. ثُمَّ أُحْيَاً فَأقْتَلُ. ثُمَّ أُحْيَا فَأُقْتَلُ)) . فَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَقُولُ ثَلاثًا:
أَشْهَدُ بِاللَّهِ(١).
(*) المسألة - ٤٩٤ - سمى الشهيد شهيداً ؛ لأنه مشهود له بالجنة ، أو لأنه حي عند ربه حاضر
شاهد ، أو تشهد موته الملائكة . والشهيد الذي يستحق الفضائل السابقة ونحوها هوشهيد المعركة
مع العدو .
والتضحية بالنفس أسمى درجات الإخلاص والتفاني في سبيل المبدأ والعقيدة ، وبرهان على
صحة الإيمان ، وطريق الخلود في جنان الله والأمة بأمس الحاجة إلى تضحيات العديد من أبنائها
دفاعًا عن النفس والبلاد ، وحفاظًا على المقدسات والحرمات .
لهذا كتب اللَّه الحياة والخلود للشهداء، وغفر للشهيد كل ذنوبه إلا الدين لتعلقه بحقوق الناس
المادية ، وبوأه المنزلة العالية في الجنة مع الأنبياء والمرسلين ، كما دلت عليه النصوص الشرعية . فقال
تعالى: ﴿ ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل اللّه أمواتًا ، بل أحياء عند ربهم يرزقون ، فرحین بما
آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم
يحزنون، يستبشرون بنعمة من اللّه وفضل وأن اللّه لا يضيع أجر المؤمنين﴾ عن مسروق رضي اللّه
عنه، قال: سأل عبد اللّه عن هذه الآية: ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتًا ، بل أحياء
عند ربهم يرزقون﴾؟ فقال: أما أنا فقد سألنا عن ذلك رسول اللّه عمله، فقال: ((أرواحهم في
جوف طير خُضْر ، لها قناديل معلقة بالعرش ، تسرح من الجنة حيث شاءت ، ثم تأوي إلى تلك
القناديل ... )) الحديث .
المعنى أن اللّه تعالى أحياهم وأعطاهم القدرة على التمتع بثمار الجنة ، والتفكه بها والتنقل في
أرجائها ، قال تعالى: ﴿ولا تقولوالمن يقتل في سبيل الله أموات، بل أحياء، ولكن لا تشعرون﴾
إلا أن حياتهم ليست بالجسد ، وإنما هي من نوع خاص لا يدرك بالعقل ، بل بالوحي .
وقال النبي : ((ما أحد يدخل الجنة يحب أن يرجع إلى الدنيا، وإنَّ له ما على الأرض من
شيء إلا الشهيد ، فإنه يتمنى أن يرجع إلى الدنيا ، فيقتل عشر مرات ، لما يرى من الكرامة)).
(١) الموطأ: ٤٦٠، والموطأ برواية محمد بن الحسن ص (١٠٧)، ح (٣٠١) وأخرجه البخاري في =
- ٢١٤ -

٢١ - كتاب الجهاد (١٤) باب الشهداء فى سبيل الله - ٢١٥
٢٠١٠٢ - قالَ أبو عمر: في هذَا الَحَدِيثِ إِبَاحَةُ الْيَمِيِنِ باللَّهِ على كُلِّ مَا يَعْتَقِدُهُ
المَرْءُ مِمَّا يُحْتَاجُ فِيهِ إلى يَمِينٍ ، وَمِمَّا لا يُحْتَاجُ إلى ذَلِكَ، لِيسَ بِذَلِكَ بَأْسٌ على كُلِّ
حَالٍ ، بَلْ فِيهِ تَسِّ بالنَّبِيِّ ◌َّهِ، فَإِنَّهُ كَانَ كَثِيراً يقولُ فِي كَلامِهِ : (( لا والَّذيِ نَفْسُ
مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ ، لا ومُقَلِّبِ القُلُوبِ))، وَذَلِكَ؛ لأنَّ في اليَمِينِ باللَّهِ تعالى تَوحِيدًا
وتَعْظِيماً، وإنَّما يُكْرَهُ الحنثُ وتعمدُهُ .
٢٠١٠٣ - وأمَّا قولُ أبى هريرةَ ثَلاثًا: ((أَشَهِدُ بِاللَّهِ )) فإنَّما ذَلِكَ لتطمئن نفس
سامعه إليه ، ويعلمُ أنَّهُ لا يشكُّ فِيما حَدَّثَهُ بِهِ .
٢٠١٠٤ - وفَيْهِ إِبَاحَةُ تَمَنّي الخَيرِ والفَضْلِ مِنْ رَحْمةِ اللَّهِ بِما يُمْكِنُ، وَمَا لا
يُمْكِنُ؛ لأنَّ فِيهِ إِظْهَارَ الْمَحَّةِ فِي الْخَيْرِ والرِّغْبَة فيه ، وَالأَجْرُ يَقَعُ على قَدْرِ النّةٍ .
٢٠١٠٥ - فَدَلِيلُ قولِهِ - عَلَيهِ السّلامُ - فِي الَّذِي تَجَهَّزَ مِنْ أَصْحَابِهِ بِالْغَزْوِ
ومَاتَ قَبْلَ أَنْ يخرجَ أَنَّ اللَّهَ - عز وجل - قَدْ أَوقَعَ أَجْرَهُ على قَدْرِ نِِّهِ .
٢٠١٠٦ - وَمَعنى الحَدِيثِ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ وَرَدَ فَضْلُ الجِهَادِ، وَفَضْلُ القِتَالِ فِي
سَبِيلِ اللَّهِ، وَفَضَائِلُ الشَّهَدَاءِ وَالشَّهَادَةِ كَثيرةٌ جِدّاً .
٢٠١٠٧ - حدّثنا سَعيدُ بْنُ نَصرٍ، قالَ: حدَّثْنا قَاسِمٌ، قالَ: حدَّثْنا مُحمدٌ ،
قالَ : حدَّثْنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبةَ، قالَ: حدَّثنَا وَكِيعٌ، قالَ: حدَّثْنا عَلِيُّ بْنُ
المَبَارَك، عَنْ مُحمدِ بْنٍ أبي كثيرٍ بْنِ عَامِرٍ العقيليِّ، عَنْ أبيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً ، قالَ :
= التمني (٧٢٢٦)، باب ((ما جاء في التمني، ومن تمنى الشهادة)) فتح الباري (١٣: ٢١٧)،
وهو جزء من حديث طويل أخرجه مسلم في كتاب الجهاد (٤٧٧٦) في طبعتنا ، باب (( فضل
الجهاد والخروج في سبيل الله)) من طريق أبي زرعة ، عن أبي هريرة .
٠

٢١٦- الاستذكار الجَامع لِمَذاهب فُقُهاء الأمْصارِ / ج ١٤
قَالَ رَسُولُ عَ﴾ِ: ((أَوَّلُ ثَلاثَةٍ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ: الشَّهِيدُ، وَرَجُلٌ عَفِيفٌ ضَعِيفٌ ذُو
عيالٍ، وعَبْدٌ أَحْسَنَ عِبَادَةَ رَبِهِ، وأدّى حَقَّ مَوَالِيه ، وَأَوَّلُ ثَلاَثَةٍ يَدْخُلُونَ النَّارَ: أَمِيرٌ
تَسَلَّطَ، وذُو ثَرْوةٍ مِنْ مَالٍ لا يُؤْدِّي حَقَّهُ، وَفَقِيرٌ فجورٌ ))(١).
٩٥٦ - وَفي هذا البابِ أيضًا :
عَنْ أَبِي الزَّنَادِ ، عَنِ الأعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ عَهُ قَالَ:
يَضْحَكُ اللَّهُ(٢) إِلَى رَجُلَيْنِ: يَقْتُلُ أَحَدُهُما الآخَرَ . كِلاهُمَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ.
يُقَاتِلُ هذَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلُ. ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَى الْقَاتِلِ ، فَيُقَاتِلُ
فَيُسْتَشْهَدُ))(٣) .
(١) مصنف ابن أبي شيبة (٥ : ٢٩٦).
(٢) ( يضحك الله) : الضحك الذي يعتري البشر عندما يَسْتَخِفِنْهُمُ الفرح، أو يستفزهم الطرب ،
غير جائز على الله - عز وجل - وإنما هو مثل ضربه لهذا الصنع الذي هو مكان التعجب عند البشر
وفي صفة الله تعالى: الإخبار عن الرضا بفعل أحد هذين، والقبول للآخر ، ومجازاتهما على
صنيعهما الجنة مع اختلاف أحوالهما ، وتباين مقاصدهما .
(٣) الموطأ: ٤٦٠، ومن طريق مالك أخرجه البخاري في الجهاد (٢٨٢٦) باب الكافر يقتل المسلم ،
ثم يسلم فتح الباري (٦: ٣٩) والنسائي في الجهاد (٣٩/٦) باب اجتماع القاتل والمقتول في سبيل
اللّه في الجنة، وفي النعوت من ((الكبرى)) على ما في ((تحفة الأشراف)) ١٩٤/١٠، والبيهقي في
((الأسماء والصفات)) ص ٤٦٧ - ٤٦٨، وفي ((السنن)) ١٦٥/٩، وابن خزيمة في ((التوحيد)) ص
٢٣٤.
وأخرجه مسلم في الإمارة رقم (٤٨٠٩) في طبعتنا، وبرقم (١٨٩٠) في طبعة عبد الباقي باب
بيان الرجلين يقاتل أحدهما الآخر يدخلان الجنة ، وابن ماجه في المقدمة (١٩١) باب فيما أنكرت
الجهمية (٦٨:١) وابن خزيمة في (التوحيد)) ص ٢٣٤ ، طريق سفيان ، عن أبي الزناد ، بهذا
الإسناد.
وأخرجه عبد الرزاق (٢٠٢٨٠) ومن طريقة مسلم (٤٨١١) في طبعتنا، والبيهقي في ((الأسماء =

٢١ - كتاب الجهاد (١٤) باب الشهداء في سبيل الله - ٢١٧
٢٠١٠٨ - قَالَ أَبُو عُمرَ: معنى هَذ الحَدِيثِ عِنْدَ العُلَمَاءِ أَنَّ قَاتِلَ الأَوَّلِ كَانَ
كَافِرًا، وَتَوَبَتُهُ المذْكُورَةُ في هذا الحَدِيثِ إِسْلامُهُ، قالَ اللَّهُ عزَّ وجلّ: ﴿ قُلْ لِلَّذِينَ
كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨].
٢٠١٠٩ - وَفِيهِ دَلِيلٌّ أنَّ كُلِّ مَنْ تُثِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَهُوَ في الْجَنَّةِ - إنْ شِمَاءَ
اللَّهُ وَكُلَّ مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ مِ العُلْيَا، وَكَلِمَةُ الَّذِينِ كَفَرُوا السّفْلِى، فَهُوَ
في الجنَّةِ)).
٢٠١١٠ - وأمَّا قولُهُ: ((يَضْحَكُ اللَّهُ إليهِ)): أَيْ يَتَلَقَّهُ اللَّهُ - عز وجل -
بالرّحْمَةِ والرّضْوَانِ والعَفْرِ والغُفْرَانِ .
٢٠١١١ - وَلَفْظُ الضَّحِكَ هَاهُنَا مَجَازًا؛ لأنَّ الضَّحِكَ لا يَكُونُ مِنَّ اللَّهِ - عزَّ
وجلَّ - على مَا هُوَ مِنَ البَشَرِ؛ لأنّهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، وَلَا تُشْبِهُ الأَشْيَاءُ.
٩٥٧ - وذكرَ ، عَنْ أَبي الزَّنَاد ، عَنِ الأعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ
رَسُولَ اللَّهِ عَه قَالَ (( وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لا يُكلِمُ(١) أَحَدٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ(٢)،
وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمْ فِي سَبِيلِهِ(٣)، إلا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَجُرْحُهُ يَثْعِبُ دَمَّا .
= والصفات)» ص ٤٦٨، وفي ((السنن)) ١٥٦/٩، وابن خزيمة ص ٢٣٤ و ٢٣٥ ، عن معمر ، عن
همام بن منبه، عن أبي هريرة .
(١) (( لا يكلم)) على صيغة المجهول من الكلم وهو الجرح.
(٢) « في سبيل اللَّه)) يريد به الجهاد ويدخل فيه كل من جرح في ذات الله وكل ما دافع فيه المرء بحق
فأصیب فهو مجاهد .
(٣) ((والله أعلم بمن يكلم في سبيله)) جملة معترضة أشار بها إلى التنبيه على شرطية الإخلاص في
نيل هذا الثواب .

٢١٨- الاستذكار الجامع لمذاهب نُقهاء الأمصارِ / ج ١٤
اللَّونُ لَوْنُ دَمٍ .(١) وَالرِّيحُ رِيحُ الْمِسْكِ)(٢).
٢٠١١٢ - قال أبو عُمرَ: فِي هَذَا الَحَدِيثِ فَضْلُ الغَزْوِ والثبوتِ عِنْدَ لِقَاءِ
١٠٠
العَدُوِّ.
٢٠١١٣ - وقولُهُ لا يُكْلَمُ أَحَدٌ، مَعْنَاهُ: لا يُجْرَحُ، والكُلُومُ : الجِرَاحُ عِنْدَ
العَرَبِ .
٢٠١١٤ - وقولُهُ: ((يثَعْبُ دَمًا))، فَمَعْنَاهُ يَتَفَجِّرُ دَمًّا .
٢٠١١٥ - وقولُهُ: فِى سَبِيلِ اللَّهِ، فَمِعْناهُ الجِهَادُ وَمُلاقَاهُ أَهْلِ الحَرْبِ مِنَ الكُفَّارِ.
٢٠١١٦ - على هذا خُرِّجَ الَحَدِيثُ ، وَيَدْخُلُ فِيهِ بِالَعْنِى كُلِّ مَنْ جُرِحَ فِي سَبِيلِ
◌ِّ ، وَحَقٌّ مِمَّا أَبَاحَهُ اللَّهُ؛ كَقِتَالِ أَهْلِ الَغْيِ والخَوارِجِ وغيرِهِم ، واللُّصوصِ
(١) و (الريح ) الواو فيه للحال .
(٢) الموطأ: ٤٦١، ومن طريق مالك أخرجه البخاري في الجهاد (٢٨٠٣) باب من يخرج في سبيل
الله عز وجل، والبيهقى ١١/٤.
وأخرجه أحمد (٢٤٢/٢)، ومسلم (١٨٧٦) (١٠٥) في الجهاد ح (٤٧٧٩) في طبعتنا ، وبرقم -
١٠٥ (١٨٧٦) في طبعة عبد الباقي باب فضل الجهاد والخروج في سبيل اللّه ، والنسائي في الجهاد
(٢٨/٦ - ٢٩ باب من كُلِم في سبيل اللّه عز وجل، والبيهقي ١٦٤/٩ من طريق عن سفيان، عن
أبي الزناد ، به .
وأخرجه أحمد ٢٣١/٢ عن محمد بن فضيل، عن عمارة ، عن أبي زرعة ، عن أبي هريرة .
وأخرجه مسلم في الموضع السابق ، الحديث التالي له ، والبيهقي ١٦٥/٩ من طريق عبد الرزاق ،
عن معمر ، عن همام بن منبه ، عن أبي هريرة .
وأخرجه الترمذي (١٦٥٦) في فضائل الجهاد : باب ما جاء فيمن يكلم في سبيل اللَّه، عن قتيبة،
عن عبد العزيز بن محمد ، عن سهيل بن أبي صالح ، عن أبيه ، عن أبي هريرة .

٢١ - كتاب الجهاد (١٤) باب الشهداء فى سبيل الله - ٢١٩
والْمُحَارِبِينَ، أو آمِرٍ بِمَعْرُوفٍ أو ناهٍ عَنْ مُنْكَرٍ .
٢٠١١٧ - ألا تَرَى قَولَهُ - عليه السلامُ: ((مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ، فَهُوَ شَهِيدٌ ))(١).
٢٠١١٨ - وأمّا قولُهُ - عليه السلام (( وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِهِ)) ، فَإِنَّهُ
يَدُلُّ على أنَّهُ لَيْسَ كُلُّ مَنْ خَرَجَ فِي الْغَزْوِ، تَكُونُ هَذِهِ حَالُهُ، حَتَّى تَصِحَّلَهُ نِيَّةٌ ،
وَيَعْلَمُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ قَلْهِ أَنَّهُ يُرِيدُ وَجْهَهُ وَمَرْضَاتَهُ ، وَلَمْ يَخْرُجْ رِيَاءٌ وَلَا مُّبَاهَاةً وَلا
سُمْعَةٌ ، وَلَا فَخْرًا، وَلَا ابْتِغَاءَ دُنْيا يَقصدُها .
٢٠١١٩ - وَفِي هَذَا الَحَدِيثِ دَلِيلٌ على أَنَّ الشَّهِيدَ يُبْعَثُ عَلى حَالِهِ الَّتي قُبِضَ
عَلَيهَا وَهَيْئَتِهِ ، بِدَلِيلِ هَذَا الْحَدِيثِ .
٢٠١٢٠ - وَمِثْلُهُ حَدِيثُ ابْنٍ عَبَّاسٍ فِي الْمُحْرِمِ الَّذِي وَقَصَتْهُ نَاقَتُهُ ، فقالُ فيه
رَسُولُ اللَّهِ لَيهِ: ((لا تُخَمِّرُوا وَجْهَهُ وَلَارَأْسَهُ، وَلَا تُقَرِّبُوهُ طِبًا، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَومَ
القِيَامَةِ يُلِي))(٢).
(١) الحديث عن سعيد بن زيد أخرجه الإمام أحمد (١: ١٨٧)، والحميدي (٨٣)، والنسائي في تحريم
الدم (٧: ١١٥) باب ((من قتل دون ماله، والترمذي في الديات (١٤٢١) باب ((ما جاء فيمن قتل
دون ماله))، وأبو داود في السنة (٤٧٧٢) باب ((في قتال اللصوص))، وابن ماجه في الحدود
(٢٥٨٠) باب ((من شَهَرَ السلاح)) والبيهقي في السنن (٣: ٢٦٦)، وإسناده صحيح .
(٢) من حديث سفيان ، عن عمرو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس أخرجه مسلم في الصحيح، في
كتاب الحج حديث (٢٨٤٤) من طبعتنا ص (٤: ٥٠٣)، باب ((ما يفعل بالمحرم إذا مات))، وهو
برقم (٩٣ - (١٢٠٦)) .من (٢: ٨٦٥) من طبعة عبد الباقي .
=

٢٢٠- الاستذكار الجامع لِمذاهب فُقهاء الأمْصارِ / ج ١٤ -
٢٠١٢١ - وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ قوله عَّهُ: يُبْعَثُ المَيْتُ فِي ثَيَابِهِ الَّتِى
قُبِضَ فِيها ، أيْ يُعَادُ خَلْقُ ثِيَابِهِ لَهُ ، كَمَا يُعَادُ خَلْقُهُ .
٢٠١٢٢ - وَقَالَ غَيْرُهُ: إِنَّمَا ذَلِكَ قَوْلٌ خَرجَ على المَجَازِ فَكِنِّى بالثيابِ عَنِ
الأعْمَالِ والثّيَابِ ، كَمَا يُقَالُ: طَاهِرُ الثَّوبِ ، ونقي الجيب .
٢٠١٢٣ - قال أبو عمر: وحمل هذا الحَدِيث عَلى المَجَازِ ، مَرْوِيٌّ مِنْ حَدِيثِ
ابْنِ عَبَّاسٍ وَغيرِهِ عَنِ النَّبِيِّ مَّهِ، أَنَّهُ قَالَ: « يُحْشَرُ النَّاسُ عُرَاةً غُرْلاً، وَأَوَّلُ مَنْ
= ومن حديث حماد بن زيد، عن عمرو وأيوب، وفيه من الزيادة: ((ولا تحنطوه)) رواه البخاري
في جزاء الصيد (١٨٤٩)، باب ((المحرم يموت بعرفة)). فتح الباري (٦٣:٤)، ومسلم في كتاب
الحج حديث (٢٨٤٥) من طبعتنا ص (٥٠٣:٤)، باب ((ما يفعل بالمحرم إذا مات))، وبرقم (٩٤)
ص (٨٦٥:٢) من طبعة عبد الباقي، وأبو داود في الجنائز حديث (٣٢٣٩، ٣٢٤٠)، باب ((المحرم
يموت كيف يصنع به)) (٣: ٢١٩)، والترمذي في الحج (٩٥١) باب ((ما جاء في المحرم يموت في
إحرامه)) (٢٨٦:٣، والنسائى فى المناسك (١٤٥:٥)، باب ((تخمير المحرم وجهه ورأسه)). (٥:
١٩٦)، باب ((النهي عن أن يحنط المحرم إذا مات))، وابن ماجه في الحج حديث (٣٠٨٤)، باب
((المحرم يموت)) (٢: ١٠٣٠)، وموضعه في سنن البيهقي الكبرى (٣: ٣٩١).
وفي رواية الحكم بن عتيبة ، وأبي بشر، عن سعيد بن جبير في هذا الحديث: ((ولا تُقَرَّبُوهُ
طِيبًا)).
هذه الرواية في صحيح مسلم الأحاديث (٢٨٤٩، ٢٨٥٠، ٢٨٥١) من طبعتنا ص (٤: ٠٥٠٥
٥٠٦)، باب (( ما يفعل بالمحرم إذا مات))، وبأرقام (٩٩، ١٠٠، ١٠١) من طبعة عبد الباقي ص
(٨٦٦:٢ - ٨٦٧)، وأخرجه البخاري في جزاء الصيد رقم (١٨٥١)، باب ((سنة المحرم إذا
مات)). فتح الباري (٦٤:٤)، والنسائي في المناسك (١٩٥:٥) ،باب (( غسل المحرم بالسدر إذا
مات))، ابن ماجه في المناسك حديث (٣٠٨٤)، باب (المحرم يموت)) (١٠٣٠:٢)، وموضعه في
سنن البيهقي الكبرى (٣٩٢:٣).