النص المفهرس

صفحات 141-160

١٥ - كتاب القرآن (٨) باب ماجاء في الدعاء - ١٤١
العرضِ إِنَّما الغِى غِنَى النَّفْسِ"(١).
١٠٧٧٩ - وَقَدْ جَعَلُهُ اللَّهُ (عزَّ وجلَّ) غَنِيّاً وَعددهُ عَليهِ فِيما عددهُ مِنْ نعْمَةٍ
فقالَ: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنِى﴾ [٨ من سورة الضحى}، وَلَمْ يَكُنْ غِنَاهُ مَّهِ أَكْثَرَ
مِنْ إِجادِ قُوتٍ سَنَةٍ لِنَفْسِهِ وَعِيَالِهِ، وَكَانَ الغِنِى كُلُّهُ فِي قَلْبِهِ ثِقَةٌ بِرَبِهِ وَسُكُوناً إِلى أَنَّ
الرِّزْقَ مَفْسُومٌ يَأْتِيهِ مِنْهُ مَا قدرَ لَهُ.
١٠٧٨٠ - وَكَذَلِكَ قَالَ (عليه السلام) لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "يَا عَبْدَ اللَّهِ) لاَ
يَكْثر مَمُّكَ ، مَا يُقَدَّرُ يَكُنْ، وَمَا يُقْدِرُ يَأْتِيكَ" .
١٠٧٨١ - وَقَالَ: "إِنَّ رُوحَ القدسِ نفثَ فِي رَوْعِي، فَقَالَ: لَنْ تَموتَ نَفْسٌ
حَتّى تَسْكملَ رِزْقَها؛ فاتّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ، خُذُوا مَا حلَّ، ودَعُوا
مَاحِرمَ " (٢).
١٠٧٨٢ - فَغِى النَّفْسِ بِعِينُ عَلَى هذا كُلِّهِ، وَغَنِى الْمُؤْمِنِ الِكِفَايَةُ، وَكَذَلِكَ
كَانَ النَّبِيِّ ◌َِّ يَقُولُ: "اللّهُمَّ اجْعَلْ رِزْقَ آلٍ مُحمدٍ قُوتاً " (٣) وَلَمْ يُرِدْ بِهِم إِلاَّالَّذِي
هُوَ أَفْضَلُ لَهُمْ .
(١) رواه البخاري في الرقاق ( ٦٤٤٦) ، باب " الغنى غنى النفس " الفتح (١١: ٢٧١)، ومسلم في
الزكاة، ح (١٢٠ / ١٠٥١) في ط عبد الباقي - باب " ليس الغنى عن كثرة العرض" ص
(٧٢٦:٢) .
(٢) من حديث أبي أمامة أخرجه الطبراني ، ومن حديث ابن مسعود أخرجه العسكري في الأمثال ،
ومن حديث حذيفة أخرجه عبد الرزاق فى المصنف، كنز العمال (٤: ٢٣ - ٢٤ )، ومن
حديث عمران صاحب لمعمر أخرجه عبد الرزاق في المصنف ( ١١: ١٢٥)، الأثر (٢٠١٠٠).
(٣) رواه البخاري في الرقاق ( ٦٤٦٠ ) باب " کیف کان عیش النبي ځ﴾ وأصحابه وتخلیهم عن الدنيا
" الفتح (١١ : ٢٨١) ومسلم في كتاب الزكاة، ح (٢٣٨٩) في طبعتنا ، باب " في الكفاف
والقناعة " ، ورواه الترمذي في الزهد ( ٢٣٦١) باب " ماجاء في معيشة النبي =﴾﴾ وأهله "
(٤: ٥٨٠)، ورواه النسائي في الرقائق في الكبرى على ماجاء في التحفة (١٠ : ٤٤٢ )، وابن
ماجه فى الزهد ( ٤١٣٩ ) باب " القناعة" (٢: ١٣٨٧).

١٤٢ - الاستذ کار الجامع لمذاهب فُقھاء الأمصارِ / ج٨
١٠٧٨٣ - وَقَالَ: "مَاقلَّ وَكَفى خَيْرٌ مَّمَا كَثُرَ وَآلهى "(١).
١٠٧٨٤ - وَقَالَ أَبُوُ حَازمٍ: إِذا كَانَ مَا يَكْفِيكَ لاَ يَغْنِكَ فَلَيْسَ فِي الدُّنْيَا شَيْءٌ
يُغْنِكَ.
١٠٧٨٥ - وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ عَهِ يَسْتَعِيذُ بِاللّهِ مِنْ فَقْرٍ مُسْرِفٍ وَغِنِى مطغ.
١٠٧٨٦ - وَفِي هَذا دَلِيلٌ بَيْنٌ أَنَّ الغِنِى وَالفَقْرَ طَرَفانٍ وَغايتانِ مَذْمُومَتَانِ .
١٠٧٨٧ - وَرُوِيَ عَنْهُ عَيِ أَنْهُ كَانَ يَقُولُ: ((اللَّهُمَّ إِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابٍ
القَبْرِ(٢) ... )).
١٠٧٨٨ - وَالكَلامُ فِي هَذا يَتْسِعُ جِدّاً ، وَالآثارُ فِيهِ كَثِرَةٌ . وَرَبِمَا كَانَ فِي
◌َوَاهِرٍ أَكْثَرِهَا تَعَارُضٌ، وَعلىٍ هَذَا التَّخْرِيجِ تَتَقَارَبُ مَعانِيها .
١٠٧٨٩ - وَقَدْ أَوْضَحْنَا هَذَا المَعْنِى فِ الفَقْرِ وَالغِى بالآثارِ المَرْفُوعَةِ ، وَبِمَا رُوِيّ
فِيهِ عَنْ عُلماءِ السَّلَفِ فِي تَفْضِيلِ الغِى وَحَمْدِ الفَقْرِ فِي كِتَابٍ " بَيَانِ العِلْمِ " مَا فِيهِ
١,٥٠٠
كِفَايَةٌ لِمَنْ تَدَبْرَهُ .
١٠٧٩٠ - وَلَيْسَ فِي قَولِ اللَّهِ تَعالى ذِكْرُهُ حَاكِياً عَنْ مُوسىٍ عَلَّهِ: ﴿ رَبِّ إِنِّي
لما أَنْزَلْتَ إليَّ مِنْ خَيْرٍ فقير﴾ [٢٤ من سورة القصص} تَفْضِيلُ الغِنِى عَلَى الفَقْرِ،
لأَنَّ جَمِيعَ خَلْقِهِ يَفْتَقِرُونَ إِلِى رَحْمَتِهِ وَ غِى لَهُمْ عَنْ رِزْقِهِ، فَمَنْ أَعْطَاهُ اللَّهُ الِكِفَةَ
فَقَدْ تَمْتُ لَهُ مِنْهُ الِنايَةُ ، وَمَنْ أَتَهُ اللَّهُ مِنْ رِزْقِهِ سعةٌ فَواجبٌ شكرُهُ عَلَيهِ وَحمدُهُ كَما
يَجِبُ الصِّبْرُ عَلَى مَنِ امْتُحِنَ بِالْقِلَّةِ وَالفَقْرِ لأَنَّ الفَرَائِضَ وَحُقُوقَ المَالِ وَنَوَفِلَ الخَيرِ
تَتَوَجْهُ إِلَى ذِي الغِنِى، وَمُؤْنَةُ ذَلِكَ سَاقِطَةٌ عَنِ الفَقِيرِ ، وَالقِيَامُ بِهَا فَضْلٌ عَظِيمٌ وَالصبر
(١) أخرجه الإمام أحمد في " مسنده" (٥: ١٩٧).
(٢) يأتي في كتاب الجنائز، وانظر فهرس أطراف الأحاديث النبوية الشريفة.

١٥ - كتاب القرآن (٨) باب ماجاء في الدعاء - ١٤٣
عَلَى الفَقْرِ وَالرِّضَا بِهِ ثَوابٌ جَسِيمٌ .
١٠٧٩١ - قالَ اللَّهُ (عزَّ وجلَّ): ﴿إِنَّمَا يُوفَّى الصَّابِرُون أَجْرَهُم بغيرِ حِسَابٍ﴾
{ الآية ١٠ من سورة الزمر }.
١٠٧٩٢ - وَقَدْ قالَ الْحُكَمَاءُ: خَيْرُ الأَمُورِ أَوْسَاطُها .
١٠٧٩٣ - فَالزَّيَادَةُ الكَثِيرَةُ عَلَى القوتِ والكِفِايَةِ ذَمِيمَةٌ وَلاَ تُؤْمَنُ فِتْنَتُها ،
وَالنَّقْصِيرُ عَنِ الكفافِ محِنَةٌ وَبَليةٌ لاَ يَأْمَنُ صَاحِبُها فِنْتَها أيضاً ، وَلاَ سِّمَا صَاحِب
العِيالِ .
١٠٧٩٤ - وَرُوِي عَنِ ابْنٍ عُمَرَ ( رضي الله عنهما) أَنَّهُ سُلَ عَنْ دُعاءِ النّبِيِّ
بيه: " اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ جهدِ البلاءِ " (١) ، فقالَ : جهدُ البَلاءِ : كثْرةُ العِيالِ
وَقِلَّةُ المَالِ .
١٠٧٩٥ - وَأَمَّا قَولُهُ: " وَأَمْتِعْنِي بِسَمْعِي وَبَصَرِي" . فَالسَّمْعُ والبَصَرُ مِنْ نِعَمِ
اللَّهِ العِظامِ عَلَى عَبْدِهِ وَعَلَى جَمِيعِ خَلْقِهِ، وَنِعَمُ اللَّهِ وَاجِبٌ اسْتِدَامَتُها بِالشُكْرِ والدَّعَاءِ
وَاَلَحَمْدِ وَالنَّاءِ .
١٠٧٩٦ - وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ عَلِ مَا يُعارضُ هَذا ظَاهِرِهُ وَلَيسَ بِمعارض لَّهُ، وَهُوَ
قَولُهُ (عليه السلام ) حَاكِياً عَنْ رَبِّهِ: " إِذا أَخَذْتُ كَرِيمِتَي عَبْدِي فَصَبَرَ وَاحْتُسَبَ لَمْ
يَكُنْ لَهُ جَرَاءٌ إِلَّ الجنّةُ " (٢).
(١) رواه البخاري في الدعوات (٦٣٤٧) باب " التعوذ من جهد البلاء " الفتح (١٤٨:١١)، وفي
القدر، ومسلم في الدعوات حديث (٦٧٤٧) في طبعتنا ، باب " في التعوذ من سوء القضاء ودرك
الشقاء وغيره "، وبرقم ٥٣- (٢٧٠٧)، ص (٤: ٢٠٨٠) في طبعة عبد الباقي والنسائي في
الاستعاذة (٢٦٩:٨) باب " الاستعاذة من سوء القضاء"، و (٢٧٠:٨) " الاستعاذة من درك
الشقاء".
(٢) مسند أحمد (٣: ٢٨٣).

١٤٤ - الاستذكار الجامع لمذاهب ◌ُقھاء الأمصارِ / ج ٨
١٠٧٩٧ - وَهذا مِنَ العزاءِ والحضِّ عَلَى الصَّبْرِ عِنْدَ البِلاَءِ.
١٠٧٩٨ - وَقَالَ مُطرفُ بْنُ الشخيرِ: لأَنْ أُعَافَى وَأَشْكُرَ أَحَبُّ إِليَّ مِنْ أَنْ أُبتلى
وأَصْبْرَ .
١٠٧٩٩ - وَفِي الاقْتِناعِ بِالصِّبْرِ قُوّةٌ عَلى كَثِيرٍ مِنْ أَعْمالِ { البرِّ مِنْها تِلاَوَةُ القُرآنِ
فِي المُصْحَفِ وَمَالا يُحصى لِمَنْ زَيْنَهُ اللَّهُ ◌ِالتَّقْوى، وَفِي السَّمْعِ مِثْلُ ذَلِكَ مِنَ الَّعْمِ
بِسَماعٍ}(١) الذِّكْرِ وَسَمَاعِ مَايسرً.
١٠٨٠٠ - وَقَولُهُ: " وَقَوَّتِي فِي سَبِيلِكَ؛ فَإِنَّهُ يُرْوى: " وقوني فِي سَبِيلكَ " ،
ويروى : " وقوتي" ، وَهُنَ الأَكْثَرُ عِنْدَ الرُّوَاةِ، وَمَعْنَاهُ القُوَّةُ عَلَى العَمَلِ بِطَاعَتِكَ
وَالشُّكْرِ لِنِعْمَتِكَ .
١٠٨٠١ - وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ عَلِ كَثِيراً مَا يَسْأَلُ اللَّهَ العَافِيَةَ والمعافَاةَ فِي الدِّنْيا
والآخِرَةِ . والغِنِى عِنْدَهُم مِنَ العَافِيَّةِ لأَنَّهَا اسْمٌ جَامِعٌ لِكُلِّ خَيْرٍ .
١٠٨٠٢ - وَالدَّعَاءُ رَأْسُ العِبَادَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ أَنْ يُسْأَلَ، وَقَدْ أَمَرَ أَنْ يُسْألَ مِنْ
فَضْلِهِ لِقَولِهِ عزَّ وجلَّ: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [٣٢ من سورة النساء}.
** *
٤٧٠ - وأمّا قَولُهُ عَنْ أَبِي الرِّنَادِ ، عَنِ الأعْرِجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي هَذا
1."
البَابِ عَنِ النَّبِيِّ لَّهِ : "لاَ يَقُلْ أَحَدُكُمْ إِذَا دَعَا: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إِنْ شِعْتَ
(١) ما بين الحاصرتين ليس في (س) وثابت في (ك).

١٥ - كتاب القرآن (٨) باب ماجاء في الدعاء - ١٤٥
[اللهم ارحمني إن شئت؛ لِيَعْزُمِ المسألة، فإنه لا مُكْرِهَ له (١)"](٢)
١٠٨٠٣ - فإنّهُ يَنْبَغِي لِلسَّائِلِ الرَّاغِبِ إِلى اللَّهِ تَعالى أَنْ لاَ يَقُولَ فِي دُعَائِهِ إِنْ
شِئْتَ، وَعَلَيهِ أَنْ يُعزمَ فِي مَسَأَتِهِ وَمُنَاشَدَتِهِ رَبَّهُ وَيَضْرع إِليهِ فَإِنَّهُ لاَ مُكرهَ لَهُ وَلاَ يَخِبُ
مَنْ دَعَاهُ .
٤٧١ - و گذلك حديث مالكٍ ، عَنِ ابْنِ شھَابٍ ، عن أبي عبيدٍ ، مَولَی
ابْنِ أَزْهَرَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ عَلِ قَالَ: " يُسْتَجَابُ لِأحَدِكُمْ
مَالَمْ يَعْجَلْ . فَيَقُولُ: قَدْ دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي "(٣).
(١) الموطأ: ٢١٣، ومن طريق مالك أخرجه البخاري (٦٣٣٩) في الدعوات : باب ليعزم المسألة ،
والترمذي ( ٣٤٩٧) في الدعوات . وأخرجه ابن أبي شيبة ١٩٩/١٠، ومن طريقه ابن ماجه
(٣٨٥٤) في الدعاء : باب لايقول الرجل : اللهم اغفر لي إن شئت ، عن عبد الله بن إدريس ،
عن ابن عجلان ، عن أبي الزناد ، به . وأخرجه البخاري ( ٧٤٧٧) في التوحيد: باب في المشيئة
والإرادة ، والبغوي في " شرح السنة " (١٣٩١) و (١٣٩٢)، من طريق عبد الرزاق ، عن
معمر ، عن همام ، عن أبي هريرة ، به . وأخرجه مسلم ( ٢٦٧٨ ) (٩) في الذكر : باب العزم
بالدعاء ، من طریق أنس بن عياض ، عن الحارث ، عن عطاء بن میناء ، عن أبي هريرة ، به ،
(٢) ما بين الحاصرتين أضفته من الموطأ، وموضعه في الخطية : "الحديث" .
(٣) الموطأ: ٢١٣، ومن طريق مالك أخرجه أحمد ٤٨٧/٢، والبخاري (٦٣٤٠) في الدعوات : باب
يستجاب لأحدكم مالم يعجل ، ومسلم (٢٧٣٥) من طبعة عبد الباقي في الذكر : باب بيان أنه
يستجاب للداعي مالم يعجل ، وأبو داود ( ١٤٨٤ ) في الصلاة : باب الدعاء ، والترمذي
(٣٣٨٧) في الدعوات: باب ما جاء فيمن يستعجل بدعائه، وابن ماجه (٣٨٥٣) في الدعاء :
باب يستجاب لأحدكم مالم يعجل، والطحاوي في "مشكل الآثار" ٣٧٤/١. وأخرجه البخاري
في " الأدب المفرد " (٦٥٤) من طريق أبي اليمان ، عن شعيب ، عن الزهري ، به . وأخرجه أحمد
٣٩٦/٢، ومسلم (٢٧٣٠) (٩١) من طرق عن الزهري، به . وأخرجه الترمذي (٣٦٠٧)
و(٣٦٠٨) في الدعوات، والطحاوي في "مشكل الآثار" ٣٧٥،٣٧٤/١ من طرق عن أبي
هريرة .

١٤٦ - الاستذكار الجامع لمذاهب نُقْھاء الأمْصارِ / ج٨
١٠٨٠٤ - يَقْتَضِي الإِلْحاحِ عَلَى اللَّهِ فِي الْمَسَلَةِ وَأَنْ لاَ يَسَ الدَّاعِيِ مِنَ الإِجَابَةِ
وَلاَ يَسْأَمَ الرَّغْبَةَ فَإِنَّهُ: يُسْتَجَابُ لَهُ، أَو يُكَفِرُ عَنْهُ مِنْ سَّاتِهِ أو يُدَّخِرُ لَهُ . فإنَّ الدُّعاءَ
عِبادَةٌ.
١٠٨٠٥ - قالَ اللّهُ تعالى: ﴿ادْعونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الذين يَسْكبرونَ عَنْ
عِبَادتي سَيَدْخُلُونَ جَهَنْم دَاخِرِينَ﴾ [٦٠ من سورة غافر}.
١٠٨٠٦ - فَسَمَّى الدُّعاءَ عِبادَةٌ، وَمَنْ أَدْمَنَ فَرعَ البابِ يُوشِكُ أَنْ يُفْتَحَ لَهُ، وَلاَ
يملّ اللَّهُ (عز وجل) مِنَ العَطاءِ حتَّى يَملَّ العَبْدُ مِنَ الدَّعاءِ ، ومَنْ عجلَ وتبرمَ فَنَفْسَهُ
ظَلَمَ .
١٠٨٠٧ - روينا عَنْ مروانَ العجليِّ أَنَّهُ قَالَ: سَأَلْتُ رَبِي عِشْرِينَ سَنَةٌ فِي حَاجَةٍ
فَماقَضاها حَتَّى الآنَ وَأَنا أَدْعُوهُ فِيهَا وَلاَ أيْاْسُ مِنْ قَضائِها .
٤٧٢ - أمّا حَدِيثُهُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنٍ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الأَغَرِّ؛ وَعَن أبي
سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أنَّ رَسُولَ اللّهِ عَه قَالَ: " يَنْزِلُ رَبْنَا، تَبَارَكَ
وَتَعَالِى، كُلِّ لَيْلَةٍ إِلى السَّمَاءِ الدُّنْيَا. حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ . فَيَقُولُ: مَنْ
يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَنْ يَسْأَلْنِي فَأُعْطِيَهُ؟ مَنْ يَسْتَغْفِرُ نِي فَأَغْفِرَ لَهُ "(١).
(١) الموطأ: ٢١٤، ومن طريق مالك أخرجه أحمد ٤٨٧/٢، والبخاري (١١٤٥) في التهجد : باب
الدعاء والصلاة في آخر الليل ، و (٦٣٢١) في الدعوات: باب الدعاء نصف الليل ، (٧٤٩٤)
في التوحيد: باب قوله تعالى: ﴿يريدون أن يبدلوا كلام الله﴾، ومسلم (٧٥٨) من طبعة عبد
الباقي في صلاة المسافرين : باب الترغيب في الدعاء والذكر في آخر الليل ، وأبو داود ( ١٣١٥ )
في الصلاة : باب أي الليل أفضل ، والبيهقي في سننه ٢/٣ ، وأخرجه أحمد ٢٦٧/٢ ، والنسائي
في "عمل اليوم والليلة" (٤٨٠ )، وابن ماجه (١٣٦٦) في الإقامة : باب ماجاء في أي ساعات
الليل أفضل ، من طريقين عن الزهري بهذا الإسناد . وأخرجه أحمد ٢٨٢/٢ و٤١٩، ومسلم
(٧٥٨) (١٦٩)، والترمذي (٤٤٦) في الصلاة: باب ماجاء في نزول الرب تعالى إلى السماء
الدنيا كل ليلة ، من طريقين عن سهيل بن أبي صالح ، عن أبيه ، عن أبي هريرة . وأخرجه مسلم
(٧٥٨) (٩١٧١ من طريق سعد بن سعيد عن سعيد بن مرجانة عن أبي هريرة وأخرجه أحمد
٤٣٣/٢، والنسائي في "عمل اليوم والليلة " (٤٨٣) من طريقين عن سعيد المقبري ، عن أبي هريرة.
وأخرجه النسائي (٤٨٤)، وابن خزيمة في "التوحيد" ص ١٣٠، من طريق عبيد الله ، عن سعيد
المقبري ، عن أبيه ، عن أبي هريرة .

١٥ - كتاب القرآن (٨) باب ماجاء فى الدعاء - ١٤٧
١٠٨٠٨ - فَهُوَ حَدِيثٌ ثَابِتٌ عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ بِالَحَدِيثِ، وَطُرُقُهُ كَثِرَةٌ صِحاحٌ
بِأَلْفَاظِ مُتَقارِبَةٍ وَمَعْنى وَاحِدٍ .
١٠٨٠٩ - مِنْ أَحْسَنِ الألفاظِ فِي هَذا الَحَدِيثِ وَأَفْقَرِها مِنْ سُوءِ التّأْوِيلِ مَا :
حدَّثْنا مُحْمِدُ بْنُ إِبْراهِيمَ، حدَّثْنَا مُحَّمَدُ بْنُ مُعاويةَ، قالَ: حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْنُ شُعِيبٍ،
قالَ : اخبرنا إِبراهیمُ بْنُ یَعْقُوبَ ، قال : أخبرنا عمرُ بنُ حفص بن غياثٍ ، قال : حدثنا
أَبِي، قالَ: حدَّثَنَا الأَعْمَشُ، قالَ: حدَّثْنَا أَبُو إِسْحَاقَ السبيعيُّ، قالَ: حدَّثنا أَبُو مسلمٍ
الأغرُّ ، قالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ وَأَبَا سَعِيدٍ يَقُولَنِ: قالَ رَسُولُ اللّهِ عَّه: "إِنَّاللَّهُ
تَعَالى يُمْهِلُ حَتَّى يَمْضِيَ شَطْرُ الّيْلِ الأَوَّلُ ثُمَّ يَأْمُرُ مُنَادِيّاً يُنَادِي: هَلْ مِنْ دَاعِ
فَيُسْتَجَابُ لَهُ، هلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ يُغْفَرَلَهُ، هَلْ مِنْ سَائِلٍ يُعْطَى "(١).
١٠٨١٠ - وَقَدْ ذَكَرْنَا أَبا عَبْدِ اللَّهِ الأَغَرِّ وَابًا مُسْلِمِ الأغرَّ فِي كِتَابِ الكُنِى بِما
يَنْبَغِي مِنْ ذِكْرِهما .
١٠٨١١ - وَقَدْ رَوَى هَذا الْحَدِيثَ عَنِ النَّبِيِّ عَّهِ جَماعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ مِنْهُمُ
رِفِاعَةُ الجهنيُّ (٢) ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ (٣) ، وَعُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ (٤)، وَجُبِيرُ بْنُ
مطعم(٥)، وَفِي بَعْضِها " شَطْرِ اللَّلِ"، وَفِي بَعْضِها: "ثُلث الّيْلِ الأَوَّل " ، وَأَصَحُها
(١) هذه الرواية عن مسلم في صلاة المسافرين، حديث ١٧٢ - (٧٥٨) في طبعه عبد الباقي .
(٢) عن رفاعة بن عرابة الجهني في مسند الإمام أحمد (١٦:٤)، والدارمي (٣٤٧:١)، وابن ماجه
(١٣٦٧) یاسنادٍ صحيح.
(٣) في مسند أحمد (١: ٣٨٨، ٤٠٣، ٤٤٦) بإسنادٍ صحيح.
(٤) انظر التوحيد لابن خزيمة ص١٣٣، والبيهقي في الأسماء والصفات ص (٤٥١).
(٥) في مسند أحمد (٤: ٨١)، والدارمي (١: ٣٤٧) بإسنادٍ صحيح.

١٤٨ - الاستذكار الجامع لمذاهب نُقْھاء الأُمْصارِ / ج٨
ثُلُثُ اللَّيلِ الآخر . وَهُوَ حَدِيثُ ابْنِ شِهابٍ هَذا .
١٠٨١٢ - حدَّثْنَاهُ مُحَمِدُ بْنُ خَليفةَ، قالَ: حدَّثْنا مُحمدُ بْنُ الْحَسَنِ، قالَ :
حدّثنا البغويُّ، قالَ: حدَّثنا أَبُو الربيع الزهرانيُّ قالَ: حَدَّثنا فليحُ بْنُ سُليمانَ عَنِ
الزهريِّ عَنْ أَبِي سَلِمَةَ ، وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الأَغَرِّ صَاحِبٍ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنْهُمَا سَمِعَا أَبَا هُرَيْرَةَ
يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ لَّهِ: " يَنْزِلُ رَبْنَا عَرَّ وجلَّ حِينَ يَبْقَى ثُلثُ اللَّلِ الآخِرُ إلى
سَمَاءِ الدُّنْيَا كُلِّ ليلةٍ فَيَقُولُ: مَنْ يَسَأْنِي فَعْطِيهُ وَمَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ وَمِنْ
يَسْتَغْفِرُنِي أَغْفِر لَهُ" .
١٠٨١٣ - فَلِذَلَكَ كَانُوا يَستحبُّونَ صَلاةَ آخرِ اللَّلِ عَلَى أَوْلِهِ .
١٠٨١٤ - وحدَّثنا محمدُ بْنُ خَلِيفَةَ، قالَ: حَدَّثنا محمدُ بْنُ الحُسَيْنِ ، قالَ:
حدَّثْنَا عَبْدُ اللّهِ بْنُ صَالِحِ البخاريُّ ، قالَ : حدّثنا محمدُ بْنُ سُليمانَ لوين، قالَ : حدَّثْنَا
إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ الزُّهرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ عَّهُ
قالَ : " يَنْزِلُ الرَّبُّ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ إِلى سَمَاءِ الدُّنْيا حِينَ يَبْقَى ثُلثُ اللّيْلِ الآخِرُ فَيَقُولُ:
مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِبْ لَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرِنِي فَأَغْفِرْ لَهُ. حَتَّى يَطْلعَ الفَجْرُ " .
١٠٨١٥ - فَكَذَلِكَ كَانُوا يَسْتُحِبُّونَ آخرَ اللَّيْلِ.
١٠٨١٦ - قالَ أَبُوْ عُمَرَ: هَذا عِنْدِي مِنْ كَلامِ ابْنِ شِهابٍ أَو أَبِي سَلَمَةَ، واللَّهُ
أَعْلَمُ .
١٠٨١٧ - وَفِي هَذا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ اللَّهَ عزَّ وجلَّ فِي السَّماءِ عَلَى العَرشِ
مِنْ فَوقٍ سَبْعٍ سَماواتٍ وَعِلْمُهُ فِي كُلِّ مكانٍ كَمَا قَالَتِ الجَمَاعَةُ أَهْلُ السَّةِ أَهْلُ الفِقْهِ
وَالأَثَرِ .

١٥ - كتاب القرآن (٨) باب ماجاء في الدعاء - ١٤٩
١٠٨١٨ - وَحَجتهم ظَواهِرُ القُرآنِ فِي قَولِهِ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى﴾
[٥من سورة طه] .
١٠٨١٩ - كما قالَ: ﴿لِتَسْتَووا عَلَى ظُهُورِهِ﴾ [١٣ من سورة الزخرف}.
١٠٨٢٠ - وَقولُهُ: ﴿واسْتُوَتْ عَلَى الْجُودِيّ﴾ [٤٤ من سورة هود}.
١٠٨٢١ - وَ ﴿ اسْتويتَ أَنْتَ ومَنْ مَعَكَ عَلَى الفُلْكِ﴾ [٢٨ من سورة
المؤمنون}
١٠٨٢٢ - قالَ اللهُ عزَّ وجلَّ: ﴿ثم اسْتَوَى عَلَى العَرْشِ مَالَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ
ولي﴾ ﴿٤ من سورة السجدة﴾، وقالَ: ﴿ثُمَّ اسْتَوِىَ إِلَىَ السَّماءِ وَهِيَ دُخَانٌ
{١١ من سورة فصلت}.
١٠٨٢٣ - فَأَوْرَدتهم ماء بفيفاء قفرة
وقد حلق النجم اليماني فاستوى
١٠٨٢٤ - وقالَ عزَّ وجلَّ: ﴿ءَآَمِنْتُم مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [١٦ من سورة الملك}:
على السَّماءِ .
١٠٨٢٥ - كما قالَ: ﴿فِي جُنُوعِ النَّخْلِ﴾ [٧١ من سورة طه}: أي عليها.
١٠٨٢٦ - وقالَ: ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلى الأَرْضِ ثم يَعْرِجُ إِليهِ ﴾ [٥ من
٠.
سورة السجدة } .
١٠٨٢٧ - وقالَ: ﴿ذِي الْمَعَارِجِ﴾ والعُروجُ: الصّعُودُ .
١٠٨٢٨ - وَهَذهِ الآياتُ كُلُّها وَاضِحَاتٌ فِي إِبْطالِ قَولِ الْمُعْتزلةِ، وَقَدْ أَوضَحْنا

١٥٠ - الاستذكار الجامع لِمَذاهب فُقْهاء الأمْصارِ / ج ٨
فَسَادَ مَادَّعوهُ مِنَ المجازِ فيها فِي " النَّمْهِيدِ "(١)، وَذَكَرْنَا الْحُجَّةَ عَلَيهِم بِمَا حَضَرِنا مِنَ
الأَثَرِ مِنْ وُجُوهِ النَّظَرِ هُناكَ بِبابٍ فِيهِ كتَابٌ مُفْرَدّ، والحَمْدُ لِلَّهِ.
١٠٨٢٩ - وَمُحالٌ أَنْ يَكُونَ مَنْ قالَ عَنِ اللّهِ مَا هُو فِي كِتَابِهِ مَنْصُوصَ مُشَبَّهاً إذا
لَمْ يَكيفْ شَيْئاً، وَقَرْ أَنْهُ لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ.
١٠٨٣٠ - وَمِنَ الْحُجَّةِ فِيمَا ذَهَبَتْ إِليهِ الْجَمَاعَةُ أَنَّ الْموَحِّدِينَ مِنَ العَرَبِ وَالعَجَمِ
إذا كَرَبّهم أَمْرٌ أَودَهَمَهمُ غمرٌ أو نَزَلَتْ بِهِمْ شِدَّةٌ رَفَعُوا أَيِدَيَهم إلى السَّماءِ يَسْتَغِئُونَ
رَبِّهِم لِيَكْشِفَ مَانَزَلَ بِهِم وَلاَ يُشِيرُونَ بِشَيءٍ مِنْ ذَلِكَ إِلى الأرْضِ.
١٠٨٣١ - وَلَوَلاَ أَنَّ مُوسى (عليه السلام) قالَ لَهُمْ: إِلهي فِي السَّماءِ مَا قالَ
فِرْعَونُ ﴿يَا هَمَانُ ابْنٍ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلىَ إِلَهِ
مُوسَى﴾ [ الآيتان ٣٦، ٣٧ من سورة غافر}.
١٠٨٣٢ - وَهَذا أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ - وَهُوَ مِمَّنْ قَرَأَ الكُتُبَ : التَّوْرَاةَ ،
وَالإِنْجِيلَ، وَالزّبُورَ . وَكَانَ مِنْ وُجُوهِ العَرَبِ - يَقُولُ فِي شِعْرِهِ :
فسبحان من لا يقدر الخلق قدره
ومن هو فوق العرش فردٌ موحد
مليكٌ على عرش السماء مُهَيْمِنٌ
لِعِزَّتْه تَعْنو الوُجوهُ وَتَسْجُدُ
١٠٨٣٣ - وَفِيهِ يَقُولُ فِي وَصْفِ المَلاَئِكَةِ:
(١) (٧: ١٣١) وما بعدها وهو فصل بديع، فيه فوائد جمة، وقد استغرق معه إلى صفحة ١٥٩.

١٥ - كتاب القرآن (٨) باب ماجاء في الدعاء - ١٥١
وساجدهم لا يرفع الدهر رأسه
یُعظّم ربّا فوقه ويمجده
١٠٨٣٤ - وَسَئِلَ رَبِيعَةُ بْنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحمنِ عَنْ قَولِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ: ﴿الرَّحْمَن
عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى﴾ [٥ من سورة طه] قالَ: اسْتِوَاؤُهُ حَقّ مَعْلُومٌ، وَكَيْفِيْتُهُ
مَجْهولَةٌ .
١٠٨٣٥ - وَقَدْ رُوي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ نَافِعٍ، عَنْ مَالِكٍ نَحْوُ ذَلِكَ ، قَالَ : سُئِلَ
د
مَالِكٌ عَنْ قَولِ اللَّهِ (عزَّ وجلَّ): ﴿الرَّحْمِن عَلَىَ العَرشِ اسْتَوَى﴾ كَيْفَ اسْتَوى؟
فقالَ: اسْتِوَاؤُهُ مَعْلُومٌ، وَكَيْفِيَتْهُ مَجْهُولَةٌ، وَسُؤَالكَ عَنْ هَذا بِدْعَةٌ، وَأراكَ رَجُلَ
م
سَوءٍ.
١٠٨٣٦ - وَرَوَى حَمَّدُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَاصَمٍ بْنِ بِهْدَلَةَ ، عَنْ زَرِ بْنِ حبيشٍ، عَنِ
أبْنِ مَسْعُودٍ ، قالَ: اللَّهُ فَوقَ العَرْشِ لاَ يَخْفِى عَلَيهِ {شَيْءٌ](١) مِنْ أَعْمَالِكُمْ.
١٠٨٣٧ - وَسُئِلَ سُفْيَانُ الثَّورِيُّ عَنْ قَولِهِ (عزَّ وجلّ): ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنُمَا
كُنْتُم﴾ [الآية ٤ من سورة الحديد} قالَ: عِلْمُهُ.
١٠٨٣٨ - وَقَالَ ابْنُ المُبارَكِ: الربُّ (تَبَارَكَ وَتَعالى) على السَّماءِ السَّابِعَةِ عَلى
العَرْشِ .
١٠٨٣٩ - وَقَدْ ذَكَرْنا الأسَانِيدَ عَنْ هَؤلاءِ وَغَيرِهم بهذا المَعْنِى فِي " التَّمْهِيد"(٢).
١٠٨٤٠ - وَأَمَّا قَولُهُ مَّهُ فِي هَذَا الَحَدِيثِ: يَنْزِلُ رَبَّنَا"؛ فَالَّذِي عَلَيهِ أَهْلُ العِلْمِ
مِنْ أَهْلِ السَّةِ وَالَحَقِّ وَالإِيمانِ بِمِثْلِ هذا وَشِبْهِهِ مِنَ القُرآنِ وَالسُّنْنِ دُونَ كَيْفِيَّةٍ فَيَقُولُونَ:
(١) ما بين الحاصرتين سقط فى (ك)، وثابت في (س).
(٢) ( ٧: ١٥١).

١٥٢ - الاستذكار الجامع لِمَذاهب فُقْهاء الأمْصارِ / ج ٨ -
يَنْزِلُ . وَلَاَ يَقُولُونَ كَيْفَ النِّرُولُ ، وَلاَ يَقُولُونَ كَيْفَ الاسْتِوَاءُ وَلاَ كَيْفَ المجيءُ فِي
قَولِهِ (عزَّ وجلَّ): ﴿وَجَاءَ رَبَّكَ والَمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ [٢٢ من سورة الفجر}، وَلاَ
كيْفَ التَّجَلِّي فِي قَولِهِ: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ [١٤٣ من سورة الأعراف].
١٠٨٤١ - حدّثنا محمدُ بْنُ خَلِيفَةَ، قالَ: حدَّثْنا مُحمدُ بْنُ الْحُسَيْنِ ، قالَ :
حدَّنَا عُمَرُ بْن أَيُّوبَ السفطيُّ ، قَالَ : حدَّثْنا أَبُو مَعمرٍ القطيعيُّ ، قالَ : قالَ عبادُ بْنُ
العوامِ : قَدَمَ عَلينا شريكٌ وَاسِطَ فقُلْنَا لَهُ: إنَّ عِنْدَنَا قَوماً يُنْكِرِونَ هَذِهِ الأحادِيثَ: (أَنْ
اللَّهَ (عزَّ وجلّ) يَتْزِلُ إِلى سَمَاءِ الدُّنْيَا كُلَّ لَيْلَةَ)، فَقَالَ: إِنَّمَا جَاءَنَا بِهِذِهِ الأحَادِيثِ
مَنْ جَاءَنَا بِالسُّنَنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ لَّهُ فِي الصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّيامِ وَالحِجِّ، وَإِنَّمَا عَرَفنا
اللَّهَ (عز وجل) بِهَذِهِ الأحَادِيثِ .
١٠٨٤٢ - وَحدَّثْنَا مُحمِدُ بْنُ خَلِيفَةَ، قالَ: حَدَّثْنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ ، قَالَ :
حدَّثنا الحَسَنُ بْنُ {عَلِيٍّ } (١) الجصاصُ، وَأَبُو سَعِيدٍ قَالاَ: حدَّثْنا الربيعُ بْنُ سُليمانَ،
قالَ : قالَ الشَّفِيُّ: لَيْسَ فِي سَنَّةٍ رَسُولِ اللَّهِلَّهِ إِلَّ اتباعُهَا وَلاَ نَعْرِضُ عَلَيْها بِكَيْفَ
وَلَا يَسْعُ عَالِماً فِيما ثَبَتَ مِنَ السّةِ إِلَ التَّسْلِيمُ، لأَنَّاللَّهِ قَدْ فَرَضَ أَّبَاعَها .
١٠٨٤٣ - وَقَدْ قَالَ قَومٌ: إِنَّهُ يَنْزِلُ أَمْرُهُ وَتَنْزِلُ رَحْمَتُهُ وَنَعْمَتُهُ وَهَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ
لأَنَّ أَمْرَهُ بِمَا ثِمَاءَ مِنْ رَحْمَتِهِ وَنَقْمَتِهِ يَنْزِلُ بالليلِ وَالنَّهَارِ ◌ِلاَ تَوْقِيْتٍ ثُلُثِ الَّيْلِ وَلَ غَيْرِهِ.
١٠٨٤٤ - وَلَوصحَّ مَارُوِي فِي ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ كَانَ مَعْنَاهُ أَنَّ الأَغْلَبَ مِنِ اسْتِجَابَةٍ
دَجَاءٍ مَنْ دَعاهُ مِنْ عِبَادِهِ فِي رَحْمَتِهِ وَعَفْوَهِ يَكُونُ ذَلِكَ الوَقْت .
(١) الزيادة من (س) .

١٥ - كتاب القرآن (٨) باب ماجاء في الدعاء - ١٥٣
١٠٨٤٥ - وَقَدْ رُوِيَ مِنْ حَدِيثٍ أَبِي ذَرِّ أَنَّهُ قَالَ: يَارَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الّيْلِ أَسمعُ ؟
قالَ : " جَوفُ اللَّلِ الغَابِرِ "(١).
١٠٨٤٦ - وَقَدْ قَالَتْ فِرْقَةٌ مُنْتَسِبَةٌ إِلى السُّنةِ: إِنَّهُ يَنْزِلُ بِذَاتِهِ! وَهَذا قَولٌ مَهْجُورٌ
لأَنَّهُ تعالى ذِكْرُهُ لَيْسَ بِمحلٌ لِلْحَرَكَاتِ وَلاَ فِيهِ شَىْءٌ مِنْ عَلامَاتِ الَخْلُوَاتِ .
١٠٨٤٧ - قَالَ أَبوُ عُمَرَ: لَمْ يَزَلِ الصَّالِحُونَ يَرْغُبُونَ فِي الدُّعَاءِ وَالاسْتِغْفَارِ
بِالأَسْحارِ لِهَذا الَحَدِيثِ وَمَا كَانَ مِثْلَهُ وَلِقَولِهِ تعالى: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحارِ﴾ [١٧
من سورة آل عمران ] .
١٠٨٤٨ - رَوى محاربُ بْنُ دثارٍ عَنْ عَمِّهِ ، قالَ: كُنْتُ آتِي المَسْجِدَ فِي السُّحَرِ
فَأَمَرَ بِدَارٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ مَسْعُودٍ {فَأَسْمَعُهُ يَقُولُ }(٢): اللَّهُمَّ أَمَرَتَنِي فَطَعْتُ وَدَعَوْتِي
فَأَجَبْتُ ، وَهَذا السَّحرُ فَاغْفِرْلِى. فَلَقِيتُ ابْنَ مَسْعُودٍ فَقُلْتُ لَهُ: كَلِماتٌ سَمِعْتُكَ
تَقُولُهُنَّ فِي السَّحرِ؟ فَقَالَ: إِنَّ يَعْقُوبَ أَخَّرَ بنِيهِ إِلى السَّحَرِ حِينَ قَالَ لَهُمْ ﴿ سَوفَ
أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ [ ٩٨ من سورة يوسف].
١٠٨٤٩ - وَرَوَى حَمَّادُ بْنُ سَلمَةَ عَنِ الَجَرِيريِّ أَنَّ دَاوُدَ (عليه السلام ) سَأَلَ
جِبْرِيلَ ( عليه السلام ) : أَيُّ اللَّيْلِ أَسْمَعُ فَقالَ : لاَ أَدْرِي غَيْرَ أَنّ العَرشَ يهتز پِي فِي
السّحَرِ .
(١) مسند الإمام أحمد (٥ :١٧٩).
(٢) ما بين الحاصرتين سقط في (ك)، وثابت في (س).

١٥٤ - الاستذكار الجامع لمذاهب فُقَهاء الأمْصارِ / ج ٨ _
٤٧٣ - وأمَّا حَدِيثُهُ، عَنْ يَحْيِى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ
الْحَارِثِ النّيْسِيِّ؛ أنَّ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ: كُنْتُ نَائِمَةٌ إِلَى جَنْبِ رَسُولٍ
اللهِ عَّهِ. فَفَقَدْتُهُ مِنَ الّيْلِ ، فَلَمَسْتَّهُ بِيَدِي . فَوَضَعْتُ يَدِي عَلَى قَدَمَيْهِ ،
وَهُوَ سَاجِدٌ ، يَقُولُ: " أعُوذُ بِرِضاكَ مِنْ سَخَطِكَ [ وبُمُعَافَاتَكَ من عُقُوبتكَ
وبِكَ منكَ لا أُحْصي ثناء عليكَ كما أَثْنَيْتَ على نَفْسِكَ "(١)](٢).
١٠٨٥٠ - فَقَدْ ذَكَرْنَا فِي " التَّمْهِيدِ" مَنْ أَسْندَ هَذا الْحَدِيثَ وَوَصَلَهُ.
١٠٨٥١ - وَهُوَ حَدِيثٌ مَتْصِلَّ صَحِيحٌ رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ عَائِّئَةٌ، وَرَوَاهُ عُروةً
عَنْ عَائِشَةٍ (٣) . وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ كُلَّهُ فِى " التَّمْهِيدِ " (٤). إِلَّ أَنَّ الرُّوَةَ يَقُولُونَ :
فَوَقَعَتْ يَدِي عَلَى قَدَمَيْهِ .
١٠٨٥٢ - وَفِي هَذَا الَحَدِيثِ مِنَ الفِقْهِ عِنْدَ أَصْحابِنا دَليلٌ عَلَى أَنَّ اللَّمْسَ بِالَيَدِ لاَ
يَنْقُضُ الطَّهَارَةَ إِذَا لَمْ يَكُنْ لِغَيْرٍ شَهْوَةٍ .
١٠٨٥٣ - وَهذِهِ مَسْأَلَةٌ قَدِ اخْتَلَفَ العُلماءُ فِيها، وَقَدْ ذَكَرْناها فِي بَابِ الْمُلَمَسَةِ
مِنَ الطَّهَارَةِ فِي هَذا الكِتَابِ .
(١) الموطأ: ٢١٤، وسيأتي في الحاشية بعد التالية .
(٢) ما بين الحاصرتين أضفته من الموطأ، وموضعه في النسخة الخطية : " الحديث" .
(٣) أخرجه مسلم في الصلاة ، ح ( ١٠٧١ ) في طبعتنا ، باب " ما يقال في الركوع والسجود "
(٥٩٨:٢)، وبرقم: ٢٢٢ - (٤٨٦) فى طبعة عبد الباقى، ص (١: ٣٥٢).
وأخرجه أبو داود في الصلاة (٨٧٩)، باب في الدعاء في الركوع والسجود (١ : ٢٣٢).
وأخرجه النسائي في الصلاة (٢ : ٢١٠)، باب " نصب القدمين في السجود "
وأخرجه ابن ماجه في الدعاء (٣٨٤١)، باب " ما تعوَّذ منه رسول الله (عَلَّ) (٢: ١٢٦٢ -
١٢٦٣) .
(٤) التمهيد (٢٣ : ٣٤٨).
5

١٥ - كتاب القرآن (٨) باب ماجاء فى الدعاء - ١٥٥
١٠٨٥٤ - وتَحْصِيلُ مَذْهَبِ مَالِكٍ عِنْدَ أَصْحَابِهِ أَنَّ اللامِسَ وَالَلْمُوسَ سَواءٌ فِي
وُجُوبِ الوضُوءِ عَلَى مَنِ الْتَذَّمِنْهُمَا. وَلِلشَّافِعِيِّ فِي المَلْمُوسِ قَولانٍ آخرهما أَنَّ عَليهِ
الوضُوءَ وَالآخرُ أَنْ لاَ وضُوءَ عَلَيهِ لِحَدِيثِ عَائِشَةٌ هَذا قولها : " فَوَقَعَتْ يَدِي عَلَى
قَدَمَيْهِ " وَلَمْ تَقُلْ إِنَّهُ تَوَضَاً وَلاَ قَطَعَ الصَّلاَةَ. وَهُو قَولُ دَاوُدَ : وَلَمْ يَخْتَلِفْ قَولُ
الشَّفِعِيِّ أَنَّ المُلاَمِسَ تَنْقِضُ طَهَارَتُهُ إِذا لَمَسَ امْرَةُ الْتَذَّ أَوْ لَمْ يَلْتَذَّ ، وَأَهْلُ القُرآنِ على
أنَّ المُلامَسَةَ الجِمَاعُ لاَ مَادُونَهُ.
١٠٨٥٥ - وَقَدْ ذَكَرْنَا اخْتِلافَ السَّلَفِ والخَلَفِ فِي مَوْضِعِها مِنْ هَذا الِكَتَابِ ،
وَالحَمْدُ لِلَّهِ.
١٠٨٥٦ - وأمَّا قَولُهُ فِي هَذا الحَدِيثِ: " وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ " ، فَهِوَ فِي مَعْنِى قَولِهِ :
"أعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَيِمِعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ " .
١٠٨٥٧ - وَأَمَّا قَولُهُ: "لاَ أحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ " فَإِنَّ مَالِكاً قَالَ فِي ذَلِكَ : يَقُولُ لَمْ
أَحْصر نعمتَكَ وَإِحْسانَكَ وَالنَّاءَ بِها عَليكَ وَإِنِ اجْتَهِدْتُ فِي الَّاءِ.
١٠٨٥٨ - فَفِي قَولِهِ : " أَنْتَ كَما أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ " دَلِيلٌ عَلى أَنَّهُ لاَ يَبْلِغُ فِي
وَصْفِهِ إِلى وَصْفِ نَفْسِهِ ومَنْ وَصَفَهُ بِغَيْرٍ مَا وصفَ بِهِ نَفْسَهُ فَقَدْ قَالَ بِغَيرٍ عِلْمٍ فَإِنَّهُ لَيْسَ
كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، وَلاَ يُشْبُهُهُ شَيْءٌ، وَهُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، وَهُوَ بِكِلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ.
٤٧٤ - وأمَّا حَدِيثُهُ: عَنْ زِيَادِ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ طَلْحَةَ بْنٍ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ
كَرِيزٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ عَّهِ قَالَ: " أَفْضَلُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمٍ عَرَفَةَ . وَأَفْضلُ

١٥٦ - الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصارِ / ج ٨
مَاقُلْتُ أَنَا وَالنّبيُّونَ مِنْ قَبْلِي (لاَ إِلهَ إِلاَّ اللَّه وَحْدَهُ لاَشَرِيكَ لَهُ) ". (١)
١٠٨٥٩ - فَقَدْ ذَكَرْناهُ مُسْنَداً وَمُرْسَلاَ فِي " التَّمْهِيدِ" ، وَذَكَرْنا أيضاً مَا كَانَ فِي
مَعْنَاهُ، وَالحمدُ للَّهِ . (٢)
٠ ١٠٨٦ - وَفِيهِ تَفْضِيلُ الدُّعاءِ بَعْضِهِ عَلَى بَعْضٍ، وَتَفْضِيلُ الآيَّامِ بَعْضِها عَلَى
بَعْضٍ ، وَلاَ يَعرِفُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ إِلَّ بِتَوْقِيْفٍ، فَقَدْ ثَبتَ فِي يَوَمِ الجُمعةِ وَيَومٍ عَاشُورَاءَ
وَيَوَمِ عَرَفَةً مَاهُوَ مَذْكُورٌ فِي كِتَابِنَا هَذَا فِي مَوَاضِعِهِ وَمَعْرُوفٌ أيضاً فِي غَيْرِهِ. وَجَاءَ
الاسْتِدْلاَلُ بِهَذا الحَدِيثِ عَلَى أَنَّ دُعاءَ عَرَفَةَ مُجابٌ كُلُّهُ فِي الأَغْلَبِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ إِلاَّ
لِلْمُعْتَدِينَ فِي الدعاءِ بِمَا لاَيَرْضى اللَّهُ .
١٠٨٦١ - وَقَدِ اخْتَلَفَ العُلماءُ فِي الذِّكْرِ فَقَالَ مِنْهُمْ قَائِلُونَ: " أَفْضَلُ الكَلامِ لاَ
إِلَهَ إِلَّ اللّهُ " واحْتُجوا بِهَذَا الَحَدِيثِ وَمَا كَانَ مِثْلُهُ فَإِنَّهَا كَلِمَةُ النَّقْوى.
١٠٨٦٢ - وَقَالَ آخَرونَ: أَفْضَلُ الذِّكْرِ : " الحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ " فَفِيهِ مَعْنى
الشُّكْرِ والتَّاءِ ، وَفِهِ مِنَ الإِخْلاَصِ مَافِ " لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ "، وَأَنَّ اللَّهَ افْتَحَ بِهِ كَلاَمَهُ
وَخَتَمَ بِهِ ، وَأَنَّهُ آخرُ دَعوى أَهْلِ الجَنَّةِ .
١٠٨٦٣ - وَدُونَ كُلِّ فِرْقَةٍ مِمَّا قَالَتْ مِنْ ذَلِكَ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ قَدْ أَوْرَدْنا أَكْثَرِها
فِي " التَّمْهِيدِ " . وَهِي كُلُّها آثارٌ مُسنداتٌ حِسَانٌ وَهِيَ مَسَلَةُ تَوْقِفٍ لاَ يَدْخُلُ فِيها
الرَّأَيُ فَلاَ بُدَّفيها مِنَ الآثارِ ، وَالذِّكْرُ كُلُّهُ عِنْدَ العُلماءِ دُعاءٌ.
(١) الموطأ: ٢١٤، وأخرجه الترمذي في كتاب الدعوات ، باب " دعاء يوم عرفة " عن عمرو بن
شعیب، عن أبيه ، عن جده ، وقال : حسن غريب .
(٢) التمهيد ( ٣٩:٦ - ٤١).

١٥ - كتاب القرآن (٨) باب ماجاء في الدعاء - ١٥٧
١٠٨٦٤ - حدَّثْنا خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ، قالَ: حدَّثْنا الحَسَنُ بْنُ رشيقٍ، قالَ : حدّثنا
عَلِيِّ بْنُ سَعِيدٍ الرازيُ ، قَالَ: حَدَّثْنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ ، قَالَ: حَدَّثْنَا سُفْيَانُ بْنُ عُبِينَةَ، قَالَ:
قَالَ لِي عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عُمَرَ: كُنْتُ أَتَمَنِى أَنْ أَلْفِى الزَّهِرِيِّ، فَرَتُهُ فِي النَّومِ بَعْدَ مَوْتِهِ ؛
فَقُلْتُ: يَا أَبَا بَكْرٍ هَلْ مِنْ دَعْوَةٍ؟ قالَ: نَعَمْ لَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَغَرِيكَ لَهُ ،
تَوَكَّلْتُ عَلَى الَحَيِّ الَّذِي لاَ يَمُوتُ ، اللَّهُمَّ إِّي أَسْأَلَكَ أَنْ تُعِيذَنِي وَذُرَِّتِي مِنَ الشَّيْطانِ
الرَّجِيمِ .
١٠٨٦٥ - وَرَوَى حُسينُ بْنُ حسن المروزيّ، عَنْ سُفيانَ بْنِ عُبَيْنَةَ أَنَّهُ سَأَلُهُ: مَا
أَكْثُرٌ مَا كَانَ قَولُ رَسُولِ اللَّهِ عَّهِ بِعَرَفَةَ؟ فَقَالَ: "لاَ إِله إِلاَّ اللَّهُ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَالحَمْدُ
لِلَّهِ وَاللَّهُ أُحْبَرُ" .
١٠٨٦٦ - قالَ سُفْيَانُ: وَهَذا ذِكْرٌ وَلَيْسَ بِدُعاءٍ .
١٠٦٧ - ثُمَّ قالَ سُفْيَانُ: أَمَا عَلِمْتَ قَولَ اللَّهِ (عزَّ وجلَّ) حَيْثُ قَالَ: إِذا شَغَلَ
عَبْدِي ثَنَاؤُهُ عَلَيَّ عَنْ مَسْأَتِي أَعْطَيْتُهُ أَفْضَلَ مَا أُعْطِي السَّائِلِينَ .
١٠٨٦٨ - قالَ: قُلْتُ نَعَمْ أَنْتَ حَدَّثْتَنِي بِذَلِكَ يَا أَبَا مُحْمَدٍ عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ
مَالِكِ بْنِ الْحَارِثِ ، وَحَدَّثَنِي بِهِ عَبْدُ الرَّحمنِ بْنُ مَهْدِيَ ، عَنِ الثّوريّ ، عَن مَنْصُورٍ ،
عَنْ مَالِكِ بْنِ الحَارِثِ ، قالَ : فَهَذَا تَفْسِيرُهُ.
١٠٨٦٩ - ثُمَّ قَالَ: مَا عَلَمْتُ قَولَ أُمَيَّةَ بْنِ أَبي الصَّلْتِ حِينَ أَتى ابْنُ جدعانَ :
آأَطْلُبُ حَاجَتِي أَمْ قَدْ كَفَانِي
حَيَاؤُكَ إِنَّ سِيمَتَكَ الحَيَاءُ

١٥٨ - الاستذكار الجامع لمذاهب نُقَهاء الأمصارِ / ج ٨
إِذا أَثْنَى عَلَيْكَ المَرْءُ يَوماً
كَفَاهُ منْ تعرضكَ الثَّنَاءُ
١٠٨٧٠ - قالَ سُفْيَانُ: هَذا مَخْلُوْقٌ حِينَ ينسبُ إِلى الأكْتِفاءِ بالثّنَاءِ عَليهِ عَنْ
مَسْأَلَةٍ فَكَيْفَ بِالْخَالِقِ (عزَّ وجلَّ) ؟
١٠٨٧١ - وَذَكَرَ أَبُو الحَسَنِ الدار قطنيَّ فِي " المُؤْتلفِ والمختلفِ " لَهُ قالَ: حَدَّثنا
القَاضِيِ المحامليُّ ، قالَ : حدَّثْنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسى القطانُ، قالَ : حَدَّثنا عثمانُ بْنُ عُمَرَ
التيميُّ ( تيم الرباب ) ، قالَ: حدَّثنا صفوانُ بْنُ أَبِي الصَّهباء، عَنْ بَكْرِ بْنٍ عتيقٍ {عَنْ
سَلِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِهِ عَنْ جَدِّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َه قَالَ: يَقُولُ اللَّهُ تَعالى:
"مَنْ شَغَلَهُ ذِكْرِي عَنْ مَسَالَتِي أَعْطَيْهُ أَفْضَلَ مَا أُعْطِي السَّاتِلِينَ " .
١٠٨٧٢ - قالَ أَبُوُ الحَسَنِ: وَقَدْ روى الثَّورِيُّ عَنْ بَكْرِ بْنٍ عتيقٍ هَذا } (١) أَخْبَرنا
أَحْمَدُ بْنُ مُحمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ ، قَالَ: حَدَّثْنَا أَحْمَدُ بْنُ الفَضْلِ ، قالَ: حَدَّثْنا مُحَمَّدُ بْنُ
جريرٍ، قالَ : حدّثنا محمدُ بْنُ المثنّى ، قالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحمنِ بْنَ مهديٍّ قالَ :
حدَّثْنَا سُفْيَانُ، عَنْ دَاوُدَ بْنٍ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ مُحمَّدِ بْنٍ سِيرِينَ، قَالَ: كَانُوا يَرْجُونَ فِي
ذلكَ الْمَوْطِنَ ( يَعْنِي بِعَرَفَةَ) حتى لِلْحَمْلِ فِي بَطْنِ أُمَّهِ .
٤٧٥ - وأمَّا حَدِيثُهُ فِي هَذا الْبَابِ عَنْ أَبِيِ الزُّبِيْرِ الْمَكِّيِ ، عَنْ طَاوُوسِ
الْيَمَانِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابْنٍ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ عَّهِ كَانَ يَعَلِّمُهُمْ هذَا
الدُّعَاءَ . كَمَا يُعَلِّمُهُمُ السُّورَةَ مِنَ الْقُرآنِ . يَقُولُ " اللَّهُمَّ إِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ
(١) ما بين الحاصرتين سقط في (س)، وثابت في ( ك).

١٥ - كتاب القرآن (٨) باب ماجاء في الدعاء - ١٥٩
عَذَابِ الْقَبْرِ. وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ. وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِئَةٍ
الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ" . (١)
١٠٨٧٣ - فَفِيهِ الإِقْرَارُ بِعَذَابٍ جَهَنْمَ أَعَاذَنا اللَّهُ مِنْها، وَالإِقْرَارُ بِعَذَابِ القَبْرِ
وَفَتِهِ ، وَتَعْلِيمُ الدِّعاءِ بِالاسْتِعاذةِ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ وَمِنْ فِ الدُّنْيَا وَالآخرة فِئَةِ المَحْيا
وَمَاتِ .
١٠٨٧٤ - وَقَدْ مَضى القَولُ فِي عَذَابِ القَبْرِ وَمَا عَلَيهِ أَهْلُ العِلْمِ وَالسَّةِ فِي
ذَلِكَ.
١٠٨٧٥ - وَفِيهِ الإِقْرَارُ بِخُرُوجِ المسيحِ الدَّجَالِ، وَالأحَادِيثُ فِي ذَلِكَ كَثِيرَةٌ
جِدّاً وَسَيَأْتِي ذِكْرُ كَثِيرٍ مِنْهَا فِي كِتَابٍ " الَجَامِعِ"(٢) وَهُناكَ يُذْكُرُ اشْتِقَاقُ اسْمِ المسيحِ
الدَّجَّالِ وَالمَسِيحِ ابْنِ مَرَيَمَ ◌ّهِ وَالْمَعْنِى فِي ذَلِكَ كُلِّ إِن شَاءَ اللَّهُ تَعالى .
١٠٨٧٦ - وَلما كَانَتِ السَّاعَةُ آتِيَّةٌ لاَمَحَالَةَ وَكَانَ وَقْتُها مغِيباً عَنَّا والخبرُ الصّادِقُ
أَنَّهَا تَأْتِنَا بَغْثَةً، وَكَانَ مِنْ أَشْرَاطِها خُرُوجُ الدِّجَالِ أُمِرْنَا بِالنِّعَوذِ مِنْ فَِتِهِ، وَهِيَ فِئَةٌ
عَظِيمَةٌ لِمَنْ أَدْرَكَتَهُ وَخذلُهُ اللّهُ وَلَمْ يَعْصِمُهُ .
(١) الموطأ : (٢١٥)، وأخرجه مسلم في كتاب الصلاة ، ح (١٣٠٩) من طبعتنا ، باب " ما يستعاذ
منه في الصلاة " (٢ : ٨١٤) وبرقم (١٣٤) في كتاب المساجد من طبعة عبد الباقي . وأخرجه
أبو داود في الصلاة (١٥٤٢)، باب في الاستعاذة (٢ : ٩٠ - ٩١) . وأخرجه الترمذي في
الدعوات ( ٣٤٩٤) باب " فيه حديثان في الاستعاذة من عذاب جهنم وعذاب القبر .. ".
وأخرجه النسائي في الجنائز (٤: ١٠٤ )، باب " التعوذ من عذاب القبر" .
(٢) من كتاب الموطأ، ويأتي في آخر الكتاب .

١٦٠ - الاستذكار الجامع لمذاهب فُقَهاء الأمْصارِ / ج ٨
١٠٨٧٧ - وأمَّا فِتَنُ المحَمَا فَكَثِيرَةٌ جِدّاً فِي الأَهْلِ وَالمالِ وَالدِّينِ أَجَارَنَا اللَّهُ مِنْ
مضلاتِ الفِتَنِ .
١٠٨٧٨ - وَفِتْنَةُ الَماتِ تَكُونُ عِنْدَ مُعايَنَةِ المَوْتِ، وَتَكُونُ فِي القَبْرِ ثَبْتنَا اللَّهُ
بِالقَولِ الثَّامِتِ فِي الحَيَاةِ الدُّنيا وَفِي الآخِرَةِ ، فَكَمْ مِمَّنْ يفتنُ عَنْ دِينِهِ فِي حِينِ الَّوْتِ
خَتَمَ اللَّهُ لَنَا بِالإِيمانِ وَفِي أَفْضَلِ مَا يزكو مَعَهُ مِنَ الأَعْمَالِ .
١٠٨٧٩ - وَقَدْ روينا عَنِ النَّبِيِّ ◌َلِ مَا قَدْ ذَكَرْنَاهُ بِسْتَادِهِ فِي " التَّمْهِيدِ " أَنَّهُ قَالَ:
"النَّاسُ خُلِقُوا طَبقاتٍ: فَمِنْهُم مَنْ يَوْلَدُ مُؤْمِناً وَيَحْيِى مُؤْمِناً وَيَمُوتُ مُؤْمِناً، وَمِنْهُمْ مَنْ
يَوْلَدُ كَافِرًا ويحيى كافراً وَيَموتُ كَافِراً، وَمِنْهُمْ مَنْ يُولَدُ كَافِراً وَيَحْيِى كَافِراً وَيَمُوتُ
مُؤْمِناً، وَمِنْهِم مَنْ يُولَدُ مُؤْمِناً وَيَحْنِى مُؤْمِناً وَيَمُوتُ كَافِراً" . (١)
١٠٨٨٠ - فَوَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ ذِي لُبِّ أَنْ يَتَعَوَّدْ بِاللَّهِ مِنْ فِئَةِ المَحْيا وَالَمَاتِ
١٠٨٨١ - فَهذا إِبْرَاهِيمُ الخَلِيلُ عَِّ يَقُولُ: ﴿واجنبني وبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدُ الأَصْنَامَ﴾
{٣٥ من سورة إبراهيم }.
١٠٨٨٢ - وَيَوسُفُ عَّ يَقُولُ: ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنْتَ وَلِيٍّ في
الدُّنْيا والآخِرةِ تَوفَِّي مُسْلمِاً وألْحِقني بالصَّالِحِين﴾ [١٠١ من سورة يوسف}.
١٠٨٨٣ - وَكَانَ مِنْ دُعاءِ رَسُولِ اللَّهِ عَه: " وَإِذا أَرَدْتَ بِالنَّاسِ فِتَةٌ فَاقْبِضْنِي
إِليكَ غَيْرَ مَفْتُونٍ " .
(١) الحديث عن أبي سعيد الخدري ، وأوله: خطبنا رسول الله (تَّ) خطبة بعد العصر ، الى مغيب
الشمس ... إلى أخر الحديث الذي أخرجه الإمام أحمد في المسند (٣ : ١٩ )، والترمذي في
كتاب الفتن (٢١٩١ )، باب " ماجاء ما أخبر النبي (مَد) أصحابه بما هو كائن إلى يوم القيامة "
(٤٨٣:٤) ، وقال : حسن صحيح .