النص المفهرس
صفحات 181-200
١٤- كتاب القبلة (٣) باب النهي عن البصاق في القبلة - ١٨١
المَسَاجِدِ مِنْ كُلِّ مَا يُسْتَقْذَرُ وَيُسْتَسْمَجُ، وإِنْ كَانَ طَاهِراً؛ لأنَّ الْبُصَاقَ طَاهِرٌ ، وَلَو
كَانَ نَجساً لأُمَرَ بِغَسْلِ أَثَرِهِ .
١٠١٠٥ - وَيَدْلَّكَ عَلَى طَهَارَتِهِ حَدِيثُ حُذَيْفَةَ (١)، وَحَدِيثُ أَبِي
سَعِيدٍ(٢)، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ (٣) ، وَحَدِيثُ أَنَسٍ (٤) ، وَكُلُّهَا قَدْ ذَكَرَتُها فِي
(١) رواه حماد بن أبي سليمان، عن ربعي بن خراش، عن حذيفة، أنَّ رسولَ الله عَلَّه قال: ((إذا
قام الرجل في صلاته ، أقبل على الله بوجهه ، فلا ییزقن أحد کم في قبلته ، ولا ییزقن
عن يمينه ، ولکن ییزق عن يساره )) .
ذكره الهيثمي في («مجمع الزوائد » (١٨:٢ - ١٩)، وقال: ((رواه البزار، ورجاله رجال
الصحيح .
(٢) عن ابن شهابٍ ، قال: أخبرني حُميد بن عبد الرحمن أنه سمع أبا هريرة وأبا سعيد الخُدْريَّ يقولان:
إِنَّ رسولَ اللَّهُ عَِّ رأى في القِبلةِ نُخَامَةً، فتناولَ حصاةً فَحَكَّها، ثُمَّ قالَ: ((لا يَتَتَخْمَنَّ أَحدُكُم
في القِلَةِ ، ولا عَنْ يمينِهِ، وليبصُقْ عن يَساره أو تحتَ رِجْلِهِ الْيُسْرى ».
أخرجه أحمد ٣ / ٥٨ و٨٨ و ٩٣، والدارمي ١ / ٣٢٥، والبخاري (٤٠٨) و (٤٠٩) في
الصلاة: باب حك المخاط بالحصى من المسجد و (٤١٠) و (٤١١) باب لا يبصق عن يمينه في
الصلاة، ومسلم (٥٤٨) في طبعة عبد الباقي، باب ((النهي عن البصاق في المسجد )) وابن ماجه
(٧٦١) فى المساجد : باب كراهية النخامة فى المسجد ، من طرق عن الزهري ، به .
وأخرجه الطيالسي (٢٢٢٧)، وأحمد ٦/٣، والحميدي (٧٢٨)، وابن أبي شيبة ٣٦٤/٢،
والبخاري (٤١٤) في الصلاة: باب ليبزق عن يساره أوتحت قدمه اليسرى ، ومسلم (٥٤٨)،
والنسائي ٥١/٢ - ٥٢ في المساجد: باب ذكر نهي النبي ◌ّ عن أن يبصق الرجل بين يديه أو
عن يمينه وهو في صلاته ، وأبو يعلى (الورقة ١/٦٠) بنحوه، والبغوي (٤٩٣ ) من طرق عن
سفيان ، عن الزهري ، عن حُميد بن عبد الرحمن ، عن أبي سعيد الخدري .
وأخرجه عبد الرزاق (١٦٨١) عن معمر ، عن الزهري ، عن حميد بن عبد الرحمن ، عن أبي
هريرة.
(٣) عبد الرزاق، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن حَمَّامٍ بنٍ منبه عن أبي هريرة قال: قالَ رسولُ اللَّهِ عَليه: ((إذا
قامَ أحدُكُمِ إلى الصلاةِ ، فلا يَبْصُقْ أَمامَهُ ، فإِنّهُ يُناجِي رَبَّهُ ما دامَ فِي مُصَلَاهُ ، ولا عن
يَمِينِهِ، فإِنْ عن يمينِهِ مَلَكاً، ولَيَبْصُقْ عن شِمالِهِ، أو تحتَ رجله فَيَدِفِنْهُ)).
أخرجه عبد الرزاق في " المصنف " (١٦٨٦)، البخاري في الصلاة ، ح (٤١٦) ، باب (( دفن
النخامة في المسجد )) .
(٤) شعبةُ، عن قتادة عن أنس بن مالك أنَّ نبيِّ اللَّهِ لَّهِ قَالَ: ((إِذَا كانَ أَحَدُكُمْ في صلاته ، =
١٨٢ - الاستذكار الجامع لِمَذَاهِبِ فُقَّهاءِ الأمْصارِ / ج ٧ -
(التَّمْهِيدِ)) (١) بِمَعْنِى وَاحِدٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ عَهُ أَباحٌ لِلْمُصَلِّي أَنْ يَبْصُقَ وَيَتْنَخْمَ : فِي
ثَوبِهِ ، وَعَنْ يَسارِهِ . وَلَو ◌َانَ نَجساً مَا أباحَ لَهُ حَمْلَهُ فِي ثَوِهِ .
١٠١٠٦ - وَلا أَعْلَمُ كَلاماً فِي طَهَارَةِ البُصَاقِ إِلا شَيْئًا رُوِيَ عَنْ سَلَمانَ ،
الجمهورُ على خِلافِهِ والسَُّنُ الثَّبِتَةُ وَرَدَتْ بِرَدِّهِ .
١٠١٠٧ - وَفِي حَكِّ الْبُصَاقِ مِنَ الَسْجِدِ تَنْزِيهُهُ عَنْ أَنْ يُؤْكَلَ فِيهِ مِثْلُ البلوط
لقشرِهِ والزُّبِيبِ لعجمه، وَكُلُّ مَالَهُ دَسْمٌ وَوَدَكٌ وتلويثٌ وَمَالَهُ حَبٌّ وَتَبْنٌ، وَنَحَوُ ذَلِكَ
مِمَّا يَكْنِسُهُ الَرْءُ مَنْ بَيْتِهِ .
١٠١٠٨ - وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فَالنَّجاسَةُ أَحْرِى أَنْ لا يَقْرَبَ المَسْجِدَ شيءٌ مِنْها .
١٠١٠٩ - وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي " التَّمْهِيدِ "(٢) حَدِيثَ عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ مَّهِ أَمَرَ
بِنَاءِ الْمَسَاجِدِ فِي الدُّورِ وَأَنْ تَنْظُّفَ وَتُطَيِّبَ (٢).
= فلا يَتْقُلْ عن يمينهِ ولا بَيْنَ يديْهِ، فإِنَّهُ يُنَاجِي رَبِّهُ، ولكنْ عن يسَارِهِ ، أو تَحْتَ
قَدَمِهِ » .
أخرجه البخاري في الصلاة (٤١٢) باب لا يبصق عن يمينه في الصلاة ، (٤١٣) باب لییزق عن
يساره أو تحت قدمه اليسرى، و (١٢١٤) في العمل في الصلاة: باب ما يجوز من البصاق والنفخ
في الصلاة ، ومسلم (٥٥١) في المساجد (ط. عبد الباقي) باب النهي عن البصاق في المسجد في
الصلاة وغيرها ، من طرق عن شعبة ، بهذا الإسناد .
وأخرجه أحمد ١٩١/٣ - ١٩٢ و٢٤٥، والبخاري (٥٣١) و (٥٣٢) فى المواقيت: باب
المصلي بناجي ربه عز وجل ، وأبو يعلى ( الورقة ١٥٧ / أ)، والبغوى (٤٩٢) من طرق عن
قتادة، به .
وأخرجه عبد الرزاق (١٦٩٢)، وأحمد ١٨٨/٣ و١٩٩ - ٢٠٠، وابن أبي شيبة ٢ / ٣٦٤،
والبخاري (٤٠٥) في الصلاة: باب حك البزاق باليد من المسجد ، و (٤١٧) باب إذا بَدَره البزاق
فليأخذ بطرف ثوبه، والدارمى ١ / ٣٢٤، والحميدي (١٢١٩)، والبيهقى ٢٥٥/١ و٢٩٢/٢.
(١) " التمهيد" (١٤: ١٥٨ - ١٥٩).
(٢) " التمهيد " (١٦٠:١٤).
(٣) وأخرجه أبو داود في الصلاة (٤٥٥) باب ((اتخاذ المساجد في الدور)) (١٢٤:١).
١٤ - كتاب القبلة (٣) باب النهي عن البصاق في القبلة - ١٨٣
١٠١١٠ - وَالْبُصَاقُ: مَاخَرَجَ مِنَ الفَمِ. وَفِيهِ لُغَتَانِ: بُصَاقٌ، وَبُزَاقٌ. وَيُكْتُبُ
بِالسِّينِ كَمَا يُكْتَبُ بِالصَّادِ وَالزَّأي.
١٠١١١ - وَالنُّخَامَةُ: مَا خَرَجَ مِنَ الحَلْقِ.
١٠١١٢ - والْمُخَاطُ: مَاخَرَجَ مِنَ الأنْفِ.
١٠١١٣ - وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ نَجسٌ، وَلَكِنَّ الْمَسَاجِدَ وَاجِبٌ تَنْزِیھُها عَنْ كُلٌ
مَا تَسْتَقْذِرَهُ النّفْسُ .
١٠١١٤ - وأمَّا قولُهُ: ((فإِنَّاللَّهَ قِبَلَ وَجْهِهِ إِذَا صَلَّى))، فَكَلامٌ خَرجَ عَلَى شَأْنِ
تَعْظِيمِ القِبْلَةِ وَإِكْرَامِها كما قالَ طَاووسٌ: ((أَكْرِمُوا قِبْلَةَ اللَّهِ عَنْ أَنْ تُسْتُقْبَلَ لِلْغَائِطِ
وَلَبَولِ » .
١٠١١٥ - حدَّثْنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ، وَعَبْدُ الوارثِ بْنُ سُفيانَ ، قَالا: حدَّثْنا قاسمُ
أبْنُ أصبغِ ، قالَ: حَدَّثْنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحاقَ القاضِي، قالَ: حَدَّثْنا مُحمدُ بنُ عَبْدِ اللَّهِ
الأَنْصَارِيُّ، قالَ: حَدَّثْنَا حُمَيْدٌ ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: رَأَى رَسُولُ اللَّهِ عَّهِ نُخَامَةٌ فِي
المَسْجِدِ ؛ فَشقِّ عَليهِ حَتَّى عَرَفْنَا ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ، فَحَكَّهُ، وقالَ: ((إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذا قَامَ
إِلى الصَّلَاةِ فَإِنَّمَا يُنَاجِي رَبَّهُ وَإِنَّمَا رَبَّهُ بَيْنُهُ وَبَيْنَ قِلَتِهِ ، فَلْيَبْصُقْ إِذا بَصِقَ عَنْ يَسارِهِ أَو
تَحْتَ قَدَمِهِ )) . (١)
١٠١١٦ - وَقَالَ عَّ: ((الْبُصَاقُ فِي الْمسْجِدِ خَطِيئَةٌ، وَكَفَّارَتُهَا دَفْنُها)). (٢)
(١) تقدم في الحديث الرابع من حاشية الفقرة (١٠١٠٥).
(٢) أخرجه مسلم في المساجد، حديث (٥٥٢) في طبعة عبد الباقي باب «النهي عن البصاق في
المسجد)) وبرقم (١٢١٠) في طبعتنا ص (٢: ٧٢٦)، وأبو داود (٤٧٥) في الصلاة ، والبيهقي في
((السنن)) ٢ / ٢٩١ من طريق يحيى بن يحيى ومسدد، عن أبي عوانة ، به
وأخرجه عبد الرزاق (١٦٩٧) عن معمر، عن قتادة ، به .
١٨٤ - الاستذكار الجامع لِمَذَاهِبِ فُقَهاء الأمْصارِ / ج ٧ -
١٠١١٧ - وَقَدْ ذَكَرْنَا إِسْتَادَهُ فِي " التَّمْهِيدِ"(١) .
١٠١١٨ - وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ لِلْمُصَلِّي أَنْ يَنْصُقَ وهو فِى الصَّلاةِ إِذا لَمْ
يَبْصُقْ قِبَلَ وَجْهِهِ وَلا عَنْ يَمِينِهِ ، وَلَا يَقْطَعُ ذَلِكَ صَلاتَهُ، وَلَأُعِيدُها (٢) .
١٠١١٩ - وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ النّفْخَ فِي الصَّلاةِ لا يَضُرُّها إِذا لَمْ يَقْصُدْ بِهِ
صَاحِبُهُ اللَّعِبَ وَالعَبَثَ؛ لأنَّ الْبُصاقَ لا يَسْلَمُ مِنْ شَيْءٍ مِنَ النَّفْخِ، وَالتَّنَحْنُحِ مِثْلَ
النّفْخِ إِذا لَمْ يَكُنْ جَواباً وَلَا أُرِيدَ بِهِ مَعنى الكَلامِ وَلَا العَبَثَ وَلَا اللَّعبَ .
١٠١٢٠ - وَأَخْتَلَفَ الفُقهاءُ فِي هَذا الَعْنى.
١٠١٢١ - فَكَانَ مَالِكٌ يَكْرَهُ النَّفْخَ فِي الصَّلاةِ فَإِنْ فَعَلَهُ فَاعِلٌ لا يَقْطَعُ صَلاَتَهُ.
١٠١٢٢ - ذَكَرَهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ .
وأخرجه الطيالسي (١٩٨٨)، وأحمد ٣ / ١٧٣ و٢٣٢ و٢٧٧، والبخاري (٤١٥) في
=
الصلاة، ومسلم (٥٥٢) (٥٦) في طبعة عبد الباقي في المساجد، والدارمي ٣٢٤/١، وأبو عوانة
٤٠٤/١، والبيهقى ٢٩١/٢، والبغوي (٤٨٨) من طريق شعبة، عن قتادة ، به .
وأخرجه أحمد ١٠٩/٣ و ٢٠٩ ، وأبو داود (٤٧٦) من طريق سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ،
به .
وأخرجه ابن أبي شيبة ٣٦٥/٢، وأحمد ٢٣٢/٣ و٢٧٤ و ٢٧٧، وأبو داود (٤٧٤) ، وأبو
عوانة ٤٠٤/١، ٤٠٥ من طريق هشام الدستوائي، عن قتادة به. وصححه ابن خزيمة (١٠٣٩)،
من طريق شعبة والدستوائي .
وأخرجه أحمد ٢٨٩/٣، وأبو داود (٤٧٧) من طريق أبان بن يزيد، والطبراني في ((الصغير))
٤٠/١ من طريق روح بن القاسم، كلاهما عن قتادة ، به .
(١) (١٦١:١٤).
(٢) وفي التمهيد (١٤: ١٥٥) أيضاً: ولا يفسد شيئاً منها، إذا غلبه ذلك واحتاج إليه ، ولا يبصق قبل
وجهه البتة ، ولكن يبصق في ثوبه ، وتحت قدميه على ما ثبت في الآثار .
١٤- كتاب القبلة (٣) باب النهي عن البصاق في القبلة - ١٨٥
١٠١٢٣ - وَذَكَرَهُ ابن خواز بنداذ (١) قالَ: قالَ مَالِكٌ: التَّنَحنحُ وَالنّفْخَ فِي
الصَّلاةِ لا يَقْطَعُ الصَّلاةَ .
١٠١٢٤ - رَوَاهُ ابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ ، قَالَ: قَالَ ابْنُ القاسِمِ : التَّنَحنُحَ وَالنّفْخَ فِي
الصَّلاةِ يَقْطَعُ الصَّلاةَ .
١٠١٢٥ - قالَ الشَّافِعِيُّ: كُلُّ مَا لا يُفْهَمُ مِنْهُ حُرُوفُ الهجاءِ فَلَيْسَ بِكَلامٍ ، وَلا
يَقْطَعُ الصَّلاةَ إِلا الكَلامُ الَّفْهُومُ .
١٠١٢٦ - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمُحمدُ بْنُ الْحَسَنِ: إِنْ كَانَ النَّفْخُ يُسْمَعُ فَهُوَ
بِمَنْزِلَةِ الكَلامِ يَقْطَعُ الصَّلاةَ .
١٠١٢٧ - وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لا يَقْطَعُ الصَّلاةَ إِلا أَنْ يُرِيدَ التََّفِيفَ، ثُمَّ رَجعَ
فقالَ : صَلاَتُهُ تَامَّةٌ .
١٠١٢٨ - وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنبلٍ وَإِسحاقُ بْنُ رَاهويه: لا إِعادَةَ عَلى مَنْ نَفَخَ فِي
الصَّلاةِ.
١٠١٢٩ - وَالنَّفْعُ مَعَ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ عِنْدَهُما، إِلا أَنْ يَكُونَ تَأَوَّهَاً مِنْ ذِكْرِ النَّارِ
وَخَوفِ اللَّهِ تَعالى إِذَا مَرَّ بِذَلِكَ فِي القُرآنِ .
١٠١٣٠ - وَقَدْ زِدْنَا هَذَا بَاناً فِي "التّمْهِيدِ". (٢)
K
(١) تقدمت ترجمته في (١٧٠:١).
(٢) (١٤ : ١٥٥ - ١٥٧).
(٤) باب ما جاء فى القبلة (*)
٤٣٣ - ذكَرَ فِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ عُمَرٍَ أَنَّهُ قَالَ:
(*) المسألة - ٢٣٥ - إن استقبال القبلة من شروط صحة الصلاة بالكتاب والسنة والإجماع : فأما
الكتاب فقوله تعالى: ﴿قد نرى تقلب وجهك في السماء فَلَنُولِينَكَ قبلة ترضاها فولٌ
وجهك شطر المسجد الحرام﴾ (البقرة: ١٤٤).
وقوله تعالى : ﴿ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم
فولوا وجوهكم شطره﴾ (البقرة: ١٥٠).
واستثنيت حالتا : شدة الخوف ، وصلاة النافلة للمسافر على الراحلة . وكلاهما تقدم فيما سبق من
مسائل .
وأما الأحاديث النبوية الواردة في ذلك فهي كثيرة تأتي في أحاديث هذا الباب ، وأولها الحديث
الذي رواه مالكٌ عن عبد الله بن دينار ، عن عبد اللَّه بن عمر.
وأخرج مسلم عن أنس أن رسول اللَّه عليه كان يصلي نحو بيت المقدس فنزلت: ﴿قد نرى
تقلب وجهك في السماء فَلَنُولِينَكَ قبلة ترضاها فولٌ وجهك شطر المسجد الحرام﴾ فمر
رجلٌ من بني سلمة ، وهم ركوعٌ في صلاة الفجر ، وقد صلوا ركعةً فنادى : ألا إن القبلة قد
حولت ، فمالوا كما هم نحو القبلة . إلى غير ذلك من الأحاديث الصحيحة .
وقد أجمع المسلمون أن استقبال القبلة شرطٌ من شروط صحة الصلاة واتفق العلماء على أن من
كان مشاهداً الكعبة : ففرضه التوجه إلى عين الكعبة يقيناً : أهل مكة ، أو الناشئ بها ، وإن كان
هناك حائلٌ محدثٌ بينه وبين الكعبة .
أما االغائب عن مكة ففرضه عند الشافعية : إصابة عين الكعبة ؛ لأن من لزمه فرضُ القبلة ، لزمه
إصابة العين ، کالمکي في ذلك ، ولقوله تعالى: ﴿ وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره ﴾ .
وأما غير المعاين للكعبة ففرضه عند الجمهور إصابة جهة الكعبة لقوله تعَ: ((ما بين المشرق
والمغرب قبلة)» وظاهره أن جميع ما بينهما قبلةٌ .
ويجب التحري والاجتهاد وبذل المجهود في القبلة بالدلائل لمن اشتبهت عليه جهتها ، ولم يجد
أحداً ثقةً يخبره بها عن علمٍ ومشاهدة ، ومن لم يجد من يخبره عنها اعتمد على الدلائل كالفجر
والشفق والشمس ونجم القطب وغيره من الكواكب .
وانظر في هذه المسألة: المجموع (١٩٤:٣، ٢١٤)، المهذب (٦٧:١)، حاشية الباجوري
(١٤٧:١)، الدر المختار (٣٩٧:١ - ٤٠٦)، الشرح الصغير (٢٩٢:١ - ٢٩٦)، الشرح
الكبير (٢٢٢:١، ٢٢٨)، كشاف القناع (٣٥٠:١، ٣٦٤)، المغني (٤٣١:١ - ٤٥٢)،
اللباب (٦٧:١)، تبيين الحقائق (١٠٠:١)، الفقه على المذاهب الأربعة (١٩٤:١ - ٢٠٠) والفقه
الإسلامى وأدلته (٥٩٧:١ - ٦٠٠).
- ١٨٦ -
١٤- كتاب القبلة (٤) باب ما جاء في القبلة - ١٨٧
بَيْنَمَا (١) النَّاسُ بِقْبَاءٍ (٢) فِي صَلَاةِ الصِّبْحِ، إِذْ جَاءَهُمْ آتٍ (٣)، فَقَالَ: إِنَّ
رَسُولَ اللَّهِ عَّهِ قَدْ أَنْزِلَ عَلَيْهِ اللَيلَةَ قُرْآنٌ (٤). وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةَ.
فَاسْتَقْلُوهَا (٥). وَكَانَتْ وُجُوهُهُمْ إِلَى الشَّامِ، فَاسْتَدَارُوا إِلَى الْكَعْبَةِ (٦).
١٠١٣٣ (٧) - قَالَ أَبُو عُمَرَ: أَكْثُرُ الرُّوَاةِ رَووا: ((فَاسْتَقْبُلُوها)) عَلَى لَفْظِ
(٢) أي مسجد قباء .
(١) عند البخاري: ((بينا)).
(٣) هو عباد بن بشر، وسيأتي في (١٠١٣٦).
(٤) (قرآن ) = أي قوله تعالى ﴿قد نرى تقلب وجهك في السماء﴾ الآيات.
(٥) ((فاستقبلوها)): يعني تقرأ على الروايتين، بفتح الباء رواية الأكثر ، أي: فتحول أهل قباء إلى جهة
الكعبة . وفي رواية فاستقبلوها بكسر الباء أمرٌ .
(٦) رواه مالكّ في كتاب ((القبلة)) حديث رقم (٦) باب (( ما جاء في القبلة)) ص (١٩٥:١)، وفي
رواية محمد بن الحسن ، ص (١٠١)، رقم (٢٨٣) والشافعي في الرسالة فقرة (٣٦٥) وفي (
المسند)) (١: ٦٤)، وفي ((الأم)) (١١٣:٢) والبخاري في كتاب (( الصلاة » (٤٠٣) باب (( ما
جاء في القبلة ومن لا يرى الإعادة على من سها فصلى إلى غير القبلة)) - فتح الباري (١: ٥٠٦)،
ومسلم في كتاب (( الصلاة)) الحديث (١١٥٨) باب (( تحويل القبلة من القدس إلى الكعبة )) ص
(٦٧٣:٢) من طبعتنا ، وصفحة (٣٧٥:١) من طبعة عبد الباقي ، وأخرجه النسائي في الصلاة
(٦١:٢) باب ((استبانة الخطأ بعد الاجتهاد))، وموقعه في سنن البيهقي الكبرى (٢:٢).
وأخرجه أحمد ١٦/٢، والبخاري (٤٤٨٨) في التفسير: باب ﴿ وما جعلنا القبة التي كنت
عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ﴾ عن مسدد، كلاهما عن يحيى بن سعيد، عن سفيان ، عن
عبد الله بن دينار ، به .
وأخرجه ابن أبي شيبة ٣٣٥/١، وأحمد ٢٦/٢، والترمذي (٣٤١) في الصلاة: باب ما جاء في
ابتداء القبلة ، عن هناد ، ثلاثتهم عن و کیع ، عن سفيان ، عن ابن دينار ، به
وأخرجه أحمد ١٠٥/٢ عن إسماعيل بن عمر ، عن سفيان، عن ابن دينار ، به .
وأخرجه البخاري (٤٤٩٠) في التفسير : باب ﴿ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا
قبلتك﴾، وأبو عوانة (٣٩٤:١) من طريق خالد بن مخلد القطواني، والدارمي (٢٨١:١)، عن
يحيى بن حسان كلاهما عن سليمان بن بلال عن عبد الله بن دينار به وأخرجه البخاري (٤٤٩٣)
في التفسير : باب ﴿ ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام﴾ عن موسى بن
إسماعيل، ومسلم (٥٢٦) عن شيبان بن فروخ، كلاهما عن عبد العزيز بن مسلم ، عن عبد اللَّه
ابن دینار ، به .
(٧) سقط رقما (٢٠٣٣١، ١٠٣٣٢) من الترقيم، وليس هناك سقط فى الكلام.
١٨ - الاستذكار الجَامع لِمَذَاهِبٍ فُقَهَاءِ الأمْصارِ / ج ٧.
الخَبَرِ ، وَقَدْ رَوَاهَا بَعْضُهِم عَلَى لَفْظِ الأمْرِ .
١٠١٣٤ - وَمَنْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ نَافِعِ، عَنْ ابْنٍ عُمَرَ فَقَدْ
أَخْطَأَ فِيهِ؛ وَإِنَّمَا هُوَ لِمَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ فِي جَمِيعِ المُوَطَّاتِ وَجَمَاعَةِ الرُّواةِ
عَنْهُ.
١٠١٣٥ - وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى قَبُولِ خَبّرِ الوَاحِدِ وَالعَمَلِ بِهِ ، وَإِيجابِ الحُكْمِ بِما
صَحِّ مِنْهُ؛ لأنَّ الصَّحَابَةَ - رضيَ اللهُ عنهم - قَدِ اسْتُعْمَلُوا خَرَهُ، وَقَضوا بِهِ ، وتَركُوا
قِبْلَةً كَانُوا عَليها لِخَبَرِ الوَاحِدِ العَدْلِ، وَلَمْ يُنْكِرْ رَسُولُ اللَّهِ عَّهِ ذَلِكَ عَلَيهم (*).
(*) المسألة - ٢٣٦ - شروط العمل بخبر الواحد عند أئمة المذاهب الفقهية :
كان الأئمة الأربعة : أبو حنيفة ، ومالك ، والشافعي ، وأحمد بن حنبل يعملون بأخبار الآحاد إذا
استوفت شروط الرواية الصحيحة وهى الإسلام والعقل والبلوغ والعدالة والضبط .
بيد أنهم بالإضافة إلى هذه الشروط اختص كل منهم بشروط تغلب على ظنه ثبوت هذا الخبر عن
الرسول مَ﴾ .
أولاً : مذهب الحنفية :
اشترط علماء الحنفية للعمل بأخبار الآحاد شروطاً ثلاثة :
١ - ألا يخالف راوي الخبر روايته فإن عمل أو أفتى بخلاف روايته فيؤخذ بعمله أو بإفتائه لا
بروايته؛ لأنه لما شاهد الرسول عَّ كان أعرف بمقاصده فلا يخالفه إلا إذا قام لديه دليل يدل على
نسخه وإلا كان ذلك قدحاً في عدالته .
وهذا إذا كانت الرواية متقدمة عن العمل أو الفتوى ، أما إذا تأخرت أو لم يعلم الحال فيجب
العمل بروايته اتفاقاً .
ولهذا لم يعمل الحنفية بما رواه أبو هريرة عن رسول اللّه عليه: ((إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم
فليرقه ثم ليغسله سبع مرات )) لمخالفة فتوى أبي هريرة للحديث فقد روى الدارقطني عنه أنه أمر
بالغسل من ولوغه ثلاث مرات .
وكذلك لم يعملوا بما رواه الزهري عن عروة عن عائشة أنها قالت: قال رسول اللّه ◌َله: «أيما
امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل ، فنكاحها باطل . فنكاحها باطل . فإن دخل بها فالمهر
لها بما استحل من فرجها فإن اشتجرا فالسلطان ولي من لا ولي له)) (١) .
=
(١) رواه الخمسة إلا النسائي - نيل الأوطار جـ ٦ ص ١٣٤.
٠٠
١٤ - كتاب القبلة (٤) باب ما جاء في القبلة - ١٨٩
= فهم لم يأخذوا بهذا الحديث ؛ لأن عائشة - رضي اللَّه عنها - عملت على خلافه وزوجت
بنت أخيها عبد الرحمن وهو غائب بالشام ، وعلى هذا لم يمنعوا المرأة من مباشرة الزواج وأجازوا
لها أن تتولى عقد الزواج لنفسها ولغيرها .
قال القرطبي ( ضعف الحنفية حديث عائشة ، وذلك أنه حديث رواه - جماعة عن ابن جريج عن
الزهري ، وحکی ابن علية عن ابن جريج أنه سأل الزهري عنه فلم يعرفه ، قالوا والدليل على ذلك
أن الزهرى لم يكن يشترط الولاية ، ولا الولاية من مذهب عائشة » (١).
وقد خالفهم الشافعي وأبو الحسن الكرخي وأكثر الفقهاء، وقالوا إنه يجب الحمل على ظاهر الخبر
دون مذهب الراوي .
وقال الشافعي: ((كيف أترك الخبر لأقوال أقوام لو عاصرتهم لحاججتهم بالحديث)) (٢).
وقد فصل القاضي عبد الجبار فقال: ((إن لم يكن لمذهب الراوي وتأويله وجه إلا أنه علم قصد
النبي ◌َّ إلى ذلك التأويل ضرورة وجب المصير إلي تأويله.
وإن لم يعلم ذلك جوز أن يكون صار إلى ذلك التأويل لنص أو قياس وجب النظر في ذلك
الوجه، فإن اقتضى ذلك مما ذهب إليه الراوي وجب المصير إليه وإلا لم يصر إليه (٣).
وقد اختاره أبو الحسين البصري (٤) .
والمختار عند الآمدي (٥) أنه إن علم مأخذه في المخالفة ، وكان ذلك مما يوجب حمل الخبر على ما
ذهب إليه الرواي وجب اتباع ذلك الدليل لا لأن الرواي عمل به فليس عمل أحد المجتهدين حجة
على الآخر وإن - جهل مأخذه فالواجب العمل بظاهر اللفظ وذلك ؛ لأن الرواي عدل وقد جزم
بالرواية عن النبي عَّه وهو الأصل في وجوب العمل بالخبر ، ومخالفة الرواي له يحتمل أن يكون
لنسيان طرأ عليه ويحتمل أنه كان لدليل اجتهد فيه وأخطأ أو هو مما يقول به دون غيره من
المجتهدین.
٢ - ألا یکون خبر الواحد فیما تعم به البلوى (٦) ؛ لأن ما تعم به البلوى يكثر السؤال عنه فتقضي
العادة بنقله تواتراً ؛ لتوافر الدواعي على ذلك فلا يعمل بالآحاد .
=
(١) بداية المجتهد ونهاية المقصد للحافظ محمد بن أحمد بن رشد القرطبي جـ ٢ ص ١٠ (كتاب الحديث).
(٢) الإحكام للآمدي جـ ١ ص ٢٩٣ .
(٣) المعتمد لأبي الحسين البصري جـ ٢ ص ٦٧٠.
(٤) المعتمد لأبي الحسين البصري جـ ٢ ص ٦٧١ .
(٥) الإحكام للآمدي جـ ١ ص ٢٩٣ .
(٦) أي في حكم تعم به البلوى ، وعموم البلوى من حيث احتياج الناس إلى السؤال عنه أو في فعل تعم به
البلوی ، و عموم البلوى به من حيث وقوع الناس فيه .
١٩٠ - الاستذكار الجامع لِمَذَاهِبٍ فُقَّهاءِ الأَمْصارِ / ج ٧
= قال السرخسي: ((إن صاحب الشرع كان مأموراً بأن يبين للناس ما يحتاجون إليه وقد أمرهم
بأن ينقلوا عنه ما يحتاج إليه من بعدهم ، فإذا كانت الحادثة مما تعم به البلوى فالظاهر أن صاحب
الشرع لم يترك بيان ذلك للكافة وتعليمهم ، وأنهم لم يتركوا نقله على وجه الاستفاضة فحين لم
يشتهر النقل عنهم عرفنا أنه سهو أو منسوخ (١) .
ولهذا لم يقبل الحنفية شهادة الواحد من أهل المصر على رؤية هلال رمضان إذا لم يكن بالسماء
علة.
ولم يقبلوا قول الوصي إذا ادعی انفاق مال كثير على اليتيم في مدة يسيرة ولم يعلموا بحديث
الوضوء من مس الذكر ؛ لأن بسرة انفردت بروايته مع عموم الحاجة إليه ، وردوا قول من قال إن
رسول عَّ خصها بتعليم هذا الحكم مع أنها لا تحتاج إليه ولم يعلم سائر الصحابة مع شدة حاجتهم
إليه .
وكذلك لم يعملوا بخبر الوضوء مما مسته النار (٢) وخبر الوضوء من حمل الجنازة (٣) وخبر الجهر
بالتسمية (٤) ، وخبر رفع اليدين عند الركوع وعند رفع الرأس (٥) منه ؛ لأنه لم يشتهر فيها مع حاجة
الناس إلى معرفته .
وقد خالف الشافعية الحنفية في أن ما عمت به البلوي واحتاج إليه الناس تقتضى العادة بنقله تواتراً.
واستدل الشافعي بعموم قوله تعالى : ﴿ فلولا نفر من كل منهم طائفة ليتفقهوا في الدين
ولینذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون ﴾ .
أوجب الإنذار على كل طائفة خرجت للتفقه في الدين وإن كانت آحاداً وهو مطلق فيما تعم به =
(١) أصول السرخسي جـ ١ ص ٣٦٨.
(٢) عن إبراهيم بن عبد الله قارظ أنه وجد أبا هريرة يتوضأ على المسجد فقال: إنما أتوضأ من أَثْوار أقط أكلتها ؛
لأني سمعت رسول الله عنه يقول: ((توضأوا مما مست النار)) والأثوار جمع ثور هي القطعة من الأقط والأقط
لبن جامد مستحجر وهو مما مسته النار .
وعن عائشة عن النبي عليه قال: ((توضأوا مما مست النار)) أخرجها أحمد ومسلم والنسائي - نيل الأوطار جـ ١
ص ٢٤٥، ٢٤٦.
(٣) عن أبي هريرة عن النبي * قال: ((من غسل ميتا فليغتسل، ومن حمله فليتوضأً)) رواه الخمسة ولم يذكر
ابن ماجه الوضوء. وقال أبو داود : هذا منسوخ - نيل الأوطار جـ ١ ص ٢٧٩ .
(٤) عن ابن عمر قال (صليت خلف رسول الله ﴾. وأبي بكر وعمر فكانوا يجهرون بسم الله الرحمن
الرحيم) أخرجه الدار قطني - نيل الأوطار للشوكاني جـ ٢ ص ٢٢٧ .
(٥) عن ابن عمر قال : ( کان النبي ہے إذا قام إلى الصلاة رفع يديه حتی یکونا بحذو منکبیه ثم يكبر ، فإذا
أراد أن يركع رفعها مثل ذلك، وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما أيضاً وقال : سمع الله لمن حمده ربنا ولك
الحمد) متفق عليه - نيل الأوطار للشوكاني جـ ٢ ص ٢٠٠ .
١٤ - كتاب القبلة (٤) باب ما جاء في القبلة - ١٩١
= البلوى وما لا تعم .
واستدلوا كذلك بإجماع الصحابة على العمل بخبر الواحد فيما تعم به البلوى ، فقد رجعوا إلى
قول عائشة في التقاء الختانين ((إذا التقى الختانان وجب الغسل أنزل أو لم ينزل فعلته أنا ورسول الله
ومن ذلك رجوع أبي بكر في سدس الجدة إلى خبر المغيرة لما قال لها : مالك في كتاب الله شيء،
وما علمت لك في سنة رسول الله عَدُ شيئاً، فارجعي حتى أسأل الناس ، فسأل الناس ، فقال
المغيرة بن شعبة : حضرت رسول الله عَّ أعطاها السدس (٢).
أما المعقول: فقالوا إن الراوي عدل ثقة وذلك يغلب على الظن صدقه فيكون العمل به دافعاً لضرر
مظنون فيكون واجباً .
وقالوا إن الوتر (٣) وحكم الفصد (٤) والقهقهة (٥) في الصلاة والحجامة ووجوب الغسل من غسل
الميت (٦) مما تعم به البلوى وقد عمل بها الحنفية .
وقد رد عليهم ذلك بأن إجماع الصحابة غير مسلم ؛ لأن أبا بكر رد خبر المغيرة في الجدة ..
وأجيب أن أبا بكر لم يرده مطلقاً وإنما للتثبت وقد قبل فيه خبراً غير متواتر .
ورد على المعقول بأنه مبني على أن خبر الواحد فیما تعم به البلوی مظنون ولیس کذلك ؛ لأن ما
یتکرر وقوعه في كل وقت واجب على النبي إشاعته ولا يقتصر على مخاطبة الآحاد حتى لا يؤدي
ذلك إلى وقوع الناس في الحرج فلما لم ینقله سوی واحد دل على كذبه .
==
(١) الترمذي: الطهارة: ١ / ١٨١ والنسائي: باب وجوب الغسل: ٨ / ١١١ عن أبى هريرة - ورواه مسلم
بلفظ آخر .
(٢) الموطأ مع تنوير الحوالك ١ / ٣٣٥، ابن ماجة ٢ / ٨٤، نيل الأوطار ٦ / ٦٧.
(٣) روى خارجة بن خذاقة قال: خرج علينا رسول الله على فقال: (( إن اللَّه أمركم بصلاة هى خير لكم من
حمر النعم ، الوتر ، جعله اللَّه لكم فيما بين صلاة العشاء إلى أن يطلع الفجر)) تحفة الأحوذي شرح الترمذي
٠٥٣٣/٢
(٤) عن إسماعيل بن عياش عن ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن عائشة - رضى الله عنها - قالت : قال رسول
الله عَ﴾(( من أصابه قيء أو رعاف أو قلس أو مذي فلينصرف فليتوضأ، ثم ليبن على صلاته وهو في ذلك لا
يتكلم)) رواه ابن ماجه والدار قطني - نيل الأوطار جـ ١ ص ٢٢٢.
(٥) روى عن منصور بن زاذان عن الحسن عن معبد الجهني أن النبي #& كان يصلي وأصحابه خلفه فجاء
أعرابي وفي بصره سوء أي - ضعف فوقع في ركية فضحك بعض أصحابه فلما فرغ من صلاته قال: ((ألا من
ضحك منكم قهقهة فليعد الوضوء والصلاة جميعاً)) .
ورواه أيضاً أسامة بن زيد عن أبيه ، ورواه أبو العالية مرسلا ومسندا إلي أبي موسى الأشعري .
(٦) عن أبي هريرة عن النبي عليه قال: ((من غسل ميتا فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ)) رواه الخمسة ولم يذكر
· ابن ماجه الوضوء وقال أبو داود، هذا منسوخ، نيل الأوطار ٢٧٩/١.
١٩٢ - الاستذكار الجامع لِمَذَاهِبِ نُقَهاء الأمصار / ج ٧
= أما قبول الحنفية أخباراً تعم بها البلوى فقد أجاب عنه السرخسي بقوله إنه قد اشتهر أن النبي
فعله وأمر بفعله ، فأما الوجوب فهو حكم آخر سوى الفعل وذلك مما يجوز أن يوقف عليه
بعض الخواص لينقلوه إلى غيرهم ، فإنما قبلنا خبر الواحد في هذا الحكم. فأما أصل الفعل فإنما أثبتناه
بالنقل المستفيض (١).
٣ - ألا يكون الحديث مخالفاً للأصول الشرعية والقياس إذا كان الراوي غير معروف بالفقه
والاجتهاد ، والمقصود بالأصول الشرعية الكتاب والسنة المتواترة والإجماع.
وذلك ؛ لأن الراوي إما يكون معروفاً بالفقه والاجتهاد والرأي إلى الصفات الأخرى التي يجب أن
تتوافر في الراوي ، كالخلفاء الراشدين والعبادلة ( عبد اللّه بن مسعود (٢) وعبد الله بن عباس (٣)
وعبد الله بن عمر) (٤) وزيد بن ثابت (٥) ومعاذ بن جبل (٦) وأبي موسى الأشعري (٧) وعائشة
وغيرهم من المشهورين بالفقه من الصحابة رضي اللّه عنهم .
وهؤلاء خبرهم حجة موجبة للعلم الذي هو غالب الرأي ويتنى عليه وجوب العمل به سواء كان
موافقاً للقياس أو مخالفاً له ؛ لأنه إن كان موافقاً للقياس تأيد به ، وإن كان مخالفاً للقياس يترك
القياس ويعمل بالخبر .
=
(١) أصول السرخسي (٣٦٩/١).
(٢) هو أبو عبد الرحمن عبد الله بن مسعود بن غافل بن حبيب بن سمح بن هذيل بن مدركة الهزلي - هاجر
الهجرتين وحضر المشاهد وهو الذي أجهز على أبي جهل توفي سنة ٣٢ هـ وكان من فقهاء الصحابة وعلمائهم
(الإصابة ٢٣٣/٤ والبداية ١٦٢/٧ ) .
(٣) هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي أبوه العباس الهاشمي ابن عم رسول
الله ٤ وحبر هذه الأمة وترجمان القرآن، يقال له الحبر والبحر، روى الكثير عن الرسول عليه وإليه يرجع
نسب الخلفاء العباسيين توفي سنة ٦٨ هـ عن ٧١ عاما (الإصابة ١٤١/٤ والبداية ٨ /٢٩٥).
(٤) هو أبو عبد الرحمن عبد الله بن عمر الخطاب وابن ثقيل القرشي العدوي من علماء الصحابة - هاجر به
والده وحضر الخندق وما بعدها - وهو شقيق حفصة، وروى الكثير من الحديث ( الإصابة ٤ / ١٨١ والبداية
٤/٩) .
(٥) هو زيد بن ثابت بن الضحاك بن زيد بن بوزان بن عمر بن عوف بن غنيم بن مالك بن النجار الأنصاري
الخزرجي شهد الخندق وما بعدها - وهو من كتبة الوحي وهو من أفرض الصحابة وقال الرسول من فيه (أفرضكم
زيد)، وكان من أصحاب الفتوى وكان عمر يستخلفه على المدينة توفي عام ٤٢ هـ (الإصابة ٥٩٤/٢).
(٦) هو أبو عبد الرحمن معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس بن غنيم بن كعب بن سلمة الإمام المُقَدّم في علم الحلال
والحرام شهد بدراً وما بعدها وأمره النبي لي على اليمن وهو ممن جمع القرآن توفي سنة ١٧ هـ ( الإصابة
١٣٦/٦ والبداية ٧ / ٩٤ ).
(٧) هو عبد اللّه بن قيس بن سليم بن حضار بن حرب بن الأشعري قيل هاجر الهجرتين واستعمله النبي ◌ّ
على اليمن وولاء عمر وهو أحد الحكمين في الخلاف بين على ومعاوية توفي سنة ٤٢ هـ عن عمر بلغ ٦٣ عاما
(الإصابة ٤ / ٢١١).
١٤- كتاب القبلة (٤) باب ما جاء في القبلة - ١٩٣
= أو يكون الراوي غير معروف بالفقه والاجتهاد كأبي هريرة (١) وأنس بن مالك (٢) وسلمان
الفارسي وبلال - رضى اللّه عنه - ، فلا يكون هناك اطمئنان إلى أن الكلمة التي ذكرها تؤدي .
نفس المعنى الذي تؤديه الكلمة التي قالها الرسول عليه السلام .
ولما كان نقل الحديث بالمعنى مستفيضاً فيهم على ما جاء في كثير من الأخبار ((أمر النبي عليه
السلام بكذا ونهى عن كذا )) ، والوقوف على كل معنى أداه الرسول أمر عظيم فقد أوتي عليه
السلام جوامع الكلم. قال عليه السلام: ((أوتيت جوامع الكلم واختصر لي اختصاراً)) (٣).
ومعلوم أن النافل بالمعنى لا ينقل إلا بقدر فهمه من العبارة وعند قصور فهم السامع ربما يذهب
ببعض المراد ، لهذا لم يقبل الحنفية الحديث الذي رواه من لم يعرف بالفقه والاجتهاد إذا كان
مخالفاً للقياس والأصول الشرعية .
وقالوا (( إذا انسد باب الرأي فيما روي وتحققت الضرورة بكونه مخالفاً للقياس الصحيح فلابد من
تركه ؛ لأن كون القياس الصحيح حجة ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع ، فما خالف القياس
الصحيح من كل وجه فهو في المعنى مخالف للكتاب والسنة المشهورة والإجماع)) (٤).
وبناء على هذا لم يأخذوا بحديث أبي هريرة ((لا تصروا(٥) الإبل والغنم فمن ابتاعها بعد ذلك فهو
بخير النظرين (٦) بعد أن يحلبها إن رضيها أمسكها وإن سخطها ردها وصاعاً من تمر (٧).
ولم يجعلوا التصرية عيباً ولا للمشتري ولاية الرد بسببها من غير شرط ؛ لأن البيع يقتضي سلامة
المبيع وبقلة اللبن لا تنعدم صفة السلامة ؛ لأن اللبن ثمرة ، وبعدمها لا تنعدم صفة السلامة
=
(١) هو عبد الرحمن بن صخر بن عامر بن عبد ذي الشري بن كعب الدوسي - وفي اسمه خلاف كثير وكان
مكثرا من الحديث وتوفي سنة ٥٧ هـ ( الإصابة ٤ / ٣١٦ و٧ /٤٢٥ و ٤٤٥ والبداية ٨ / ١٠٣).
(٢) هو أنس بن مالك بن النضر بن ضمضمة بن النجار أبو حمزة الأنصاري الخزرجي خادم رسول اللّه
وأحد المكثرين من الحديث عنه. حضر أحد وما بعدها. توفي عام ٩٠ هـ (الإصابة ١ / ١٢٦) ( البداية
٨٨/٩).
(٣) أخرجه البيهقي فى الشعب وأبو يعلى في مسنده عن عمر بن الخطاب وأخرجه الدارقطني عن ابن عباس
وقد روى هذا الحديث بألفاظ مختلفة فأخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة بلفظ ((بعثت بجوامع الكلم ))
وأخرجه أحمد عن عمرو بن العاص بلفظ أوتيت فواتح الكلم وخواتمه وجوامعه كشف الخفا ١ / ١٥ فيض
القدير - ١ / ٣٦° م.
(٤) كشف الأسرار ٢ / ٣٧٩. أصول السرخسي ١ / ٣٤١ .
(٥) التصرية لغة الجمع يقال صريت الماء وصريته أي جمعته والمراد بها في الحديث جمع اللبن في الضرع بالشد
وترك الحليب مدة ؛ ليتخيل المشتري أنها غزيرة اللبن .
(٦) بخير النظرين : نظره لنفسه بالاختيار والإمساك ونظره للبائع بالرد والفسخ.
(٧) حديث متفق عليه وروي بعدة روايات أخرى في البخاري ومسلم وأبي داود - نيل الأوطار للشوكاني جـ ٥
ص ٢٤١ .
١٩٤ - الاستذكار الجامع لِمَذَاهِبٍ نُقَهاء الأمصارِ / ج ٧
= فبقلتها أولى.
ولا يجوز أن يثبت الخيار للغُرُور (١)؛ لأن المشتري مغتر لا مغرور، فإنه ظنها غزيرة اللبن بناء على
شيء مشتبه فإن انتفاخ الضرع قد يكون لكثرة اللبن وقد يكون بالتحفيل (٢) وهو أظهر ما عليه عادة
الناس في ترويج السلعة بالحيل فيكون هو مغتراً في بناء ظنه على المحتمل ، والمحتمل لا يكون حجة .
وقد ورد حديث المصراة مخالفاً للقياس والقواعد المقررة من وجوه :
أحدها: أنه أوجب رد صاع من تمر بإزاء اللبن ، واللبن الذي يحلب بعد الشراء والقبض لا يكون
مضموناً على المشتري ؛ لأنه فرع ملكه الصحيح ولا يضمن بالعقد ؛ لأن ضمان العقد ينتهي
بالقبض.
ثانيها : أنه خالف قاعدة ضمان المتلفات القائلة أن الضمان يكون بالمثل في المثليات وبالقيمة في .
القيميات . فكان واجباً أن يضمن مثل اللبن كيلاً أو دراهم ، أما رد صاع من تمر في مقابلة اللبن قل
أو كثر فلا وجه له في الشرع .
وقد دل ظاهره على توقيت خيار العيب وهو غير مؤقت بوقت بالإجماع فثبت أنه مخالف للقياس
من جميع الوجوه فوجب رده بالقياس .
ولم يعمل الحنفية كذلك بخبر سعد بن أبي وقاص - رضي اللّه عنه - في بيع الرطب بالتمر قال :
((سمعت النبي ◌ّ يسأل عن اشتراء التمر بالرطب فقال لمن حوله أينقص الرطب إذا ييس؟ قالوا
نعم فنهى عن ذلك (٣))؛ لأنه مخالف للسنة المشهورة وهو قوله عليه السلام ((التمر بالتمر)) (٤) من
و جهین :
الوجه الأول : أن فيها اشتراط المماثلة في الكيل مطلقاً لجواز العقد فالتقيد باشتراط المماثلة في
أعدل الأحوال وهو بعد الجفوف یکون زيادة .
الوجه الثاني : أنه جعل فضلاً يظهر بالكيل وهو الحرام في السنة المشهورة وقد رد هذا الشرط
على الحنفية ؛ لأنهم عملوا بأحاديث أخرى رواها أبو هريرة وكانت مخالفة للقياس كحديث (( من
أكل أو شرب ناسياً فليتم صومه فإن اللّه أطعمه وسقاه)) .
وقال أبو حنيفة - رحمه الله -: لولا الرواية لقلت بالقياس؛ ولأن حديث المصراة رواه البخاري =
(١) غرّه غرا وغُرُورا وغِرة بالكسر فهو مغرور وغرير كأمير خدعه وأطمعه بالباطل فاغتر هو (القاموس ) المحيط
للفيروزآبادي جـ ٢ ص (١٠٤) فصل الغين باب الراء - الطبعة الثانية (١٩٥٢) م.
(٢) حَفَلَ الناقة : ترك حلبها أياماً ؛ ليجتمع اللبن في ضرعها .
(٣) رواه الخمسة وصححهالترمذي، نيل الأوطار جـ ٥ ص (٢٢٤).
(٤) صحيح مسلم (٤٤/٥) ولفظ الحديث ((الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر
بالتمر والملح بالملح مثلاً بمثل سواء بسواء)) يداً بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً
ـيد).
١٤ - كتاب القبلة (٤) باب ما جاء في القبلة - ١٩٥
= عن عبد اللّه بن مسعود وهو معروف بالفقه ومن ثم يكون قد تحقق فيه الشرط الذي اشترطه
الحنفية ولكنهم لم يعملوا به .
والصحيح في هذا الموضوع (١) أن عيسى بن أبان هو الذي اشترط فقه الراوي ؛ لتقديم خبره على
القياس ، واختاره أبو زيد الدبوسي وتابعه أكثر المتأخرين أما أبو الحسن الكرخي ومن تابعه فلم
يشترط فقه الراوي .
ونقل عن أبي يوسف أنه أخذ بحديث المصراه ، وأثبت الخيار للمشتري وقد ثبت عن أبي حنيفة -
رحمه اللّه - أنه قال: ((ما جاءنا عن اللّه ورسوله فعلى الرأس والعين)) ولم ينقل عن أحد من
السلف اشتراط الفقه في الراوي نثبت أن هذا القول مستحدث .
وأجيب عن حديث المصراة وحديث النهي عن بيع الرطب بالتمر وأشباههما بأن ترك الحنفية العمل
بها إنما كان لمخالفتها الكتاب أو السنة المشهورة لا لفوات فقه الراوي ، وأن حديث المصراة مخالف
الظاهر الكتاب والسنة (٢).
وحديث النهي عن بيع الرطب بالتمر مخالف للسنة المشهورة وهو قوله عليه السلام (التمر
بالتمر».
قال عبد العزيز البخاري (٣) إنه لا يسلم أن أبا هريرة - رضى اللّه عنه - لم يكن فقيهاً بل كان
فقيهاً ولم يعدم شيئاً من أسباب الاجتهاد ، وقد كان يفتي في زمان الصحابة ، وما كان يفتي في
ذلك الزمان إلا فقيه مجتهد وكان من علية أصحاب رسول اللّه عَه وقد دعا النبي - عليه السلام -
له بالحفظ.
ثانياً : مذهب الإمام مالك :
اشترط الإمام مالك للعمل بخبر الواحد الذي صح سنده شرطاً واحداً وهو ألا يكون مخالفاً لعمل
أهل المدينة فإن خالفه رده ولم يعمل به ، وذلك ؛ لأن عملهم كقولهم حجة فهم مطلعون على
أقوال وأفعال الرسول عليه وأدرى بما استقر عليه الأمر من حاله عمائه .
وقد ظهر رأيه في عمل أهل المدينة واضحاً جلياً في الرسالة التي بعث بها إلى الليث بن سعد إذ قال
فيها ( ... اعلم رحمك اللّه أنه بلغني أنك تفتي الناس بأشياء مخالفة لما عليه جماعة الناس عندنا
وببلدنا الذي نحن فيه وأنت فى إمامتك وفضلك ومنزلتك من أهل بلدك ، وحاجة من قبلك إليك ،
واعتمادهم على ما جاءهم منك حقيق بأن تخاف على نفسك وتتبع ما ترجوه النجاة باتباعه ، =
(١) كشف الأسرار جـ ٢ ص (٣٨٣).
(٢) لأنه مخالف للقياس الصحيح والقياس حجة ثابت بالكتاب والسنة والإجماع فما خالف القياس فهو في
المعنى مخالف للكتاب والسنة المشهورة والإجماع.
(٣) كشف الأسرار جـ ٢ ص (٣٨٣).
١ - الاستذكار الجَامع لِمَذَاهِبٍ نُقَهاءِ الأمْصارِ / ج ٧.
-
= فإن اللّه تعالى يقول فى كتابه ﴿والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار ... ) الآية
وقال تعالى: ﴿فبشر عبادي الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ... ) الآية)) فإنما الناس
تبع لأهل المدينة إليها كانت الهجرة وبها نزل القرآن وأحل الحلال وحرم الحرام ، إذ رسول اللّه بين
أظهرهم يحضرون الوحي والتنزيل ويأمرهم فيطيعونه ويسن لهم فيتبعونه ، حتى توفاه اللّه واختار له
ما عنده صلوات الله وسلامه عليه ورحمته وبر كاته ، ثم قام من بعده اُتبع الناس له من أمته ممن ولي
الأمر من بعده فما نزل بهم مما علموا أنفذوه ، وما لم يكن عندهم فيه علم سألوا عنه ، ثم أخذوا
بأقوى ما وجدوا في ذلك في اجتهادهم وحداثة عهدهم ، وإن خالفهم مخالف أو قال امرؤ غيره
أقوى منه وأولى ، ترك قوله، وعمل بغيره ثم كان التابعون من بعدهم يسلكون تلك السبل ويتبعون
تلك السنن فإذا كان الأمر بالمدينة ظاهراً معمولاً به لم أر لأحد خلافه للذي في أيديهم من تلك
الوراثة التي لا يجوز لأحد انتحالها ولا ادعاؤها ولو ذهب أهل الأمصار يقولون هذا العمل ببلدنا ،
وهذا الذي مضى عليه من مضى منا لم يكونوا من ذلك على ثقة ، ولم يكن لهم من ذلك جاز
لهم .
فانظر - رحمك الله - فيما كتبت إليك فيه لنفسك ، واعلم أني أرجو أن لا يكون دعائي إلى ما
كتبت به إليك إلا النصيحة لله تعالى وحده ، والنظر لك والظن بك ، فأنزل كتابي منك منزلته
فإنك إن فعلت تعلم أني لم آلك نصحاً وفقنا الله وإياك لطاعته وطاعة رسوله في كل أمر وعلى كل
حال والسلام عليك ورحمة اللّه (١) .
ولهذا لم يقل المالكية بخيار المجلس الثابت بحديث الصحيحين - ((البيعان كل واحد منهما بالخيار
على صاحبه ما لم يتفرقا إلا بيع الخيار ))؛ لأنه يخالف ما عليه أهل المدينة .
قال الإمام سحنون بن سعيد قلت لابن القاسم هل يكون البيعان بالخيار ما لم يتفرقا في قول مالك .
قال : قال مالك لا خيار لهما وإن لم يتفرقا . وقال البيع كلام فإذا أوجبا البيع بالكلام وجب البيع
ولم یکن لأحدهما أن يمتنع عما قد لزمه .
وقال في حديث ابن عمر ((البيعان كل واحد منهما على صاحبه بالخيار ما لم يفترقا إلا بيع الخيار)).
لیس لهذا عندنا حد معروف ولا أمر معمول به فیه (٢) .
وكذلك اكتفوا بتسليمة واحدة عند الخروج من الصلاة ولم يأخذوا بما روي عن النبي عليه أنه أراد
الخروج من الصلاة سلم سلامين أحدهما عن يمينه وثانيهما عن يساره قائلاً السلام عليكم ورحمة
اللّه؛ لأن أهل المدينة كانوا يسلمون سلاماً واحداً .
=
(١) ترتيب المدارك وتقريب المسالك للقاضي عياض (جـ ١ ص ٦٤، ٦٥).
(٢) المدونة الکبری جـ ٩ ص ١٨٨ .
١٤ - كتاب القبلة (٤) باب ما جاء فى القبلة - ١٩٧
= وقد قسم القاضي عياض (١) عمل أهل المدينة مع أخبار الآحاد عدة أقسام : وهو إما أن يكون
مطابقاً لها وهذا آكد في صحتها ، أو مخالفاً لها فإن كان مخالفاً لها وكان إجماعهم من طريق
النقل ترك له الخبر ، وإن كان عن طريق الاجتهاد قدم الخبر عند الجمهور .
ويتضح من كلامه أنهم يجنحون إلى الترجيح بعملهم عند تعارض الأخبار وقد خالف أكثر الفقهاء
مالكاً في رأيه في حجية عمل أهل المدينة ؛ لأنهم كغيرهم يجوز عليهم الخطأ .
وقد كتب الليث بن سعد إلى مالك رسالة مطولة يرد عليه فيها وكذلك فعل الإمام الشافعي.
قال الليث في رسالته ( ... وأنه بلغك أني أفتي بأشياء مخالفة لما عليه جماعة الناس عندكم ، وإني
يحق علي الخوف على نفسي ، لاعتماد من قبلي على ما أفتيتهم به ، وأن الناس تبع لأهل المدينة
التي إليها الهجرة وبها نزل القرآن ، وقد أصبت بالذي كتبت به من ذلك إن شاء اللّه تعالى ، ووقع
مني بالموقع الذي تحب ، وما أجد أحداً ينسب إليه العلم أكره لشواذ الفتيا ولا أشد تفضيلاً لعلماء
أهل المدينة الذين مضوا ولا آخذ لفتياهم فيما اتفقوا عليه مني والحمد لله رب العالمين لا شريك له .
وأما ما ذكرت من مقام رسول اللـه عَّي بالمدينة ونزول القرآن بها عليه بين ظهري أصحابه وما
علمهم اللّه منه وأن الناس صاروا به تبعاً لهم فيه فكما ذكرت ، وأما ما ذكرت من قول اللّه تعالى:
﴿ والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم
ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً، ذلك الفوز
العظيم ﴾ .
فإن كثيراً من أولئك السابقين الأولين خرجوا إلى الجهاد في سبيل اللّه ابتغاء مرضاة اللّه فجندوا
الأجناد واجتمع إليهم الناس فأظهروا بين ظهرانيهم كتاب الله وسنة نبيه ، ولم يكتموهم شيئا
علموه، وكان في كل جند منهم طائفة يعلمون كتاب الله وسنة نبيه ويجتهدون برأيهم فيما لم
يفسره لهم القرآن والسنة ، وتقدمهم عليه أبو بكر وعمر وعثمان الذين اختارهم المسلمون
لأنفسهم ، ولم یکن أولئك الثلاثة مضیعین لأخبار المسلمین ولا غافلین عنهم، بل کانوا یکتبون في
الأمر اليسير لإقامة الدين والحذر من الاختلاف بكتاب الله وسنة نبيه، فلم يتركوا أمراً فسره القرآن
أو عمل به النبي ◌َّ أو اثتمروا فيه بعده إلا علَّموهموه، فإذا جاء أمر عمل فيه أصحاب رسول اللّه
عَّ بمصر والشام والعراق على عهد أبي بكر وعمر وعثمان ولم يزالوا عليه حتى قبضوا لم
يأمروهم بغيره ، فلا نراه يجوز لأجناد المسلمين أن يُحْدِثوا اليوم أمراً لم يعمل به سلفهم من
أصحاب رسول اللّه عَّه والتابعين لهم، مع أن أصحاب رسول اللّه عَّه قد اختلفوا بعد في الفتيا
في أشياء كثيرة ، ولولا أني قد عرفت أن قد علمتها كتبت بها إليك ، ثم اختلف التابعون في أشياء
بعد أصحاب رسول اللّه عَل سعيد بن المسيب ونظراؤه أشد الاختلاف ، ثم اختلف الذين كانوا =
(١) ترتيب المدارك وتقريب المسالك للقاضى عياض (جـ ١ ص ٧٠).
١٩٨ - الاستذكار الجامع لِمَذَاهِبِ فُقَهاءِ الأَمْصارِ / ج ٧ ـــ
= بعدهم فحضرتهم بالمدينة وغيرها ورأسهم يومئذ ابن شهاب وربيعة بن أبي عبد الرحمن ، وكان
من خلاف ربيعة لبعض ما قد مضى ما قد عرفت وحضرت ، وسمعت قولك فيه وقول ذوي الرأي
من أهل المدينة يحيى بن سعيد وعبيد اللّه بن عمر وكثير بن فرقد وغيره كثير ممن هو أسَنّ منه حتى
اضطرك ما كَرهْت من ذلك إلى فراق مجلسه . وذا كرتُك أنت وعبد العزيز ابن عبد اللّه بعض ما
نعيب على ربيعة من ذلك فكنتما من الموافقين فيما أنكرت ، تكرهان منه ما أكرهه ، ومع ذلك
بحمد اللّه عند ربيعة خير كثير ، وعقل أصيل ولسان بليغ، وفضل مستبين ، وطريقة حسنة في .
الإسلام أو مودة لإخوانه عامة ولنا خاصة ، ورحمه الله غفر له وجزاه بأحسن من عمله .
وكان يكون من ابن شهاب اختلاف كثير إذا لقيناه وإذا كاتبه بعضنا فربما كتب إليه في الشيء
الواحد على فضل رأيه وعلمه بثلاثة أنواع ينقض بعضها بعضا ولا يشعر بالذي مضى من رأيه في
ذلك ، فهذا الذي يدعوني إلى ترك ما أنكرت تركي إياه ... (١) .
ثالثا : الحجة فى تثبيت خبر الواحد عند الشافعية
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال: حدثنا أبو العباس ، قال: أخبرنا الربيع ، قال : قال
الشافعى {رحمه اللَّه]. (٢)
قال لي قائل : اذكر الحجة في تثبيت خبر الواحد بنص خبر ، أو دلالة فيه ، أو إجماع .
قلت : أخبرنا ابن عُبَيْنَةَ ، عن عبد الملك بن عُمَّير، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود ، عن
أبيه: أن رسولِ اللّهَ عَه ، قال:
نَضْرٍ (٣) اللَّه عبداً سَمِعَ مقالتي فحفظَها ووعاها وأدَّاها ، فربّ حامل فقه غير فقيه ؛
وَرَبّ حامل فقه إلى من هو أفقَهُ منه. ثلاث لا يَغُلِّ (٤) عليهنّ قلب مسلم: إخلاص
العمل للَّه ، والنصيحةُ للمسلمين ، ولزوم جماعتهم ، فإنّ دعوتهم تُحيطُ (٥) من =
(١) أعلام الموقعين لابن القيم الجوزية جـ ص (٨٣ : ٨٨).
(٢) قاله الشافعي في ((الرسالة))، ص (٤٠١ - ٤٠٢)، ودلائل النبوة (٢٣:١)، ومعرفة السنن (١٠٩:١).
(٣) قوله ((نضر)) ضبط في الأصل بتشديد الضاد، وفي النهاية ((نَضَرِهِ ونَضْرِه وأنضِرهٍ: أي نَعْمِه، ويروى
بالتخفيف والتشديد، من النّضَارة، وهي في الأصل حُسْنُ الوجه والبَريقُ، إنما أراد: حَسَّنَ خُلُقَه وقَدْرَه )).
(٤) قوله ((يغل)) بفتح الياء وضمها مع كسر الغين فيهما. فالأول من ((الغل))، وهو الحقد والثاني من
((الإغلال)) وهو الخيانة. والمراد أن المؤمن لا يخون في هذه الثلاثة، ولا يدخله ضغن يزيله عن الحق حين يفعل
شيئاً من ذلك ، قاله في شرح المشكاة . وقال الزمخشري في الفائق: «المعنى: أن هذه الخلال يستصلح بها
القلوب ، فمن تمسك بها طهر قلبه من الدغل والفساد )) .
(٥) قال ابن الأثير: (( أي تحدق بهم من جميع جوانبهم ، يقال: حاطه وأحاط به)).
وقال في حاشية المشكاة عند قوله { من ورائهم }: والمعنى أن دعوة المسلمین قد أحاطت بهم فتحرسهم عن كيد
الشيطان وعن الضلالة)) .
١٤ - كتاب القبلة (٤) باب ما جاء في القبلة - ١٩٩
= وراءهم(١).
قال الشافعي - رحمه اللّه تعالى -: فلما نَدَبَ رسول اللَّه عَ ﴾، إلى استماع مقالته وحفظها
وأدائها امرءاً يؤديها - والامرُؤُ وَاحِدٌ - دَلَّ على أنه لا يأمُرُ أَن يُؤَدّى (٢) عنه إلا ما تقوم الحجة به
على من أدِّي إليه . وبسط الكلام فيه (٣) .
وقد رواه هُرَيَمُ بن سفيان (٤)، عن عبد الملك، وقال فيه: (( نضِّر اللَّه امرءا سمع منا حديثا فأداه
کما سمع)).
وبمعناه، روي عن زيد بن ثابت، والنعمان بن بَشِير عن النبي عَ﴾ (٥).
وفي الحديث الثابت عن «أبي بَكْرَةَ (٦))) عن النبي ◌ٍَّ، في خطبته بمنى يوم النحر:
((ألا ليبلغ الشاهد الغائب، فلعل بعض من يُلِّغْهُ أن يكون أوعى له من بعض من سمعه (٧))). وفي
حديث (( ابن عباس)) عن النبي تَّه:
(١) أخرجه الترمذي في كتاب العلم ، ح (٢٦٥٧)، صفحة (٣٤:٥)، من طريق شُعبة عن سماك بن حرب،
وأخرجه ابن ماجه في المقدمة (١٨) باب ((من بلغ علماً))، ح (٢٣٢)، ص (٨٥:١)، من طريق شعبة ، عن
سمّاك وأخرجه الدارمي في المقدمة من طريق إسرائيل ، عن عبد الرحمن بن زبيد اليامي ، عن ابن عجلان ، عن
أبي الدرداء (٦٦:١)، وأخرجه الإمام أحمد في ((مسنده)) (٤٢٧:١)، وذكره ابن عبد البر في جامع بيان
العلم (١: ٤٠)، ورواه أبو داود في كتاب العلم باختلاف يسير ، من طريق شعبة ، ح (٣٦٦٠)، صفحة
(٣٢٣:٣).
وأخرجه الحاكم في ((المستدرك)) (٨٦:١)، والقاضي عياض في الإلماع (١٥٣)، والحاكم في معرفة علوم
الحديث ص (٢٦٠)، والخطيب في الكفاية (٢٩).
(٢) ( يؤدي) = مبني ما لم يسم فاعله .
(٣) الرسالة للشافعي، ص (٤٠٣)، ودلائل النبوة للبيهقي (٢٣:١-٢٤) من تحقيقنا .
(٤) هو هريم بن سفيان البجلي، أبو محمد ، وترجمته في التاريخ الكبير (٢٢٤:٢:٤)، وتاريخ الثقات
للعجلي، الترجمة (١٧٢٤) من طبعتنا، وتاريخ أسماء الثقات لابن شاهين، رقم (١٤٧٣) من تحقيقنا، وثقات
ابن حبان (٥٨٨:٧)، وترتيبها للهيشمي (١٤٢٠٩).
(٥) ورد معنى الحديث عن زيد بن ثابت ، وأنس ، وأبي سعيد ، وجبير بن مطعم ، والنعمان بن بشير، وغيرهم،
بل في بعضها ما يوافق لفظه هنا أو يقاربه . وانظر مسند أحمد ( رقم ٤١٥٧ ج ١ ص ٤٣٦ - ٤٣٧) ورقم
(١٣٣٨٣ ج ٣ ص ٢٢٥) وشرح الترمذي (ج ٣ ص ٣٧٢) والمستدرك (ج ١ ص ٨٦ - ٨٨) والترغيب
(ج ١ ص ٦٣ - ٦٤) ومجمع الزوائد (ج ١ ص ١٣٧ - ١٣٩).
(٦) أبو بكرة هو ((نفيع بن الحارث)) مترجم في أسد الغابة (٦: ٣٨).
(٧) الحديث أخرجه البخاري في: ٣ - كتاب العلم (٩) باب((قول النبي عليه((رب مبلغ أوعى من سامع)).
فتح الباري (١٥٧:١ - ١٥٨)، ومسلم في : ٢٨ - كتاب القسامة ، (٩) باب تحريم الدماء والأعراض
والأموال))، حديث (٢٩)، صفحة (١٣٠٥ - ١٣٠٦)، والإمام أحمد في ((مسنده)) (٤:٥)، وابن ماجه
في المقدمة حديث رقم (٢٣٣)، صفحة (٨٥:١).
٢٠٠ - الاستذكار الجامع لِمَذَاهِبٍ فُقَهاءِ الأمْصارِ / ج ٧ -
-
= (تسمعون ويسمع منكم، ويسمع ممن يسمع منكم(١))).
أخبرنا الحاكم أبو عبد اللَّه الحافظ، في آخرين ؛ قالوا : حدثنا أبو العباس ، قال : أخبرنا الربيع ،
قال: أخبرنا الشافعي ، قال: أخبرنا سفيان بن عيينة ، قال: أخبرني سالم : أبو النضر ، أنه سمع
عُبَيد اللَّه بن أبي رَافِع يخبر عن أبيه (٢)، قال:
قال رسول اللّه عَّه: (( لا ألفين أحدكم مُتكئاً على أرِيكَتهِ يأتيه الأمرُ من أمري - مما أمرت به أو
نهيت عنه - فيقول: لا أدري ما وجدنا في كتاب اللَّه اتبعناه (٣))).
قال سفيان: وأخبرني ((محمد بن المُنْكَدرِ) مُرْسَلاً عن النبي عَّهُ بمثله.
قال الشافعي: وفي هذا تثبيت الخبر عن رسول اللَّه عَّه، وإعلامهم أنه لازم لهم وإن لم يجدوا
له نص حکم في کتاب الله ، عز وجل .
رابعاً - مذهب الإمام أحمد بن حنبل :
لم يشترط أحمد بن حنبل شروطا للعمل بخبر الواحد غير صحة السند فمتى صح سنده عمل به ،
فهو يتفق مع الحنفية والمالكية في العمل بالمرسل وكان يرجح الخبر على القياس كالشافعية والحنفية .
قال ابن قدامة : ( قال بعض العلماء : إنما يقول أحمد بحصول العلم بخبر الواحد فيما نقله الأئمة
الذين حصل الاتفاق على عدالتهم وثقتهم وإتقانهم، ونقل من طرق متساوية ، وتلقته الأمة بالقبول،
ولم ينكره منهم منكر، فإن الصديق والفاروق - رضى الله عنهما - لو رويا شيئا سمعاه أو رأياه لم
يتطرق إلى سامعهما شك ولا ريب ، مع ما تقرر في نفسه لهما ، وثبت عنده من ثقتهما وأمانتهما ،
ولذلك اتفق السلف على نقل أخبار الصفات وليس فيها عمل ، وإنما فائدتها وجوب تصديقها =
٠
(١) الحديث في صحيح ابن حبان: كتاب العلم : باب ((ذكر الأخبار عن سماع المسلمين السنن : خلف عن
سلف)) (١ / ٢١٨ - ٢١٩).
وسنن أبي داود: كتاب العلم: باب ((فضل نشر العلم)) (٣ / ٤٣٨).
والمستدرك للحاكم (١ / ٩٥) ومعرفة علوم الحديث له ص (٢٧، ٦٠) والمحدث الفاصل للرامهرمزي
(ل١٨).
وشرف أصحاب الحديث للخطيب البغدادي ص (١٥) .
والجرح والتعديل لابن أبي حاتم (١ /٨ -٩).
وجامع بيان العلم لابن عبد البر (١ /٤٣) و(١٢٤/٢).
والإلماع للقاضي عياض ص (١٠).
(٢) هو أبو رافع مولى رسول اللّه عليه، واسمه: (أسلم)).
(٣) رواه الشافعي في ((الرسالة))، ص (٤٠٣ - ٤٠٤)، وأبو داود في ((السنة))، ح (٤٦٠٥)، ص
(٢٠٠:٤)، عن الإمام أحمد، وابن ماجه في المقدمة، ح (١٣)، ص (١: ٦)، والترمذي في العلم
(٣٧:٥)، والإمام أحمد في ((مسنده)) (٨:٦) مختصراً، واستدركه الحاكم (١: ١٠٨ - ١٠٩).