النص المفهرس
صفحات 181-200
- ١٨١ -
٧ - كتابُ صَلاةِ اللَّيْل
(١) باب ( ما جاء في)(١) صلاة الليل (*)
٢٢٧ - مَالكُ ، عَنْ محمدِ بنِ المنكدرِ ، عَنْ سعيدِ بنِ جُبيرٍ ، عَنْ
رَجُلٍ عِندَهُ رضاً(٢)، عَنْ عَائِشَةً، أنَّ رَسُولَ اللَّه عَّهِ قالَ: ((مَامن امْرِئٍ
تكونُ لَهُ صَلَةٌ بِلَيْلٍ يغلبهُ عَليها نومٌ إلاَّ كُتِبَ لَهُ أجرُ صَلاَتِهِ ، وَكَانَ نَومَّهُ
علیهِ صَدَقَةٌ ))(٣)
*
*
٦٣٩٢ - الرَّجُلُ الرَّضيُّ المذكورُ في هذا الإسْنَادِ هُوَ الأسودُ بنُ يزيدَ، وهُوَ
(١) ما بين الحاصرتين من ((الموطأ)) : ١١٧
(*) المسألة : - ١٣٢ - صلاة الليل ( التهجد ) : تندب الصلاة ليلاً خصوصاً آخره ،
وهي أفضل من صلاة النهار ، لقوله تعالى ﴿ فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين﴾
وقوله سبحانه : ﴿ تتجافى جنوبهم عن المضاجع﴾ ولقوله عز - فيما روى مسلم في
صحيحه - ((أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل))، وروى الطبراني مرفوعاً: (لا
بد من صلاة بليل ، ولو حلب شاة ، وماكان بعد صلاة العشاء فهو من الليل))، وفي
صحيح مسلم قال رسول الله عليه: ((عليكم بصلاة الليل ، فإنها دأب الصالحين قبلكم،
وقرية إلى ربكم ، ومكفرة للسيئات ، ومنهاة عن الإثم )) .
وعدد ركعاتها من ركعتين إلى ثمانية .
(٢) في ((التمهيد)) (١٢: ٢٦١): ((رضي)» ورضا = أي مرضي.
(٣) الموطأ: ١١٧. ((والموطأ)) برواية محمد بن الحسن، ص ٧٣، ح رقم (١٦٧) ،
وليس فيه بين سعيد وعائشة أحد .
وأخرجه أبو داود في الصلاة، ح (١٣١٤) باب (( من نوى القيام فنام )» عن القعنبي
عن مالك بهذ الإسناد .
وأخرجه النسائي في الصلاة، ح ( ١٧٨٤) باب «من كان له صلاة بالليل ، فغلبه
عليها النوم)) (٣ : ٢٥٧) عن قتيبة بن سعيد، عن مالك ، بهذا الإسناد أيضاً.
ثم رواه النسائي بعده، رقم (١٧٨٥) (٣: ٢٥٨) عن أبي داود ، عن محمد بن
سليمان ، عن أبي جعفر الرازي ، عن محمد بن المنكدر ، عن سعيد بن جبير ، عن
الأسود بن يزيد ، عن عائشة وبعده أيضاً بهذا الإسناد دون ذكر الأسود بن يزيد ، وقال:
أبو جعفر الرازي ليس بقوي فى الحديث .
- ١٨٣ -
١٨٤ - الاستذكار الجَامع لِمَذَاهِبِ فُقَهاءِ الأمْصارِ / چ ٥
رَضِيُّ عِنْدَ الجميعِ(١).
٦٣٩٣ - وَقَدْ ذكرنَا مَنْ رَوَهُ عَنْ محمدِ بنِ المنكدرِ ، عَنْ سعیدِ بنِ جبیرٍ ،
(١) هو الأسْوَدُ بن يزيد بن قيس النَّخَعيُّ، أبو عَمرو ، ويقال : أبو عبد الرحمن ، وهو أخو
عبد الرحمن بن يزيد ، ووالدُ عبد الرحمن بن الأسود ، وابنُ أخي علقمةً بن قيس ، وخالُ
إبراهيم التّخَعِيّ. فهؤلاء أهلُ بيتٍ مِنْ رُؤُوسِ العِلْمِ والعَمَل .
وكان الأسودُ مُخضرمًا ، أدرك الجاهليَّة والإسلام.
حدّث عن معاذ بن جبل ، وبلال ، وابن مسعود ، وعائشة ، وحُذيفة بن اليمان ، وطائفة
سواهم .
حدَّث عنه ابنُه عبد الرحمن، وأخوه وإبراهيم النَّخَعِيّ، وعُمارة بن عُمير ، وأبو إسحاق
السَّبيعيُّ، والشّعْبيّ، وآخرون .
وهو نظيرُ مسْروق في الجلالة والعلم والثقة والسَّنّ يُضرب بعبادتهما المثَل.
روى عن: بلال بن رَبّاح، وحُذيفة بن اليمان وسَلْمان الفارسيِّ ، وعبد الله بن
مسعود، وعليّ بن أبي طالب وعُمر بن الخطاب، ومُعاذ بن جَبَل، ومَعْقَل بن سنان
الأشجعيِّ، وأبي بكر الصديق، وأبي السنابل بن بَعْكَك، وأبي مَحْذُورة الجُمحِيِّ،
وأبي مَعْقَل ، وقيل : ابن أبي مَعْقل الأسديِّ ، وأبي موسى الأشعريِّ وعائشةً ، وفاطمة
بنت سعدٍ ، وأُمِّ سَلَمّة .
قال أحمد : ثِقَةٌ ، من أهلِ الخَيْر.
وقال إسحاق ، عن يحيى : ثِقَةٌ .
وقال إسماعيل بن عُلِيَّة ، عن مَيْمون أبي حَمْزَة : سافرَ الأسود بن يزيد ثمانين حجّة
وعُمْرَةٍ لم يَجْمَع بينهما ، وسافر عبد الرحمن بن الأسود ثمانين حجّة وعُمْرَة لم يَجْمَع
بينهما .
وقال أبو المغيرة النَّضْر بن إسماعيل، عمن أُخبرَهُ : كانَ عبد الرحمن بن الأسود ،
يُصلّي كل يوم سبع مئة ركعة، وكانوا يقولون: إنّه أقلّ أهل بيته اجتهاداً.قال : ولقد
بلغني أنّه صار عَظماً وجلْداً ، وكانوا : يسمّون آل الأسود : من أهل الجنّة .
قال محمد بن سعد " كانَ ثقةٌ، وله أحاديث صالحة، أخبرنا محمد بن عُمر، عن قيس
ابن الربيع ، عن أبي إسحاق ، قال : توقّي الأسود بن يزيد بالكُوفة سنة خمس وسبعين.
وقال غيرُهُ : مات سنة أربع وسبعين .
روى له الجماعة :
طبقات ابن سعد ٧٠/٦ ، طبقات خليفة ت ١٢٥٥، ثقات العجلي ١٠٠ تاريخ البخاري=
:
٧ - کتاب صلاة الليل (١) باب ما جاء فى صلاة الليل-١٨٥
عَن الأسْودِ، عَنْ عائشةَ في ((التَّمهيدِ))(١).
٦٣٩٤ - وروى سفيانُ، عنْ أبي إسحاق، قالَ : قالتَ عائشةُ أمّ المؤمنينَ :
مَا بالعِرَاقِ أُحَدٌّ أعْجب إليَّ مِنَ الأسود بن يزيد .
٦٣٩٥ - وَيَقالُ: حَجَّ الأسودُ ستينَ مِنْ بين حجّةٍ وعُمرةٍ .
٦٣٩٦ - وفي هذا الحديثِ ما يَدُلُّ على أنَّ المَرْءَ مُجازىٌ على ما نَوى مِنْ
عَمَلِ الخيرِ ، وإنْ لَمْ يعملْهُ، كما لو عملَهُ إذا لَمْ يحبسْهُ عَنْهُ شغُل دنيا مُباحاً أو
مَكْرُوهًا وكانَ المَانِعُ لَهُ عُذْراً. مِنَ اللّهِ لاَ يَنْقَكُ مِنْهُ.
٦٣٩٧ - وقَدْ روِيَ مثلُ حديثِ عَائِشَةً هذا مِنْ حديث أبي الدَّرْدَاءِ وَهُوَ
مَذْكُورٌ في ((التَّمهيدِ))(٢) .
= ٤٤٩/١، المعارف ص ٤٣٢، المعرفة والتاريخ ٥٥٩/٢، الجرح والتعديل القسم الأول
من المجلد الأول ٢٩١، ثقات ابن حبان (٤: ٣١) الحلية ١٠٢/٢، الاستيعاب ت ٥٣،
طبقات الشيرازي ٧٩ ، أسد الغابة ٨٨/١ ، تهذيب الأسماء واللغات القسم الأول من الجزء
الأول ١٢٢، تهذيب الكمال ص ١١٣، تاريخ الإسلام ١٣٧/٣، سير أعلام النبلاء (٤:
٥٠) تذكرة الحفاظ ٤٨/١، العبر ٨٦/١، البداية والنهاية ١٢/٩، طبقات القراء / بـ
٧٩٦، الإصابة ت ٤٥٧، تهذيب التهذيب ٣٤٢/١، طبقات الحفاظ للسيوطي ص ١٥،
خلاصة تذهيب الكمال ٣٧ ، شذرات الذهب ١/ ٨٢ .
(١) ((التمهيد)) (١٢: ٢٦١ - ٢٦٢)، وذكر رواية أبي جعفر الرازي المشار إليها أثناء
تخريج الحديث (٢٢٧).
(٢) في ((التمهيد)) (١٢: ٢٦٣)، وقد رواه النسائي في الصلاة (٣: ٢٥٨) في باب
((من أتى فراشه وهو ينوي القيام فنام))، عن هارُونَ بْنِ عَبْدِ اللّه، قَالَ حَدَّثَنَا
حُسَيْنُ بنُ عَلَيّ عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ سُلَيْمانَ ، عَنْ حَبِيبٍ بْنِ أَبِ ثَابَت ، عَنْ عَبْدَةَ بْنِ
أُبِيِ لُبَابةَ، عَنْ سُوَيَدَ بْنِ غَفَلة، عَنْ أَبِي الدِّرْدَاء يَّبُلِغُّ به النَّبِيِّ صَلَى اللّهُ عَلَيْهِ
وسَلَّمَ قَالَ «مَنْ أَتَى فَرَاشهُ وَهُوَ يَنْوِي أُنْ يَقُومَ يُصَلِّ مِنَ اللَّيْلِ فَغَلَبَتَهُ عَيْنَاهُ حَتَّىَ
أُصْبَحَ كُتِبَ لَهُ مَانَوى وكَانَ نَوْمُهُ صَدَقَةٌ عَلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ » .
ورواه ابن ماجه في إقامة الصلاة (١٣٤٤) باب ((ما جاء فيمن نام عن حزبه من
الليل)» (٤٢٦:١) وأخرجه الحاكم في ((المستدرك» (٣١١:١) مرفوعاً، ومن طريقه =
١٨٦ - الاستذكار الجامع لِمَذَاهِبِ فُقَهاء الأمصارِ / ج ٥
٦٣٩٨ - وَهَذَا تفضِّلٌ مِنَ اللّهِ على عباده المؤمنينَ يُجَازِيهِمْ بِمَا وَفْقَهُمْ لَهُ إذا
عَمَلُوهُ ، وإنْ حالَ دونَ العَمَلِ حَائِلٌ جَازى صاحبهُ علي النِّيَّةِ فيه .
٦٣٩٩ - وَقَدْ ذَكَرْنَا في «التَّمهيدِ))(١) إسْتَادَ قَولِهِ عَهُ: ((نِيَّةُ المُؤْمِنِ
خَيْرٌ مِنْ عَمَلِهِ ، ونِيَّةُ الفَاجِرِ شَرِّ مِنْ عَمَلِهِ ، وَكَلِّ يَعْمَلُ على نِيَّتِهِ » .
٦٤٠٠ - ومعنى هذا الحديث - واللهُ أعْلَمُ - أنَّ النِّيَّةِ بغيرِ عَمَلٍ خَيرٌ مِنَ
العَمَلِ بِلاَ نِيَّةٍ .
٦٤٠١ - وتَفْسِيرُ ذلكَ أنَّ العَمَلَ بِلاَ نيَّةٍ لا يرفعُ ولا يصعدُ، والنيَّةُ الْحَسَنَةُ
تَنْفَعُ بِلاَ عَمَلٍ ولا ينفعُ العَمَلُ بغيرِ نِيَّةٍ .
٦٤٠٢ - وَيُحتملُ أنْ يكونَ المعنى: نيةُ المؤمنِ في الأعْمَالِ الصَّالِحَةِ أكثرُ
ممَّا يقوى عليه مِنْها، وَنِيَّةُ الفَاجِرِ في أعْمَالِ الشَّرِّ أكثرُ مِمَّا يعملهُ مِنْها ، ولو
أنَّهُ يعملُ كُلُّمَا ینوي عملَهُ مِنَ الشَّرِّ أُهْلَكَ الحَرْثَ والنَّسْلَ .
٦٤٠٣ - وقَدْ روى أبو هريرةً وابنُ عباسٍ، عَنِ النبيِّ عَِّ أنّهُ قَالَ: «مَنْ
هَمْ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يعملُها كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةٌ(٢) .
٦٤٠٤ - إلاَّ أنَّ في حديثِ ابنِ عباسٍ: فإنْ عملها كُتِبَتْ عَشْراً - وإنْ هَمَّ
بسيُّئَةٍ فَلَمْ يعملها كُتِبَتْ لَهُ حَسَنةٌ ، وفي حديث أبي هريرةَ : مَنْ هَمَّ بحسنةٍ فعملها
كُتبتْ عشراً إلى سبعٍ مئةٍ ، وَمَنْ هَمَّ بِسيِّئَةٍ فلمْ يَعْمَلُها لَمْ تكتبْ ، وإنْ عملها
كُتِبَتْ.
= البيهقي في الكبري (٣: ١٥)، وقال الحاكم: ((صحيح على شرط الشيخين))،
ووافقه الذهبي
(١) ((التمهيد)) (١٢: ٢٦٤)، وأسنده عن علي بن أبي طالب مرفوعاً، وفي مجمع
الزوائد (١ : ٦١، ١٠٩) عن سهل بن سعد بإسناد فيه مجهول ، وعزاه للطبراني ،
وانظر المقاصد الحسنة ، ص (٤٥٠) .
(٢) حديث أبي هريرة رواه مسلم في كتاب الإيمان رقم (٣٣٠) من طبعتنا ، ص (١ :
٧٩٥)، باب ((إذا همّ العبد بحسنة كتبت)) عن أبي كريب ، عن أبي خالد الأحمر ،
عن هشام ، عن ابن سيرين ، به.
٧- کتاب صلاة الليل (١) باب ما جاء في صلاة الليل - ١٨٧
٦٤٠٥ - فحديثُ أبي هريرةَ مخالفٌ لحديثِ ابنِ عباسٍ فيمنْ هَمِّ بسيِّئةٍ فَلَمْ
يعملها .
٦٤٠٦ - وَقَدْ يُحتملُ أنْ يكون معنى ما روى ابنُ عباسٍ نَحو معنى قولِ
الله تعالى ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ (الرحمن: ٤٦).
٦٤٠٧ - ورُوِي عَنِ ابْنِ عباسٍ، ومجاهدٍ، وإبراهيمَ النخعيِّ، قالوا: هُوَ
الرَّجُلُ بِهمُّ بِالْمَعْصِيَةِ ثُمَّ يتركُها خَوفَ اللهِ تَعالى .
٦٤٠٨ - وَقَدْ ذَكَرْنَا في («التَّمْهيدِ))(١) حديثَ أَنَسٍ أنَّ رَسُولَ اللهِ عَّه قالَ
لأصحابه في غزوةٍ تَبُوكٍ: ((إنَّ بِالمَدِينَةِ أُقْوَامًا مَا سِرْتُمْ مَسِيراً وَلاَ قَطَعْتُمْ وَادِياً
وَلَ أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ إلاَّ وَهُمْ مَعَكُمْ ))! قالوا: كيفَ يَكُونُون مَعَنَا يارسولَ الله
وَهُمْ بالمدينةِ؟ قال: ((نَعَمْ حَبَسَهُم العُذْرُ))(٢).
٦٤٠٩ - وحديثُ أبي موسى الأشعريّ أنَّهُ سمعَ رسولَ اللهِ عَّيِ يقولُ: ((مَنْ
كَانَ لَهُ عملٌ فَشَغَلَهُ عَنْهُ عِلَّةٌ أو سَفَرٌ، فإنَّهُ يكتبُ لَهُ كَصَالِحِ مَا كانَ يعملُ وهُوَ
صَحِيحٌ مُقِيمٌ))(٣).
= وحديث ابن عباس هو الحديث التالي له عند مسلم وأخرجه البخاري أيضاً في
الرقاق، ح (٦٤٩١) باب ((من ھَمَّ بحسنة أو سيئة)). فتح الباري (١١: ٣٢٣).
(١) ((التمهيد)) (١٢: ٢٦٧) بإسناده من رواية حميد الطويل، عن أنس.
(٢) أخرجه البخاري في الجهاد، ح (٢٨٣٩) باب ((من حبسه العذر عن الغزو))، وأبو
داود في الجهاد، ح (٢٥٠٨)، باب ((في الرخصة في القعود من العذر))، وابن
ماجه في الجهاد ( ٢٧٦٤) ، باب ((من حبسه العذر عن الجهاد))، والإمام أحمد في
( مسنده)) (٣ : ١٠٣) .
(٣) أخرجه البخاري في الجهاد، ح (٢٩٩٦)، باب «يُكتب للمسافر مثلُ ما كان يعمل
في الإقامة))، فتح الباري (٦: ١٣٦)، عن مطر بن الفضل ، عن يزيد بن هارون ،
عن العوام بن حوشب ، عن إبراهيم بن عبد الرحمن السكسكي ، عن أبي بردة ، عن أبي
موسى ، به .
كما رواه أبو داود، في الجنائز، باب ((إذا كان الرجل يعمل عملاً صالحًا فشغله
مرض أو سفر)) ، عن محمد بن عيش ومسدد ، كلاهما عن هشيم عن ، عن العوام بن
حوشب ، به .
١٨٨ - الاستذكار الجامع لمذاهب نُقَهاء الأمصار / ج ٥
٦٤١٠ - وفي حديثٍ زيدِ بنِ أسلمَ، عَنْ عطاءِ بنِ يسارٍ في الموطأ قولُهُ عَّه
في المريضِ: ((إنَّهُ يُكْتَبُ لَهُ أجْرُ مَا كَانَ يعملُ في صِحَّتِهِ ما دَمَ في وثاقٍ
مَرَضِهِ» .
٦٤١١ - هَذا معنى الحديث لاَ لَفْظُهُ. وقَدْ زِدْنَا هذا المعنى بيانًا في
((التمهيد))(١).
٦٤١٢ - والّذي جاءَ لَهُ حديثُ هذا الباب هُوَ ما تضمَّنَتْهُ رحمتُهُ في صَلاَةِ
اللَّيْلِ يريدُ التَّرْغِيبَ فيها .
٦٤١٣ - قالَ أبو عمر: صَلاَةُ اللَّيْلِ مِنْ أفضل نَوَافِلِ الخيرِ وَهي عِنْدِي
سُنَّةٌ مَسْئُونَةٌ ، لأنَّ رَسُولَ اللَّهِ عَِّ كَانَ يَفْعَلُها ويواظِبُ عَلَيْها .
٦٤١٤ - وَقَدْ قالَ قَومٌ: إنَّ صَلَاةَ اللَّيلِ وَجِيَةٌ على النبي عَّهِ وسُنَّةٌ لأمَّته.
٦٤١٥ - وهذا لاَّ أعرِفُ وَجْهَهُ لأنَّ اللهَ تعالى يقولُ: ﴿وَمِنَ اللَّيلِ فتهجَّدْ
بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ (الإسراء: ٧٩ ).
٦٤١٦ - وقالَ قومُ: أمَرَهُ بِقِيَامِ اللَّيلِ، وقولُهُ تعالى: ﴿نَافِلَةً لكَ﴾ أي
فَضِيلَةٌ .
٦٤١٧ - ونَسْخُ الأمْرِ بِقِيَامِ اللَّلِ عَنْ سَائِرِ أمَّتِهِ مجتمعٌ عليه(*) بِقَولِ اللَّهِ
عَزَّ وجلّ: ﴿ عَلِمَ أنْ لَنْ تحصوهُ فتابَ عَلَيكُمْ فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ القُرْآن ﴾
(المزمل: ٢٠).
(١) ((التمهيد)) (٥ : ٤٧ - ٤٩) .
(*) المسألة - ١٣٣ - تشهد الأحاديث النبوية الشريفة خاصة منها حديث سعد بن
هشام، عن عائشة، والذي رواه مسلم في الصلاة، باب ((جامع صلاة الليل ومن نام
عنه أو مرض)» أنه دخل على عائشة أم المؤمنين فقال: يا أم المؤمنين : أنبنيني عن
قيام رسول الله عَّ؟ قالت: ألست تقرأ بـ ﴿يا أيها المزمل﴾؟ قلت بلى: ، قالت :
فإن اللّه افترض القيام في أول هذه السورة ، فقام رسول الله ګ وأصحابه حوله ، حتى
انتفخت أقدامهم ، وأمسك اللّه خاتمتها اثني عشر شهراً في السماء ، ثم أنزل اللهُ
التخفيف في آخر هذه السورة ، فصار قيام الليل تطوعاً بعد فريضة .
=
٧- كتاب صلاة الليل (١) باب ما جاء في صلاة الليل - ١٨٩
٦٤١٨ - وهذا ندبٌ لأن الفَرَائِضَ مَحْدُودَاتٌ.
٦٤١٩ - وَقَدْ شَذَّ بعضُ التَّابِعِينَ فَأُوْجَبَ قِيَامَ اللَّيلِ وَلَو قَدْر حَلْبٍ شَاةٍ .
٦٤٢٠ - والّذي عليه جماعةُ العُلْمَاءِ: أنَّهُ مَنْدُوبٌ إليه مَرْغُوبٌ فِيهِ .
٦٤٢١ - قَالَهُ عبدُ اللهِ بنُ مَسْعُودٍ: فَضْلُ صَلاَةِ اللَّيلِ عَلى صَلاَةِ النَّهارِ
كَفَضْلِ صَدَقة السِّرِّ عَلى صَدَقةِ العَلاَئِيَة(١).
٦٤٢٢ - وروى وكيعٌ، عَنْ سفيانَ، عَنْ عليّ بنِ الأَقْمَرِ، عَنِ الأُغَرِّ أبي
مسلمٍ، عَنْ أبي هريرةَ وأبي سَعِيدٍ ، قالاً: إذاَ أيْقَظَ الرَّجُلُ أهْلَهُ فَصَلْيَا مِنَ اللَّيْلِ
كُتِبَا مِنَ الذَّاكِرِينَ اللهَ كَثِيراً والذَّاكِرَاتِ (٢) .
٦٤٢٣ - وقالَ رسولُ اللَّهِ عَّ: ((رَحِمَ اللَّهُ رَجُلاً قَامَ مِنَ اللَّيلِ فَصَلَى ثُمَّ
أَيْقَظَ أهْلَهُ فَصَلُّوا، رَحِمَ اللَّهُ أمْرَأَةٌ قَامَتْ مِنَ اللَّيلِ فَصَلَتْ ثُمَّ أَيْقَظَتْ زَوجَها
= فقيام الليل كان واجباً في ابتداء الإسلام علي الأمة كافة . وأن التهَجُّدَ كان واجبا
عليه بدلیل قول الله تعالى : ﴿ ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسی أن یبعثك ربك
مقامًا محموداً﴾ (الإسراء ٧٩) قال ابن عباس : (نافلة لك ) يعنى بالنافلة أنها
للنبي ◌َّ خاصة ، أمرَ بقيام الليل فَكُتبَ عليه .
قال الإمام الشافعي : إن القيام نُسخَ في حقه عَّ كما نُسخَ في حقِّ الأمة ، ومع ذلك
فقد كان رسول اللّه عَّ يقوم الليل حتى تورمتْ قدماه، وكان يواصل ، وكان عمله ديمة،
وكانت عيناه تذرفان عندما قرأ عليه أبيُّ : ﴿ فکیف إذا جئنا من کل أمةٍ بشهید وجئنا
بك على هؤلاء شهيداً﴾ (النساء: ٤١)، وعندما يَسْأله الفاروق عمر: يا رسول الله،
أسرَع إليك الشيبُ! فقال: ((شيبتني هودٌ وأخواتها : الواقعة، وعمّ يتساءلون . وإذا
الشمس كورت)) ولكنه عَّ كان يأمر بالقصد في العبادة، وينهى عن الوِصَال، وأن
يَكْلِفُوا من العمل ما لهم به طاقة .
(١) مصنف عبد الرزاق (٣: ٤٧)، رقم (٤٧٣٥).
(٢) أخرجه أبو داود في الصلاة (١٣٠٩)، باب ((قيام الليل))، و (١٤٥١) باب
((الحث على قيام الليل))، وابن ماجه في إقامة الصلاة، ح (١٣٣٥)، باب (( ما
جاء فيمن أيقظ أهله من الليل))، والبيهقي (٢: ٥٠١)، وإسناده صحيح .
:
١٩٠ - الاستذكار الجامع لمذاهب نُقَهاء الأمصار / ج ٥
فَصلّى(١).
٦٤٢٤ - وحَدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قالَ: حدَّثنا قاسم بْنُ أصبغٍ ، قالَ
حدَّثنا أبو قلابةً عبدُ الملكِ بن محمدٍ ، قالَ : حدَّثنا عبيدُ اللهِ بنُ عبد المجيدِ ،
قالَ: حدّثنا زمعةُ بنُ صالحٍ ، عَنْ سلمةَ بنِ وهرامٍ، عَنْ عكرمةَ ، عَنِ ابنِ عباسٍ ،
أنَّ رسولَ اللهِ عَجِ قالَ: ((اسْتَعِينُوا على قِيَامِ اللَّيلِ بِقَيْلٌولَةِ النَّهارِ، واسْتَعِينُوا
على الصِّيَامِ بِأَكْلَةِ السَّحَرِ))(٢).
(١) الحديث عن أبي هريرة : رواه عنه القعقاع بن حكيم الكناني : وقد صححه ابن خزيمة
(١١٤٨)، وابن حبان (٢٥٦٧)، ص (٦: ٣١٥) ، وأخرجه الإمام أحمد في
«مسنده)) (٢: ٢٥٠، ٤٣٦) وأبو داود (١٣٠٨) في الصلاة، باب («قيام الليل)»
و (١٤٥٠) باب ((الحث على قيام الليل))، والنسائي (٣: ٢٥٠) في قيام الليل :
باب «الترغيب في قيام الليل)) وابن ماجه في إقامة الصلاة (١٣٣٦)، باب « ما
جاء فيمن أيقظ أهله من الليل)»، الحاكم (١: ٣٠٩)، وصححه ، ووافقه الذهبي .
(٢) رواه ابن ماجه في الصيام (١٦٩٣)، باب ((ما جاء في السحور)) (١: ٥٤٠) وفي
إسناده : زَمْعَة بن صالح الجَنّدي اليماني .
روى عن: زياد بن سَعْد، وأبي حازمٍ سَلمة بن دينار، وسَلمة بن وَهْرام وعبد الله بن
طاوس وعبد اللّه بن كثير القارئ، وعُثْمان بن حاضِرِ ، وعَمْرو بن دِيْنار ، وعِيْسى بن
يَزْداد والزهري ، وهشام بن عروة ...
قال الإمام أحمد : ضعيف
وقال ابن معين : ضعيف ، وهو أصلح من صالح بن أبي الأخضر .
وقال مرةً أُخرى : زمْعة صُوَيْلِحُ الحديث .
وقال أبو عُبَيْد الآجريُّ: سألت أبا داود عن زَمْعَة فقال: ضعيفٌ قلتُ لأحمدَ : أيّما أكبر
زَمْعَة أو صالح بن أبي الأخْضَر ؟ فقال : هذا لا يضبط .
قال : وسألتُ يحيى فقال: لا هو ولا زَمْعة. كان زَمْعة جُدِّيًا .
قال ابنُ عُيَيْنَة: ربّما سَمِعْتُ هِشام بن حُجَيْر يقول لزَمْعَة: إنَّما أنتَ جُدَيّ مالَكَ
وللحديث.
وقال في موضعٍ آخر : سَمِعتُ أبا داود يقول : قلتُ ليَحيى بن معين : صالحُ بنُ أبي
الأُخْضَر أكبر عِنْدَك أو زَمْعَةَ ؟ قال : لا هو ولا زَمْعة .
قال أبو داود: صالحٌ أُحَبُّ إليَّ مِن زَمْعة، أنا لا أُخَرِّجُ حَديثَ زَمْعة .
=
٧- كتاب صلاة الليل (١) باب ما جاء فى صلاة الليل - ١٩١
٦٤٢٥ - وفي هذا الباب حديثٌ مُنكَرٌ انْفَرَدَ بِهِ ثابتُ بنُ موسى أبو يزيدَ
الكوفيّ(١)، وهُوَ مُنْكَرُ الحديثِ، رَمَاهُ ابنُ معينٍ بِالكَذِبِ .
= وقال البخاريُّ: يُخالف في حَديثِهِ ، تركهُ ابنُ مَهْدِيّ أُخِيراً .
وقال عَمْروِ بنُ عَلِيّ: فيهِ ضَعْفٌ فَي الحَدِيثِ ، وقد روى عنه الثّورِيُّ وابنُ مَهْدِيّ ، وما
سَمِعْتُ يَحيى ذكرَهَ قَطُّ ، وهو جَائِزُ الحديثِ مَعَ الضَّعْفِ الذي فيهِ .
وقال إِبْراهيم بنُ يَعْقُوب الْجُوْزَجانيُ: مُتماسِك .
وقال أبو حاتم : ضَعِيفُ الْحَديث ، وَوُهَيْب أَوَثَقُ منْهُ .
وقال النّسائيّ: ليس بالقَويُّ. كثيرُ الغَلَط عن الزُّهْرِيِّ .
وقال عبد الرَّحمن بنُ أبي حاتم: سُئل أبو زُرْعَة عنه فقال: لين واهي الحَديث ، حديثُه
عن الزُّهْرِيِّ کانّه يقول مناكير .
وقالَ أبو أحمد ابنُ عَدِيّ: رَبّما يَهِمُ في بَعْضِ ما يروبِهِ، وأُرْجو أُنَّ حديثَه صالحٌ لا
بأس به .
روى له مُسلم مَقْرونًا بمحمّد بن أبي حَقْصَة، وأبو داود في ((المراسيل)»، والباقون
سِوى البُخاريِّ .
تاريخ يحيى برواية الدوري: ٢ / ١٧٤، وتاريخ البخاري الكبير : ٢٥١/٣ ،
وأحوال الرجال الجوزجاني : الترجمة ٢٦٢ ، وأبو زرعة الرازي : ٧٥٩ ، وسؤالات الآجري
لأبي داود : ٣/الترجمة ٢٩٠، وجامع الترمذي: ٦٦٢/٥ عقب حديث ٣٧٨٤، والمعرفة
والتاريخ: ٢٥٩/١، ٣٦٥، ٦٤٧، ٤١/٣، وتاريخ أبي زرعة الدمشقي : ٤٥٠ ،
٥١٢، وضعفاء النسائي: الترجمة ٢٢٠، وضعفاء العقيلي: ٢: ٩٤، والجرح والتعديل:
٦٢٤/٣ والمجروحين لابن حبان: ٣١٢/١، ومعجم البلدان: ١٢٨/٢، وتاريخ الإسلام:
١٧٩/٦، والكاشف: ٣٢٥/١، وميزان الاعتدال: ٨١/٢ ومن تكلم فيه وهو موثق :
ص ٨٠، الترجمة ١١٦، والعقد الثمين: ٤٤٣/٤، وغاية النهاية: ٢٩٥/١ ،وتهذيب
ابن حجر : ٣٣٨/٣ .
(١) هو ثابت بن موسى بن عبد الرحمن بن سلمة الضبي، وأبو يزيد الكوفي الضرير العابد.
وروى عن : سُفيان الثَّوريّ، وأبي داود سُليمان بن عمرو بن عبد الله بن وَهْب
النَّخَعِيِّ، وشَرِيك بن عبد الله النَّخَعِيُّ.
قال الحسين بن الحسن الرازيّ ، عن يحيى بن معين: ثابت أبو يزيد كَذَاب .
وقال أبو حاتمٍ : ضعيف .
وقال أبو أحمد بن عَدِيّ : روى عن شريك حديثين مُنكّرين ، بإسناد واحد ، ولا يُعرَف =
١٩٢ - الاستذكار الجامع لمذاهب نُقَهاء الأمصار / ج ٥
٦٤٢٦ - حدّثناهُ خلفُ بنُ قاسمٍ، قالَ : حدَّثَنا أبو بكرٍ محمدُ بنُ العباسِ بنِ
وصيفٍ الأبزاريّ بغزةَ، قالَ حدَّثنا محمدُ بنُ الحسنِ بنِ قتيبةً ، قالَ : وحدثنا
عمرانُ بنُ موسى الطَّائيُ، عَنْ ثابتِ بنِ موسى الطّائيِّ، قالَ : حدثنا شريكٌ ، عَنِ
الأعْمَشِ، عَنْ أبي سُفْيانَ، عَنْ جابرٍ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ عَّهُ: ((مَنْ كَثُرَتْ
صَلاَتُهُ بِاللَّيْلِ حَسُنَ وَجْهُهُ بِالنّهَارِ»(١) .
= الحديثان إلاّ به ، يعني عن شريك عن الأعمش ، عن أبي سفيان ، عن جابر ، عن النبي
◌َّ: ((مَن كَثُرت صلاته بالليل حَسُن وجهه بالنهار)) والآخر بهذا الإسناد: ((مَن كانت له
وسيلة إلى سُلطان، فدفع بها مَغْرمًا أو جرّ بها مَغْنماً، ثبَّتَ اللّه قدميه يوم تُدحَضُ الأقدامُ »
قال : وأحدهما سرقه منه جماعة ضعفاء ، يعني الحديث الأول . قال : ويلغني عن ابن نُمَير
أنه ذكر الحديث فقال : باطل . شُّبِّه على ثابت ؛ وذلك أن شريكاً كان مزاحاً ، وكان ثابت
رجلاً صالحاً ، فَيُشْبِه أن يكون ثابت دخل على شريك ، وكان شريك يقول : حدثنا الأعمش ،
عن أبي سُفيان، عن جابر، عن النبي ◌َّهُ، فالتفَتُّ فرأيت ثابتًا فقال يمازحه: ((من كثرت
صلاته بالليل حَسُن وجهه بالنهار )) ، فظن ثابت لغفلته أن هذا الكلام الذي قال شريك هو
مَتْن الإسناد الذي قرأه ، فحمله على ذلك ، وإنما ذلك قول شريك ، والإسناد الذي قرأه مَثْنُه
معروف .
قال ابن عَدِيّ : ولثابت غير هذين الحديثين عن شريك ، مقدار خمسة أحاديث ، وكلّها
معروفة غير هذين الحديثين .
قال الحسين بن عُمر بن أبي الأحوص الثقفيّ : حدثنا ثابت بن موسى في مسجد بني
صَبَّح سنة ثمان وعشرين ومئتين ، ومات سنة تسع وعشرين ومئتين ، ولم أسمع منه إلا
حديثين .
وقال محمد بن عبد اللّه الحضرمي : مات سنة تسع وعشرين ومئتين ، وكان ثقة
يخضب .
روی له ابن ماجه حدیث: « مَن کثرت صلاته باللیل حسن وجهه بالنهار » .
(١) سنن ابن ماجه (١٣٣٣) في إقامة الصلاة والسنة فيها: باب ما جاء في قيام الليل قال
البوصيري في الزوائد ( ورقة: ١٨٦) (( هذا حديث ضعيف ذكره ابن الجوزي في
الموضوعات من عدة طرق وضعفها كلها ، وقال : هذا حديث باطل لا يصح عن رسول الله
.
٧- کتاب صلاة الليل (١) باب ما جاء في صلاة الليل - ١٩٣
٢٢٨ - وأمَّا حديثُ مالكٍ في هذا البابِ عَنْ أبي النضرِ ، عَنْ أبي
سَلَمَةَ، عَنْ عائشةً، أنَّها قالتْ: كُنْتُ أَنَامُ بِينَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ عَّهِ
وَرَجْلاَيَ في قِبْلَتِهِ(١)، فإذاَ سَجَدَ غَمَزَنَي (٢)، فقبضْتُ رِجْلِيّ(٣)، وإِذَا قَامَ
بَسَطْتُهما (٤). قالتْ: والبيوتُ(٥) يومئذٍ(٦) ليس فيها مَصَابِيحٌ (٧).
(١) (رجلاي في قبلته ) : جملة وقعت حالاً ، أي في مكان سجوده .
(٢) ( غمزني ) = من الغمز باليد .
قال الجوهري . غمزت الشيء ، وغمزته بعيني ، قال تعالى ﴿ وإذا مروا بهم يتغامزون﴾
المراد ههنا الغمز باليد وروى أبو داود من حديث أبي سلمة عن عائشة أنها قالت «كنت
أكون نائمة ورجلاي بين يدي رسول اللّه عَّه وهو يصلي من الليل فإذا أراد أن يسجد
ضرب رجلي فقبضتهما فسجد .
(٣) ((فقبضت رجليَّ)) بفتح اللام وتشديد الياء بصيغة التثنية وهذه رواية الأكثرين.
(٤) ((بسطتهما)) بتثنية الضمير على رواية الأكثرين.
(٥) ((والبيوت)) مبتدأ
(٦) ((ليس فيها مصابيح)) خبره والجملة والمصابيح جمع مصباح وهذ اعتذار من عائشة
رضي اللّه تعالى عنها عن نومها على هذه الهيئة والمعنى لو كانت المصابيح لقبضت
رجلي عند إرادته السجود ولما أحوجته إلى غمزي وهذا يدل على أنها كانت راقدة غير
مستغرقة في النوم إذ لو كانت مستغرقة لما كانت تدرك شيئا سواء كانت مصابيح أو لم
تكن (( يومئذ )» معناه وقتئذ أي وقت إذ كان الرسول حيا وإنما فسرناه هكذا لأن
المصابيح من وظائف الليل فلا يمكن إجراء اليوم على حقيقة معناه وقد يذكر اليوم ويراد
به الوقت كما في قوله تعالى ﴿ ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى
فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير ﴾ .
(٧) رواه البخاري في كتاب ((الصلاة)) ح (٣٨٢) باب ((الصلاة على الفراش)) فتح الباري
(١ : ٤٩١) .
وأخرجه مسلم في الصلاة رقم (١١٢٥) من طبعتنا ص (٦٥٠:٢) باب «الاعتراض
بين يدي المصلي))، وصفحة (١ : ٣٦٧) من طبعة عبد الباقي .
وأبو داود في الصلاة رقم (٧١٣) باب ((من قال: المرأة لا تقطع الصلاة))، ص (١ :
١٨٩) ورواه النسائي في الطهارة (١٠١:١) باب ((ترك الوضوء من مس الرجل
امرأته في غير شهوة» رواه أبو داود في الصلاة رقم (٧١٤) باب ((من قال المرأة لا
تقطع الصلاة))، ص (١ : ١٩٠).
١٩٤ - الاستذكار الجامع لِمَذَاهِبِ فُقَهاء الأمصارِ / ج ٥
٦٤٢٧ - قَدْ ذَكَرْنَا مَنْ تَابَعَهُ على مِثْلِ هذه الرَّوايةِ ومعْنَاها في
التَّمْهِيد(١).
٦٤٢٨ - وَفَيهِ مِنَ الفِقْهِ وجوهً منها :
٦٤٢٩ - أنَّ المرأةَ لا تبطلُ صَلاَةَ مَنْ صَلَّى إليها، سَوَاءً جَعَلَها سترةً في
صَلاَّته أو كانتْ بِينَهُ وبينَ قِبْلَتِهِ . فإنَّ ذلكَ كلَّهُ مَذْكُورٌ في حَدِيثِها هذا عِنْدَ
ناقلیه.
٠٥
٦٤٣٠ - وهذا مَوْضعٌ اخْتَلَفَ فيهِ العُلَمَاءُ(*) لاِخْتِلاَفِ الآثَارِ المَرْفُوعَةِ في
(١) ((التمهيد)) (٢١: ١٦٦ - ١٦٧)، وذكر من تابعه على مثل هذه الرواية، فقال:
هذا من أثبت حديث يروى في هذا المعنى ، وقد روى القاسم عن عائشة مثله: حدثناه
خلف بن قاسم ، قال : حدثنا سعيد بن عثمان بن السكن قال حدثنا عبد الله بن محمد
البغوي ، قال : حدثنا عبيد الله بن عمر القواريري ، قال حدثنا خالد بن الحارث ، قال
حدثنا عبيد الله بن عمر، عن القاسم، قال: بلغ عائشة أن أبا هريرة يقول: ((إن المرأة
تقطع الصلاة ، فقالت : كان رسول الله - # - يصلي فتقع رجلي بين يديه أو بحذائه
فيضربها فأقبضها )) .
وحدثنا عبد الله بن محمد ، قال حدثنا محمد بن بکر ، قال حدثنا أبو داود ، وحدثنا
عبد الوارث بن سفيان ، قال حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال حدثنا بكر بن حماد ، قالا
حدثنا مسدد ، حدثنا يحيى ، عن عبيد الله ، قال : سمعت القاسم بن محمد يحدث عن
عائشة ، قالت: بئسما عدلتمونا بالحمار والكلب، لقد رأيت رسول الله - {24م ـ
يصلي وأنا معترضة بين يديه ، فإذا أراد أن يسجد غمز رجلي فضممتهما إليّ ، ثم
یسجد.
وكلاهما حديث واحد أخرجه البخاري في الصلاة (٥١٩)، باب ((هل يغمز الرجل
امرأته عند السجود ليسجد))، وأبو داود في الصلاة (٧١٢) والنسائي (١: ١٠٢)،
والإمام أحمد في المسند (٦ : ٤٤، ٥٤، ٥٥).
(*) المسألة - ١٣٤ - قرر الشافعي ، والخطابي ، والنووي ، والمحققون من الفقهاء
والمحدثين : بأن المراد بالقطع : القطع عن الخشوع والذكر ، للشغل بها والالتفات إليها
لا أنها تفسد الصلاة .
وقد اقتصر الحنابلة على بطلان الصلاة بمرور الكلب الأسود لحديث الفضل بن عباس
عند أبي داود المتضمن صلاة النبي ◌َّ أمام حمار ، وحديث عائشة السابق المتضمن
وهي معترضة بينه وبين القبلة ، وحديث ابن عباس التالي في الفقرة =
صلاة الرسول
٧- كتاب صلاة الليل (١) باب ما جاء فى صلاة الليل - ١٩٥
ذلك .
٦٤٣١ - فقالتْ طائفَةٌ: يقطعُ الصَّلاَةَ على المُصَلي إذاَ مَرَّ بينَ يَدَيْهِ الحِمَارُ
والكَلبُ والمرأةُ .
٦٤٣٢ - وَمَمَّنْ قالَ: بها : أنسُ بنُ مالكٍ ، وأبو الأحوص ، والحسنُ
البصريُّ، وحُجَّتْهُم حديثُ أبي ذَرً(١) ، وحديثُ ابنِ عباسٍ (٢) بذلكَ، عَنِ النبيّ
=التالية المتفق عليه الذي مر راكباً على حمار ثم نزل وترك الأتان ترتع بين الصفوف فبقى
الكلب الأسود خالياً عن معارض فيجب القول به لثبوته ، وخلوه عن معارض . المجموع (٣:
٢٣٢) .
(١) حديث أبي ذر، عن النبي (4):
(( يَقْطَعُ صَلَةَ الرَّجُلِ إِذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ يَدَيْهِ مِثْلُ مُؤَخْرَةِ الرَّحْلِ: المرأةُ، والحِمَارُ،
والكَلْبُ الأسْوَدُ )) قال : قلت لأبي ذر: ما بالَ الأسود من الأحمر ، فقال : يا ابن أخي،
سألت رسول اللّه عَج كما سألتني فقال :
« الكَلْبُ الأسْودُ شَيْطَانٌ ».
أخرجه مسلم في كتاب ((الصلاة)) ح (( ١١١٧)» من طبعتنا ص (٢: ٦٤٥)،
باب ((قدر ما يستر المصلي))، وصفحة (١: ٣٦٥) من طبعة عبد الباقي.
ورواه أبو داود في الصلاة رقم (٧٠٢) باب ((ما يقطع الصلاة)) (١: ١٨٧).
ورواه الترمذي في الصلاة رقم (٨٣٨) باب (( ما جاء أنه لا يقطع الصلاة إلا الكلب
والحمار)) (٢ : ١٦١ - ١٦٢).
ورواه ابن ماجه في الصلاة رقم (٩٥٢) باب ((مايقطع الصلاة)) (١: ٣٠٦)،
وأعاده في الصيد رقم (٣٢١٠)، وباب ((صيد كلب المجوس والكلب الأسود البهيم))
ببعضه.
وقد اختلفت وجهة العلماء في الكلام على هذه الأحاديث وتعارضها ، فبعضهم ذهب
إلى أن قطع الصلاة بالمرور منسوخ ، وبعضهم تأول الأحاديث فيه ، فقال الخطابي في
معالم السنن (١: ١٩١).((وقد يحتمل أن يتأول حديث أبي ذر على أن هذه
الأشخاص إذا مرت بين يدي المصلي قطعته عن الذكر ، وشغلت قلبه عن مراعاة الصلاة،
فذلك معنى قطعها للصلاة ، دون إبطالها من أصلها حتى يكون فيها وجوب الإعادة)).
(٢) بالإسناد الذي ذكره المصنف في التمهيد عن يحيى بن أبي كثير عن عكرمة ، عن ابن
عباس أخرجه أبو داود في الصلاة (٧٠٤)، باب ((ما يقطع الصلاة))، وطرفه: ((إذا
صلى أحدكم إلى غير سترة ، فإنه يقطع صلاته: الكلب ، والحمار ، والمجوسي، والمرأة))=
١٩٦ - الاستذكار الجامع لِمَذَاهِبِ نُقَهاء الأمصارِ / ج ٥
◌َِّ. وَقَدْ ذَكَرَّتُهما بالأسَانِيدِ الحِسَانِ في كتابِ التَّمْهِيدِ، والحمدُ للَّه (١).
٦٤٣٣ - وروي عَنْ عائشةَ - رضي الله عنها - أنَّها قالتْ: لا يقطعُ
الصَّلاَةَ إلاَّ الكَلْبُ الأسْوَدُ(٢).
٦٤٣٤ - وَبَهِ قالَ أحمدُ بنُ حنبلٍ ، وقالَ : في نفسي مِنَ المرأةِ والحِمَارِ
شَيْءٌ.
٦٤٣٥ - وكَانَ ابنُ عَبَّاسٍ، وعطاءُ بنُ أبي رباحٍ يقولاَنِ: يَقْطَعُ الصَّلاةَ
الكَلْبُ الأسْودُ والمرأةُ الخَائضُ (٣).
٦٤٣٦ - رواهُ قتادةُ، عَنْ جابرِ بنِ زيدٍ ، سَمِعَهُ يحدِّثُّهُ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ ،
ورواهُ شعبةُ، عَنْ قتادةَ ، عَنْ جابرٍ ، عَنِ ابنِ عباسٍ، عَنِ النبيِّ ◌َِّهُ .
٦٤٣٧ - وقالَ جمهورُ العُلماءِ: لا يقطعُ الصَّلاةَ شيٌّ (٤).
٦٤٣٨ - وهُوَ قولُ مالكٍ، والشافعيِّ، وأبي حَنِيفةَ، وأصْحَابِهم ،
والثوريِّ، وأبي ثورٍ ، وداود، والطبريٍّ، وجماعةٍ مِنَ التَّابعينَ.
٦٤٣٩ - وحجّتُهم حديثُ ابن شهابٍ، عَنْ عروةَ، عَنْ عَائِشَةً، قالتْ:
كانَ رسولُ اللهِ عٌٍَّ يُصَلِي مِنَ الَيْلِ صَلاَتَهُ وأنَا مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَهُ وبينَ القِبْلَةِ
كَاعْتِرَاضِ الجَنَازَةِ (٥).
= وعن شعبة، عن قتادة، عن جابر عن زيد، عن ابن عباس، عن النبي (عَّ) قال:
((يَقْطَعُ الصَّلاةَ: الكلبُ والمرأةُ الحائضُ)) أخرجه أحمد (١: ٣٤٧)، وأبو داود ، وابن
ماجة (٩٤٩)، والنسائي (٢: ٦٤).
(١) التمهيد (٢١ : ١٦٧).
(٢) مصنف ابن أبي شيبة (١: ٢٨٠)، وعن عروة بن الزبير: لا يقطع الصلاة إلا الكافر
المصنف (١ : ٢٨٠) .
(٣) تقدم في الحاشية الثانية للفقرة (٦٤٣٢).
(٤) مصنف ابن أبي شيبة (١: ٢٨٠ - ٢٨١).
(٥) رواه البخاري في الصلاة، ح (٣٨٣، ٣٨٤)، باب ((الصلاة على الفراش». فتح
الباري (٤٩٢:١)، ومسلم في الصلاة ، رقم (١١٢٠) من طبعتنا ، ص=
٧- کتاب صلاة الليل (١) باب ما جاء في صلاة الليل - ١٩٧
٦٤٤٠ - ورواهُ عطاءُ بنُ أبي رباحٍ، عَنْ عروةَ، عَنْ عائشةً مثلهُ .
٦٤٤١ - وقَدْ ذكرنَا إسْتَادَهُ مِنْ طُرقٍ في ((التمهيدِ)).
٦٤٤٢ - فَسَقَطَ بهذا الحديثِ أنْ تَقْطَعَ المرأةُ بمرورِها صَلاَةَ مَنْ تَمرُّ بِينَ يَدَيْه.
٦٤٤٣ - ومعلومٌ أنَّ اعْتِرَاضَها بينَ يَدَي الْمُصَلِّي أشدٌّ مِنْ مُرُورِها .
٦٤٤٤ - وَسَيأتي القولُ في مرورِ الحِمَارِ بينَ يَدي الْمُصَلِّي في بابِ («الرُّخْصَةِ
في المرورِ بينَ يدي المُصَلِّي)) مِنْ هذا الكتابِ إنْ شَاءَ اللهُ تعالى، وهناكَ يَقَعُ
الاسْتِيعَابُ مِنَ القُولِ في السّتْرةِ والمرورِ بينَ يدي المُصَلِّ بعونِ اللهِ تعالى.
٦٤٤٥ - وأمَّا قولُهُ في حديثِ هذا البابِ: وَرِجْلاَي في قِبْلَتِهِ ، فإذاَ سَجَدَ
غَمَزَنِي ، فَقَبَضْتُ رِجْلِي = وهُوَ حديثُ القاسمِ بنِ محمدٍ ، عَنْ عَائِشَةً: غَمَزَ رجليٍّ
فَقَبِضْتُهُما أو فَضْمَمْتُهُما إليّ ، فَفيهِ دَلِيلٌ على أنَّ المُلامَسَةَ باليَدِ لاَ تنقضُ
الطَّهَارَةَ ( ما لم يكن معها اللذة) (١)، لأنَّ الأصْلَ في (لمس)(٢) الرَّجْلِ أنْ
يكونَ بَلاَ حائلٍ وكذلكَ اليدُ حتَّى يثبتَ الحَائِلُ ، وهُنا اعْتِرَاضْ طَوِيلٌ قَدْ ذکرْتُهُ في
التَّمْهيد (٣).
= (٣٤٨:٢)، باب ((الاعتراض بين يدي المصلي))، وصفحة (٣٦٦:١) من طبعة عبد
الباقي، وابن ماجه في الصلاة، ح (٩٥٦)، باب ((من صلى وبينه وبين القبلة شيء))
(٣٠٧:١)، والإمام أحمد في مسنده (٦: ٣٧، ١٢٦، ١٩٩، ٢٠٠)، وعبد الرزاق
في المصنف (٢٣٧٤ - ٢٣٧٥)، والدارمي (١: ٣٢٨).
(١) ما بين الحاصرتين من ((التمهيد)) (٢١: ١٧٠).
(٢) ما بين الحاصرتين زيادة متعينة .
(٣) هذا الاعتراض الذي ذكره المصنف في ((التمهيد)) (٢١: ١٧٠ - ١٨٢) ينحصر
فيما رواه القاسم بن محمد ، عن أبيه ، قال : قال لي المزني : من أين قال مالك بن
أنس إنه من لمس لشهوة انتقض وضوؤه ، ومن لمس لغير شهوة لم ينتقض عليه وضوؤه ؟
فقلت له : قال الله - عز وجل -: ﴿أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء﴾ (النساء: ٤٣،
والمائدة: ٦) الآية ، فكان واجبا بظاهر الآية انتقاض وضوء كل ملامس كيف لامس ،
فدلت السنة على أن الوضوء على بعض الملامس دون بعض ؛ فقال : وأين السنة ؟
فقلت له : حديث عائشة : فقدت رسول الله - 24 - فطلبته ، فوضعت يدي على =
١٩٨ - الاستذكار الجامع لمذاهب نُقَهاء الأمصارِ / ج ٥
=قدميه وهو ساجد يقول : أعوذ برضاك من سخطك ، وبعفوك من عقوبتك ، وبك منك
لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك . قال قاسم : فلما وضعت يدها على قدمه
- وهو ساجد وتمادى في سجوده . كان دليلا على أن الوضوء لا ينتقض إلا على بعض
الملامسین دون بعض . قال المزني : فإني أقول إنه كان على قدمه حائل شيء کالثوب یسترها
أو نحوه . قال قاسم : فقلت له : القدم بلا حائل حتى يثبت الحائل .
قال أبو عمر :
ما أدري كيف يجوز على مثل المزني - مع جلالته وفقهه وسعة فهمه - مثل هذا الإدخال
والاحتجاج ، والأغلب أن النائم مشتمل في ثوبه ملتحف به ، وإذا أمكن ذلك - وهو الأغلب
- لم يجب أن يقطع بملامسة فيها مباشرة إلا بيقين - ولا يقين في هذا الحديث ، لإمكان ستر
القدم واحتماله ؛ وإذا احتمل ، لم تكن فيه حجة ؛ لأن الحجة ما لا تنازع فيه ولا يحتمل
تأويل الخصم . وحديث هذا الباب أولى من الحديث الذي احتج به قاسم ؛ لأن في حديثنا في
هذا الباب : أن رسول الله - * - كان يغمز رجل عائشة أو رجليها ، فهو الملامس في هذا
الحديث - ولو ثبت أنه باشرها أو شيئا من جسدها بالملامسة ؛ لأنه قد يحتمل أن يغمزها
على الثوب ، أو يضرب رجلها بكمه ، ونحو هذا .
والحديث الذي احتج به قاسم يرويه مالك عن يحيى بن سعيد ، عن محمد بن إبراهيم
التيمي ، عن عائشة - وهو منقطع من هذه الوجه .
وأما اختلاف العلماء في الملامسة التي تنقض الطهارة وتوجب الوضوء على من أراد
الصلاة ، فاختلاف قديم وجدناه عن السلف والخلف ، ونحن نورد منه ومن وجوه أقاويلهم
فيها ما فیه کفایة - إن شاء الله .
قال سفيان الثوري ، وأبو حنيفة والأوزاعي ، وأكثر أهل العراق ، وطائفة من أهل
الحجاز : الملامسة التي ذكر الله - عز وجل - في كتابه في قوله: ﴿ أو لمستم النساء ﴾،
((أو لامستم)) على ما قرئ من ذلك كله ، هي الجماع نفسه الموجب للغسل ، وأدنى ذلك
مس الختان ؛ وأما ما كان دون ذلك من القبلة والجسة وغيرها ، فليس من الملامسة ولا ينقض
الوضوء : وهو مذهب ابن عباس ، ومسروق ، وعطاء ، والحسن ، وطاوس .
وروي عن علي بن أبي طالب مثل ذلك .
وقال الثوري : من قبل امرأته وهو على وضوء لم أر عليه وضوءا .
وقال أبو حنيفة ، وأبو يوسف ومحمد : من قبل امرأته أو باشرها أو لامسها لشهوةُ أو
لغير شهوة ، فلا وضوء عليه إلا أن ينتشر ؛ ومن قصد مسها لشهوة ليس بينهما ثوب
فمسها وانتشر ، فإن كان هذا ، انتقض وضوؤه عند أبي حنيفة وأبي يوسف ،. وقال محمد :=
٧
٧- كتاب صلاة الليل (١) باب ما جاء في صلاة الليل - ١٩٩
=لا ينتقض وضوؤه إلا أن يخرج منه مذي أو غيره .
وقد قال الأوزاعي في الذي يقبل امرأته : إن جاء يسألني قلت : يتوضأ ، وإن لم
يتوضأ لم أعب عليه ، وقال في الرجل يدخل رجليه في ثياب امرأته فيمس فرجها أو بطنها :
لا ينقض ذلك وضوء .
قال أبو عمر :
كلهم ذهب إلى أن الملمس باليد لا بالرجل ، لقول الله - عز وجل - : ﴿ فلمسوه
بأيديهم﴾ (الأنعام الآية ٧) والمباشرة عند مالك بالجسد كاللمس باليد يراعون فيه اللذة على
ما يأتي بعد واضحا - إن شاء الله .
وقال أبو ثور : لا وضوء على من قبل امرأته أو باشرها أو لمسها .
قال أبو عمر :
فمما احتج به من ذهب هذا المذهب : أن قال : الملامسة واللمس نظيرها في كتاب الله
المسيس والمس والمماسة مثل الملامسة قال الله - عز وجل -: ﴿وإن طلقتموهن من قبل أن
تمسوهن﴾ ( البقرة الآية: ٢٣٧) وقد أجمعوا على أن رجلا لو تزوج امرأة فمسها بيده أو
قبلها في فمها أو جسدها - ولم يخل بها ولم يجامعها - أنه لا يجب عليه إلا نصف
الصداق ، كمن لم يصنع شيئا من ذلك ؛ وأن المس والمسيس عني به - ههنا الجماع ، فكذلك
اللمس والملامسة ؛ قالوا : وکذلك قال ابن عباس : إن الله - عز وجل - حي کریم یکني عن
الجماع بالمسيس ، وبالمباشرة ، وباللمس ، وبالرفث ، ونحو ذلك .
وذكروا ما حدثناه إبراهيم بن شاكر ، قال : حدثنا عبد الله بن محمد بن عثمان ، قال
حدثنا سعيد بن عثمان ، قال حدثنا أحمد بن عبد الله بن صالح ، قال حدثنا أبو صالح الفراء،
قال حدثنا أبو إسحاق الفزاري ، عن أبي إسحاق ، الشيباني ، عن بكير بن الأخنس ، عن
سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال: إن الله حي كريم يكني، قال: ﴿ فاعتزلوا النساء
في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله ﴾ ( الآية
١٨٧ من سورة البقرة ) فهذا باب من الجماع - وقد كنى . وقال: ﴿ولا تباشروهن وأنتم
عاكفون في المساجد ﴾ ، وقال ﴿ فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم ﴾ فهذا باب من
الجماع وقد كني . وقال تبارك وتعالى: ﴿ أو لامستم النساء﴾، فهذا باب من الجماع وقد كنى.
وحدثناه عبد الوارث بن سفيان ، قال حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال حدثنا عبيد الله بن عبد الواحد
البزار ، قال حدثنا أبو صالح محبوب بن موسى الفراء ، قال حدثنا أبو إسحاق الفزاري - فذكره -
إلى آخره .
وحدثناه عبد الوارث أيضا ، حدثنا قاسم ، حدثنا ابن وضاح ، حدثنا عبد الملك بن حبيب
المصيصي ، حدثنا أبو إسحاق الفزاري - فذكره .
واحتجوا من الأثر المرفوع بما رواه وكيع وغيره عن الأعمش ، عن حبيب ابن أبي ثابت ،=
٢٠٠ - الاستذكار الجامع لِمَذَاهِبٍ نُقَهاء الأمْصارِ / ج ٥
= عن عروة، عن عائشة ، أن النبي - # - قبل امرأة من نسائه ثم خرج إلى الصلاة - ولم
يتوضأ ؛ قال : قلت : من هي إلا أنت ؟ فضحكت .
ووكيع عن سفيان ، عن أبي رؤوف ، عن إبراهيم التيمي ، عن عائشة ، أن النبي - #
- قبلها فلم يتوضأ . قالوا : ولا معنى لطعن من طعن على حديث حبيب بن أبي ثابت ، عن
عروة - في هذا الباب ؛ لأن حبيبا ثقة ولا يشك أنه أدرك عروة وسمع ممن هو أقدم من عروة
فغير مستنكر أن يكون سمع هذا الحديث من عروة ، فإن لم يكن سمعه عنه ، فإن أهل العلم
لم يزالوا يروون المرسل من الحديث والمنقطع ، ويحتجون به إذا تقارب عصر المرسل والمرسل
عنه ، ولم يعرف المرسل بالرواية عن الضعفاء والأخذ عنهم ؛ ألا ترى أنهم قد أجمعوا على
الاحتجاج بحديث ابن عباس عن النبي - # - وجله مراسيل ، والقول في رواية إبراهيم
التيمي عن عائشة مثل ذلك ؛ لأنه لم يلق عائشة ، وهو ثقة فيما يرسل ويسند ؛ قالوا : وقد
روي هذا الخبر عن عائشة من وجوه - وإن كان بعضها مرسلا - فإن الطرق إذا كثرت قوى
بعضها بعضا ؛ وذكروا ما روى شعبة وغيره عن أبي بشر ، عن سعيد بن جبير ، قال : ذكروا
اللمس فقال ناس من الموالي ليس الجماع ، وقال ناس من العرب : اللمس الجماع ؛ فأتيت
ابن عباس فقلت : إن ناسا من الموالي والعرب اختلفوا في اللمس وأخبرته بقولهم ، فقال :
مع أي الفريقين كنت ؟ قلت : مع الموالي ؛ قال : غلب فريق الموالي إن اللمس والمباشرة
الجماع ؛ ولكن الله يكني بما شاء ؛ قالوا : والكتاب والسنة والقياس والنظر. كل ذلك يدل
على أن الملامسة المقصود إلى ذكرها في آية الوضوء ، هي الجماع ؛ قالوا : فأما الكتاب ،
فقول الله - عز وجل - : ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة ) - يريد : وقد
أحدثتم قبل ذلك - ﴿ فاغسلوا وجوهكم ﴾ الآية . فأوجب غسل الأعضاء التي ذكرها بالماء ،
ثم قال: ﴿وإن كنتم جنبا فاطهروا ﴾ - يريد: الاغتسال بالماء، ثم قال: ﴿وإن كنتم مرضى
أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء ﴾ - يريد الجماع الذي يوجب
الجنابة ولم تجدوا ماء تتوضأون به من الغائط ، أو تغتسلون به من الجنابة - كما أمرتكم في
أول الآية ﴿ فتيمموا صعيدا طيبا ﴾ (الآية ٦ من سورة المائدة) قالوا: فإنما أوجب في آخر
الآية التيمم على من كان أوجب عليه الوضوء والاغتسال بالماء في أولها ؛ قالوا : وقول من
خالفنا إن الله لما ذكر طهارة الجنب في أول الآية ، ذكر الملامسة في آخر الآية موصولا بذكر
الغائط ؛ استدلوا بذلك على أنه غير الجنابة ، فليس كما قالوا ، وإنما كان يكون ما قالوا
دليلا - لو كان إنما أوجب على الملامس في آخر الآية الطهارة التي أوجبها على الجنب في
أولها ، فكان يكون دليلا على أن اللمس غير الجنابة ؛ لأنه قد أوجب الطهارة من الجنابة في
أول الآية ، فلم يكن لإعادة إيجاب الطهارة منها في آخرها معنى يصح ؛ ولكنه إنما أوجب
عليه في أول الآية الاغتسال بالماء ، وأوجب عليه في آخرها التيمم بدلا من الماء - إذا كان=