النص المفهرس
صفحات 141-160
٢ - كتاب الطهارة (٥) باب ترك الوضوء مما مست النار - ١٤١
عَبْدِ اللَّه ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ نَّ أَكَلَ كَتَفَ شَاةٍ، ثُمَّ صَلَّى
وَلَمْ يَتَوَضَّأَ (١).
١٧٤١ - أُشبعَ مالكٌ هذا البابَ في موطئه وقوَّاهُ لقوة الخلاف بينَ السّف
بالمدينة وغيرها فيه .
ر
١٧٤٢ - فذكرَ حديثينِ مسندَينِ : حديثَ ابن عباس ، وحديثَ سويد بن
النعمان: أنَّ النبيَّ - عليه السلام - أُكَلَ السَِّيِقَ (٢) ولم يَزِدْ على أُنْ تمضمضَ
وصلَّى .
٢
= إنما مات رسول اللَّه ه وهو ابن أربع عشرة سنة، {قد قيل ست عشرة سنة، وقيل ثلاث
عشرة سنة ) .
خامساً : خبر آخر يدل على أن الرخصة كانت غير مرة ، وهذا الخبر ذكره الهيثمي في
مجمع الزوائد (١ : ٢٥١)، وقال : رواه أحمد ، والطبراني في الكبير ، ورجاله ثقات ،
وهو عن المغيرة بن شعبة أن رسول اللَّه ي أكل طعاما وأقيمت الصلاة فقام ، وقد كان يتوضأ
قبل ذلك، فأتيته بماء ليتوضأ فانتهرني وقال لي: ((وَرَاءَكَ)) فساءني ذلك ثم صلى ،
فشكوت ذلك إلى عمر بن الخطاب فقال : يا رسول الله إن المغيرة بن شعبة قد شق عليه
انتهارك إياه خشي أن يكون في نفسه عليه شيءٌ فقال: ((لَيْسَ في نَفْسي عَلَيْهِ شَيءٌ إلاّ
خَيْرٌ ، ولَكنَّهُ أَتَانِي بَمَاءٍ لأتوضأ وإنّما أكلتُ طَعَاماً ولو فَعلتُ ذلكَ فَعَلَ النَّاس ذلك من بَعْدي)).
سادساً ذهب أكثر أهل العلم ، وفقهاء الأمصار ، إلى ترك الوضوء مما مست النار ورأوه
آخر الأمرين من فعل رسول اللَّه عَّه. ((الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار)) ص
(١٥٧) من طبعتنا الثانية وما بعدها .
(١) الموطأ (٢٥)، وفي رواية ابن الحسن (٣٨)، جنب مكان كتف . وقد تقدم تخريجه
في أثناء ذكر الدليل الثالث في ذكر ما يدل على النسخ من المسألة المتقدمة أول هذا الباب .
(٢) السويق : دقيق الشعير أو السلت المقلو، والسلت ، بضم فسكون : الشعير ،
أو ضرب منه ، أو الحامض منه .
٠٠٠
٠٠٠
١٤٢ - الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار / ج ٢ .
١٧٤٣ - وذُكرَ عَنْ أُبي بكرٍ ، وعمر ، وعلي ، وعثمان ، وابن عباس ، وعامر (١)
ابن ربيعة، وأبي بن كعب، وأبي طلحة الأنصاريَّين (٢): أَنَّهُمْ كانُوا لا يرون
على مَن أكلَ شيئًا مسَّتْهُ النارُ وضوءاً، وأنَّهُم كانُوا يأكلُون ذلك ، ولا يُحْدثونَ
قبلَ الصلاةِ وبعدَ أكلِهم ما مست النارُ - وضوءاً .
١٧٤٤ - ودلَّ ذلكَ مِن فعلِهِ على عملِهِ باختلافِ الآثارِ المسندةِ في هذا الباب .
١٧٤٥ - فأُعْلَم الناظرَ في موطَّئِهِ أُنَّ عملَ الخلفاء الراشدين بترك الوضوء مما
مستِ النارُ دليلٌ على أنَّهُ منسوخٌ ، وأُنَّ الآثارَ الواردةَ بذلك ناسخةٌ للآثارِ الموجبةِ
لَهُ. وقدْ جاءَ هذا المعنى عَنْ مالكٍ أيضًا .
١٧٤٦ - وروَى محمدُ بنُ الحسن أنَّهُ سمعَ مالكًا يقولُ: إذا جَاءَ عَنِ النبيِّ
-عليه السلام - حديثان مختلفان ، وبلغَنا أنَّ أبا بكر وعمر عملا بأحد الحديثين
وتركا الآخر كانَ في ذلك دلالةٌ على أنَّ الحقَّ فيما عملا بِهِ .
١٧٤٧ - وقدْ ذكرتُ في التمهيدِ حديثَ الأوزاعي(٣): قال [ كان](٤)
(١) في (ص): ولعاجر بن ربيعة ، وهو تحريف .
(٢) الموطأ (٢٦ - ٢٨).
(٣) ذكر ابن عبد البر حديث الأوزاعي في ((التمهيد)) (٣: ٣٤٨)، بإسناده، فقال
أخبرنا أحمد بن قاسم ، قال : حدثنا محمد بن عيسى ، قال : حدثنا بكر بن سهل ، قال :
حدثنا عمرو بن هشام البيروتي ، قال : سمعت الأوزاعي يقول : سألت ابن شهاب عن الوضوء
مما غيرت النار ، فقال لي : توضأ ، قلت عمن ؟ قال عن ابن عمر ، وأبي سعيد الخدري ،
وأبي هريرة ، وزيد بن ثابت ، وأنس بن مالك ، وعائشة ، وأم سلمة ، قلت : فأبو بكر ؟
قال : لم يكن يتوضأ . قلت : فعمر ؟ قال : لم يكن يتوضأ . قلت فعثمان ؟ قال لم يكن
يتوضأ ، قلت : فعلي ؟ قال : لم يكن يتوضأ ، قلت فابن عباس قال لم يكن يتوضأ ، قال :
فقلت له أرأيت إن سألتك رجلا ؟ مثل رجالي . فقال : إذا لأتيتك بهم .
وهو يقصد ما ذكره في ((التمهيد)) (٣: ٣٥٢ - ٣٥٣).
(٤) ما بين الحاصرتين زيادة من («التمهيد)) (٣: ٣٥٢) على ما في الأصلين (ص )
و ( ك ) .
٢٠
٢ - كتاب الطهارة (٥) باب ترك الوضوء مما مست النار - ١٤٣
مكحول : يَتوضأ مما مست النَّارُ، حتَّى لقي عطاء بن أبي رباحٍ، فأُخَبَرَهُ عَنْ
جابرٍ : أَنَّ أبا بكر الصديق أكَلَ ذراعاً أُو كتفاً ثُمَّ صلَّى، ولَمْ يتوضأ ، فتركَ
مكحول الوضوءَ، فقيلَ لَهُ: أُتَرَكتَ الوضوءَ ؟ فقال: لأنْ يقعَ أبو بكر مِنَ
السَّماء { إلى الأرضِ] (١) أُحبُّ إِليه مِنْ أُنْ يخالَفَ رسولَ اللَّهِ ﴾ (٢).
١٧٤٨ - وذكرْنا حدّيثَ حماد بن زيد قال: سمعت أيوبَ(٣) يقولُ لعثمان
(١) ما بين الحاصرتين زيادة في ( ك) على ما في (ص).
(٢) ذكره المصنف في ((التمهيد)) (٣: ٣٥٢ - ٣٥٣).
(٣) هو أيُّوبُ بن أبي تَمِيمة، واسمه كَيْسان، السِّخْتِيانيُّ، أبو بكر البَصْرِيُّ، مولى
عَنَزة، ويقال : مولى جُهَيْنَةَ ، ومواليه حُلفاء بني الحريش ، وكان منزله في بني الحَرِيش
بالبصرة .
رأى أنس بن مالك .
قال البُخَاريُّ ، عن عليّ بن المدينيِّ : له نحو ثمان مئة حديث .
وقال بشر بن آدم : سمعتُ إسماعيلَ بن عُلِيَّةَ يقول : كُنَّا نقول : حديث أيوب ألفا حديث
فما أُقَل مَا ذهب عليٍّ منها .
وقال حَمَّاد بن زيدٍ ، عن مَيْمون أبي عبد الله: كُنَّا عند الحسن، وعنده أيوب، فسألَهُ عن
شيءٍ ، ثم قامَ فأتبعَهُ بَصَرَهُ حتى إذا كانَ حيثُ لا يسمعُ أيوبُ ، قال : هذا سَيِّدُ الفتْيان .
وقال أبو حاتم : سُئِلَ ابنُ الْمَدِينِيِّ: مَن أُثبت أصحاب نافع ؟ قالَ : أيوب وفَضْلَه ، ومالك
وإتقانه ، وعُبَيْدَ اللَّه وحفظه .
وقال محمد بن سَعْدٍ : كانَ ثِقَةُ ثَبْتاً في الحديث، جامعاً كثير العلم ، حُجَّةٌ، عدلاً .
وقال النَّسَائِيُّ : ثِقَةُ ثَبْتُ .
قال إسماعيل بن عُلَيَّةَ : ولِدَ أيوبُ سنة ستٍ وستين .
وقال غيرُهُ : ولدَ قبل الجارف بسنةٍ ، سنة ثمان وستين .
وقال البُخاريُّ، عن عليّ بن المدينيِّ : مات سنة إحدى وثلاثين ومئة .
زادَ غيرُه : وهو ابن ثلاث وستين .
التاريخ الكبير (١: ١: ٤.٩)، الجرح والتعديل (١: ١: ٢٥٦)، المعرفة ليعقوب
ابن سفيان (٢ : ٢٣١ - ٢٤١)، حلية الأولياء ٣: ٢ - ١٤) ، تاريخ الإسلام للذهبي
(٥: ٢٢٨ - ٢٣٠)، سير أعلام النبلاء (٦: ١٥)، تذكرة الحفاظ (١٣٠:١).
١٤٤ - الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار / ج ٢.
البَتيِّ (١) : إذا سمعتَ أبداً خلافاً عَنِ النبيِّ - عليه السلام - وبلغكَ فانظرْ
ماکانَ علیه ◌ُبو بكرٍ وعمرَ فشدّ بِهِ یدیكَ (٢)
٠
١٧٤٩ - قالَ حماد بن زيد: سمعتُ خالداً الحَذَّاء يقولُ: كانوا يرونَ أُنَّ
الناسخَ مِنْ حديث رسول اللَّه عَّهُ ما كانَ عليه أبو بكر وعمر .
٠ ١٧٥ - وذكرنا حديثَ الليث عَنْ يحيى بن سعيدٍ ، قال : كانَ أبو بكرٍ وعمر
أُتْبَع الناس لِهَدْي رسول اللَّه عَّه .
١٧٥١ - { حدَّثَنا عبدُ الرحمن بن يحيى، قالَ حدَّثنا أحمدُ بنُ سعيد، قالَ
حدَّثنا محمدُ بنُ زبان ، قالَ حدَّثْنا زكريا بنُ يحيى كاتب العمري ، قالَ حدَّثني
المفضلُ بنُ فَضالة عنْ عياش بنِ عباس القِتْباني أنَّهُ كتبَ إِلى يحيي بنِ
سعيدٍ الأنصاري يسأله : هَلْ يُتوضَّأَ مما مستِ النَّارُ ؟ فكتبَ إليه : هذا مما
يُختلف فيه وقدْ بلغنا عَنْ أبي بكر وعمر أَنَّهُما أكلاً مِمَّا مسَّتْهُ النارُ ثُمَّ صَلَّيَا ولمْ
يتوضأً} (٣).
(١) هو عثمان البَتي فقيه البصرة، أبو عمرو، بيّاع البُتُوت {وهي الأكسية الغليظة}،
اسم أبيه مُسلم ، وقيل : أُسْلم .
وقيل : سُليمان، وأصله من الكوفة حدث عن أنس بن مالك ، والشعبيِّ ، وعبد الحميد
ابن سَلمة ، والحسن .
وعنه : شعبة، وسفيان، وهُشيم ويزيد بن زُرَيْع ، وابن عُلِيَّة ، وعيسى بن يونس .
وثقه أحمد ، والدارقطني ، وابن سَعْدٍ ، وابنُ مَعين ، فيما نقله عباس عنه .
طبقات ابن سعد ٢١/٧ ، التاريخ الكبير ٢١٥/٦، الجرح والتعديل ١٤٥/٦ ، تهذيب
الكمال (٩٢٥)، تاريخ الإسلام ٢٧٦/٥، ميزان الاعتدال ٥٩/٣ - ٦٠، تهذيب
التهذيب ١٥٣/٧ - ١٥٤، خلاصة تذهيب الكمال (٢٦٢).
(٢) ذكره المصنف في ((التمهيد)) (٣: ٣٥٣) أيضاً.
(٣) ما بين الحاصرتين سقط من (ص)، وثابت في ( ك)، وانظر التمهيد (٣:
٣٥٣) .
٠
٢ - كتاب الطهارة (٥) باب ترك الوضوء مما مست النار - ١٤٥
١٧٥٢ - وقدْ حدَّثْنا خلفُ بنُ القاسم ، قالَ حدَّثنا ابنُ أبي العقب بدمشق ، قالَ
حدَّثنا أبو زُرْعةَ ، قالَ حدَّثْنا عليّ بنُ عياشِ ، قالَ حدَّثنا بنُ أُحمد ، عنْ محمدِ بنِ
الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جابرِ بنِ عبد اللَّه، قالَ: ((كانَ آخرَ الأمرين من رسول اللَّه عَّم
تركُ الوضوء مما مست النارُ)) (١).
١٧٥٣ - وأُمَّا الآثارُ الموجبةُ للوضوء على مَنْ أُكَلَ شيئاً مَسَّتْهُ النَّارُ
فكثيرةٌ : منها حديث ابن شهاب عن أبي سلمةَ بنِ عبد الرحمن ، عَنْ أبي سفيان
ابن المغيرة بن الأخنس: « أَنَّهُ دخلَ على أُمِّ حَبيبةَ فسقتْهُ سَوِيقًا، ثُمَّ قَامَ يصلّي
فقالتْ: توضَّأَ يا ابنَ أُخي . فإني سمعتُ رسولَ اللَّهِ لَّه يقولُ: توضّئوا مما
مسَّت النارُ)) (٢).
١٧٥٤ - رواه (٣) معمرُ، ويونسُ، وابن جُرَيَج، وغيرُهم عَنِ ابنِ شهاب .
١٧٥٥ - ومنْها حديث ابن أبي ذئبٍ عَنِ ابنِ شهاب ، عَنْ عبدِ الملك بن أبي
بكر بن عبد الرحمن ، عن خارجةَ بنِ زيد بن ثابت ، عَنْ أُبيه : زيد بن ثابت ،
قالَ: قالَ رسولُ اللَّهُ عَّهُ: ((توضِّئُوا مِمَّا غيرت النَّارُ)) (٤).
١٧٥٦ - ورواه أبو عاصم وغيرُهُ عَنِ ابْنِ أبي ذئبٍ .
١٧٥٧ - وكانتْ عائشةُ تقولُ: ((كانَ آخرَ الأمْرَيْن مِنْ رسول اللَّه عَّ
الوضوءُ مِمَّا مسّتِ النَّارُ)).
(١) رواه أبو داود في كتاب الطهارة، رقم (١٩٢) باب ((ترك الوضوء مما مَسَّت النار))
(١: ٤٩)، والنسائى في الطهارة، ح (١٨٥)، باب ((ترك الوضوء ما غيرت النار))
(١: ١.٨) .
(٢) تيسير الوصول (٣: ٨٩) والجامع الصغير بشرح السراج المنير (١٦٠:٢).
(٣) كذا في ( ك)، وفي ( ص)، وروي ، وهو تحريف .
(٤) رواه مسلم في الطهارة - باب ((الوضوء مما مسّت النار)) والنسائي فيه ، باب
((الوضوء مما غيرت النار))، والإمام أحمد في مسنده (٥ : ١٨٩).
١٤٦ - الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار / ج ٢
١٧٥٨ - وهذا كانَ مذهبَ ابن شهاب، كانَ الناسخُ هُوَ الأَمْرُ بالوضُوء مما
مست النَّارُ ، ويقول : لو كانَ غير ذلكَ ما خفي على أُمِّ المؤمنين عائشة وأُمِّ حبيبة .
١٧٥٩ - وجاءَ عنْ أبي هريرةَ في هذا الباب نحوَ مذهب ابن شهاب، لأنَّ
أبا هريرةَ روى عَنِ النبيِّ ◌َّهُ: «أَنَّهُ أُكلَ كتفَ شاةٍ فمضمضَ وغسل یدیهِ ، ثُمَّ
صلَّى )).
٠ ١٧٦ - ورَوى عنه: ((توضَّئُوا مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ)).
١٧٦١ - وكانَ أبو هريرة يتوضَّأُ مِمَّ مستِ النَّارُ.
١٧٦٢ - وممنْ رُويَ عَنْه إِيجابُ الوضُوءِ مما مستِ النَّارُ : زيد بن ثابت ، وعبد
اللَّه بن عمر - على اختلافٍ عنه - وأُنس بن مالك - على اختلافٍ عنه - وبه
قالَ خارجةُ بنُ زيد بن ثابت ، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ،
وابنه عبد الملك ، ومحمد بن المنكدر ، وعمر بن عبد العزيز ، وابن شهاب .
فهولاء كلهم مدنيون .
١٧٦٣ - وقالَ بِهِ مِنْ أُهلِ العراقِ: أبو قلابة ، والحسن البصري ، ويحيى بن
يعمر ، وأُبُو مِجْلَز لاحق ابن حُميد ، وكلّ هؤلاء بصريونَ .
١٧٦٤ - ولا أُعلمُ كوفيًّا قالَ به .
١٧٦٥ - حدّثنا أبو محمد عبدُ الله بنُ محمد ، قالَ حدَّثنا أحمدُ بنُ
سليمان ببغداد ، قالَ أخبرنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ، قالَ حدَّثني أبي ، قال
حدَّثنا عبدُ الرزاق، عَنْ معمر، قال : كانَ(١) يتوضأ مما غيرت النَّارُ، فقال لَهُ
ابن جريج : أنتَ شهابى يا أبا عروةَ .
(١) يعني معمرا، وسيصرح بذلك قريبا، ويعيد الخبر.
٢ - كتاب الطهارة (٥) باب ترك الوضوء مما مست النار - ١٤٧
١٧٦٦ - ورَوَى عِفَّان، عَنْ همام، عَنْ قتادةَ ، قالَ : قالَ لي سليمانُ بنُ
هشام : إِنَّ هذا - يعني الزُّهريَّ - لا يدعنا نأكلُ شيئًا إلاَّ أُمرنا أنْ نتوضَّأ ،
يعني مما مَسَّتِ النَّارُ . فقلت: إني سألتُ عنه سعيدَ بنَ المسيب ، فقالَ لي : إذا
أُكلتَه فَهُوَ طيب ليسَ عليكَ فيه وضوءٌ ، فإِذَاَ خرِجَ فهو خبيثٌ عليك فيهِ الوضوءُ .
١٧٦٧ - وقدْ ذكرنا الآثارَ عنْ هؤلاء كلّهم في التمهيدِ .
١٧٦٨ - وذكرْنَا في حديث ابن وهب عن يونس قال : قال لي ابنُ شهاب :
أُطعْني وتوضَّأ مما غيرِّت النارُ ، فقلت : لا أُطيعكَ وأُدَع سعيدَ بن المسّيب،
ورواه الليثُ عَنْ يونس مثلَه .
١٧٦٩ - حدَّثنا خلفُ بنُ قاسم ، قالَ حدَّثنا أبو الميمون عبدُ الرحمن بنُ عمرَ
بدمشق ، قال حدَّثنا أبو زُرعةَ ، قال حدَّثنا علي بنُ عيّاشٍ ، قالَ حدَّثنا شعيبُ بنُ
أبي حمزةَ، قال : مشيتُ (١) بينَ الزهري ومحمدِ بنِ المنكدر في الوضوءِ مما
مست النَّارُ .
٠ ١٧٧ - وكانَ الزهري يراهُ وابن المنكدرِ لا يراه ، فاحتجَّ الزهريُّ بأحاديثَ ،
فلمْ أُزُلْ أُختلفُ بينهما حتَّى رجعَ ابنُ المنكدِرِ إِلى قولِ الزهريِّ .
١٧٧١ - وقالَ عبدُ الرزاقِ: كانَ معمر يتوضَّأُ غَيِّرَتِ النَّارُ ، فقال ابنُ جريج :
أُنْتَ شهابي يا أبا عروةً.
١٧٧٢ - قال عبدُ الرزاق: وكانَ ابنُ شهاب يتوضَّأُ مما مسَّتِ النَّارُ.
١٧٧٣ - وقد قيلَ لابن شهاب: الوضوءُ (٢) مِمَّا مستِ النَّارُ كانَ في أُوّل
الإسْلاَم، فقال : أعيا الفقهاء أُنْ يعرفُوا الناسخَ والمنسوخَ مِنْ حديث رسول الله
◌ٍَّ ولو كانَ منْسُوخًا ما خفي على أُمِّ المؤمنين.
(١) مشى بينهما فى الأمر : اختلف إليهما يريد الوفاق بينهما فيه .
(٢) في ( ك) : إن الوضوء.
١٤٨ - الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار / ج ٢
١٧٧٤ - ونحو هذا حدَّتنا عبدُ الوارث بن سفيان، قالَ حدَّثنا قاسم ، قالَ
حدَّثنا أحمدُ بنُ زهير قال حدَّثْنا هارونُ بنُ معروف ، قالَ حدَّثنا حمزة ، عَنْ رجاء
ابن أبي سلمة ، عن أبي رزَين قالَ : سمعتُ الزهري يقولُ : أُعيَا الفقهاء
وأعجزهم أُنْ يعرفُوا ناسخَ حديثِ رسولِ اللَّهِ لَّه ومنسوخه .
١٧٧٥ - { وروى أبو عاصم (١) عَنِ ابْنَ أبي ذئب عن ابنِ شهاب عن
عبد الملك بن أبي بكر عن خارجة بن زيد بن ثابت عن أبيه زيد بن ثابت ، قالَ :
قالَ رسولُ اللَّهِ عَِّ: ((توضِّئُوا مِمَّا غَيِّرَتِ النَّار))] (٢).
١٧٧٦ - قالَ أبو عمر : ذهبَ بعضُ مَنْ تكلّمَ في تفسيرِ غريبِ حديثٍ
النبيَّ - عليه السلام - إِلى أُنَّ قولَهُ - عليه السلام -: ((توضِّئُوا مِمَّا غيرت (٣)
النَّارُ))، [عني بهِ غسل اليدين] (٢) لأنَّ الوضُوءَ مأخوذٌ مِنَ الوَضاءَةِ، وَهِيَ
النَّظافةُ، فكأنَّهُ قالَ: طهِّروا (٤) أيديَكُم مِنْ غَمَر (٥) ما مسَّتْهُ النَّارُ، ومن
دَسَمَ ما مسَّتْهُ النَّارُ .
١٧٧٧ - قالَ أبو عمر: هذا لا معنى لَهُ عِنْدَ أُهْلِ العِلْمِ ، ولو كانَ كَما
ظنَّهُ هذا القائل - لكانَ دسَم ما لَمْ تُغيره النارُ وودكه (٦) وغمَره لا يُتنظف منْه
ولا تغسل منْه اليدَ .
١٧٧٨ - وهذا يدلُّكَ على ضعف تأويلِهِ، وسوءٍ نظرِهِ، وقلّة علمِهِ بما جاءَ عَنِ
(١) بعد عاصم كلمة لم نتبينها .
(٢) ما بين المعقوفين ثابت في ( ك)، وساقط في (ص) .
(٣) كذا في ( ك)، وفي (ص ) : مست .
(٤) كذا في ( ص)، وفي ( ك ): نظفوا .
(٥) الغمر بالتحريك : زنخ اللحم .
(٦) الودك ، محركة : الدسم من اللحم والشحم .
٢ - كتاب الطهارة (٥) باب ترك الوضوء مما مست النار - ١٤٩
السُلْفِ مِنَ التنازع في إِيجَابِ الوضُوءِ مما مسْتِ النارُ { على ما ذكرنا عنهم في
هذا الكتاب ] (١) .
١٧٧٩ - وقد أُوردنا في التمهيد (٢) عندَ ذكر حديث مالكٍ، عَنْ زيد بن
أُسلم ، عَنْ عطاء بن يسار ، عن ابن عباس هذا المذكور ها هنا - زيادات في هذا
المعنى مِنْ جهة الأثرِ والنظر لَمْ أُرَأَنّ (٣) لذكرها وجها هنا. فَمَنْ أُرَادَ الوقوفَ
عليها تأملها هناك .
٠ ١٧٨ - ولما اختلفت الآثارُ في هذا الباب استَدلَّ الفقهاءُ بما وصفْنَا مِنْ أُفعال
الخلفاء الراشدين مِنْ أُنَّهم علموا الناسخَ، فعملوا به ، وتركُوا المنسوخَ .
١٧٨١ - وليسَ فيما رُوي عَنْ عائشةَ وأُمّ حبيبةَ حجَّة على عملِ الخُلُفاءِ.
١٧٨٢ - قالَ أبو عمر : وقد رُوي عَنْ أُمِّ سلمة في ذلكَ خلاف ما رُوي
عنهما ممَّا يوافقُ عملَ (٤) الخلفاء.
١٧٨٣ - وقد ذكرنا ذلك عنهما في التمهيدِ .
١٧٨٤ - ومن جهة النظر فإنَّ الأصْلَ أُلا يَنْتَقِضَ وضوءُ مجتمَعِ عليهِ إِلاَّ بحديثٍ
مجتمَعٍ عليهِ، أُو بدليلٍ مِنْ كتابٍ أُو سنةٍ لا معارِضَ لَهُ .
١٧٨٥ - أُخبرنا عبدُ الوارث، حدّثنا قاسم ، حدَّثنا بشرُ بنُ حمادٍ ، حدّثنا
مُسَدَّدٍ قالَ ، حدَّثنا يحيى عَنْ سفيان، قالَ حدَّثني ابنُ عون ، عنْ عبدِ الله بن
شداد قالَ: قالَ أبو هريرةَ: ((الوضوءُ مّما غيّرَتِ النَّارُ))، فقال مروان: كيفَ يُسأل
(١) ما بين الحاصرتين ساقط من (ص)، وثابت في ( ك ).
(٢) ((التمهيد)) (٣: ٣٣٨) وما بعدها .
(٣) في ( ص ) : لم أن ، سقط .
(٤) كذا في ( ص)، وفي ( ك ) : عمل الأئمة الخلفاء.
!
. ١٥ - الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار / ج ٢
أُحد عنْ هذا وهنا (١) أزواج النبي عليه السلام ؟ فأرسلني إِلى أُمِّ سلمةَ، فقالتْ:
((جاءَتَي رسولُ اللَّهُ نَّه وقدْ توضَّأُ وضوءَهُ الصَّلاةِ، فناولته لَحْمًا أو كَتِفًا، ثُمِّ
خرَجَ إِلى الصَّلاَةِ ولمْ يتوضَّأ » .
١٧٨٦ - وممن قالَ بإسقاط الوضُوء مما مستِ النارُ : أبو بكر ، وعمر ،
وعثمان ، وعلي ، وابن عباس ، وابن مسعود ، وعامر بن ربيعة ، وأبي بن كعب
وأبو الدرداء ، وأبو أمامة .
١٧٨٧ - وعلى ذلك جماعة فقهاء الأمْصَار : مالك وأصحابه ، والثوري ،
والأوزاعي ، وأبو حنيفةً وأصحابه ، والحسن بن حى ، وابن أبي ليلى ،
والشافعيّ وأصحابه ، وأحمد وإسحاق وأبو ثور وأبو عبيد وداود بن علي ومحمد
ابن جرير الطبري .
١٧٨٨ - إلاَّ أنَّ أُحمدَ وإسحاق وطائفة مِنْ أُهلِ الحديث يقولُونَ: مَنْ أُكَلَ
شيئًا مِنْ لحمِ الجَزورِ (٢) خاصَّة فقدْ وجبَ عليه الوضوءُ .
١٧٨٩ - وليسَ ذلك عليه الوضوءَ (٣) في شَيْءٍ مَسَّتْهُ النَّارُ غير لحمِ الجزورِ .
٠ ١٧٩ - وقال أحمدُ بنُ حنبل : فيه حديثانٍ صحيحَانِ : حديث البَرَاء ،
وحديث جابر بن سَمُرة (٤) ، يعني عَنِ النَّبِيِّ عليه السلام.
١٧٩١ - وقدْ ذكرتُ الحديثين في التمهيدِ .
١٧٩٢ - وممَّنْ قالَ بقولِ أحمدَ بن حنبل في إيجابِ الوضُوءِ مِنْ لحمِ الجزورِ:
إسحاق ، وأبو ثور ، ويحيى بن يحيى النيسابوري ، وأُبو خيثمة : زهير بن
حرب، وهو قول محمد ابن إسحاق .
(١) في ( ك ) : وفينا .
(٢) الجزور: البعير ، أو الناقة المجزورة ، أي التي نحرت .
(٣) كذا في ( ك)، وفي ( ص ) : عليه في شيء ، سقط .
(٤) الجامع الصغير بشرح السراج المنير (٢: ١٦١).
٢ - كتاب الطهارة (٥) باب ترك الوضوء مما مست النار - ١٥١
١٧٩٣ - وأمَّا مالكٌ، والشافعيُّ، وأبو حنيفةَ ، والثوريُّ والليثُ بن سعد
والأوزاعيُّ فكلُّهم لا يرونَ في شَيْءٍ مسَّتْهُ النَّارُ وضوءاً: لحمَ جزورٍ كانَ أُو غيرَهُ
لأنَّ أكثرَ الأحاديث فيها أُنَّ رسولَ اللَّهِ عَّهُ أُكلَ خبزاً ولحماً، وأُكلَ كتفاً ونحوَ
هذا ، ولَمْ يخصّ لحمَ إِبِلٍ مِنْ غيرِ لحمٍ إِلٍ .
١٧٩٤ - وفي حديث سُوَيَد بن النعمان (١) إِباحة اتَّخَاذ الزادِ في السَّفَرِ.
١٧٩٥ - وفي ذلك ردٌّ على الصُّوفيَّة الذين يقولون: لا نَدخر بعد (٢) ، فإِن
غداً لَهُ رزقٌ جديدٌ .
١٧٩٦ - وفي قول اللَّه تعالى للحَاجِّ: ﴿وَتَزَوَّدوا (٣)﴾ [ سورة البقرة: ١٩٧]
ما يغني ويكفي .
١٧٩٧ - قال أهلُ التفسير : السويقُ : الكعكُ. وفيه (٤) ما يلزمُ منَ
المؤاساة عندَ نزول الحاجَةِ ، وأُنَّ للسلطانِ أُنْ يأخذَ الناسَ ببيعِ فضولِ ما بأيديهم
مِنَ الطعامِ بثمنِهِ إِذَاَ اشتدتِ الحاجَةُ إليه .
١٧٩٨ - وما كانَ مِنْهُ نُزراً اجتُهَدَ فيه بلا بدلٍ ونحو هذا ؛ لأنَّ المسلمَ أُخُو
المسلمَ ، عليه أن ينصرَهُ ويواسيَهُ ولا يجوزُ لَهْ ما استطاعَ ، ولا يحلُّ لَهُ أُنْ يَعلَمَ
أُنَّ جارَه طاوٍ (٥) إلى جنبهِ وهُوَ شبعان، ولا يرمِّقه (٦) بما يمسك مهجتَهُ.
(١) الموطأ (٢٦).
(٢) كذا في ( ص )، ويبدو أنها محرفة عن ( لغد ).
(٣) من قوله تعالى في سورة البقرة : ١٩٧ ﴿ وتزودوا فإن خير الزاد التقوى، واتقون
يا أولى الألباب ﴾ .
(٤) فيه : في حديث سويد الذي أشير إليه قبلا .
(٥) طاو : جائع ، طوى من باب صدى.
(٦) يرمقه : يمسك رمقه بما يعطيه . والمهجة : الروح .
.
١٥٢ - الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار / ج ٢
١٧٩٩ - وقدْ أُوضحْنا هذا المعنى في موضعه مِنْ هذا الكتاب .
٠. ١٨ - وقولُه في السويقِ: ((فأمر به فَشُرِّي)) يعني أنَّهُ بُلّ بالماءِ لِمَا كانَ
لحقه (١) مِنَ اليبسِ والقِدم .
١٨.١ - وفي حديث عمر (٢) دليلٌ على أنَّهُ كانَ معه غيره.
١٨.٢ - وفي ذلكَ إباحةُ اتِّخاذ الطعام والدُّعَاء إِليه - للسلطانِ وغيرِهِ.
١٨.٣ - وأمَّا حديثُ أُنسٍ حيثُ قالَ لَهُ أَبَيُّ بن كعبٍ وأبو طلحةَ :
أُعراقية (٣)؛ فقدْ زَعَم (٤) بعضُهم أُنَّ عبدَ الرُّحْمَنِ بنَ يزيد الأنصاري الَّي رَوى
عَنْ أُنسٍ هذا الحديث مجهول ، وذكرَ أُنَّ حديثَهُ ذلك منكرٌ ؛ لأَنَّ أَبَيَّ بن كعب
توفي سنةً عشرين في خلافةِ عمر . ولَمْ تكنِ العراقُ يومئذٍ مِمَّنْ يضافُ إِليها
مذهبٌ ، لأَنَّهُ لَمْ يكنْ يومئذٍ إِلاَّ أُصحاب محمَّد الذين افتتحُوها ومَنْ صحبهم في
ذلك ، وهُوَ مذهبٌ بالمدينةِ عندَ أُهْلِ العلم أشهر وأكثر مِنْهُ بالعِراقِ .
١٨.٤ - وهذا كلُّه تحامل مِنْ قَائِلِهِ، لأَنَّ عبدَ الرحمنِ بنَ يزيد (٥) هذا هو
عندَهم عبد الرحمن بن يزيد (٥) بن عقبة (٦) بن كريم الأنصارِيّ { يُعرفُ بالصِّدْقِ
(١) كذا في ( ك)، وفي (ص): يلحقه، وهو تحريف.
(٢) الموطأ (٢٦).
(٣) الموطأ (٢٧، ٢٨)، وفسر ((أعراقية))؟ بعد، فقال: ((أي بالعراق استفدت
هذا العلم ؟)) .
(٤) في ( ص ) : زعم أن ، سقط لعله ما أثبتناه .
(٥) في ( ص ) : زيد، وهو تحريف .
(٦) كذا في ( ك)، وفي (ص): عتبة، بالتاء ، وهو تحريف. انظر أسد الغابة
(٣ : ٤١٩) .
٢ - كتاب الطهارة (٥) باب ترك الوضوء مما مست النار - ١٥٣
وإِنْ لَمْ يكن مشهوراً بحمل العلم فإِنَّهُ } (١) قَدْ رَوى عنه رجالٌ كبارٌ: موسى بن
عقبة وبُكَيْر بن الأشجّ وعمرو بن يحيى وأسامة بن زيد الليث . وقد رَوى عنه
ثلاثةٌ ، { وقد قيلَ: رجلانٍ } (١) فليسَ بمجهولٍ .
١٨.٥ - وأبي بن كعب قَدِ اختُلفَ في وفاتِهِ ، فقيلَ: توفِّي في خلافة عمر
وقيلَ توفِّي في خلافة عثمان ، على حسبِ ما ذكرْنَا مِنْ ذلك في بابِهِ مِنْ كتابِنا
في الصِّحَابَةِ (٢) .
١٨.٦ - ومعنى قوله: أُعراقيّة ؟ أي بالعراقِ استفدتَ هذا العلْمَ ؟
١٨.٧ - ولو صحَّ هذا دلَّ على أنَّ ذلكَ مذهبٌ غير معروفٍ بالمدينة، إلاَّ أنَّ
هذا المذهبَ بالمدينة عَنْ زيد بن ثابت وابن عمر وعائشةً وغيرهم معروفٌ محفوظٌ
في المصنَّفَاتِ ، وكذلك أبو طلحةَ معروفٌ عَنْهُ ذلك أيضًا .
١٨.٨ - وقَدْ ذكرنا في التَّمْهيد حديثَ همام عَنْ مطرِّف الورأق عَنِ الحسن
عَنْ أُنسِ بنِ مالكٍ عَنْ أبي طلحةً، قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ عَّهُ: ((توضَّئُوا مماَ
غيرّت النَّارُ)).
٩. ١٨ - وذكرنا قولَ همام قيلَ لمطرف (٣) وأُنا عنده: عَمِّنْ أُخذَ الحسنُ
الوضوءَ مما مست النَّارُ؟ فقالَ: أُخذَهُ الحسنُ عَنْ أُنْسٍ ، وأُخذَهُ أُنسٌ عَنْ أَبي
طلحةَ ، وأُخذَهُ أُبُوَ طلحةَ عَنْ رسول عَّهِ.
٠ ١٨١ - وهذا الحديثُ يعارضُ حديثَ عبد الرحمن بن زيد هذا، وليسَ في
هذا الباب شَيْءٌ يعتمدُ عليه أُصحُّ مما قدَّمنا ذكرَهُ مِنْ عملِ الخلفاء الراشدين
وجمهور علماء المسلمين بترك الوضوء مما مست النَّارُ، وأُنَّ ذلك عندَهُم على
العملِ بالنَّاسِخِ وتَرْكِ المنسُوخِ ، وبالله التوفيقُ .
(١) ما بين المعقوفين ثابت في ( ك)، وساقط في ( ص ).
(٢) الاستيعاب (٢٥، ٢٦).
(٣) في ( ص): لمطر ، وهو تحريف .
(٦) باب جامع الوضوء (*)
٠ ٥ - مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أُبيه؛ أُنَّ رَسُولَ اللَّهِ عَله
سُئِلَ عَنْ الاسْتَطَابَةِ، فَقَالَ: (( أُوَلاَ يَجِدُ أُحَدُكُمْ ثَلاَثَةَ أُحْجَارٍ؟)) (١)
(*) المسألة - ٣١ - يتعلق بهذا الباب عدة مسائل أولها الاستنجاء والاستطابة ، ثم
زيارة القبور ، ففضل الوضوء وأثره في حط الخطايا ، والوضوء بالماء المستعمل ، ثم مسألة
نجاسة الكلب .
الاستطابة = الاستنجاءُ : من الطيب ، لأنه يطيب جسده بإزالة ما عليه من الخبث
بالاستنجاء ، وهو قلعُ النجاسة بنحو الماء ، أو تقليلها بنحو الحجر ، وحكمها : سنة مؤكدة
عند الحنفية ، وواجب عند الجمهور ، ويكون الاستنجاء بالماء أو الحجر ونحوه من كل جامد
طاهرٍ كورقٍ ، وخرقٍ ، وخشبٍ ولحصول الغرض كالحجر ، والاقتصار على الماء أفضل من
الاقتصار على الحجرّ ونحوه لأنه يزيلُ عين النجاسة وأثرها ، بخلافِ الحجرِ ، والورقِ ،
ونحوه .
لقد روي عن أنس بن مالك أنه لما نزلت آية: ﴿ فيه رجالٌ يُحبون أن يتطهروا ﴾ قال رسول
اللَّه عَّ: يا معشر الأنصار، إن اللّه قد أثنى عليكم في الطهور، فما طهوركم ؟ قالوا:
نتوضأ للصلاة ، ونغتسل من الجنابة ، ونستنجي بالماء ، قال : هو ذاكم ، فعليكموه . رواه
ابن ماجه والحاكم والبيهقي وسنده حسنٌ، نصب الراية (١ : ٢١٨).
وانظر في هذه المسألة اللباب (١: ٥٧)، مراقي الفلاح ص (٧)، القوانين الفقهية ص
(٣٦ - ٣٧) الشرح الصغير (١: ١٠٠،٩٦)، مغني المحتاج (١ : ٤٣)، المهذب
(١: ٢٨)، كشاف القناع (١: ٧٢)، المغني (١: ١٥١ - ١٥٩)، الدر المختار (١ :
٣١١)، بداية المجتهد (١: ٨٣)، فتح القدير (١ : ١٤٨)، تببين الحقائق (١: ٧٧)
(١) أخرجه مالك في الموطأ (١: ٢٨)، باب ((جامع الوضوء مرسلاً))، ورواه أبو داود
موصولاً في كتاب ((الطهارة)) باب ((الاستنجاء بالحجارة)) من حديث ((عائشة)) مرفوعًا
في لفظ: ((إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجارٍ يستطيب بهن ، فإنها
تجزئ عنه .
وأخرجه النسائي في كتاب ((الطهارة)» باب «الاجتزاء في الاستطابة بالحجارة دون
غيرها)» ، في مثل رواية زبي داود ،
- ١٥٤ -
٢ - كتاب الطهارة (٦) باب جامع الوضوء - ١٥٥
١٨١١ - هَكذا هذا الحديث عندَ جماعةٍ رواةٍ الموطأ إِلاَّ ابن القاسمِ في رواية
سحنون (١) ، رَوَاهُ عَنْ مالكٍ، عَنْ هشامٍ، عَنْ أبيه ، عَنْ أبي هريرةً .
١٨١٢ - ورواهُ بعضُ رواةٍ ابن بُكير ، عن ابنِ بكير ، عن مالك ، عنْ هشام
ابنِ عروةَ ، عَنْ أبيه ، عن أبي هريرة .
١٨١٣ - وهذا خطأً وغلطٌ ممن رواهُ عَنْ مالك هكذا ، أو عن هشام أيضاً،
أو عروة .
١٨١٤ - وإنَّما (٢) الاختلافُ فيه عَنْ هشامٍ بْنِ عروةً :
١٨١٥ - فطائفةٌ ترويه عَنْ هشام بن عروة ، عن عمرو بن خزيمة المزني، عَنْ
عُمارة بن خزيمة بن ثابت، عَنْ أُبيه : ((أُنَّ رسول اللّه ◌َّهُ قالَ : في الاستطَابَةِ
ثلاثة أحجارٍ ليسَ فيها رَجِيعٌ (٣) ولا رمَّة)) (٤)، منهم أَبُو أمامةً، وعَبَدة بن
سليمان ، وزائدة بن نمير .
١٨١٦ - وَرَوَاهُ ابنُ عيينةَ، عَنْ هشامٍ بْنِ عروةَ ، واختُلفَ فِيه عَنِ ابنِ عيينةَ :
١٨١٧ - فرواهُ عبدُ الرزّاق، عن ابن عيينة، عَنْ هشام بن عروة، عَنْ أُبي
وَجْزة (٥)، عَنْ خزيمة بنِ ثابت ، عَنِ النبيِّ - عليه السلام -.
(١) في ( ص): هنون، وهو تحريف. وانظر تنوير الحوالك (١: ٤٩).
(٢) في ( ص ) : وأما ، وهو تحريف .
(٣) الرجيع : الروث .
(٤) انظر الحاشية التالية .
(٥) هكذا قال سفيان: أبو وجزة وأخطأ فيه ، إنما هو ابن خزيمة ، واسمه : عمرو بن خزيمة
كذلك رواه الجماعة عن هشام بن عروة : وكيع ، وابن نمير ، وأبو أسامة ، وأبو معاوية ،
وعبدة بن سليمان ، ومحمد بن بشر العبدي .
L
١٥٦ - الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار / ج ٢ .
١٨١٨ - ورواه إبراهيمُ بنُ المنذرِ ، عَنْ ابْنِ عيينةَ، عَنْ هشامِ بنِ عروةً، عَنْ
أبي وجرةَ، عن عمارةَ بنِ خزيمة بن ثابت، عَنْ أُبيه ، عَنِ النبيِّ عليه السلام (١).
١٨١٩ - ورواه الحُمَيديُّ، عن ابن عيينةَ، عَنْ هشامٍ بن عروةَ ، عَنْ أُبيه عَنِ
النبيِّ - عليه السلام - مرسلاً كما رواه مالك .
٠ ١٨٢ - وكذلك رواه ابن جريج عنْ هشامٍ عَنْ أبيهِ مرسلاً كرواية مالك سواء
١٨٢١ - ورواهُ مَعْمَرٌ عَنْ هشامِ بنِ عروةَ، عَنْ رجلٍ مِنْ مُزَيْنَةَ ، عَنْ أُبيه ،
عَنِ النبيِّ عليه السلام والاختلافُ فيه على هشامٍ كثير .
١٨٢٢ - قَدْ تقصَّيْنَاهُ في ((التمهيد)) (٢) .
(١) أخرجه الشافعي في كتاب ((الأم)) (١: ١٨) من الطريق المشار إليه، وهو في
مسنده ص (٤) ، إلا أن أبا وجزة فيه يروي عن عمران بن حُدير، عن عمارة بن خزيمة .
رواه أبو داود في باب ((الاستنجاء بالحجارة)) من طريق أبي معاوية عن هشام بن عروة
عن عمر بن خزيمة ، عن عمارة بن خزيمة ، عن خزيمة بن ثابت مرفوعاً .
ثم قال أبو داود : كذا رواه أبو أسامة ، وابن نمير عن هشام .
ورواه ابن ماجه في باب ((الاستنجاء بالحجارة)) (١: ١١٤) من طريق وكيع ، وسفيان
عن هشام بن عروة ، عن عمرو بن خزيمة بهذا الإسناد ، فسفيان هنا يروي من طريق الجماعة
لا من الطريق الذي تعقبه البيهقي .
وأخرجه الإمام أحمد في مسنده (٥ : ٢١٣) من طريق محمد بن بشر ، عن هشام بن
عروة ، عن عمرو بن خزيمة بهذا الإسناد ، ومن طريق وكيع ، عن هشام بن عروة ، عن أبي
خزيمة ، عن عمارة بن خزيمة ، عن خزيمة بن ثابت مرفوعاً .
ثم رواه في (٥ : ٢١٤) من طريق ابن نمير ، عن هشام ، عن عمرو بن خزيمة ، عن خزيمة
ابن ثابت .
وراجع معاني الآثار (١ : ٧٢)، وسنن البيهقي الكبرى (١: ١.٣) ، ومعرفة السنن
والآثار (٨٦٠:١) وما بعدها ، وذكر اختلاف طرقه ، وقول البخاري : الصحيح ما روى
عبدة ، ووكيع عن هشام بن عروة بالإسناد الذي أوردناه عن ابن ماجه .
(٢) ((التمهيد)) (٢٢: ٣.٨ - ٣١٠).
٢ - كتاب الطهارة (٦) باب جامع الوضوء - ١٥٧
١٨٢٣ - وهما حديثانِ عِنْدَ هشاءٍ، قَدْ أُوضحْنا عللهما ، فمن أُرادَ الوقوفَ
على ذلك مِنْ جهةِ النَّقلِ تأمله في التَّمْهيدِ (١).
١٨٢٤ - وأمَّا غيرُ هشامٍ فرواهُ أبو حازم ، عن مسلمٍ بْنِ قَرَظ، عَنْ عروة ،
عن عائشة ، عن النبيِّ - عليه السلام - .
١٨٢٥ - وقد ذكرنا الأسانيدَ بذلك في التمهيدِ (٢) .
١٨٢٦ - وأُمَّا ذكرُ أبي هريرةَ فَلا مدخلَ لَهُ عندَ أُهْلِ العلم بالإسنادِ في هذا
الحديث ، لا مِنْ حديثٍ مالكٍ، ولاَ مِنْ حديث عروة (٣).
١٨٢٧ - وقدْ ثبتَ عَنْ أبي هريرةَ مِنْ رواية أبي صالحٍ وغيره عنه عَنِ النبيِّ
- عليه السلام - (( أَنَّهُ أُمَرَ بثلاثَةِ أُحْجَارٍ ، ونَهى عَنِ الرَّوثِ والرِّمَةِ)).
١٨٢٨ - وأُمَّا الاستطابةُ فهي إزالةُ (٤) الأذى عَنِ المخرجِ بالحجارةِ أُو بالماء .
١٨٢٩ - يقالُ فيه : استطابَ الرجلُ ، وأُطابَ : إِذا استنجى .
١٨٣٠ - ويقالُ: رَجُلٌ مُطِيبٌ، إِذا فعلَ ذلك .
(١) الحديثان هما من رواية المفضل بن فضالة ، عن هشام بن عروة، ورواية ابن المبارك عن
هشام بن عروة، وقال ابن عبد البر: ((جَوِّد ابن المبارك هذا الحديث بالإسنادين ، وما زال
مجوِّداً - رضي الله عنه - وقد ذكر عبد الرزاق ، عن ابن عُبينة الحديثين جميعاً عن هشام ،
عن أبيه، مرسلا٣ً)). التمهيد (٣١٠:٢٢).
(٢) مسلم بن قرظ، عن عروة، عن عائشة، عن النبي ◌ّه أنه قال: ((إذا ذهبَ أُحدُكُمْ
إلى الغائطِ فليذهبْ معه بثلاثةِ أحجارٍ يستطيبُ بها، فإنها تُجْزِئُ عَنْهُ)).
سنن أبي داود - باب ((الاستنجاء بالحجارة))، و((التمهيد)) (٣١٠:٢٢ - ٣١١)
(٣) كذا في (ص)، وفي ( ك): هشام . والحديث مروي عن هشام عن أبيه عن
عروة .
(٤) في ( ك ) : فهى التنظيف ، وإزالة الأذى .
١٥٨ - الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار / ج ٢
١٨٣١ - قالَ الشَّاعِرُ :
يُعْجل كفَّ الخارئ المُطيب (١)
يا رخَمَا قاظَ على مَصْلوب
١٨٣٢ - قاظ : نامَ عليه في اليومِ الصَّائِفِ.
١٨٣٣ - والاستطابةُ والاستنْجَاءُ والاستجْمَارُ أسماءٌ لمعنى واحد.
١٨٣٤ - وقدْ مضى معنى الاستجْمَارِ وما في ذلك لفقهاء الأمْصَارِ مِنَ
الأحْكَامِ والمعاني فيما تقدَّم والحمدُ لله (٢) .
١٨٣٥ - وَقَدْ ذكرْنا الإسنادَ في الثلاثةِ الأحجارِ في التمهيدِ في باب هشام
مِنْ حديث عائشةَ ، وحديث خزيمة بن ثابت (٣) ، وحديث أبي هريرةَ (٤)
وأبي أيوب الأنصاري (٥) ، وحديث السائب بن خلاَّد (٦) ، وحديث سلمان
(١) البيت للأعشى ، من قصيدة في هجاء شرحبيل بن عمرو بن مرثد وقومه . الرخم :
طائر يأكل العذرة ، وهو من أكثر الأجناس طلبا لها . ولئام الطير عند العرب : الغربان ،
• والبوم، والرخم. وروي ( ينخوب ) مكان ( مصلوب ) والينخوب : الجبان يريد أنه يفزع
حين يأخذ المتطيب حجرا يتمسح به ، ظنا منه أنه يريد أن يرميه به . انظر ديوان الشاعر :
٢٦٥ ، واللسان : قيظ .
(٢) انظر ما تقدم في هذا المجلد الثاني ((من الاستذكار)) الفقرات من: (١٣.٠)
(٣) تقدم في (٢ : ١٨١٥).
وما بعدها .
(٤) قال رسول اللَّه : إنما أنا لكم مثل الوالد أعلمكم ، فإذا أتى أحدكم الغائط، فلا
يستقبل القبلة ولا يستدبرها ، وإذا استطاب ، فلا يستطيب بيمينه ؛ وكان يأمر بثلاثة أحجار
وينهى عن الروث والرمة ((التمهيد)) (٢٢: ٣١٢)، الأم (١ : ٢٢)، أبو داود (١ :
١٨)، النسائي (١: ٣٨)، ابن ماجه (١ : ١١٤).
(٥) حديث أبي أيوب الأنصاري الذي نزل عليه رسول اللّه عَّ يقول: قال رسول اللّه عليه:
إذا تغوط أحدكم فليستنج بثلاثة أحجار، فإن ذلك طهوره. ((التمهيد)) (٢٢: ٣١٢)
(٦) حديث السائب. أن نبي الله تَّه قال: إذا دخل أحدكم الخلاء، فليتمسح بثلاثة
أحجار. ((التمهيد)) (٢٢ : ٣١٢).
٢ - كتاب الطهارة (٦) باب جامع الوضوء - ١٥٩
الفارسي (١) . كلها عَن النبيِّ - عليه السلام - في الأمْرِ بثلاثةِ أُحْجَارٍ في
الاسْتِنْجَاء .
١٨٣٦ - وذكرْنَا مَنْ أُوجَبَها مِنَ العلماء : مَن حمل ذلكَ على النَّدْب في
العَدَدِ إذا زالَ الأذى فيما تقدَّمَ مِنْ هذا الكتاب (٢) ، والحمدُ للَّه.
٥١ - مَالِكٌ، عَنِ الْعَلاَءِ بْن عَبْدِ الرَّحْمنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبي
هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ عَّهِ، خَرَجَ إلَى الْمَقْبَرَةِ، فَقَالَ: ((السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ
دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَإِنَّا، إنْ شَاءَ اللَّهُ، بِكُمْ لاَحِقُونَ . وَدَدْتُ أَنَّ قَدْ
رَأَيْتُ إخْوَانَنَاَ)) فَقَالُوا: يَارَسُولَ اللَّه! أَلَّسْنَا بِإِخْوَانِكَ؟ قَالَ: ((بَلْ
أُنْتُمْ أَصْحَابِي. وَإِخْوَانُنَا الَّذِينَ لَمْ يَأْتُوا بَعْدُ. وَأَنَاَ فَرَطُهُمْ (٣) عَلَى
الْحَوْض)) فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّه! كَيْفَ تَعْرفُ مَنْ يَأْتِي بَعْدَكَ مِنْ
أُمَّتَكَ؟ قَالَ: ((أُرَأيْتَ (٤) لَوْ كَانَ لِرَجُلٍ خَيْلٌ غُرِّ (٥) مُحَجَّلَةٌ (٦) ، في
(١) حديث سلمان، قال له رجل: إن صاحبكم ليعلمكم حتى الخراءة، قال : أجل،
نهانا أن نستقبل القبلة بغائط أو بول ، أو نستنجي بأيماننا ، أو نكتفي بأقل من ثلاثة أحجار
((التمهيد)) (٢٢ : ٣١٣).
(٢) قال أبو عمر:
هذه الآثار كلها المرسل منها والمسند وهي - صحاح - كلها يوجب الاقتصار على ثلاثة
أحجار في الاستنجاء دون تقصير عن هذا العدد ، وهذا موضع اختلف فيه العلماء ؛ فذهب
مالك ، وأبو حنيفة وأصحابهما ، إلى أنه جائز الاستنجاء بأقل من ثلاثة أحجار إذا ذهب
النجو ، هذا هو المشهور من مذهب مالك ، لقوله : من استجمر فليوتر . والوتر قد يكون
واحدا وثلاثة وخمسة وأكثر من ذلك. ((التمهيد)) (٢٢: ٣١٣)، و (١١ : ١٨)
وما بعدها .
(٣) ((فرطهم)): يريد أنه يتقدمهم إليه، ويجدونه عند الحوض، يقال: القوم: إذا
(٤) ((أرأيت)): أي أخبرني .
تقدمتهم لترتاد الماء وتهيئ لهم الدلاء والرشاء .
(٥) ((الغر)) : جمع أغر ، وهو بياض في جبهة الفرس.
(٦) ((محجلة)): من التحجيل، وهو بياض في ثلاثة قوائم من قوائم الفرس، وأصله
من الحجال وهو الخلخال ، والغر المحجلون: هم بيض مواضع الأيدي والوجه والأقدام ، كذلك
يبعثون .
.١٦ - الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار / ج ٢
خَيْلٍ دُهْمٍ (١) بُهْمِ (٢)، أُلاَ يَعْرِفُ خَيْلَهُ؟ )) قَالُوا: بَلَى (٣)، يَا رَسُولَ
اللَّه! قَالَ: ((فَإِنَّهُمْ يَأْتُونَ يَوْمَّ الْقِيَامَةِ، غُرّاً مُحَجِّلِينَ، مِنَ الْوُضُوءِ.
وَأَنَا فَرَطُهُمْ عَلَى اَلْحَوْضِ. فَلاَ يُذَدَنَّ (٤) رِجَالٌ عَنْ حَوْضِيَ، كَمَا يُذَادُ
الْبَعيرُ الضَّالُّ (٥)، أَنَادِيَهِمْ: أَلاَ هَلُمَّ (٦) ! أُلاَ هَلُمَّ! أُلاَ هَلُمَّ! فَيُقَالُ:
إِنَّهُمْ بَدَّلُوا بَعْدَكَ. فَأَقُولُ: فَسُحْقًا (٧). فَسُحْقًا. فَسُحْقًا)) (٨).
١٨٣٧ - في هذا الحديثِ مِنَ الفقهِ إِباحةُ الخروجِ إلى المقابرِ ، وزيارةِ القبورِ .
وهذا مجتمعٌ عليه للرجال ، مختلف فيه للنِّسَاءِ (*) .
(١) ((دهم)): جمع أدهم ، وهو الأسود.
(٢) ((بهم)): جمع بهيم، وهو الأسود ، وقيل: إنه الذي لا يخالطُ لونه لون سواه ،
سواء كان أسود أو أبيض ، أو أحمر ، بل يكون لونه خالصاً .
(٣) ((بلى)): حرف إيجاب ، يرفع حكم النفي ويوجب نقيضه أبداً.
(٤) ((لا يُذادنَ)): لا يطردن، أي لا يفعلن أحد فعلاً يذاد به عن حوضي.
(٥) ((الضال)): الذي لا رب له يسقيه .
(٦) ((هلم)): يستوي فيه الجمع والمفرد والمذكر والمؤنث.
(٧) ((فسحقاً)): أي بغضاً .
(٨) أخرجه مالك في كتاب ((الطهارة)) الحديث (٢٨) باب ((جامع الوضوء))، ص
(١ : ٢٩ - ٣٠)، ومسلم في الطهارة، الحديث (٥٧٣)، باب ((استحباب إطالة الغرة
والتحجيل في الوضوء))، ص (٢: ٧٦) من طبعتنا، وصفحة (١ : ٢١٨) من طبعة
عبد الباقي ، وموضعه في سنن البيهقي الكبرى (١: ٨٢ - ٨٣).
(*) المسألة - ٣٢ - لا خلاف بين أهل العلم في إباحة زيادة القبور، ولكن هناك
اختلافات بسيطة يمكن إجمالها فيما يلي :
قال الجمهور غير الحنفية : تُنْدَبُ زيارة القبور للرجال للاعتبار والتّذكُّر، وتُكْره للنساء ،
لأنها مظنة لطلب بكائهن ورفع أصواتهن ، لما تميّزن برقة القلب وقلة احتمال المصائب ، وإنما
لم تحرّم عليهنّ زيارة القبور لحديث رواه مسلم عن أم عطية: ((نُهينا عن زيارة القبور ، ولم
يَعْزِمْ علينا )).
=
٠٫٠