النص المفهرس

صفحات 81-100

كتاب الطهارة (٢) باب وضوء النائم إذا قام إلى الصلاة - ٨١
٠٠
= وذكر وكيع ، عن سفيان ، ومسعر ، عن مزاحم بن زفر ، قال : قلت الشعبي : أكوز
مخمر أحب إليك أن أتوضأ به أم من المطهرة التي يدخل فيها الجزار يده ؟ قال : لا بل
المطهرة التي يدخل فيها الجزار يده .
وذكر أبو عبيد القاسم بن سلام بعض هذه الأحاديث في الوضوء من المطاهر ، ثم قال : هذا
كله قول أهل الحجاز والعراق : إن هذه المطاهر لا ينجسها وضوء الناس منها .
وقال أبو عبد اللّه المروزي : وكذلك القول عندنا ، قال : ومعنى المطاهر : هذه السقابات
التي تكون فيها الحياض فيتوضأ منها الصادر والوارد ، وإنما أرادت العلماء من هذا أنهم
رأوا أن إدخالهم أيديهم في الماء لا يفسده . قال : وعلى هذا أمر المسلمين أن رجلا لو أدخل
يده في الإناء قبل غسلها لم ينجس ذلك ماء ، إلا أنه مسيء في ترك غسلها ؛ لأن السنة
أن يبدأ بغسلها قبل أن يدخلها الإناء .
وذكر المروزي عن إسحاق ، عن عبد اللَّه بن نمير ، عن الأشعث ، عن الشعبي ، قال :
النائم والمستيقظ سواء إذا وجب عليه الوضوء لم يدخل يده في الإناء حتى يغسلها ؛ قال
حدثنا إسحاق ، قال حدثنا المعتمر ، عن سالم ، عن الحسن ، قال : لا تغمسوا أيديكم في
الإناء حتى تغسلوها .
وذكر عبد الرزاق ، عن معمر ، وابن جريج ، عن ابن طاووس ، عن أبيه ، أنه كان يغسل
يديه قبل أن يدخلهما الماء .
عبد الرزاق ، عن ابن جريج ، قال : حدثنا نافع ، عن ابن عمر ، أنه كان يغسل يديه قبل
أن يدخلهما الوضوء .
ورواه عيسى بن يونس ، عن ابن جريج ، عن نافع ، عن عمر ، أنه كان لا يدخل يده
الإناء حتى يغسلها . وذكر الحارث بن مسكين ، عن ابن وهب ، قال : سمعت مالكا -
وسئل عن الرجل يخرج منه الحدث وهو طاهر - أيغسل يده إذا أراد الوضوء ؟ فقال : نعم
وقد كان قال لي قبل ذلك : إن كانت يده طاهرة ، فلا بأس أن يدخلها الوضوء قبل أن
يغسلها .
قال : وسئل عن المهراس الذي كان الناس يتوضؤون فيه ، فقال : لم يكن يومئذ مهراس ؟
قال : وقال مالك في الذي قال لأبي هريرة : كيف بالمهراس : فقال مالك: أكره أن يعارض
مثل هذا من قول رسول اللّه لَّ﴾ .
وقال الحارث ، عن عبد الرحمن بن القاسم ، عن مالك ، أنه قيل له : يا أبا عبد الله:
فالمهراس ؟ قال أي المهراس ؟ قيل إن قوما يتحدثون أنهم أدركوه ، ويذكرون أنه كان =

٨٢ - الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار / ج ٢ .
أنَّهم كانُوا يتوضَّئُونَ مِنَ المطاهرِ (١).
١٤٩٧ - وفي ذلك ما يدلُّكَ على أنَّ إدخالَ اليدِ السالمة مِنَ الأذى في
إناء (٢) الوضوء لا يضرُّهُ ذلك.
١٤٩٨ - وقدْ كانَ الحسنُ البصريُّ فيما رَوى عنه أُشعثُ الْحُمْرانيّ يقولُ : إذا
استيقظَ أُحدُكُم مِنَ النومِ فغمسَ يدَهُ في الإِناءِ قبلَ أن يغسلها أهراق ذلك الماء
١٤٩٩ - وإلى هذا ذهب أُهْلُ الظاهرِ، فلمْ يجيزُوا الوضوءَ بِهِ ؛ لأنه عندهم
ماءٌ منهيُّ عن استعماله ؛ لأن عندهم المنهى عنه (٣) . لا معنى له إلا هذا،
كأنَّهُ قالَ : فلا يُدْخلْ يدَهُ ، فإِنْ فعلَ لمْ يتوضَّأْ بذلكَ الماءِ .
٠٠ ١٥ - وإلى هذا المعنى ذهبَ بعضُ أصحابِ داود .
١. ١٥ - ومحصل (٤) مذهب داودَ عندَ أكثرِ أصحابِهِ أُنَّ فاعلَ ذلك عاص
إذا كانَ بالنَّهْيِ عالماً . والماءُ طاهرٌ ، والوضوءُ بِهِ جائزٌ ما لمْ تظهر فيه نجاسةٌ .
٢. ١٥ - ورَوى هشامُ عَنِ الحسنِ قال: مَنِ استيقظَ مِنْ نومِهِ فغمسَ (٥) يدَهُ
في وَضوئِهِ فَلاَ يُهَرِقْه (٦) .
= مهراس يتوضأ فيه الرجال والنساء ؛ فأنكر أن يكون ثم مهراس ، ورأيته يستحب أن
يفرغوا على أيديهم قبل أن يدخلوا أيديهم في الماء ، وقال : ما أرى الناس إلا وقد كان لهم
القدح وغير ذلك .
وذكر المروزي قال حدثنا أبو زرعة ، قال حدثنا الفضل بن دكين ، قال رأيت سفيان يتوضأ
من مطهرة المسجد - ونحن في جنازة .
(١) المطاهر : جمع المطهرة ، بكسر الميم وفتحها ، وهى الإناء يتطهر به.
(٢) في ( ص ): أثار ، وهو تحريف .
(٣) كذا في ( ك)، وفي ( ص): المنهى عنه هم ، تحريف .
(٤) في ( ص) : وتحصل ، وهو تحريف.
(٥) كذا في ( ك)، وفي ( ص ) : فغمسا ، وهو تحريف .
(٦) في ( ص ) : يهرقها ، وهو تحريف .

كتاب الطهارة (٢) باب وضوء النائم إذا قام إلى الصلاة - ٨٣
١٥.٣ - وعلى هذا جماعة الفقهاء.
٤. ١٥ - واختُلفَ أيضاً عَنِ الحسنِ البصريِّ في الفرقِ بينَ نومِ الليلِ والنهارِ
في ذلك : فرُوي عنه أَنَّهُ كانَ يُسوّي بينَ نومِ الليلِ والنهارِ في غسلِ الیدِ ، ورُوی
عنهُ أَنَّهُ كانَ لا يَجعلُ نومَ النهارِ مثل نومِ الليلِ ، ويقول : لا بأسَ إذا استيقظَ
مِن نومِ النهارِ أُنْ يغمسَ يدَهُ في وضوئِهِ .
٥. ١٥ - وإلى هذا ذهبَ أحمدُ بنُ حنبل.
٦. ١٥ - وقدْ ذكرنَا الإسنادَيْنِ والروايتَيْنِ عَنِ الحسنِ في ((التمهيدِ)) (١).
٧. ١٥ - وذكرَ أُبو بكر الأثرم قال: سمعتُ أحمدَ بنَ حنبلٍ يُسألُ عَنِ الرجلِ
يستيقظُ مِنْ نومِهِ فيغمس يدَهُ في الإِناءِ قبلَ أُنْ يغسلّها ، فقال : أُمّا بِالنَّهَارِ
فليسَ بِهِ عندي بأسَ ، وأُمَّا إِذا قامَ مِنَ النومِ بالليلِ فلا يدخل يدَهُ في الإِناءِ حتَّى
يغسلّها . قيل لأحمد : فما يصنعُ بذلك؟ قال: إِنْ صبَّ الماءَ وأُبدَلَهُ فهو أُحسنُ
وأُسْهلُ .
٨. ١٥ - قالَ أبو عمر: إِنما خَرَجَ ذكر المبيتِ على الأغلبِ ، ونوم النھَّارِ
في معنى نومِ الليلِ في القياسِ ، لأنَّهُ نومُ كلّهُ .
٩. ١٥ - وفي قولهم: بتُّ أراعي النجومَ دليلٌ على أن المبيتَ غير النومِ،
وأَنَّهُ يكونُ بنومٍ وبغير نومٍ .
١٥١٠ - واحتجَّ بعضُ أصحابِ الشافعيِّ لمذهبِهِ في الفرقِ بينَ ورود الماء على
النجاسَةِ وبينَ ورودها عليه بحديثٍ أبي هريرة هذا ، قال : ألا ترى أنَّ رسولَ اللَّه
◌َ لما خافَ على النائمِ المستيقظِ مِنْ نومِهِ أُنْ تكونَ في يدِهِ نجاسةٌ - أُمرَهُ بطرحٍ
(١) ((التمهيد)) (١٨: ٢٥٤)، وذكر أن الرواية الثانية عن الحسن أنه كان لا يجعل
نوم النهار مثل نوم الليل، وكان يقول: (( لا بأس إذا استيقظ من نوم النهار أن يغمس يده
في وضوئه))، وإلى هذا ذهب أحمد بن حنبل ، ثم ذكر رواية ابن الأثرم عنه .

٨٤ - الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار / ج ٢
الماء منَ (١) الإِناءِ على يدِهِ ليغسلّها ، ولم يأمرْ بإدخالِ يَدِهِ في الإِناءِ ليغسلّها
فيه؟ بلْ نهاهُ عَنْ ذلك فدلَّنَا ذلك مَعَ (٢) نهيهِ عَنِ البولِ في الماءِ الدائمِ (٣)،
وحديث وُلُوغِ الكلبِ في الإِناءِ (٤) ، وأُمره بالصبِّ على بول الأعْرابي (٥). على
أُنَّ النَّجَاسةَ إِذَا وردتْ على الماءِ أُفسدَتْهُ، وإذا وردَ الماءُ عليها طهرَها إِلاَّ أُنْ
تغلبَ عليه، لأنَّها لو أُفسدَتْهُ مَعَ ورودِهِ عليها لَمْ تصحّ طهارةٌ أبداً في شَيْءٌ مِنَ
الأَشْيَاء. وشرطُوا أُنْ يكونَ ورود الماءِ على النجاسةِ (٦) صبًّا مُهَراقاً.
١٥١١ - قالَ أبو عمر: هَذا خلافُ أُصلِهم : أُنَّ الشكَّ لا يوجبُ شيئاً ،
وأُنَّ كلَّ شَيْءٍ على أُصْلِ حالِهِ حتَّى يتبينَ خلاقُهُ .
١٥١٢ - وينبغي أنْ تكونَ اليدُ على طهارتِها حفْ تَتبينَ فيها النجاسةُ ،
وهذا عينُ الفقْهِ، وعليه الفقهاءُ ، لأَنَّ غسلَ اليدِ هاهنا هو عندَهُم ندبٌ
واسْتحْسَانٌ واحتياطٌ لا علَّة (٧) كما زعمَ مَنْ قالَ: إِنَّ ذلك كانَ مِنْهُ - عليه
السلام - لأنَّهُمْ كانُوا يستنجون بالأحْجَارِ ، فيبقى للأذى هناك آثار ، فربّما جالت
اليدُ فأصابتْ ذلك الأذى ، فنُدبوا إلى غَسْلِ الیدِ قبلَ إِدخالها في الإِناءِ لذلك .
١٥١٣ - وَقَدْ يجوزُ أنْ يكونَ الأصلُ في مخرجِ النَّهْي ما ذكرَ، ثُمَّ ثبتَ
الندبُ في ذلك لمنْ استنجى بالماء قياسًا على المحدِثِ النائمِ .
(١) كذا في ( ك)، وفي ( ص ): عن ، وهو تحريف .
. (٢) كانت العبارة في ( ص ): فدلنا ذلك على نهيه عن النهى عن البول ، ولا يخفى
ما بها على هذه الحال من اضطراب .
(٣) السنن للبيهقي (١: ٩٧)، والجامع الصغير بشرح السراج المنير (٣٩٠:٣).
(٤) المصدرين السابقين (١: ٢٣٩، ٢: ٣٨١) على التوالى.
(٥) رواه ابن ماجه (١ : ٩٧).
(٦) في ( ص): وشرطوا أن يكون ورود الماء على النجاسة أن يكون صبا ، وهو
(٧) كذا في ( ص ) .
تكرار لا حاجة إليه .

كتاب الطهارة (٢) باب وضوء النائم إذا قام إلى الصلاة - ٨٥
١٥١٤ - وينتقضُ على الشافعيِّ أصله في ورودِ الماءِ على النجاسَة ، وورودها
عليه باعتبار القلتين (١) ؛ لأنَّ النجاسةَ عندَهُ لو وردَ الماءَ عليها فيما (٢) دونَ
القلتينِ أُفسدتهُ إِلاَّ أُنْ تكونَ غسلاً وصبًّا مهراقًا.
١٥١٥ - وسيأتي القولُ في حكمِ الماءِ في موضعِهِ مِنْ هذا الكتابِ إِنْ شاءَ
اللَّه (٣).
١٥١٦ - وأمَّا معنى قولِ اللَّه تعالى: ﴿إِذا قُمْتُمْ إِلى الصَّلاَةِ﴾ [ سورة
المائدة: ٦ } فقالَ زيدُ بنُ أسلم ، وإسماعيلُ بنُ عبد الرحمن السُّدي (٤): إنَّ ذلك
(١) في كتاب الفقه على المذاهب الأربعة ( قسم العبادات: ٥): ومقدار القلتين وزنا
بالرطل المصرى أربعمائة وستة وأربعون رطلا ، وثلاثة أسباع الرطل . ومقدارهما مساحة فى
مكان مربع ذراع وربع ذراع طولا وعرضا وعمقا بذراع الآدمى المتوسط . وفي المكان المدور
كالبئر ذراع عرضا وذراعان ونصف ذراع عمقا ، وثلاث أذرع وسبع ذراع محيطا . وفي مكان
مثلث ذراع ونصف ذراع عرضا ، ومثل ذلك طولا ووذراعان عمقا .
(٢) كذا في ( ك)، وفي ( ص ): مما ، وهو تحريف .
(٣) يأتي في الباب التالي وهو باب «الطهور للوضوء)).
(٤) هو إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كريمة السّدي: الإمام المفسر الحجازي
الكوفي ( - ١٢٧) تابعيُّ، ثقة : حدث عن أنس بن مالك ، وابن عباس ، وعبد خير
الهَمْداني ، ومُصعب بن مسعد ، وأبي صالح باذَام ، ومُرَّة الطَّيِّب ، وأبي عبد الرحمن
السُّلمي وعددٍ كثير .
حدث عنه شعبةُ، وسفيانُ الثوري ، وزائدةُ، وإسرائيلُ ، والحسن بن حيٍّ وأبو عوانة ،
والمطلب بنُ زياد، وأسباطُ بن نصر ، وأبو بكر بن عياش وآخرون .
وورد عنه أنه رأى أبا هريرة ، والحسن بن علي .
قال النسائي : صالح الحديث ، وقال يحيى بن سعيد القطان : لا بأس به ، وقال أحمد بن
حنبل : ثقة ، وقال مرَّةٌ : مُقارب الحديث .
وله كتاب «التفسير » أفاد منه الطبري ، وروى معظمه في تفسيره .
طبقات ابن سعد ٣٢٣/٦، طبقات خليفة : ١٦٣، التاريخ الكبير ٣٦٠/١ ، التاريخ
الصغير ٣١٣،٣١٢/١، الجرح والتعديل ١٨٤/٢، ١٨٥، اللباب ٥٣٧/١ ، تهذيب =

٨٦ - الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار / ج ٢
القيامُ مِنَ النومِ (١).
١٥١٧ - ورُوي عنْ عمرَ ، وعليٌّ ما يدلُّ على أنَّ الآية عُني بها تجديد
الوضُوء لكلِّ صلاةٍ (٢) .
A
١٥١٨ - فيكونُ - على هذا - الوضوء لمنْ قام إِلى الصَّلاةِ وهو محدث
واجباً ، وعلى غيرِ محدِث ندباً وفضْلاً .
١٥١٩ - وكانَ رسولُ اللَّهِ لَّى يتوضَّأُ لكلِّ صلاة إلاَّ يوماً واحداً عامَ الفَتْحِ.
= الكمال : ١.٦، تذهيب التهذيب ١/٦٥/١، تاريخ الإسلام ٤٣/٥، ميزان الاعتدال
٢٣٦/١ (٥: ٢٦٤)، روضات الجنات: ١.١، ١.٢، تهذيب التهذيب ٣١٣/١،
النجوم الزاهرة ٣.٨/١، خلاصة تذهيب الكمال: ٣٥، طبقات المفسرين ١.٩/١ ، معجم
المؤلفين (٢ : ٢٧٦)، تاريخ التراث العربي (١: ٥٤).
(١) الأثر عن زيد بن أسلم - شيخ مالك - في الموطأ (١: ٢١)، باب ((وضوء النائم
إذا قام إلى الصلاة))، ونقله الشافعي في الأم (١: ١٢)، وقال : وأحسب ما قال كما
قال ، لأن في السنة دليلاً على أن يتوضأ من قام من نومه . وانظر معرفة السنن والآثار
(١: ٨٩٠،٨٨٩)، والسنن الكبرى (١ : ١١٧).
وعن السدي ذكره السيوطي في ((الدر المنثور)) (٣: ٢٧) طبعة دار الفكر ونسبه
لابن جرير الطبري ، وهو في تفسير الطبري (١٠ : ٦ - ٧) طبعة المعارف .
(٢) جاء في كتاب الطهارة من مصنف ابن أبي شيبة أن أبا بكر وعمر كانا يتوضآن لكل
صلاة فإذا كانا في المسجد دعوا بالطشت .
وجاء في ((التمهيد)) (٢٤٠:١٨) عن أبي عطيف قال: كنا عند ابن عمر في مجلس
في داره ، فلما نودي بالظهر . دعا بماء فتوضأ ، ثم خرج إلى الصلاة ؛ فلما صلى رجع إلى
مجلسه ؛ فلما نودي بالعصر ، دعا بوضوء فتوضأ ثم خرج إلى الصلاة ؛ فلما صلى رجع إلى
مجلسه ؛ فلما نودي بالمغرب ، دعا بوضوء فتوضأ فقلت له : أسنة ما نراك تصنع ؟ فقال :
وقد فطنت لذلك مني ؟ قلت : نعم . قال : لا - وإن كان وضوئي للصبح لكاف للصلوات
كلها ما لم أحدث ، ولكني سمعت رسول اللَّه # يقول: من توضأ على طهر ، كتب له عشر
حسنات ، فإنما رغبت في ذلك يا ابن أخي .
وروى عكرمة عن علي تجديد الوضوء لكل صلاة. ((التمهيد)) (١٨: ٢٨٨).

كتاب الطهارة (٢) باب وضوء النائم إذا قام إلى الصلاة - ٨٧
٠ ١٥٢ - وكانَ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحابةَ يَفْعَلونَ ذلك .
١٥٢١ - وقَدْ ذكرنا الآثارَ بذلك كلّه في «التمهيد» (١).
١٥٢٢ - ورُوي عَنِ ابن عباسٍ ، وسعدِ بنِ أبي وقاص ، وأبي موسى
الأُشعريّ ، وجابرِ بنِ عبد اللّه، وعَبِيدة السَّلْمانى، وأبي العالية الرِّياحي،
وسعيدِ بنِ المسّيب ، والأسودِ بنِ يزيد ، والحسنِ البصْريَّ ، وإبراهيم النخعي ،
والسري أيضاً - أنَّ الآية عُني بها حال القيامِ إلى الصَّلاةِ على غيرِ الطَّهر (٢).
١٥٢٣ - وهذا أمرٌ مجتمعٌ عليه، لا خلافَ بينَ الفقهاء فيه والحمد لله .
١٥٢٤ - ورَوَى سفيان الثوري، عَنْ علقمة بْن مَرْتَد، عَنْ سليمان بْنِ بُرَيدة ،
عَنْ أُبيه: «أُنَّ النبيَّ - عليه السلام - كانَ يتوضَّأُ لكلِّ صلاةٍ، فلمَّا كانَ يوم
الفَتْحِ صلَّى خمسَ صلواتٍ بوضوءٍ واحدٍ . فقالَ لَهُ عمر: يا رسولَ اللَّه ، فَعَلْتَ
شَيئاً لَمْ تكنْ تفعلَهُ! فقال عَمْداً فعَلَتهُ يا عمر)) (٣).
١٥٢٥ - أَيْ ليعلم الناسُ ذلك (٤).
(١) «التمهيد)) (١٨: ٢٨٨) وما بعدها .
(٢) ((التمهيد)) (١٨: ٢٨٨)، والدر المنثور (٣: ٢٧).
(٣) أخرجه مسلمٌ في الطهارة، الحديث (٦٣٠)، باب ((جواز الصلوات كلها بوضوءٍ
واحد)) ص (٢ : ١٤٩) من طبعتنا ، وصفحة (١ : ٢٣٢) من طبعة محمد فؤاد عبد الباقي .
وأخرجه أصحاب السنن الأربعة كلهم في الطهارة ، أبو داود الحديث (١٧٢) باب «الرجل
يصلي الصلوات بوضوءٍ واحد)) ص (١: ٤٤)، والترمذي حديث (٦١) باب « ما جاء أن
يصلي الصلوات بوضوءٍ واحد))، ص (١: ٨٩)، والنسائي باب ((الوضوء لكل صلاة))
ص (١: ٨٦)، وابن ماجه الحديث (٥١٠) باب ((الوضوء لكل صلاة))، ص (١٧٠:١).
(٤) قول عمر رضي اللّه عنه صنعت اليوم شيئاً لم تكن تصنعه فيه تصريح بأن النبي لمَ﴾
كان يواظب على الوضوء لكل صلاة عملا بالأفضل وصلى الصلوات في هذا اليوم بوضوء
واحد بيانا للجواز كما قال له: ((عمدا صنعته يا عمر)) في هذا الحديث جواز سؤال
المفضول الفاضل عن بعض أعماله التي في ظاهرها مخالفة للعادة لأنها قد تكون عن نسيان
فيرجع عنها وقد تكون تعمداً لمعنى خفي على المفضول فيستفيده والله أعلم .

٨٨ - الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار / ج ٢ .
١٥٢٦ - { وَمِنَ الدليلِ أُنَّ الأُمْرَ بالوضوءِ على مَنْ وجبَ عليه القيام إلى
الصَّلاَةِ في قوله عز وجل: ﴿إِذا قُمْتُم إِلى الصَّلاَةِ﴾ الآية - ليسَ بواجبٍ
إِلاَّ إِن كانَ محدثاً على غيرِ وضوءٍ ما ثبتَ عَنِ النبيِّ ◌َِّ أَنَّهُ كانَ يجمعُ بينَ
الصلاتَيْنِ في أُسفارِهِ ولاَ يتوضَّأَ إلاَّ للأولى منهما، وكذلكَ فَعَلَ بِعَرَفَةَ ،
والمُزْدَلِفَةَ في جَمْعِهِ بينَ الصلاتَيْنِ بهما (١).
١٥٢٧ - وَمِنَ الدَّلِيلِ على ذلك أيضاً ما رُوي في الآثارِ الصِّحَاحِ أُنَّهُ عَلى
أُكلَ كتفاً مسّتها النَّارُ ، وطعاماً مستْهُ النَّارُ ، وقامَ إلى الصَّلاةِ ، ولمْ يتوضَّأ.
(١) وحكى أبو جعفر الطحاوي ، وأبو الحسن بن بطال في شرح صحيح البخاري عن طائفة
من العلماء أنهم قالوا : يجب الوضوء لكل صلاة وإن كان متطهرا واحتجوا بقول الله تعالى
﴿ إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم ﴾ الآية، ولعلهم أرادوا استحباب تجديد الوضوء
عند كل صلاة ، ودليل الجمهور الأحاديث الصحيحة منها حديث بريدة ، وحديث أنس في
صحيح البخاري : كان رسول اللّه عليه يتوضأ عند كل صلاة، وكان أحدنا يكفيه الوضوء مالم
يحدث ، وحديث سويد بن النعمان في صحيح البخاري أيضا أن رسول اللّه # صلى العصر
ثم أكل سويقا ثم صلى المغرب ولم يتوضأ ، وفي معناه أحاديث كثيرة كحديث الجمع بين
الصلاتين بعرفة والمزدلفة وسائر الأسفار والجمع بين الصلوات الفائتات يوم الخندق وغير ذلك
وأما الآية الكريمة فالمراد بها والله أعلم: ((إذا قمتم محدثين)) وقيل : إنها منسوخة
بفعل النبي ﴾ وهذا القول ضعيف . والله أعلم.
قال الشافعية : ويستحب تجديد الوضوء ، وهو أن يكون على طهارة ، ثم يتطهر ثانيا من
غير حدث ، وفي شرط استحباب التجديد أوجه :
( أحدها ) أنه يستحب لمن صلى به صلاة سواء كانت فريضة أو نافلة .
( والثاني ) لا يستحب إلا لمن صلى فريضة .
( والثالث ) يستحب لمن فعل به ما لا يجوز إلا بطهارة كمس المصحف وسجود التلاوة .
( والرابع ) : يستحب وإن لم يفعل به شيئاً أصلا بشرط أن يتخلل بين التجديد والوضوء
زمن يقع بمثله تفريق ولا يستحب الغسل على المذهب الصحيح المشهور .
وحكى إمام الحرمين وجها : أنه يستحب ، وفي استحباب تجديد التيمم وجهان ، أشهرهما :
لا يستحب وصورته في الجريح والمريض ونحوهما ممن يتيمم مع وجود الماء ويتصور في غيره
إذا قلنا : لا يجب الطلب لمن تيمم ثانيا في موضعه والله أعلم .

كتاب الطهارة (٢) باب وضوء النائم إذا قام إلى الصلاة - ٨٩
١٥٢٨ - وإنَّما ذكرنا هذا لأنَّا قَدْ أُوضحْنَا اختلافَ العلماء في الوضوءِ مما
غيرتِ النَّارُ في موضعِهِ مِنْ هذا الكتاب ، وأُتينا بالآثار المرويةِ في إيجاب
الوضُوءِ على مَنْ أُكلَ ما غيرتْهُ النَّارُ مِنَ الطعامِ، وبالله التوفيق] (١).
١٥٢٩ - وكانَ ابنُ عمر يتوضَّأُ لكلِّ صلاةٍ فَقيلَ لَهُ في ذلك: {فقالَ} (٢):
((سمعتُ رسولَ اللَّهُ عَّه يقولُ: مَنْ توضَّأُ على طهرٍ كُتِبِتْ لَهُ عشرُ حسناتٍ)) (٣).
٠ ١٥٣ - وهذا كلُّه يدلُّك على معنى (الفَرْضِ وموضع الفضْلِ. وهذا أُمَرٌ
مجمعٌ عليه ، فسقطَ القولُ فيه .
١٥٣١ - وفي هذا الحديثِ مِنَ الفقْهِ أيضاً الفرق ] (٤) بينَ ورود النَّجاسة
على الماءِ وبينَ ورودِ الماءِ عليها ؛ لأنَّ النبيَّ - عليه السلام - نهى القائمَ إِلى
وضوئه مِنْ نومِهِ أُنْ يغمسَ يدَهُ في الإِناءِ ، لئلاّ يكونَ فيها مِنَ النجاسَةِ ما يفسدُ
الماءَ عليه وأُمَرِه بصبُّ الماءِ على يَدِهِ وغسلِها ببعضِ ماءِ الإِناءِ الَّذي نهاهُ أُنْ
یغمسَ یدَهُ فیه .
١٥٣٢ - فدلَّ على أنَّ الماءَ يطهّر النجاسةَ بأنْ يُصب عليها حتَّى تزول، بقليلِ
الماء زالتْ أو كثيره على حسبِ المعهودِ عِنْدَ الناسِ مِنْ تطهيرِ الأَنْجَاسِ . وَلَمْ
تعتبر في ذلك قلّة ولا كثرة ولا مقدار كما قال عليه السلام في الماءِ الذي تَرِد
عليه النَّجَاسَةُ ، وهذا بيّن لمن وُفق ، وبالله التوفيق .
(١) ما بين الحاصرتين من أول الفقرة (١٥٢٦) إلى آخر الفقرة (١٥٢٨) ثابت في ( ك)،
ساقط من ( ص ) .
(٢) ما بين الحاصرتين سقط من ( ص ) .
(٣) أخرجه: أبو داود في السنن (٥٠/١)، كتاب الطهارة، باب ((الرجل يجدد
الوضوء من غير حدث))، الحديث (٦٢). والترمذي في السنن (٨٧/١) ، كتاب الطهارة
باب ((الوضوء لكل صلاة))، الحديث (٥٩)، وقال: ((هو إسناد ضعيف)). وابن ماجه
في السنن (١٧٠/١ - ١٧١)، كتاب الطهارة، باب ((الوضوء على الطهارة))، الحديث
(٥١٢) . وجاء فى الزوائد : مدار الحديث على عبد الرحمن بن زياد الإفريقي ، وهو ضعيف.
(٤) ما بين الحاصرتين سقط من ( ص ) .

٩٠- الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار / ج ٢
١٥٣٣ - قالَ مالكٌ: الأمْرُ عندنَا أُنَّهُ لاَ يتوضَّأُ مِنْ رُعافٍ ولا مِنْ دٍ ولا مِنْ
قَبْرٍ بِسيلُ مِنَ الْجَسَدِ ، ولا يتوضَّأُ إِلاَّ مِنْ حدثٍ يخرجُ مِنْ ذكرٍ أُوَ مِنْ دَّبُرٍ أُوَ نومٍ .
١٥٣٤ - أُمَّا قولُه: الأُمْرُ عندنا إلى آخر كلامه - فإنَّه لَمْ يُردِ الأمْرَ المجتمعَ
عليه ، لأنَّ الخلافَ موجودٌ بالمدينة في الرُّعَافِ .
١٥٣٥ - وكلامه هذا ليس على ظاهِرِهِ عندَ جميعٍ أصحابِهِ؛ لأنهم لا يختلفُونَ
في الملامَسَةِ مَعَ اللذةِ، والقُبلةِ مَعَ الَّذَّةِ: أنَّ ذلكَ يوجبُ الوضوءَ ، وكذلك مسّ
الذكر .
١٥٣٦ - وسيأتي ذكر ذلك في موضعِهِ مِنْ هذا الكتاب إِنْ شاءَ اللَّه .
١٥٣٧ - وأُمَّا الدَّم السائلُ والفصْدُ والحجامةُ فجمهورُ أُهْلِ المدينةِ على أُنْ
لاَ وضوءَ في شَيْءٍ مِنْ ذلك .
١٥٣٨ - وَبَه قالَ الشافعيُّ، وَهُوَ الحقُّ، لأنَّ الوضوءَ المجتمعَ عليه لا يجبُ
أُنْ ينتقضَ إِلا بِسْتَّةٍ أُو إِجْمَاعِ (١) .
١٥٣٩ - وإنّما أُوجبَ العراقيُّون الوضوءَ في ذلكَ قياسًا على المستحاضة ،
لقول النبيَّ - عليه السلام -: ((إِنَّما ذلكَ عِرْق وليسَ بالحيضةِ)) (٢)، ثُمّ
أُمرَهَا بالوضُوءِ لكلِّ صَلَّةٍ .
(١) نواقض الوضوء كثيرة، وهي عند الحنفية اثنا عشر ناقضاً، وعند الشافعية خمسة
أشياء ، وعند المالكية ثلاثة أنواع ، وعند الحنابلة ثمانية أنواع ، وستأتي كلها بالتوالي .
وانظر في نواقض الوضوء المصادر التالية : فتح القدير (١ : ٢٤ - ٣٧) ، تبيين
الحقائق (١: ٧ - ١٢)، بدائع الصنائع (١: ٢٤ - ٣٣)، الدر المختار (١ : ١٢٤ -
١٣٨)، اللباب (١: ١٧ -٢٠)، مراقي الفلاح ص (١٤) وما بعدها ، الشرح الصغير
(١: ١٣٥ - ١٤٨)، الشرح الكبير (١: ١١٤ - ١١٦)، القوانين الفقهية ص (١٤)
وما بعدها، المهذب (١: ٢٢ - ٢٥)، حاشية الباجوري (١: ٦٩ - ٧٤) ، المجموع
(٢: ٣ - ٦٨)، كشاف القناع (١: ١٣٨ - ١٤٨)، بداية المجتهد (١: ٣٣ - ٣٩)
(٢) الموطأ (٦١).
المغنى (١ : ١٦٨ - ١٩٦).

٠
كتاب الطهارة (٢) باب وضوء النائم إذا قام إلى الصلاة - ٩١
. ١٥٤ - والكلامُ عليهم (١) يأتي عند ذكرنا حديث المستحاضَةِ إِنْ شاءَ اللَّه.
١٥٤١ - وقالَ أبو حنيفةً، وأصحابُهُ ، والثوريُّ، والحسنُ بنُ حي : الفصْدُ
والحجامةُ والرعافُ وكلُّ نجسٍ يخرجُ مِنَ الجسدِ مِنْ أَيِّ موضعٍ يوجبُ الوضُوءِ.
١٥٤٢ - وقالَ الأوزاعيُّ: إذَا كانَ دمًا عَبِيطاً (٢) فعليه الوضوءُ، وإِنْ كانَ
مثل دمِ اللَّحْمٍ فَلاَ وضوءَ فيه .
١٥٤٣ - وأُمَّا قولُه: ولا يَتوضأُ إِلاَّ مِن حَدَثٍ يخرج مِنْ قُبُلٍ أُو دُيُرٍ أُو نومٍ
فإِنَّه أُرادَ ما كانَ مِنَ الأحداثِ معتاداً، وهوَ البولُ والرجيعُ (٣) ، ففيهما وردت
الكنايةُ، لقوله تعالى: ﴿أُوْ جاءَ أُحدٌ مِنكم مِنَ الغائِطِ ﴾ [النساء: ٤٣،
والمائدة: ٦ ] ولا وضوءَ عنده في الدَّمِ الخارجِ مِنَ الدبرِ، ولا في الدودِ إِلاَّ أُنْ
يخرجَ معهما شَيْءٌ مِنَ الأُذى؛ لأُنَّ ذلكَ ليسَ مِنْ معنى ما قُصد بذكرِ المجيء
مِنَ الغَائِطِ .
١٥٤٤ - وذكرَ ابنُ عبد الحكم عن مالك قال: مَنْ خرجَ مِنْ دبرِهِ دودٌ أُو دمٌ
فَلا وضوءَ عليه .
١٥٤٥ - وقال سحنون: مَنْ خرجَ مِنْ دبرِهِ دودٌ فعليهِ الوضُوءُ؛ لأنَّها لا تسلمُ
مِنْ بَلَّةٍ .
١٥٤٦ - وقالَ الشافعيُّ: كُلُّ ما خرجَ مِنَ السبيلينِ: الذُكرِ والدُّبرِ مِنْ دود
أُو حصاةٍ أُو دمٍ أو غير ذلك ففيه الوضُوءُ؛ لإِجماعِهِم على أُنَّ (٤) الَذْي (٥)
والوَدْي (٦) فيهما الوضوءُ، وليسَا مِنَ المعتاداتِ الَّتي يُقصدُ الغائطُ لهما .
(١) عليهم : على العراقيين .
(٢) الدم العبيط : الدم الخالص الطري .
(٣) الرجيع: الروث، ويراد به الغائط هنا. (٤) في (ص): على المذي. سقط.
(٥) المذي : ماء رقيق يخرج من القبل عند الملاعبة ونحوها .
(٦) الودي : ماء أبيض ثخين ، يخرج عقب البول غالبا ، ويسمى الودي ، كغنى ، أيضا .

٩٢ - الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار / ج ٢ .
١٥٤٧ - وكذلكَ ما يخرجه الدواءُ ليسَ معتاداً، وفيه الوضُوءُ بإجماعٍ .
١٥٤٨ - وقد أُجمعُوا على أنَّ الريحَ الخارجةَ مِنَ الدبرِ حدثٌ يوجبُ الوضوءَ،
واجتمعُوا على أُنَّ الْجُشاء (١) ليسَ فيه وضوءُ بإِجماعٍ. وقدْ أُجمعُوا على أُنَّ
الريحَ الخارجةَ مِنَ الدبرِ حدثٌ، فدلَّ ذلكَ على مراعاةِ المخرجَيْنِ فقط .
١٥٤٩ - ويقولى الشافعيِّ في ذلك كلّه يقول (٢) ابنُ عبد الحكم.
٠ ١٥٥ - قال الشافعيُّ: والدودُ والدمُ إذا خرجا مِنْ غيرِ المخرجِ فَلاَ وضوءَ
في شَيْءٍ منهما ، ووافقَهُ أُبو حنيفةَ وأصحابُهُ في الدودِ ، وخالفوه في الدَّمِ على
ما قدَّمْنا عنهم .
١٥٥١ - وعَنِ الأوزاعي في الدودِ روايتان: إِحِدَاهُما كقولِ الشافعيِّ،
والأخرى كقول مالك .
١٥٥٢ - والقَيْحُ والدمُ عندَ مالك سواءٌ ، وقد رَخصَ في القيحِ بعض العلماء.
١٥٥٣ - وأُمَّا النوم فقدْ مضى حكْمُهُ فيما تقدَّمَ، ويأتي ذكرُ القَلْس (٣)
والرعافِ في موضعِهِ إِنْ شاءَ اللَّهُ .
(١) الجشاء، كغراب: تنفس المعدة، اسمٌ مِنْ: تجشأ تجشؤاً .
(٢) في ( ك ) : محمد بن عبد الله بن عبد الحكم .
(٣) القلس: ما خرج من الحلق ملء الفم أو دونه ، وليس بقيء ، فإن عاد فهو قيء.

(٣) باب الطهور للوضوء (*)
٤٣ - مَالِكٌ، عَنْ صَفْوانَ بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ سَعِيد بْنِ سَلَمَةَ، مِنْ آل بَنِي
الأَزْرَق ، عَنَ الْمُغِيرَةِ بْنِ أَبِي بُرَّدَةَ، وَهُوَ مِنْ بَنِيَ عَبَّدِ الدَّارِ . أَنَّهُ سَمَعَ
أَبَا هُرَّيْرَةَ يَقُولُ: جَاءَ رَّجُلَّ (١) إِلَى رَسُولَ اللَّهَ عَّهُ،َ فَقَالَ: يَا رَسُوَلَ
- يشمل الحديث الأول من هذا الباب وشرحه على مسألتين :
(*) المسألة - ٢٥ - فيما تكون به الطهارة : الماءُ الطّهورُ المطلق هو الطاهر في
نفسه المطهر لغيره ، وهو كل ما نَزَلَ من السماء ، أُو نَبَعَ من الأرض ، وماء الأودية والعيون
والينابيع ، والآبار ، والأنهار ، والبحار ، ونحوها من كل ماء عذب أو مالح .
هذا الماء المطلق طاهر مطهر إجماعاً ، يزال به النجس ، ويستخدم للوضوء والغسل ، لقوله
تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السماء ماءً طهوراً﴾ ولقوله عَّه عن ماء البحر: ((هو الطهورُ ماؤه ،
الحلُّ مَيْتَته)) ، وهوَ حديث روي عن سَبْعَةٍ من الصحابة كما سيأتي .
فتح القدير (١: ٤٨)، اللباب شرح الكتاب (١: ٢٦)، مراقي الفلاح ص (٣)،
الشرح الصغير (١: ٣٠ - ٣٦)، بداية المجتهد (١ : ٢٢)، الشرح الكبير (١: ٣٥)،
مغني المحتاج (١: ١٩)، المهذب (١: ٥)، كشاف القناع (١ : ٢٥)، المغني
(١ : ١٣) .
( ** ) المسألة - ٢٦ - في الفرق بين ما ينجس وما لا ينجس ما لم يتغير :
إن الحد الفاصل - عند الشافعية والحنابلة - بين القليل والكثير : هو القُلتان من قُلالي
هجر : وهو خمس قربٍ ، والقلة : هي الجرة ، سميت قلةً لأنها تقل بالأيدي أو تحمل ،
وتساوي حوالي (١٠٠) كيلو .
فإذا بلغ الماءُ قلتين ، فوقعت فيه نجاسةٌ ، جامدة أو مائعةٌ ، ولم تغير طعمه أو لونه
أو ريحه فهو طاهر مطهر للحديث التالي عن عبد الله بن عمر.
أما الكثرة عند أبي حنيفة : فهو أن يكون الماء من الكثرة بحيث إذا حركه آدميٍّ من أحدٍ
طرفيه ، لم تسر الحركة إلى الطرف الثاني منه . ولا حدّ للكثرة في مذهب المالكية .
(١) هذا الرجل ذكر في المصادر أن اسمه: ((عبد الله المدلجي))، وذكر أنه: ((عبد بن
زمعة البلوي))، وقيل: ((عبيد))، وهو ملاح السفينة. عون المعبود (١: ٣١)، وشرح
الزرقاني (١: ٤٩)، وسنن الدارمي (١: ١٨٥ - ١٨٦)، والمجموع للنووي (١ : ٨٢).
٩٣

٩٤ - الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار / ج ٢
اللَّه! إنَّا نَرُكَبُ الْبَحْرَ، وَنَحْملُ مَعَنَا الْقَليلَ منَ الْمَاءِ، فَإنْ تَوَضَّأَنَا به
عَطَشْتَاَ، أُفِنَتَوَضَّأُ مِنْ مَاء اَلْبَحْرِ (١)؛ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهَ بَّه: ((هُوَّ
الطَّهَّرُ مَاؤُهُ، الْحِلُّ مَيْتَتُهُ)) (٢).
١٥٥٤ - اختَلفَ العلماءُ في هذا الإسناد ، فقالَ محمدُ بنُ عيسى الترمذي :
سألتُ البخاريّ عنه فقالَ: حديثٌ صحيحٌ (٣).
١٥٥٥ - فقلتُ لَهُ: إِنَّ هُشَيما يقولُ فيه : المغيرةُ بنُ أبي بَرْزَةَ .
(١) في الموطأ : أفنتوضأ به ؟
(٢) أخرجه مالك في الموطأ (١: ٢٢) في كتاب ((الطهارة))، باب ((الطهور للوضوء))
حديث رقم (١٢)، والشافعي في ((الأم)) (١: ٣) في كتاب الطهارة ، والإمام أحمد في
مسنده (٢ : ٣٦١) في مسند أبي هريرة، والدارمي في السنن (١ : ١٨٥ - ١٨٦)،
كتاب ((الوضوء))، باب ((الوضوء من ماء البحر)). وأبو داود في السنن (١: ٦٤)،
كتاب ((الطهارة)) (١)، باب ((الوضوء بماء البحر)) (٤١)، الحديث (٨٣). والترمذي
في السنن (١: ١٠٠)، كتاب ((الطهارة)) (١)، باب ((في ماء البحر أنه طهور))
(٥٢)، الحديث (٦٩)، وقال: ( حسن صحيح) . والنسائي في المجتبى من السنن
(٥٠:١)، كتاب ((الطهارة)) (١)، باب ((ماء البحر)) (٤٧) . وابن ماجه في السنن
(١: ١٣٦)، كتاب ((الطهارة)) (١)، باب ((الوضوء بماء البحر)) (٣٨)، الحديث
(٣٨٦) .
وقد صححه البخاري كما حكاه عنه الترمذي، وابن خزيمة (١: ٥٩) في كتاب ((جماع
أبواب ذكر الماء))، باب ((الرخصة في الغسل والوضوء من ماء البحر)). الحديث (١١١)
وابن حبان في كتاب ((الطهارة))، باب ((المياه)) من صحيحه ، والحاكم في المستدرك
(١: ١٤٠ - ١٤١)، وقال: ((هو أصل صدّر به مالك كتاب ((الموطأ))، وتداوله فقهاء
الإسلام رضي الله عنهم من عصره إلى وقتنا هذا .
وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى (١: ٣)، ومعرفة السنن والآثار (١: ٤٦٧).
(٣) جامع الترمذي (١: ١.١).

كتاب الطهارة (٣) باب الطُهورِ للوضُوءِ - ٩٥
١٥٥٦ - فقال: وَهم فيه، إِنَّما هوَ المغيرةُ بنَ أبي بُرْدَةَ (١).
١٥٥٧ - وهُشيم إِنَّما (٢) وهم في الإسنادِ، وهوَ في المقطعاتِ أُحفظ (٣).
(١) ((المغيرة بن أبي بردة)) الكناني كان مع موسى بن نصير في مغازيه بالمغرب، وكان
موسى يؤمره على الجيوش هنالك ، وفتح في المغرب فتوحات ، وشهد له أبو العرب القيرواني
في طبقات إفريقية أنه كان ممن دخلها من جملة التابعين ، فاستوطنها ، وترجمه البخاري في
التاريخ الكبير (٤: ١: ٣٢٣)، ووثقه ابن حبان (٥: ٤١٠)، وقال : روى عنه يحيى
ابن سعيد الأنصاري ، وسعيد بن سلمة ، ووثقه النسائي أيضاً ، وله ترجمة في : طبقات
علماء إفريقية ، ص (٢٢ - ٢٣) ، وميزان الاعتدال ( ٤ : ١٥٩) ، وتهذيب ابن حجر
(١٠ : ٢٥٦ - ٢٥٧) .
(٢) في ( ك): ((ربما)).
(٣) ردّ ابن عبد البر كلام البخاري، فقال في التمهيد (١٦: ٢١٨): «لا أدري ماهذا
من البخاري - رحمه اللّه؟ - ولو كان عنده صحيحاً لأخرجه في مصنفه الصحيح عنده - ولم
يفعل ، لأنه لا يعول في الصحيح إلا على الإسناد ، وهذا الحديث لا يحتج أهل الحديث بمثل
إسناده ! وهو عندي صحيح لأن العلماء تلقوه بالقبول له والعمل به ، ولا يخالف في جملته
أحد من الفقهاء، وإنما الخلاف في بعض معانيه. الصواب مع الزمن كان البخاري لم يستوعب في كتابه
وقال البيهقي في ((المعرفة)) (١: ٤٦٩): وإنما لم يخرجه البخاري ومسلم في الأخير
الصحيحين لاختلاف وقع في اسم سعيد بن سلمة، والمغيرة بن أبي بردة ، أما هُشَيْم بن بُشير الصحية
(١.٤ - ١٨٣) فهو السُّلمى، أبو معاوية الواسطى الحافظ. سمع الزهري ، وحُصين بن
عبد الرحمن . وعنه يحيى القطان ، وأحمد ويعقوب الدَّوْرَقي ، وغيرهم .
:قال ابن مهدي : كان هشيم أحفظ للحديث من الثوري .
وقال حماد بن زيد : ما رأيت محدثاً أنبل من هشيم .
وقال أبو حاتم : لا يسأل عن هشيم في صلاحه وصدقه وأمانته .
قال الخزرجي ١٢٤/٣: ((فيه لين)) قال العجلي: ثقة يدلس. وقال ابن سعد: ثقة
حجة إذا قال حدثنا .
وقال الذهبي في الميزان ٣٠٧/٤: ((كان مدلساً، وقال أحمد : لم يسمع من يزيد بن
أبي زياد، ولا من عاصم بن كليب ، ولا من الحسن بن عبد اللّه، ولا من ابن أبي خَلْدَةَ
ولا من سيار ، ولا من على بن زيد، وسمى جماعة، قال: وقد حدث عنهم».
=

٩٦ - الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار / ج ٢
١٥٥٨ - وقالَ غيرُ البخاريِّ: سعيدُ بن سَلَمة رجلٌ مجهولٌ (١) ، لَمْ يَرو عنه
غير صفوان بن سُليم وحده .
١٥٥٩ - قالَ : ولم يَروِ عَنِ المغيرة بْنِ أبي بُرْدةً غير سعيد بن سَلمة .
= وساق الذهبي قول ابن القطان : ولهشيم صنعة محذورة في التدليس ؛ فإن الحاكم ذكر أن
جماعة من أصحابه اتفقوا يوماً على أن لا يأخذوا عن هشيم تدليساً ، ففطن لذلك ، فجعل
يقول في حديث يذكره : حدثنا حصين ومغيرة عن إبراهيم ، فلما فرغ قال لهم : هل دلست
لكم اليوم ؟ فقالوا : لا ، فقال لم أسمع من مغيرة مما ذكرته حرفاً ؛ إنما قلت حدثنى حصين ؛
ومغيرة غير مسموع لى .
كما روي عن ابن المبارك أنه سأل هشيماً لِمَ تدلس وأنت كثير الحديث ؟ فقال: إن كبيريك
قد دلَّسا : الأعمش ، وسفيان .
وقال ابن الصلاح في مقدمته ص ١٧١ : إن ما رواه المدلّس بلفظ محتمل لم يُبيِّن فيه
السماعَ والاتصالَ ، حكمه حكم المرسل وأنواعه ، وما رواه بلفظ مبيِّن للاتصال نحو : سمعت
وحدثنا ، وأخبرنا ... وأشباهها ؛ فهو مقبول محتج به ، وفي ( الصحيحين ) وغيرهما من
الكتب المعتمدة من حديث هذا الضرب كثير جداً ، كـ : قتادة ، والأعمش ، والسفيانين ،
وهشيم بن بشير وغيرهم . وهذا لأن التدليس ليس كذباً وإنما هو ضرب من الإيهام بلفظ
محتمل ... )) هـ .
قال ابن أبي الدنيا : حدثني من سمع عمرو بن عَوْن يقول : مكث هُشيم قبل موته عشرم
سنين يصلي الفجر بوضوء العشاء .
ترجمته : ابن سعد (٧ : ٣١٣)، التاريخ الكبير (٤: ٢: ٢٤٢)، الجرح (٤: ٢:
١١٥)، تاريخ بغداد (١٤: ٨٥)، العبر (١: ٢٨٦)، التذكرة (١ : ٢٤٨)، الميزان
(٤: ٦. ٣)، الكاشف (٣: ٢٢٤)، التهذيب (١١: ٥٩)، التقريب (٣٢٠:٢)،
الشذرات (١ : ٣.٣) .
(١) ((سعيد بن سلمة)) هو المخزومي، ترجمه البخاري في ((التاريخ الكبير)) (١:٢:
٤٧٨ - ٤٧٩)، الترجمة رقم (١٥٩٩)، وأورد له رواية هذا الحديث من عدة طرق ، ولم
يذكر فيه جرحاً، وكذا ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل)) (٢: ١: ٢٩)، ووثقه
النسائي، وابن حبان (٦ : ٣٦٤)، وله ترجمة في تهذيب الكمال (٤٨٠:١٠)، وتهذيب
التهذيب (٤ : ٤٢)، وخلاصة الخزرجي: ١ / الترجمة (٢٤٧٣).

كتاب الطهارة (٣) باب الطّهورِ للوضُوءِ - ٩٧
٠ ١٥٦ - قالَ أبو عمر: قد رَوى عنه يحيى بنُ سعيدٍ الأنصاري، رواهُ
عنه سفيانُ بنُ عیینةَ وغيرُه .
١٥٦١ - ذكر ابن أبي عمرو الْحُمَيْدي والمخزومي عن ابنِ عيينةً عن يحيى بنِ
سعيدٍ عَنْ رجلٍ مِنْ أُهْلِ المغربِ يُقَالُ لَّهُ المغيرة بن أبي عبد اللَّه بن أبي بردة :
((أُنَّ نَاسًا من بني مُدْجِ أُتَوا رسولَ اللَّهُ لَّهِ فقالُوا: يا رسولَ اللَّه ! إنا نَركَب
البَحْرَ)) ، وساقَ الحديث بمعنى حديث مالك .
١٥٦٢ - وقد ذكرنَاهُ في التمهيد (١)، وهو مرسلٌ لا يصحُّ فيه الاتّصالُ.
١٥٦٣ - ويحيى بنُ سعيد أُحفظُ مِنْ صفوان بن سليم وأُثبتُ مِنْ سعيدِ بنِ
سلمة .
١٥٦٤ - وليسَ إسنادُ هذا الحديث مما تقومُ بِهِ حجَّةٌ عندَ أُهْلِ العلمِ بالنِّقْلِ ،
لأنَّ فيه رجلَيْنِ غير معروفين بحمل العلم في رواية صفوان بن سليم ، وفي رواية
يحيى بن سعيد نحو ذلك في المغيرة بن أبي بُردة .
١٥٦٥ - وقد رُوي هذا الحديث أيضاً عن النبيِّ - عليه السلام - مِنْ حديث
الفِرآسيّ : رجل مِنْ بني فِراس مِنْ بني مُدْج بإسنادٍ ليسَ بالقائمِ أيضاً في حديثٍ
اللیث بن سعدٍ .
١٥٦٦ - وقد ذكرناه في التمهيد (٢).
(١) في ((التمهيد)) (١٦: ٢١٩)، وأيضاً في مصنف عبد الرزاق (٤: ٥.٤)،
حديث (٨٦٥٧) ، ومستدرك الحاكم (١ : ١٤١)، ومعرفة السنن والآثار (١ : ٤٧٢).
(٢))) ((التمهيد)) (٢٢٠:١٦)، قال أبو عمر : أرسل يحيى بن سعيد الأنصاري
هذا الحديث عن المغيرة بن أبي بردة - لم يذكر أبا هريرة ، ويحيى بن سعيد أحد الأئمة في
الفقه والحديث ، وليس يقاس به سعيد بن سلمة ولا أمثاله ، وهو أحفظ من صفوان بن سليم
وفي رواية يحيى بن سعيد هذا الحديث ، ما يدل على أن سعيد بن سلمة لم ( يكن ) بمعروف
من الحديث عند أهله .
=

٩٨ - الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار / ج ٢ .
١٥٦٧ - والفراسي مذكور في الصحابة غير معروف (١).
١٥٦٨ - قالَ أبو عمر : المغيرةُ بنُ أبي بردةَ كانَ مَع موسى بن نُصير في
مغازيه بالمغرب ، وكانَ موسى يؤمِّرُهُ على الجيوشِ هنالك . وفَتحَ في المغربِ
فتوحات .
١٥٦٩ - وهذا إسنادٌ وإِنْ لم يخرجْهُ أصحابُ الصِّحَاحِ فإِنَّ فقهاءَ الأُمْصَارِ
وجماعةٌ مِنْ أُهْلِ الحديثِ متفقونَ على أُنَّ ماءَ البَحْرِ طهورٌ ، بَلْ هُوَ أُصْلُ عندَهم
في طهارةِ المياهِ الغالبة على النجاسات المستهلكة لها . وهذا يدلُّكَ على أنَّهُ
حديثٌ صحيحُ المعنى، يُتلقَّى بالقبولِ والعملِ الَّذِي هُوَ أُقوى مِنَ الإِسْنَادِ المنفرِدِ .
= وقد روي هذا الحديث عن يحيى بن سعيد عن المغيرة بن عبد الله بن أبي بردة ، عن أبيه
، عن النبي ◌َّ ؛ والصواب فيه عن يحيى ابن سعيد، ما رواه عنه ابن عيينة مرسلا -
كما ذكرنا - والله أعلم .
وقد روى هذا الحديث عن النبي # من حديث الفراسي رجل من بني فراس مذكور في
الصحابة .
حدثنا خلف بن قاسم ، قال حدثنا أحمد بن الحسن بن عتبة الرازي بمصر ، قال حدثنا
أبو الزنباع روح بن الفرج القطان ، قال حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير ، قال حدثني الليث
ابن سعد ، عن جعفر بن ربيعة ، عن بكر بن سوادة ، عن مسلم بن مخشي ، أنه حدث أن
الفراسي قال : كنت أصيد في البحر الأخضر على أرماث ، وكنت أحمد قربة فيها ماء ، فإذا
لم أتوضأ من القرية، رفق ذلك بي وبقيت لي ؛ فجئت رسول اللّه # فقصصت عليه ذلك
وقلت: أنتوضأ من ماء البحر يا رسول الله؟ فقال: ((هو الطهور ماؤه الحل ميتته)).
وقد أجمع جمهور العلماء وجماعة أئمة الفتيا بالأمصار من الفقهاء - أن البحر طهور
ماؤه ، وأن الوضوء جائز به ، إلا ما روي عن عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب ، وعبد الله بن
عمرو بن العاص ؛ فإنه روي عنهما أنهما كرها الوضوء من ماء البحر ، ولم يتابعهما أحد
من فقهاء الأمصار على ذلك ، ولا عرج عليه ولا التفت إليه ، لحديث هذا الباب عن النبي
د .
وهذا يدلك على اشتهار الحديث عندهم ، وعملهم به وقبولهم له ؛ وهذا أولى - عندهم من
الإسناد الظاهر الصحة بمعنى ترده الأصول - وبالله التوفيق .
(١) الاستيعاب، ص (١٢٦٩).

كتاب الطهارة (٣) باب الطُهورِ للوضُوءِ - ٩٩
٠ ١٥٧ - واختَلفَ رواةُ الموطأ: فبعضُهم يقولُ: مِن آل بني الأزَرِقِ (١) كما
قال يحيى، وبعضهم يقولُ: مِنْ آلِ الأزرقِ ، وكذلك قال القعنبيُّ ، وبعضُهم
يقولُ : مِنْ آلِ ابن الأُزرقِ ، وكذلك قالَ ابنُ القاسم وابن بُكَيْر . وهذا كلُّه غير متضادٍ .
١٥٧١ - وقَدْ جاءَ عنْ عبدِ الله بن عمر ، وعبد الله بن عمرو بن العاص :
كراهيةُ الوضُوءِ بماءِ البحْرِ (٢).
١٥٧٢ - وليسَ في أُحدٍ حجّةٌ مَعَ خلافِ السُّنَّة .
١٥٧٣ - وقد روى قتادةُ عَنْ { موسى بن سلمة] (٣) الهذلي قال: سألتُ
ابن عباسٍ عَنِ الوضوء بماء البحرِ ، فقال : هما البحرانِ ، يريدُ قول الله تعالى :
﴿ هذا عَذْبُ فُرَاتٌ وهذا مِلْحٌ أُجَاجٍ ﴾ [ الفرقان: ٥٣] لا تبال (٤) بأيِّهما توضأتَ.
١٥٧٣- وهذا إجماعٌ مِنْ علماءِ الأُمْصَارِ الذين تدورُ عليهم وعلى اتِّباعهم
الفتْوى . وكذلكَ عندهم كلُّ ماءٍ مستَبْحِر كثير غير متغيرٍ بما يقعُ فيه مِنَ
الأَنْجَاسِ .
١٥٧٤ - وهذا موضعُ القولِ في الماءِ واختلافِ ما فيهِ للعلماءِ (٥) .
١٥٧٥ - فأمَّا الكوفيونَ فالنجاسَةُ تُفسدُ عندهم قليلَ الماءِ وکثیرَهُ إذا حلّتْ
فيه إلاَّ الماءَ المستبحِرَ (٦) الَّذي لا يقْدرُ آدميٌّ على تحريك جميعه قياساً على
البَحْرِ الَّذي قالَ فيه رسولُ اللَّه: ((هُوَ الطَّهورُ مَاؤُهُ، الحلّ مَيْتَتُهُ)).
(١) يعني سعيد بن سلمة المذكور في أول هذا الباب.
(٢) ورد عن عبد الله بن عمر أن ماء البحر طاهر غير مطهر. المحلى (١: ٢٢١) و(٢:
١٣٣) - وكان يقول: التيمم أحبّ إليَّ من الوضوء بماء البحر. المغني (١: ٨).
(٣) مكانها بياض في ( ص ).
(٤) في ( ص): ((لا تبالي)) وهو تحريف .
(٥) انظر المسألة الثانية - ٢٦ - المتقدمة أول هذا الباب ص ٩٣ .
(٦) في ((التمهيد)) (١: ٣٢٨): ((المستجد)).

١٠٠٠ - الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار / ج ٢ -
١٥٧٦ - وأُمَّا مالكٌ فاختُلفَ عنه في ذلك: فرَوى المصريُّونَ عَنْه خلاف رواية
أُهْلِ المدينةِ .
١٥٧٧ - فأمَّا رواية أصحابهِ المصريين عنه فإِنَّ ابنَ القاسِمِ رَوَى عَنْ مالك في
الجُنُب يغتسلُ في حوضٍ مِنَ الحِيَاضِ التي تُسْقَى فيها الدواب، ولَمْ يكن (١)
غُسِلَ مَا بِهِ مِنَ الأُذى: إِنَّ قَدْ أُفسدَ الماءَ ، وكذلك جوابه في إِناءِ الوضوءِ يقعُ
فيه مثل الإِبَر (٢) مِنَ البولِ: إنّه يفسدُهُ .
١٥٧٨ - ورُوي عَنْ مالك في الجُنبِ يغتسلُ في الماءِ الدائمِ الكثيرِ مثل
الحياضِ الَّتي تكونُ بين مكَّةَ والمدينةِ ولَمْ يكنْ غُسِلَ (٣) ما بِهِ مِنَ الأُذى: إِنَّ
ذلكَ لا يفسدُ الماءَ .
١٥٧٩ - وهذا مذهبُ ابن القاسمِ ، وأُشهبٍ ، وابن عبدِ الحكم ، كلُّهم يقولُ :
إنَّ الماءَ القليل يفسدُهُ قليلُ النَّجَاسَةِ ، وإِنَّ الماءَ الكثيرَ لا يفسدُهُ إِلاَّ ما غلب عليه
مِنَ النجاسة أُو غيرها ، فغيّرَهُ عَنْ حالِهِ في لونِهِ وطَعْمِهِ وربحِهِ .
١٥٨٠ - ولم يَحُدُوا حداً بينَ القليلِ والكثيرِ .
١٥٨١ - ونحوَ هذا قالَ الشافعيُّ، إِلاَّ أُنَّهُ حدّ في ذلك حدًّاً، لحديث (٤)
القلتين ، فقال: ما كانَ دونَ القُلُّتَين فحلّت فيه نجاسةٌ أُفسدَتْهُ ، وإِنْ لَمْ تظهرْ فيه
وإذا بلغَ الماءُ قلتينِ لَمْ يُفسدَّهُ ما يحلّ فيه مِنَ النجاسَةِ إِلاَّ أُنْ تظهرَ فيه ، فتغير
مِنْهُ لونًا أو طعمًا أو ربحًا .
(١) في ( ص) : يمكن ، وهو تحريف .
(٢) الإبر : الظاهر أن أصل العبارة: مثل رءوس الإبر. والمراد الرشاش الدقيق.
(٣) في (ص): ((غسل به))، سقط.
(٤) في ( ك ) : بحديث .