النص المفهرس

صفحات 121-140

التمهيد
الاستذكار
٩- فى
الإستذ كار زيادة
تفصيل .
- قد يورد شرحاً مختصراً للحديث
كما فى شرحه لحديث عائشة أنَّ
و
رسول الله ## كان يصلي من الليل
إحدى عشرة ركعةً يوتر منها بواحدة
... (١٢١:٨ - ١٢٨).
نفس الحديث فى ((الإستذكار))
(٥: ٦٥٤٧ - ٦٦٧١) بشرح
مطوّل، أدلته أكثر .
١٠ - المسائل
الفقهية .
- نفس حديث ابن عباس فى
التمهيد (١٣ : ٢٠٧) وما بعدها
بالإشارة إلى هذه المسائل دونَ
التعرض لها .
- يُكثر من التعرض لمسائل ذات
علاقة من قريب ومن بعيد
بالحديث موضع الشرح، کما في
حديث ابن عباس أنه باتَ ليلةً عند
ميمونة ... حيث تعرض لمسألة قراءة
الجنب للقرآن ، ولمس المصحف،
ثم مسألة النية لمن قام بجانب الإمام
*
- ١٢١ -

التمهيد
الاستذكار
١١ - الإحالات
١ - لم يذكر أى إحالة على
((الاستذكار)) خلا مرة واحدة (٤ :
٢٣٤) حيث قال : وقد ذكرنا هذا
الحديث بإسناده فى كتاب الزكاة
من كتاب ((الاستذكار)) (١)
١- يحيل على ((التمهيد)) كثيراً
لاستيفاء سند حديث، أو لاستيفاء
بعض الشروح، وما إلى ذلك .
٢- یحیلُ فی (( التمهيد)) قليلاً إلى
((التمهيد) أيضاً، انظر مثلاً (١١: بعبارة: ((وقد أوضحنا هذا في
١٧٣)، (١٩٧:١).
٢ - يحيلُ إلى ((الاستذكار)) أحياناً
موضعه من هذا الكتاب ، انظر مثلاً
(٦٦٣٣:٥) .
٣ - لا يذكر أي إحالة إلى
((الاستذكار)) ، بل يحيل أيضا على
موضع آخر في ((التمهيد» كقوله
فى (١ : ١٩٧): وسيأتى ذكر
العبارة والقول فيها في باب بلاغات
مالك : إن شاء الله .
٣- يختم شرحه لكل حديث
بالإحالة على ((التمهيد)) وهي
متناثرة في أكثر الأبواب .
(١) إنّ كلام المصنّف في ((التمهيد)) (١: ٢١ - ٢٢) صريح أنه صنّف ((الاستذكار)) بعد ((التمهيد)) فلعلّ هذه
الإحالة مما ألحقه - بعد - أثناء المراجعة، خاصة وأنها ليست فى نسخ ((التمهيد)» الخطية كلها .
- ١٢٢ -

التمهيد
الاستذكار
١٢- وحدة
الموضوع :
مفقودة
موجودة
لأنه يشرح أحاديث الباب مرة
واحدة، إما بسردها مجتمعة ثم
بشرحها، أو بتفريقها وشرح كل
حديث على حدة، ولكن في باب
واحد ، وموضع واحد .
بما أنه بوّب على أسماء شيوخه،
ففقد وحدة الموضوع الفقهي، لأنَّ
أحاديث كل باب المشتملة على
مسألة فقهية قد يرويها عن عدة
شيوخ، فيضطر أن يشرح أحاديث
الباب في عدة مواضعٍ متفرقة .
مثلاً : موضوع عمرِهِ عَ﴾ في
((التمهيد)) فى أكثر من موضع تبعاً
لاسم الشيخ الذي روى عنه
الحديث، فجاء الموضوع مفرقاً فى :
(٤١٠:٢٤) و (٢٢ : ٢٩٠) و
(٢٠: ١٣).
هو في الاستذكار فى موضع واحد
(١١ : ١٥٩٧٠) وما بعدها .
ورد فى موضع واحد .
و کذلك موضوع نكاح المحرم ورد
في ((التمهيد)) مفرقاً، فجاء حديث
ربيعة في ( ١٥١:٣) وحدیث نبيه
في (١٦ :٤٥) وحدیث داود بن
الحصين استشهد به أثناء حديث
ربيعة (٣ : ١٥٤) وحديث نافع عن
ابن عمر فى (١٥٤:٣)، وكذا
حديث سعيد بن المسيب .
- ١٢٣ -

التمهيد
الاستذكار
وكذا موضوع ما يجوز للمحرمِ
أكله من الصيد جاء في التمهيد»
(١٥٠:٢١) و(١٢٧:٤) و (٢٣
: ٣٢٤) .
فی موضع واحد .
موضوع فدية من حلق قبل أن
ينحر، جاء في ((التمهيد)) حديث
حميد (٢: ٢٣٣) ، وحديث عبد
الكريم (٢٠ : ٦٢)، وحديث
عطاء الخراسانى (٢١: ٤٠).
- وقد يمتد الأمر أن يجعل
الموضوع في أكثر من موضع، مثل
مسألة : لا تبيعوا الذهب بالذهب
التي وردت في ((التمهيد)) في :
(٢٤٢:٢) و (٦: ٢٨١)، و(٨:
٧٠)، و (١٣: ١٨٩)، و (١٦ :
٥)، و(٢٤: ٢٠٩,١٠٤)، فهذه
ثمة مواضع تفرق فيها الموضوع
بعينه
ـ ذكره فى الاستذكار في موضع
واحد (١٩ :٢١٣ - ٢١٧)
واستشهد به في أول المجلد
العشرين.
- والمصنف نفسه يدرك هذا فيحاول
عن طريق الإِحالات أحياناً، وعن
طريق قسمة الموضوع على موضعين
بالاستشهاد أن يلحق بوحدة الموضوع
إلا أنها فقدت في أغلب الحالات.
وحدة الموضوع مستوفاة فى
((الاستذكار)) من غير داع الإحالات
أو استشهادات
- ١٢٤ -

التمهيد
الاستذكار
١٣- التمهيد أقل - والأدلة كثيرة
شمولاً :
١- بينما يشرح حديث صلاة
الضحى في أكثر من ثلاث مواضع
إذا به يترك عدة أفكار رئيسية لا
يتعرض لها بالشرح مثل كلمة : يا
ابن أم، وبيت الشعر مرحباً لم
يذكره .
شرح كلمة : يا ابن أم فی ( ٦
٨٢٨٧ ) .
لم يذكر من صفات رسول # : الرحمة
لم يتعرض لرد شهادة الأعمى.
لم يشرح حديث ((المسلمون
تتكافأ دماؤهم » .
ذكره في (٦ :٨٢٨٤)
ذكر ذلك في (٦ :٨٢٨٣).
تعرض له في (٨٢٨١:٦) .
شرحه فى (٨٢٩٥:٦) وما بعدها
٢ - حديث أبي مسعود الأنصاري
في كيفية الصلاة على النبى
ذكره في (١٦ : ١٩٦) غير
مستوفٍ شرحه .
استوفى شرحه فى (٨٩٥٤:٦) وما
بعدها .
شرح كل ما ورد في ((الموطأ)).
٤- لم يشرح الآثار ، وأغلب
المراسيل، والأحاديث الموقوفة .
٥ - أقوال مالك كلها لم يتعرض
لها .
ذكره واستوفى شرحه فى (٦:
٨٩٠٠) وما بعدها .
٣ - حديث أبى هريرة: أَتَرَوْنَ
قبلتى ههنا ؟ ... ذكره في (١٨ :
٣٤٦) وأوجز شرحه .
ذكرها كلها بالتفصيل وهذا مهم إذ أن أبواباً
في كتاب الأقضية، وكتاب العقول،
وغيرها لا يوجد فيها إلا أقوال مالك .
- ١٢٥ -
الاستذكار أشمل شرحاً :
لا يترك شرح كل ماله علاقة
بالموضوع، وإن ترك فإنه يحيل إلى
موضع آخر .

التمهيد
الاستذكار
١٤ - شرط
المصنّف :
لم يستطع أن يلتزم بشرط ذكْرِ
أحاديث كل شيخ من شيوخه على
حدة، فبينما هو يشرحٍ حديث
شيخه زيد بن أسلم ذَكَرَ حديث
شيخه نافع عن ابن عمر : أنَّ رجلاً
سأل عبد الله بن عمر، ثم ذكر
حدیث یحیی بن سعيد، وكلاهما
ليس موضعه في حرف الزاي، هذا
حتى يصل إلى وحدة الموضوع .
*
- أقل استيعاباً للمسائل الفقهية
لتفكك وحدة الموضوع من جهة،
وتركه الموقوفات، والآثار وغيرها،
فترى المسألة الفقهية متناثرة في
أكثر من موضع واحد ، ففي
«التمهيد)) (١٨٨:١١) قال
مسائل السفر تكثر جداً، وإنما
ذكرنا منها ما كان في معنى حديثنا
وما يعين على فتح ما انغلق منها في
معناه .
:
أوفى بشرطه حيث شرح أحاديث
كل باب على حدة مع بعض
الإحالات على ((الاستذكار)) نفسه،
ومنحصرة في أحاديث ذكرها قبل،
مثل (٧٢٣٣:٥ - ٧٢٣٤) .
١٥ - المسائل
الفقهية . :
- المسائل الفقهية أكثر استيعاباً
لترابط الموضوع من جهة، وشرحه
كل ما ورد في الباب من أحاديث،
وآثار، وأقوال، وغيرها، فزادت
المسائل الفقهية، وفروعها، أضف
إلى ذلك ، كثرة مناقشاته،
واستدلالاته، وتفریعاته حتى يصل
إلى جوهر المسألة .
*
- ١٢٦ -

التمهيد
الاستذكار
١٦ - استيعاب
أبواب الفقه :
- تعرض بالشرح للأحاديث فقط،
ولم يتعرض لأقوال الصحابة، ولا
للمراسيل، أو البلاغات، أو الآثار،
أو أقوال الإمام مالك .
- شرح كل أبواب ((الموطأ)) وكل
أحاديثه، ووصلَ المراسيل،
والبلاغات، ووجدَ للآثار أصولاً من
أقوال النبي ◌ّ وفَصِّل كل ذلك
على ضوء أقوال فقهاء الأمصار،
وعلماء الأقطار ومن هنا فيوجد
أبواب كثيرة في الاستذكار،
وليست موجودة في ((التمهيد))،
وعلى سبيل المثال لا الحصر انظر
باب: ((الوضوء من قبلة الرجل
لامرأته (٢٥٩٦:٣) وما بعدها،
ثم أنظر (١٨) باب ((الغسل إذا
التقى الختانان» فليس في التمهيد) ،
وكذا (٢٠) باب إعادة الجنب
الصلاة ........... وغير ذلك .
- ١٢٧ -

خصائص كتاب ((الاستذكار))
لا شكَّ أنَّ كتابَ ((الاستذكار)) كتاب فقهٍ من نوعٍ جديد، لأَنَّ ابنَ عبد الّر سَلَكَ
فيه منهجاً لم يَسْبِقْهُ فيه أحدٌ ؛ فقد عَرَضَ الفقه الاسلامي على نَسقٍ خاصٍّ مُستفيداً في
عَرْضِهِ هذا من أَحْسَنِ المزايا في مَناهج الفقهاءِ والمحدّثّينَ ، وَأَبْدَعَ في هذا الأسْلُوبِ ، وابْتَكَرَ
في هذا النَّوْعِ مِنَ التَّلِفِ وَإِجْمالاً فإنه يختصُّ بخصيصةٍ ثابتهِ أَنَّ الأحاديثَ فيهِ مُسْنَدَةٌ ،
فهو لا يُخْرِجُ في كتابه حديثاً ، أو أَثَراً ، أو قَوْلاً ، أو حكايةً إلا بالإِسْنادِ ، وبشرطِ أن
يكونَ قد تَلَقَّاهُ بِصِفَةٍ شَرْعِيَّةٍ وِفْقَ طُرُقِ التحملِ الْمَعْروفَةِ .
ولقد اعتنىَ بالَتْنِ عِنايَةً فائِقَةً بالنِّسْبَةِ للكشفِ عن اختلافاتِ ألفاظِ المتونِ المُتَشَابِهَةِ ،
وشَرْحٍ غريبها ، والتّنْبيهِ على عِلَلِها واضطرابِها ، وبيانِ معانيها وما يُسْتَنبَطُ منها ويستفاد ،
وما اشتملتْ عليه من لطائفَ وإشارات .
وبالإضافة إلى أحاديثِ ((الموطأ)) التي لا تصلُ إلى ألفي حديث، فإنَّ ((الاستذكار))
استوْعَبَ ما يزيد على ستين ألف حديث شَمَلَتْ كل أحاديث السنن والأحكام والفقه
اقتصر في إيرادها على ما يصح ، ونبه على الأدنى ، واستعمل هذه الثروة الحديثية الغزيرة
في تقنين الفقهِ الاسلامي ، وترجيح ما يراهُ بالدليلِ بتقديم النص - متصفاً بالورع في
اجتهاده - والوصول في كل مسألة بعد استعراض أقوالٍ علماء الأقطار ، وفقهاءِ الأمصار
إلى قولٍ واحدٍ فقط لتجتمع عليه الأمة وينهض عليه بناء الفقه الاسلامي ، وتُحل على
أساسه كل مشكلة طارئة .
ومن استعراضٍ تاريخ الفقه المالكيِّ وانتشارِهِ في الأندلسٍ يَتّضِحُ أنَّ الأندلسِينَ عَكَفوا
على مُدوّنَة سَحْنون عِدَّةَ قُرونٍ ، ولم يُصْنيغوا إلى تُراثِ الفِقْهِ المالكيُّ شيئاً جديداً لانشغالهم
بِوَضْعِ شروح وتفاسيرَ للمدوّنَةِ ، كأنهم حرَّموا على أنفسهم وَضْعَ كتبٍ جديدةٍ في الفقة ،
حَيْث أدارُوا حَرَكَةَ الفقهِ حول ((المدونة))(١) و ((الواضحة)) وحفظِ فروعٍ مَذْهبِ الإمام
(١) كانت المدونة أول مرجع في الفقه المالكي ، ألفها عبد السلام بن سعيد التنوخي ، الملقب بسحنون
الفقيه المالكي ، وقد اهتم بها المالكيون اهتماما بالغا ، وغالوا في احترامها مغالاة شديدة ،
=
-١٢٨ -

مالك، ولكنَّ ابنَ عبد البَرِّ كانَ أوَّلَ مُحَدِّثٍ وفقيهٍ أندلسيٍّ عارضَ هذا النوع من الجُمود ،
فقامَ بدعوة التَّجْديدِ والاجتهادِ ، وكتابُهُ ((الاستذكار) يُعتبر منارَةً جديدة لكلِّ مَنْ يَرْغَبُ
عَنِ النَّقْليدِ ، وَيَتَطَلّعُ إلى الاجتهادِ وَوَحْدَةِ المسلمين وصونِهِم عن الخلافاتِ في النطاق الذي
بَيِّنَّهُ ابنُ عبد البَرّ .
لقد صَنَّفَ ابنُ عبد البرّ((الاستذكار)) بناءً على طَلَبِ جماعةٍ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ سَألوهُ في
مواطِنَ كثيرةٍ ، وكتبوا إليه من آفاقَ نائية أنْ يُصَرِّفَ لهم كتاب (( التمهيد)) على أبواب
((الموطأ)) ونَسَقِهِ، ويحذفُ لهم منه تكرارَ شواهِدِهِ وطُرُقِهِ ، وأنْ يصلَ لهم شَرْح الْمُسْنَدِ ،
والمُرْسَلِ ، اللذينِ قَصَدَ إلى شرحهما خاصة في ((التمهيد)) على شَرطِ الإيجازِ والاختصارِ،
وطرح ما في الشَّواهِدِ من التكرار، ليكونَ أقربَ إلى حِفْظِ الحافظِ ، وفَهْمِ المُطَالِعِ(١).
ولهذا الكتاب خَصائِصَهُ المميزة التي تَفَرَّدَ بها عَنْ سائِرٍ الْمُصَنَّفَاتِ في هذا الباب ،
ولعلَّ أهم ما ينفردُ به هذا الكتاب بِخَصِيصَةٍ تُحَدِّدُ طبيعتَهُ، وتميزُ ملامِحَهُ، ووضوحَ
شخصيةٍ مُصَنِّفِهِ : أَنَّهُ المُحَدِّثُ والفقيهُ المتوازِنُ الذي احْتَلَّ الصدارة بين مُحَدِّثْي الطبقةِ
الثالِثَةِ(٢) .
= ولم يكن هذا الاحترام والمبالغة فيها مقصورا على عصر من العصور ، بل استمر عدة قرون إلى يومنا
هذا، قال ابن رشد الجد : رَحَلَ سحنون إلى ابن القاسم فكان مما قرأ عليه مسائل المدونة والمختلطة
ودونها فحملت أصل علم المالكيين ، وهي مقدمة على غيرها من الدواوين بعد موطأ مالك رحمه
الله ، ولا بعد الموطأ ديوان في الفقه أفيد من المدونة ، هي عند أهل الفقه ككتاب سيبويه عند أهل
النحو ، وككتاب أقليدس عند أهل الحساب ، وموضعها في الفقه موضع أم القرآن من الصلاة ،
تجزئ عن غيرها ولا يجزئ غيرها عنها !!
وهذه مبالغة شديدة من أكبر فقيه في عصر المرابطين فما بال الفقهاء الذين عاشوا في عصر ابن عبد
البر وقبله ؟
(١) ص ١٦٥ من هذا المجلد .
(٢) الطبقة الأولى من أئمة الحديث بعد التابعين كسفيان الثوري ومالك بن أنس ، وعبد الله بن المبارك ،
والشافعي ، وابن راهويه الذين خلفوا مؤلفات قيمة في السنن ، أما الطبقة الثانية فهم أعلام المحدثين
كأصحاب السنن الستة الذين جمعوا وبوبوا السنن ، واختصت الطبقة الثالثة بأخطر دور في السنة
وهو تحقيق كتب أئمة الحديث من الطبقتين الأولى والثانية من ناحية الرجال والسند والمتن ووصل
المراسيل والمنقطعات والبلاغات ... ألخ .
-١٢٩ -

لَقَدْ بُنِيَ الفقهُ المالكيُّ على أصولَ ذكرها القرافي في، ((تنقيح الأصول » وهي :
((القرآنُ، والسَّةُ، والإجماعُ، وإجماعُ أَهْلِ المدينةِ ، والقياسُ، وقولُ الصحابيِّ،
والمصلحةُ المرسلةِ ، والعُرفُ والعاداتُ، وسدُّ الذرائع، والاستصحابُ ، والاستحسانُ )).
هذه الأصولُ عَدَّها صاحِبُ ((شَرحِ البَهْجَةِ)) سِنَّةَ عَشَرَ أَصْلاً، وأحصى السَّبْكِيُّ في
((الطبقات)) أصول المذهبِ المالكيِّ فزادَها على خمسٍ مِئَةٍ(١)، ولعلهُ قَصَدَ القواعِدَ
الضابِطَةَ للفروعِ ... ، فهل كانَ ابنُ عبد البر مالكيَّ المذهب ملتزماً بكلِّ هذه الأصول ؟
لم يَكُنْ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ مالكياً بَحْاً ، بَيْدَ أَنَّهُ كَانَ مُجْتَهِداً مُطْلَقاً له مَدْرَسَتُهُ الخاصَّةُ في
الفِقْهِ، والاستنباطِ ، والترجيح مع التزامٍ بأصولِ مَذاهبٍ أَهْلِ السَّنَّةِ الأرْبَعَةِ ، على ضَوْءٍ
أقوالٍ فقهاءِ الأُمْصارِ ، وعلماءِ الأَقْطارِ ، وكانَ يُعارِضُ النَّقْلِيدَ الذي كان سائِداً في ذلك
الوَقْتِ ، داعياً إلى التجديدِ ، بحيثُ لا ينشغلُ الفقيهُ في حفظِ مسائل الفقه ، أو فتاوى
الفقهاء وأقاويلهم ، بل يَعْتَمِدُ على الأصولِ ، ويستنبطُ الأحكامَ في ضوءِ التراثِ الفقهي
A
الذي خَلَّفَهُ السَّلَفُ ، والأصولُ كثيرةٌ جداً ، ولكنَّ ابن عبد البر لا يتحدَّثُ إلا عنِ الكتابِ
والسنة والإجماع وعملِ أَهْلِ المدينةِ ، أما الأصول الأخرى كالمصالح المرسلةِ ،
والاستحسانِ ، وسَدُّ الذرائع وغيرها فلا ذِكْرَ لها في كتب ابن عبد البر ، فالمسائلُ - عنده
- أساسها الأدلة ، ومن أمثلة ذلك قوله في المجلد الثالث ، فقرة (٢٦٨٥) في موضوع لمسٍ
الرجل امرأتَهُ وبالعكس : وأصحابُنا يوجبونَ الوضوءَ على من لَمَسَ مع الحائِل إذا كان
رَقِيقاً ، وكانَتِ اللَّذَّةُ موجودةً مع اللَّمْسِ ، وجمهورُ العلماء يخالفونهم في ذلك ، وهو
الحقُّ عندي .
وهناكَ مسائلَ كثيرة لم يَمِلْ فيها ابنُ عبد البَرِّ إلى أقوالِ مالكٍ ، أو الشافعيِّ أو غيرِ هِمَا
لأِنَّ الأدِلَّةَ التي اسْتَدَّوا بها في هذه المسائِلِ لا تكفي - في نظره - للأخذِ بأقوالهم ، ولذا
نراهُ يتركهم ويذهبُ مذهبَ غيرِهما مثل مذهب أبي حنيفة ، والإمام أحمد .
ففي (٥ : ٦٧٤٤) يقول: ((الفَرائِضُ لا تَثْبُتُ إلا بِيَقينٍ))، وفي (١٢: ١٧٥٨٧)
(١) مالك لأبي زهرة : ٢٧٥
- ١٣٠ -

يقول: ((لا تُتْرَكُ السُّنَنُ بِالظَّنِّ أَو الوَهْمِ)) ، فعندُهُ لأُبْدَّ من اليقينِ ، ولأَبَّد من الحقيقةِ ،
والآثارُ إذا تعَارَضَتْ سَقَطَتْ (٢٠: ٢٩٣٧٩)، وكانَتِ الحُجَّةُ في عمومٍ ظاهِرِ القرآنِ ،
وفي (٥: ٧٢٣٠) يقول: ((والعجيبُ من مالك - رحمه الله - قوله: لأنّها تصيرُ
شَفْعًا ، وهو يحتجُّ بقول ابن عمر: لا فصْلَ أفضلُ من السلام ، فكيفَ وبعد السلام مَشَى
وعمل ، فكيف تَنْضَافُ مع ذلك صلاة إلى أخرى ؟ !!
وخالفَ المالكية في أنَّ الوسطى هي العصر ، ولم يُرَجِحْ ذلكَ في نهاية الفَصْلِ ، كما
خالفَ مالكاً في تفضيله المدينةَ على مَكَّةَ (٧: ١٠٢٢٩ - ١٠٢٥٦)، وأَوْرَدَ أفعالَ
وأقوالَ الصَّحابَةِ، وقال: ((هُمْ أولى أن يُقلدوا)) .
وفي (١٤: ١٩٧٦٣) قال ابن عبد البر: ((وأَمَّا قَوْلُ مالِكٍ: أَنَّهُ لم يَبْلُغْهُ أنَّ رسولَ
الله (عٌَّ) قال: ((مَنْ قَتَلَ قَتيلاً فَلَهُ سَلَبُهُ)) إلا يَوْمَ حُنَيْنٍ، فَقَدْ بَلِغَ غَيْرُهُ مِنْ ذَلِكَ ما لم
يَبْلُغْهُ، وقد نفَّلَ رسولُ اللَّهِ بِبَدْرٍ وَغَيرِهِا ... الخ .
وفي ( ٥ : ٦٧٠٩) يقولُ عن احتجاج الحنفيّة والمالكية بحديث ابن عمر ((صلاةً
المغربِ وترُ صلاةِ النَّهارِ، فَاجْعَلُوا آخرَ صَلاةِ اللَّيْلِ وتْراً)» : احتجَّ بهذا الحديث : المالكيونَ ،
والحنفيونَ ، وليسَ فيهِ حُجَّةٌ واضِحَةٌ بهذا لأِحَدِ الفريقَيْنِ .
وفي ( ٦: ٨٨٩٩) يَسْتَعْرِضُ قَوْلَ الإمامِ الشافعيِّ في ايجابِهِ الصَّلاةَ على النبي
(َّهُ)، ثم يقولُ: الأصْلُ في الفرائِضِ لا تثبتُ إلا بدليلٍ لا مُعارِضَ لَّهُ، أو بإجماع لا
مُخَالِفَ فيه، وذلك معدومٌ مِنْ هذه المسألة .... وحُجَّةُ أصحابِ الشَّافِعِيِّ فيها ضعيفٌ ،
ولستُ أوجبَ الصَّلاةَ على النبي (صَّةِ) فَرْضاً في كُلِّ صَلاةٍ، ولكن لا أحِبُّ لِأحَدٍ
تَرْكَها ...
وفي (١٩ : ٢٨٧٣٠) من الاستذكار و (٢: ٢٤٨) من التمهيد ، يقول في
مسألة الذهب بالذهب تبره وعينه ... ويسوق رواية الشافعي ، عن ابن عيينة ، عن ورْدان
الرومي أنه سأل ابن عمر ، فقال: إني رجلٌ أُصوغُ الحليَ ثم أبيعُهُ ، واستفضلُ فيهِ قَدْرَ
أُجْرَتَي أو عملَ يدي ، فقال ابن عمر: الذَّهَبُ بالذَّهَبِ لا فَضْلَ بَيْنَهما ، هذا عَهْدُ صاحِبِنا
- ١٣١ -

إِلَيْنا وعهدُنا إليكم - قال الشافعيّ : يعني بقوله : صاحبنا = عمر بن الخطاب ، وقول
حميد ، عن مجاهد ، عن ابن عمر : عَهْدُ نَبِيّنا خطأ !
عَقَّبَ ابن عبد البرّ ، فقال :
قول الشافعي عندي غلطٌ على أَصْلِهِ لأَنَّ حديثَ ابن عُيَيْنَةَ في قوله ((صاحبنا)) مجملٌ
يحتملٌ أن يكونَ أَرادَ رسول الله (عَّةِ) وهو الأظهرُ فيه، ويحتملُ أن يكونَ أرادَ «عمر»
فلما قال مجاهد ، عن ابن عمر : هذا عهد نبينا فَسَّرَ ما أجمل وَرْدَ ان الرومي . وهذا أصلُ
ما يَعْتُمِدُ عليهِ الشافعي في الآثار ، ولكِنَّ الناس لا يسلم منهم أحدٌ منَ الغلط .
وإنّمَا دَخَلتِ الداخلةُ على النَّاسِ من قِبَلِ التقليدِ لأنهم إذا تكلمَ العالمُ عند من لا يُنْعِمُ
النَّظَرَ بشيءٍ كتبهُ وجعله دِيناً يردّ به ما خَالفَهُ دونَ أن يعرفَ الوَجْهَ فيه فیقع الخلل وبالله
التوفيق .
وفي التمهيد (٤: ٦١) والاستذكار (٢١: ٣٠٣٤٢)، في مسألة جواز تعجيل
الزكاة استدل الشافعيّ على ذلك بحديثِ: استسلف رسول الله (عَُّ) بَكْراً، فجاءَتْهُ إبلٌ
من الصَّدَقَةِ ، فَأَمَرَ أبا رافع أَنْ يَقْضِيَ الرَّجُلَ بَكْرَهُ، قال ابن عبد البر: (( وَلَا حُجَّةَ للشافعيِّ
فيما استدلَّ به من هذا الحديثِ في جوازٍ تعجيلِ الزّكاةِ)) .
وفي الاستذكار ( ١٨: ٢٦٨٤١) في مسألة مهر المثل للمرأة المطلقة الرجعية إن
جامعها مطلقها ينوي الرجعة أو لا ينوي ، فليس برجعةٍ ، ولها عليهِ مَهْرُ المِثْلِ ، قال ابن عبد
البر: (( لا أعلمُ أحداً أوجبَ عليها مَهْرَ المثلِ إلا الشافعيّ - والله أعلم - وليس قوله بالقويُّ
لأنهما في حكم الزوجين تَرِثُهُ وَيَرِثِهَا ، فَكيفَ يجب مهرٌ فِي وَطْءِ امرأةٍ حكمها في أكثر
أحكامها حكم الزوجة .
وفي (٢١ : ٣٠٢٧٠) عند استعراضِهِ لأقوالِ فقهاءِ الأمصارَ في حديث التَّغْلِيسِ :
((إذا أَفْلَسَ الرَّجُلُ فَوَجَدَ غَرِيْمَهُ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ فهو أحقّ به )) ، قال : حديث التفليسِ هذا من
رِوايَةِ الحجازيينَ وَأَهْلُ الأثَرِ على القَوْلِ بجملتِهِ ، وإن اختلفوا في أشياءَ من فروعِهِ ، وَدَفَعَهُ
من أهلِ العراق: أبو حنيفة وأصحابُهُ وسائرُ الكوفيين وردُّوهُ، وهو مما يُعَدُّ عليهم من السَّنَنِ
- ١٣٢ -

التي ردَّوها بِغَيْرِ سُنَّةٍ صاروا إليها ، وَأَدْخَلوا النَّظَرَ حيثُ لا مدخلَ له فيه ، ولا مدخلَ للنظرِ
مع صحيح الأثر ...
وفي (٢٠ : ٢٩٩٥٦ ) حَوْلَ حديث (( المتبايعانِ كُلُّ واحدٍ منهما بالخيارِ ما لم
يَتَفَرَّقَا إِلا بَيْعَ الخِيارِ )) ، قال :
أجمعَ العلماءُ على أنَّ هذا الحديث ثَابتٌ عن النبي (عَّةٍ)، وأنه من أثبتِ ما نقل الآحاد
العدول ، واختلفوا في القولِ به والعمل بما دلَّ عليه : فطائفة استعملته وجعلته أصلا من
أصولِ الدين في البيوع ، وطائفة ردته ؛ فاختلف الذين ردوه في تأويل ما ردّوه به ، وفي
الوجوهِ التي بها دفعوا العملَ به .
فأما الذين ردوه : فمالكٌ ، وأبو حنيفة، وأصحابُهما ، لا أعلمُ أحداً رَدَّهُ غير هؤلاء .
ثم بعد أنْ يَذْكُرَ حجتهما يعقب ، فيقول : قَدْ أكثرَ المتأخرونَ من المالكيينَ والحنفيين
من الاحتجاج لمذهبهما في رَدِّ هذا الحديث بما يطولُ ذكره ، وأكثرهُ تشغيبٌ ، لا يحصل
منه على شيءٍ لازمٍ لا مدفعَ له؛ ومن جملة ذلك ، أنهم نَزَعوا بالظواهر ، وليس ذلك من
أصلٍ مذهبهم؛ فاحتجوا بعموم قول الله عز وجل ((أوفوا بالعقود)) قالوا : وهذان قد
تعاقدا، وفي هذا الحديث إبطالُ الوفاءِ بالعقد ؛ وبعموم قول رسول الله عَّه : من ابتاعَ
طعاماً فلا يبعه حتى يستوفيه . قالوا فقد أطلق بيعه إذا استوفاه قبل التفريق وبعده .
وبأحاديث كثيرة مثل هذا ، فيها إطلاق البيع دون ذكر التفرق . وهذه ظواهر وعموم ، لا
يُعْتَرضُ بمثلها على الخصوص والنصوص ، وبالله التوفيق .
وفي الاستذكار (١٩ : ٢٨٢٨٧) في مسألة بيع النخل فيها ثمر قد ظهر ، يستعرض
ابن عبد البر أقوال أبي حنيفة وصاحبيه فيقول :
٦
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ: إِذَا بَاعَ الرَّجُلُ نَخْلاً ، أو شَجراً فِيها ثَمَرٌ قَدْ ظَهَرَ ، فَهُوَ
لِلْبَائِعِ إِذَا لَمْ يَشْتَرِطْهُ الْمُشْتَرِي، وَعَلَيْهِ قَلْعَهُ مِنْ شَجَرِ الْمُشْتَرِي وَمِنْ نَخْلِهِ ، وَلَيْسَ لَهُ تَرْكُهُ إِلَى
الجذَاذِ ، وَلا إِلَى غَيْرِهِ، وَسَوَاءٌ عِنْدَهُمْ أَبْرَ، أَوْ لَمْ يُؤَبَّرْ إِذَا كَانَ قَدْ ظَهَرَ فِي النَّخْلِ ، فَإِنْ
اشْتَرَطَ الْبَائِعُ فِي البَيْعِ تَرْكَ الثَّمَرَةِ إِلَى الجَذَاذِ ، فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ وَأَبَا يُوسُفَ قَالا: البَيْعُ فاسِدٌ .
- ١٣٣ -

وَقَالْ مُحَمَّدُ بْنُ الَحَسَنِ : إِذَا كَانَ صَلَاحُهَا لَمْ يَبْدُ فالبَيْعُ فَاسِدٌ إِنِ اشْتَرَطَ الْبَائِعُ بَقَاءَهَا
إلى جُذَاذِها ، وإِنْ كَانَ قَدْ بَدَا صَلَاحُها فالبَيْعُ ، والشَّرْطُ جائِزانٍ .
واخْتَارَهُ الطَّحَاوِيُّ .
ثم يعقب قائلاً: خَالَفَ الكُوفِيُّونَ السِّنَّةَ فِي ذَلِكَ إِلى قِيَاسٍ ، ولا قِيَاسَ مَعَ النَّصِّ.
وَمِنْ حُجَّتِهِمِ الإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ الثَّمَرَةَ لَوْ لَمْ تَبَّرْ حَتَّى تَنَاهَتْ، وَصَارَتْ بَلَحاً ، أو
بُسْرًا ، وَبِيعَ النَّخْلُ أَنَّ الَّمَرَةَ لا تَدْخُلُ فِيهِ .
قَالُوا فَعَلِمْنَا أَنَّ المَعْنِى فِي ذِكْرِ التََّبِيرِ ظُهُورُ الثَّمَرَةِ ، فَاعْتَبَرُوا ظُهُورَ الثَّمَرَةِ ، وَلَمْ يُفَرِّقُوا
بَيْنَ الْمُؤَيَّرِ وَغَيْرِ الْمُؤَبَّرِ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَّيْلِى: سَوَاءٌ أُبْرُ النَّخْلُ، أَوْ لَمْ يُؤَبَّرْ، إِذَا بِيعَ أَصْلُهُ، فَالثَّمَرَةُ لِلْمُشْتَرِي
اشْتَرَطَهَا ، أَوْ لَمْ يَشْتَرِطْها كَسعفِ النَّخْلِ .
- قَالَ أَبُو عُمَرَ: هَذَا أَشَدُّ خِلافً لِلْحَدِيثِ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .
وفي (١٧ : ٢٦٠٥٢) في باب ما جاء في اللعان قال ابن عبد البر: أَظُنُّ أَبَا حَنِيفَةَ ،
وَأَصْحَابَهُ جُنُوا عَنْ إِقَامَةِ الحَدِّ عَليها، بِدَعْوى زَوجِها، وَيَمِينِهِ دُونَ إِقْرَارٍ مِنْها، وَلَا بَيْنَةٍ
قَامَتْ عَلَيْهَا، وَجَعَلُوا ذَلِكَ شُبْهَةٌ دَرَأَوْا بِها الحَدَّ عَنْها .
وَحْتَجَّ بَعْضُهِم بِقَولِ رَسُولِ اللَّهِ لَّهُ: (( لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلا بِإِحْدى
ثَلاثٍ ... )) وَلَيَسْ مِنْها الملاءَنَةُ، إِذَا أَبَتْ مِنَ اللَّعَانِ .
وَقَدْ نَقْضَ أَبُو حَنِفَةَ هَاهُنَا أَصْلُهُ فِي الْقَضَاءِ بِالنُّكُولِ عَنِ الْيَمِينِ فِي سَائِرِ الحقُوقِ .
وَلَكِنَّهِمْ زَعَمُوا أَنَّ الحُدُودَ لا تُؤْخَذُ قِيَاساً .
ليس هذا فقط ، ولكن قال عبد الله بن عباس قولاً، فرأى ابن عبد البر أنه يخالفُ
السنَّةَ، رده، وقال فى (٢٠: ٢٩١٥١): ((والحجة فى السنة لا فيما خالفها من الأقوال
التي هي جهالةٌ يلزمُ ردها للسنة)) .
وكذا في (١٩: ٢٨٧٥٠) وما بعدها: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ نَزَلَ عَنِ الصَّرْفِ ، فَقَالَ
سَعِيدٌ: عَهْدِي بِهِ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِسْتَّةٍ وَثَلاَثِينَ يَوماً، وَهُوَ يَقُولُهُ وَمَاَ رَجعَ عَنْهُ .
-١٣٤ -

قالَ أَبُو عُمَرَ : رَجَعَ ابْنُ عَبَّاسٍ، أَوْ لَمْ يَرْجِعْ بِالسَّنِةِ كِفَايَةٌ عَنْ قَولِ كُلِّ أَحَدٍ ، وَمَنْ
خَالَفَها جَهْلاً بِها رُدَّ إِلَيْهَا .
قال عُمَرُ بْنُ الخطَّابِ: رُدَّوا الَجَهالاتِ إِلى السَّنةِ .
وعلي سنته تلك في الاستدلال بالقرآن والسنة نراه يَصِفُ طائفةٌ ، منهم : مجاهد ،
قالوا : أنه من أفاضَ من جَمْع قبل الإمام - وإن بات بها - أن عليه دماً - قال ابن عبد البر :
أظنّهم لم يسمعوا بهذه الآثار ، وهي الآثار التي أوردها في الاستذكار (١٣ : ١٨٠٢٩)
ومابعدها .
ويرد قول إبراهيم النخعي في (٢١ : ٣٠٢٧٧) في مسألة صاحب السلعة يجد سلعته
عند المفلس ؛ هو والغرماء فيها شرعٌ ، فيقول : وليس قول ابراهيم حُجّةً عند الجمهور ، ثم
يضيف : ويشبه قولُهُ في هذه المسألة قوله في المسكر ، يعني إباحته كل ما أسكر من
الأنبذة ، ويعقب قائلاً : على إبراهيم النخعي الرجوع إلى ما عليه الجماعة.
ويردُّ شذوذَ ابن عُلَيَّةَ في مسألة النّسيئة والتفاضلِ في باب بيع الطَّعامِ بالطعامِ لافَضْل
بينهما (٢٠: ٢٩١٥٤)، فقال: وشدَّ ابنُ عُلَيَّةَ في ذلكَ أيضاً، فقالَ: إذا اخْتَلَفَ النَّوْعانِ
كالبُرِّ بالشعيرِ ، والبُرِّ بالزبيبِ، فليسَ بواحدٍ بِأَضْعافِ الآخَرِ ، يَدَأَ بِيَدٍ ، ونسيئَةً قياساً لِكُلِّ
ما يُكالُ على ما يُوَزَنُ ....
فقال ابن عبد البر في (٢٠: ٢٩١٥٦) بعد أن ساقَ كلام ابن عُلَيَّةَ: (( ما أصابَ وَجْهَ
القياسٍ ، ولا اتَّبَعَ الجمهورَ ، ولا اعْتَبَر الآثار ... )).
كما يردُّ شذوذَهُ أيضاً في (٤: ٥٤٩٨) عندما أَوْ جَبَ ابنُ عُلَيَّةَ فسادَ صلاةٍ مَنْ لم
يَأْت بِأَعْمالِ الصَّلاةِ: سُننها، وفرائضها، وَعِنْدَهُ أَنَّ كُلَّ مَا عَمِلَهُ الَِّيُّ (عَّهُ) في الصلاةِ
ولم يُخْتَلَفْ عَنْهُ فِهِ، فهوَ واجبٌ تَفْسُدُ الصَّلاَة بِتَرْكِهِ ، قال ابن عبد البر: لُه إغراقٌ في
القياسٍ، وشذوذٌ عن العلماء كثيرٌ ، وليسَ عِنْدَهُمْ مِمَّنْ يُعْتَمُد عَلَيْهِ .
ويردّ شذوذَ ابن أبي لَيْلى في (١٩: ٢٨٢٩٣) في مسألة تَأْبيرِ النَّخْلِ إِذا بِيعَ أَصْلُهُ أنَّ
الثمرة للمشتر ((اشتراطهاَ أوْ لم يَشْتَرِطْها، قال ابن عبد البرّ: هذا أشدُّ خلافاً للحديث.
- ١٣٥ -

ويردُّ شذوذَ ربيعةَ الرَّأَيِ (١٠: ١٤١١٣ - ١٤١١٥)، في أثرٍ نَقَلَهُ الشافعيُّ في
((الأم (١) )) بأنَّ ربيعةً كان يقول: شهرُ رمضان فُضِّلَ على اثني عَشَرَ شَهْراً، فمن أَفَطَر
يوماً كان عليه اثْنَيْ عَشَرَ يوماً !!
قال ابن عبد البَرّ : كانَ الشافعيّ يعجبُ من هذا ، وينتقصُ فيه ربيعةً .
وعقَّبَ ابن عبد البر قائلاً: ولربيعةَ شذوذٌ منها في المُحْرِمِ يَقْتُلُ جَرادةً أنَّ عليه صاعاً
من قَمْحِ لأَنَّهُ أَذى الصَّيْدَ ، ومنها فيمن طَلَّقَ امرأةً من نسائِهِ الأَرْبَعِ وجَهِلَها بعينها أَنَّهُ لا
يَلْزَمُهُ فِيهِنَّشئٌ ، ولا يُمْنَعُ مِنْ وَطْئِهِنَّ .
وأمّا أهل الظاهر فقد ردّ شُذوذهم في مواضع كثيرة منها :
- في (٤ : ٥٤٨٦) حيثُ أَوْجَبُوا الجلسةَ الوُسطى فَرْضاً، فقال: وَتَذَّتْ فِرْقَةٌ
فَأَوْجَبَتْها فَرْضاً، وَأَوْجَبَتْ الرُّجوعَ إليها مالَمْ يَعْمَلِ الْمُصَلِّي بَعْدَها ما يَمْنعهُ من الرجوع
إليها ، وذلك عِنْدَ رَكْعَتِهِ التي قامَ إليها بِرَفْعِهِ رأسه مِنْها ، وقولُهم هذا ليسَ بشيءٍ لأَنَّ
الغَرْضِ مِنْ عَمَلِ البَدَنِ في الصلاةِ يُنْصَرَفُ إليه، ويرتبُ مع ما بعدَهُ ، ولا يسلِّمُ من الصلاةِ
إلا أنْ يُؤْتِي به مع الذِّكْرٍ ، وهذا أيضا مردودٌ بالسّنّةِ في حديث ابن بُحَيْنَةَ وغيرِهِ فَلا وَجْهَ
للإِسْتِغَالِ به .
في (٢٠: ٢٩١٥٣)، قال: ((وشَذَّ داود؛ فأجازَ النَّسيئةَ والتفاضُلَ فيما عدا البُرَّ
والشعير والتَّمْرَ والِلْحَ من الطعامِ والإِدامِ، لِنَصِّ رسولِ الله (مَّة)، ولعمومٍ قول الله عز
وجل ( وَأَحَلَّ اللَّهُ البَلْيعِ)، فَلَمْ يضم إلى النَّسِيئَةِ الْمَنْصوصَةِ في حديث عُبَادَةَ وغيره شيئاً
غيرها .
- في (٢٥ : ٣٧٦٦١) في مَسْأَلَةِ الدية سَبيلها سبيل الميراثِ ، قال: اتَّفَقَ على ذلك
العلماءُ، وجماعةُ أئمةُ الفَتْوى بالأمصار ، فلا معنى فيه للإكثار ، وقد شذَّ عنهم من
المتأخرین من أصحابِ الظاهرِ من لم يستحي من خلافٍ جماعتهم ، فهو محجوج بهم ،
ولا يُلْتَفَتُ إليهِ معهم .
(١) (٢: ٩٩)، ونقله البيهقي في ((المعرفة)) (٦: ٨٦٩٦).
-١٣٦ -

- في (٦ : ٧٨٥٣) في مسألة قصرِ الصلاةِ في السَّفَرِ يَنْعي على داود الظاهري أَنَّهُ
نَقَضَ أَصْلَهُ في تَرْكِهِ ظاهرَ كتابِ الله عز وجل في قوله : ( وإذا ضَرَبْتُمْ في الأرضِ ) حيثُ
*
لم يخصَّ ضرباً في حجّ ولا غيره، وأخذَ بقول ابن مسعود : لا تقصر الصلاة إلا في حج
أو جهاد .
وردَّ شذوذَ أبي سَلَمَةَ بن عبد الرحمن في مَسْأَلَةِ ميراثِ المرأةِ من دِيَةِ زَوْجِهَا في
( ٢٥ : ٣٧٦٥٤) حيث قال بعد أنْ ذَكَرَ أنَّ الفاروقَ عمر انصرف إلى ما بَلَغَهُ من
السَّنَّةِ في أنَّ المرأةَ تَرِثُ من ديةِ زوجِها لميراثِها من سائرِ مالِهِ ، وكذا سائر الورثةِ ذووا فرضٍ
كانوا أو عَصبة : إلا شيءٌ روي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن شَذَّ فيه عن الجماعةِ ، ولا
أَدْرِي عَمَّنْ أَخَذَهُ ..... وهذا مثلُ شذوذِه في قوله: إنَّ الْجُنُبَ المتيممَ إذا وَجَدَ الماءَ ، ليس
عليه غُسْلٌ !! وهذا أيضاً لم يَقُلْهُ أحَدٌ غيره - فيما علمت - فرحمَ الله القائلَ: كان أبو
سَلَمَةَ يُماري ابنَ عباس، فحرمَ بذلك عِلْماً كَثِيراً .
ورَدَّ قولَ الحجاج بن أرطاة ، ومحمد بن إسحق في مسألة طلاقِ البتّة (١٩ :
(٢٥٠٦)، وقال عنهما: كِلاهُما ليسَ بِفقيهٍ، ولا حُجَّةَ فيما قالَهُ.
وفي نفسِ هذه المسألة نَعَى على طاووس روايَتَهُ عن ابن عبّاس المخالفة لروايةِ الصَّحابَةِ
كُلُّهم ومعهم ابن عبّاس، وذكرَ في (١٩: ٢٥٠٥٨) أنَّ أَهْلَ البِدَع تَعَلَّقُوا بروايةٍ
طاووس فَلَمْ يَرَوْا الطلاقَ لازِماً إلا على سُنَّتِهِ ، فَجَعَلوا مُخالِفَ السِّنَّةِ أَخَفَّ حَالاً ، فَلَمْ
يُلْزِمِوهُ طلاقاً ، وبَيَّنَ أنَّ هذا جَهْلٌ واضحٌ ، لأنَّ الطلاقَ لَيْسَ من القُرَبِ إلى الله تعالى .
وردَّ ما ذَكَرَهُ الطّحاوي في مَسْأَلَةِ جَلْدِ الفاروقِ عمر ابنَهُ لما شَرِبَ ما يُسكر في
(٢٤: ٣٦٤٩٦)، وذكرَ أنَّ اعْتِلالَهُ بالتَّكَفْيرِ لَيْسَ بِشَيْءٍ ، وقال :
وَمَّا اعْتِلالُهُ بِالتَّكْفِرِ، فَلَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لأنَّ مَا ثَبَتَ مِنْ جِهَةِ الإِجْمَاعِ كغر الْمُخالفِ لَهُ
بَعْدَ العِلْمِ بِهِ مِنْ جِهَةِ أَخْبارِ الآحَادِ ، لَمْ يكفرِ المُخالفَ فِيهِ .
أَلا تَرِى أَنَّهُ لا يُكَفِّرُ القَائِلَ بِأَنَّ أُمَّ القُرآنِ جَائِرٌ الصَّلاةُ بِغْيرِها مِنَ القُرآنِ ، وَجَائِرٌ تَرْكُها
فِي قِرَاءَةِ الصَّلاةِ، وَلَا مَنْ قَالَ: النِّكَاحُ بِغَيْرٍ وَلِيٍّ جَائِرٌ، لا يُكفرُ ، وَلَا مَنْ قَالَ : الوُضُوءُ
- ١٣٧ -

◌ِغَيْرِ فِيَّةٍ يُجْزِئُ .
وَمَثلُ هَذا أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُحْصِىَ ، وَلَا يُكَفَّرُ القَائِلُ بِهِ، وَيُعْتَقَدُ فِيهِ التَّحْرِيمُ والتحليل
وَاَلُحُدُودُ .
أَلا تَرَى أَنَّهُ لا يُكَفَّرُ مَنْ قَالَ: لا يُقْطَعُ سَارِقٌ فِي رُبعِ دِينارٍ ، مَعَ ثُبُوتِ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ
عَُّ مِنْ أَخْبَارِ الْآحَادِ العُدُولِ .
كُلُّ هذا أَتِى مِنْ فَهْمِ ابنٍ عَبْدِ الَبَرِّ الدَّقِيقِ للنصوصِ ، فَلَيْسَ هذا الكتاب مُجَرَّدَ تجميع
وشَرْحٍ، ولكنَّ مَيِّزَتَهُ تَنْحَصِرُ في التََّلَّقِ الفِكْرِيّ لابنِ عَبْدِ البَرِّ وَإِبْدَاعِهِ ، وَمِنْ فَهْمِهِ الدَّقِيقِ
للنّصوصِ هذا حَمَلَ لواءَ النَّاجِ الفِكْرِيِّ في القَرْنِ الخامس الهجريِّ ، وحافَظَ على مُسْتَواهُ
من ناحِيَةِ الابتكارِ وَكَمِّيَّةِ الإنتاجِ ، وتنوعِهِ في مُخْتَلَفِ مجالاتِ الثَّقَافَةِ ، وَيُؤَكِّدُ في هذهِ
الَّوْسوعَةِ على إِعادَةٍ تَنْظيمِ مادَّةِ الحديثِ والفقهِ وتَقْديمهما في شكلٍ أَسْهَلَ مَنَالاً ، وَأَكْثَرَ
استيعاباً .
انظُرْ في (٢٣: ٣٤٠٨٢) في رَدِّهِ على من تَأَوَّلَ أَنَّ الْخَيْرَ هو المال ، ودليله على
ضَعْفِ هذا التّأْوِيلِ ببيانٍ ساطعٍ ، وحُجَّةٍ قاطِعَةٍ .
وانْظُرْ في (٧: ١٠٢٢٤ ) كيفَ استدلَّ على ضَعْفِ تأويلٍ عبد الله بن نافع لحديث
أبي هريرة أنَّ رسول الله (عَّةُ) قال: ((صَلاةٌ في مَسْجدي هذا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلاةٍ فيما
سِواهُ ، إلاَّ المسجدَ الحرامَ )) وأَنَّ تأويلَ ابن نافع بأنَّ الصلاة في مَسْجِدِ النَّبِيِّ (مَُّ) أَفْضَلَ مِنَ
الصّلاةِ بالمسجدِ الحرامِ بدونِ أَلْفَ صَلاةٍ ، ووهّن ابن عبد البَرّ تأويلَ ابن نافع بالعربية
الفصحى ، فقال :
هَذا التَّأَوِيلُ عَلَى بعدِهِ وَمُخَالفَةٍ أَكْثَرٍ أَهْلِ العِلْمِ لَّهُ فِيهِ لاحَظَّ لَهُ فِي الدِّسَانِ العَرَبِيِّ؛ لأنَّهُ
لا يَقُومُ فِي اللِّسَانِ إِلاَّ بِقَرِينَةٍ وَبَيَانٍ ، وَلَا بَيَانَ وَلَا دَلِيلَ لِمَنْ تَأَوَّلَ تَأْوِيلَ ابْنِ نَافِعٍ يَشْهِدُ لَهُ .
وَأَهْلُ العَرَبِيَّةِ يَقُولُونَ: إِذا قُلْتَ: اليَمَنُ أَفْضَلُ مِنْ جَمِيعِ البِلادِ بِأَلْفِ دَرَجَةٍ إِلا العِرَاقَ
جَازَ أَنْ يَكُونَ العِرَاقُ مُسَاوِياً لِلْيَمَنِ فَاضِلاً فَإِذَا كَانَ مُسَاوِياً فَقَدْ عُلِمَ مِقْدَارُ فَضْلِهِ ، وَإِذَا
كَانَ فَاضِلاً أو مَفْضُولاً فَمُطْلَقٌ فِ الفَضْلِ لا يُعْلَمُ كَمْ مِقْدَارُ الْمُفَاضَلَةِ بَيْنُهُما إِلا بِقَرِينَةٍ
- ١٣٨ -

وَدَلِيلٍ عَلَى عِدةِ دَرجاتٍ فَإِنْ أَيَّدَهُ عَلَى تِلْكَ أو ناقَضَهُ عَنْهُ فَيَحتاجُ إِلى الإِنْيَانِ بِها .
قَالَ أَبُو عُمَرَ: قَدْ عَلِمْنَا أَنَّهُ لَمْ يحملِ ابْنُ نَافِعِ عَلَى مَا تَأَوَّلُهُ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ◌َُِّ
((صَلاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذا ... )) إِلا مَا كَانَ يَذْهَبُ إِليهِ هُوَ وَشَيْخُهُ مَالِكٌ مِنْ تَفْضِيلِ
المَدِينَةِ عَلَى مَكَّةَ، وَتَفْضِيلِ مَسْجِدِ النَّبِيِّ ◌َّهِ عَلى المَسْجِدِ الحَرامِ.
وَتَفْضِيلُ الَدِينَةِ عَلى مَكَّةً أَو مَكَّةَ عَلى المَدِينَةِ مَسْأَلَةٌ قَدِ اخْتَلَفَ فِيها أَهْلُ العِلْمِ .
ثم انْظُرْ استنباطَهُ الرائع في (١٣ : ١٨٧١٩ - ١٨٧٢٢) :
وَأَمَّا قول عائشة: ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ عَّهِ: ((مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ ، فَليحلّ بَالحِجِّ مَعَ
العُمْرَةِ، ثُمَّ لا يحلّ حتى يَحِلُّ مِنْهَا جَمِيعًا)) ففيه أَدَلُّ دَلِيلٍ عَلَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِعَُّ كَانَ فِي
حَجَّتِهِ قَارِنًا ، فَإِنَّهُ لا خِلافَ أَنَّهُ كَانَ مَعَهُ يَومَئِذِ الهَدْيُ ، سَاقَهُ مَعَ نَفْسِهِ ، وَقَلَّدَهُ بِذِي
الحُلَيْفَةِ ، وَأَشْعَرَهُ إِلى مَا أتى بِهِ عَلِيُّ مِنَ الَيَمَنِ .
وَيُؤَيِّدُ مَا ذَكَرَنْا حَدِيثُ حَفْصَةَ، عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ قَولُهُ: ((إِنِّي لَّدْتُ رَأْسِي، وَقَلَّدْتُ
هَدْيِي ، فَلا أَحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ الهدي .
فَهِذَا القَولُ مَعَ قَولِهِ لأَصْحَابِهِ : مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ ، فَلْيهلّ بالحجِّ مَعَ العُمْرَةِ أَوضح
دليل عَلَى أَنَّهُ كَانَ قَارِنًا عَّهِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - إِلى الآثارِ الَّتِي قَدَّمْنَا ذِكْرَها فِي بَابِ القِرَانِ،
قَدْ صَرَّحَتْ وَأَفْصَحَتْ ، بِأَنَّهُ كَانَ قَارِنًا ، فَإِذَا كَانَ مَا ذَكَرْنَا كَما وَصَفْنَا كَانَ مَعْنِى قَولِ
عَائِشَةَ - رَحِمَهَا اللَّهُ - فِي رِوَايَةِ القَاسِمِ، ومَنْ تَابَعَهُ عَنْها بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ لَّهُ أَفْرَدَ الحَجَّ،
أَيْ: أَباحَ الإِفْرَادَ وَأَذِنَ فِيهِ وَأَمَرَ بِهِ ، وَبَيْنَهُ مٍَّ .
أَضِفْ إلى ذلكَ جُهودَهُ في دَفْعِ التَّعارِضِ عن بَعْضِ الأحاديثِ التي يُظَنُّ أنها متعارِضَةٌ
مع بَعْضها، ولا بَأْسَ أن أَذْكُرَ مثالاً ورد في حاشية الفقرة (١٩: ٢٨٧٢٨ ) عن حديث
ابن عمر : كنتُ أَبيعُ الإِلَ بالبقيعِ، فَآَخُذُ من الدَّنانيرِ دراهِمَ ... وأنَّ قَوْماً جَعَلوهُ معارِضاً
لحديثِ أبي سعيد الخدري أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ عَ ◌ّهِ قَالَ: ((لا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ. إِلا مِثْلاً
بِمِثْلٍ . وَلَا تُشِقُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ. وَلَا تَبِيعُوا الْوَرِقَ بِالْوَرِقِ. إِلا مِثْلاً بِمِثْلٍ . وَلَا تُشِفُّوا
بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ وَلَا تَبِيعُوا مِنْهَا شَيْئًا . غَائِبًا بِنَاجِزٍ .
- ١٣٩ -

قال ابن عبد البر : وليس الحديثانِ بمتعارضين عِنْدَ أَكْثَرِ الفقهاءِ؛ لأَنُه ممكنٌ استعمال
كل واحدٍ منهما ، وحديث ابن عمر مفسر ، وحديث أبي سعيد الخدري مُجْمَلٌ ، فصار
معناه : لا تبيعوا منهما غائبا - ليس في ذمة - بناجز . وإذا حملا على هذا لم يتعارضا .
ثم انْظُرْ رَدَّهُ أَقاويلَ بعض التابعينَ بالعراقِ والحجازِ في الفقرة (١٠ : ١٤١٢٠ ) في
مسألة كَفَّارَةٍ مَنْ أَفْطَرَ في رمضان حيث ذكر أنَّ أقاويلهم لا وَجْهَ لها عِنْدَ أَهْلِ الفِقْهِ لمخالفتها
السُّنَةَ ، وأَوْرَدَ في المسألة قولَ مالك ومَنْ تابَعَهُ ، وقول الشافعي ومن تابَعَهُ .
وانظرْ تَحْقِيقَهُ في (١٠: ١٤١٨٦ ) لما قال: لم يُتَابَعِ البخاريُّ عليه في مَسْأَلَةٍ
تصنيف عَطاء الخراساني من أَجْلٍ لَفْظَةٍ جاءَ بها في حديثٍ رواهُ عن سَعيد بن المسيّب في
كَفّرة مَنْ أَفْطَرَ في رمضان، هذه اللفظة ((انحرْ جَزوراً))، وأنَّ التحقيقَ قادَهُ إِلى أَنَّ اللَّفْظَةَ
((انحرّ بَدَنَةً )) من غير رواية عطاء الخراساني، وأنَّ العَمَلَ عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ بالحجازِ والعِراقِ
على ما في حديثِ ابن شهاب ، عن حُمَّيْد ، عن أبي هريرة ، وليسَ فيه نَحْرُ البَدَنَةِ .
كما تتضحُ قوة احتجاجِهِ في حديثِ نكاح النبي (عَّهُ) مَيْمونَةَ انظر إلى هذه القوة في
الاستدلال عند الفقرة ( ١١ : ١٦٢٧١ ) وما بعدها :
وَمَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنَ الصَّحَابَةِ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ (عليه السلام) نَكحَ مَيْمُونَة وَهُو مُحْرِمٌ إِلاَّ
ابْنَ عَبَّاسٍ ، وَحَدِيثُهُ بِذَلِكَ صحيحٌ ثَابتٌ مِنْ نكاح ميْمونَةَ ، إِلا أَنْ يَكُونَ مُتَعارضاً مَع رواية
غيرِهِ فَيسقُطُ الاحْتِجاجُ بكلامِ الطَّائِفَتَيْنِ، وَتُطْلَبُ الحجَّةَ مِنْ غَيرٍ قِصَّةٍ مَيْمُونَةً .
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، فَإِنَّ عُثُمَانَ بْنَ عَفَّنَ قَدْ روى عنِ النبيِّ ◌َّهِ أَنَّهُ نَهى عنْ نِكاحِ
الْمُحْرِمِ، وَقَالَ: ((لا يَنْكِحُ الْمُحْرِمِ، وَقَالَ: ((لا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ ولا يُنْكِحْ)) . ولا مُعارضَ لَهُ؛
لأَنَّ حَدِيثَ ابْنٍ عباس فِي نكاحٍ مَيْمُونَةَ قَدْ عَارضَهُ فِي ذَلِكَ غَيْرُهُ .
ثم يروي حديث يَزِيدَ بْنِ الأصمِّ ، قَالَ: حدَّثْتَنِي مَيْمُونةُ ابْنَهُ الْحَارِثِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ
عَِّ تَزَوَّجَهَا وَهُوَ حَلالٌ .
قَالَ يَزِيدُ : كَانَتْ خَالتي وخالةَ أبْنِ عَّاسٍ .
ورَوَى حمّاد بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ حبيبِ بْنِ الشهيدِ ، عَنْ مَيْمونِ بْنِ مهران ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ
الأصمِّ، عنْ مَيْمونَةَ ، قالتْ: تَزَوَّجْنِي رَسُولُ اللَّهِ لَّهُ بِسرفَ ، وَهُما حلالان بعْدما رَجعا
٠ - ١٤٠ -