النص المفهرس
صفحات 1-20
الاسْتِدَكَار الْجَامِع لمذاهبٌ فقهاء الأمْصَار وَعُلمَاء الأقطار فيما تضمنهُ المَوَطَّأ مِنْ مَعَانى الرأى وَالآثار وَشْرِح ذلكَ كُلّ بالإتَجَاز وَالاخْتِصَار مَا عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ بَعْدِكَابِاللَّهِ أَصَحُ مِن كِتَابِ مَالِكٍ "الإمام الشَّافِعِىّ" تَضَيْفٌ ابن عبد البر الإمام الحافظ إلى عمر يوسف بن عبد الله ابن محمَّد بن عبد البر النمرى الأند لسيّ ٣٦٨هـ ٤٦٣ هـ لَقَدْ كَانَ أَبُو عُمَر بن عَبْد البَرّمِنْ مُحُورِالعِلْمِ وَاشْتُهِرَ فَضْلُهُ فِى الأَقْطَارِ "الحافِظُ الذّهَبى" يُطْبَعُ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ كَامِلاً فِى ثَلاثين بَلَّدًا بالفَهَارِسِ العِلْمِيَّة عَن خَمْرُسَخْ خَطِيَّةٍ عَزِيزَةٍ المَُلَُّ الأوَّلُ وَثَّقَ أُصُوَلَهُ وَخَجَ نُصُوصَهُ وَرَقَّهُا وَقَتَّنَ مَسَائِلَهُ وَصَنَعَ فَهَارِسَهُ الدكتور عبدالمعطى مير القجي دَارُ الوغى حَلَبٌ - القَاهِرَة دَار قتيبَة لِلطِبَاعَةِ وَالنَّشْرِّ دمشق - بَيْروُت الطبعة الأولى القاهرة جمادى الآخرة ١٤١٤ المصادف تشرين الثاني ١٩٩٣ جميع حقوق طبع الكتاب محفوظة للمحقق ولا يجوز نشر الكتاب أو أي جزء منه ، أو تخزينه ، أو تسجيله بأي وسيلة علمية مستحدثة ، أو الاقتباس من تخريجاته الحديثية أو تعليقاته العلمية أو تصويره دون موافقة خطية من محققه . كما أن متن الكتاب الذى وثقه المحقق عن خمس نسخ خطية موصوفة في تقدمة الكتاب . هذا المتن مسجل بوزارة الإعلام في سورية ، ومصر ، : والمملكة العربية السعودية، ودولة البحرين، والإمارات العربية المتحدة، وجامعة الدول العربية ومجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف ، أواتحاد المحامين العرب على أنه حق لمحقق الكتاب وهو الذي بذل في إخراجه عشر سنين دأبا ، وكل من يأخذ المتن أو أي جزء منه ويشوه في هذا التحقيق العلمي الممتاز للكتاب يحاسب قانونيا وعليه إبراز النسخ الخطية للكتاب ، والله الموفق . الاستذكار الجامع لِمَذَاَهِبِ فُقَهَاء الأمْصَارِ وعُلِمَاءِ الأقْطَارِ فِيمَا تَضَمِّنَهُ الْموطأ مِنْ مَعَانِى الرَّأى والآثارِ وَشَرْحُ ذَلكَ كُلِّه بالإيجازِ والاختصارِ المجلد الأول ١ - كتاب وقوت الصلاة يشمل أحاديث الموطأ من حديث رقم (١) إلى (٣٤) ويستوعب النصوص من فقرة ( ١) إلى (١١٢١ ) ٥ 3 وَدَعْ مَا كَانَ مِنْ عَظْمٍ رَمِيمٍ إِذَا فَاخَرْتَ فَافْخَرْ بِالعُلومِ وَعِلْمِي حَلَّ بِي بَيْنَ النُّجومِ فَكَمْ أَمْسَيْتُ مُطَّرِحاً بِجَهْلِ فَلَازَمَنِي مُلازَمَةَ الغَرِيمِ وَكَمْ مِنْ وَزِيرٍ سارَ نَحْوي فَقَامَ إليَّ مِنْ مَلِكِ عظيمٍ وَكَمْ أَقْبَلْتُ مَّعِداً مُهاباً بِذِكْرِي مِثْلَ عَرفٍ فِي نَسيمِ وَرَكْبٍ سَارَ مِنْ شَرْقٍ وَغَرْبٍ أبو عمر ابن عبد البرّ (( مَا عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ قَوْمٌ أَفضَل مِنْ أصحابِ هذهِ المحابِرِ ، يَتَّبِعونَ آثارَ رسولِ اللَّهِ (عَ ◌ّ) ويُكْتُبُونَها كيْ لا تَنْدَرِس)» الحسن بن الصباح الزعفراني راوية الإمام الشافعي - ٥ - 5 أقوال بعض أساطين العلم في الحافظ أبي عمر ابن عبد البر ● (( لَمْ يَكُنْ بالأندلسِ مثلُ أبي عمر بن عبد البَرّ في الحديثِ ، وهو أحفظُ أَهْلِ المَغْرِبِ » أبو الوليد الباجي ● ((ابنُ عبد البَرّ إِمامُ عَصْرِهِ، وواحدُ دَهْرِهِ)) ابن بشکوال ● (( الحافظُ أبو عمر يوسف بن عبد البَرّ النمري إمامُ الأندلسِ في علم الشريعة وروايةِ الحديث وفاضِلُها الذي حازَ قصبَ السبقِ ... ، انظر إلى آثاره تغنيكَ عن أُخْبَارِهِ )) أحمد بن سعيد الأندلسي صاحب المُغْرب ●(( لقد كانَ أبو عمر بن عبد البَرّ من بُحور العِلْمِ وَاشْتُهِرَ فَضْلُهُ فِي الأَقْطَارِ )) الذهبي • ((سادَ ابن عبد البَرّ أَهْلَ الزَّمانِ بِالحِفْظِ والإتقان، وَبَلَغَ رُتْبَةَ الأئِمَّةِ المُجْتَهدِينَ) السيوطي ● (( ابنُ عبد البَرّ شيخُ عُلماءِ الأندلس، وكبيرُ محدّثيها ، وأحفظُ من كانَ فيها لسنَّةٍ مأثورة ، سادَ أهلَ الزمانِ في الحفظِ والإتقانِ )) ابن فَرْحون - ٧ - قالوا في (( الاستذكار )) وَأَكتبِ الاستذكارَ تُغْنَ بِهِ عَنْ كُلِّ جَمْعٍ مِنْ بَعْدُ كُتُبِ الْمُوَطَّأ فَابِنُ عَبْدِ البرِّ المصنفُ ما قَصَّرَ في الاختبارِ شَرْحاً وَبَسْطاً أبو طاهر السلفي • صَنَعَ ابْنُ عَبْدِ البَرّ كتابَ (( الاستذكار في مذاهبٍ عُلماءِ الأمصار فيما تضمَّنَهُ الْمُوَطَّأ من معاني الرََّي والآثارِ ))، شَرَحَ فيه ((الموطأ)) على وَجْهِهِ ، وَنَسَّقَ أَبْوَابَهُ ١٠٠٠٠٠٠٠٠ الذهبي · اعتنى النَّاسُ بكتابِ ((الموطّاً )) وعَلَّقوا عليه كُباً جَمَّةً ومن أجودٍ ٥ ذلك كتابي ((التمهيد))، و((الاستذكار)) للشيخ أبي عمر بن عبد البَرّ النَّمريّ القرطبيّ - رحمه الله - ابن كثير - ٩ - . ابن عبد البَرّ سیرته و کتابه الاستذكار · المبحث الأول : حياة ابن عبد البر ومكانته العلمية · المبحث الثاني: منهج كتابه: ((الاستذكار)) وعناية العلماء به · المبحث الثالث : المنهج الذي اتبعته في تحقيق هذا الكتاب المبحث الرابع : وصف النسخ الخطية المعتمدة في نشر هذا الكتاب خاتمة - ١١ - المبحث الأول : حياة ابن عبد البر ومكانته العلمية بين يدي الكتاب - بيئة ابن عبد البر ونشأته - سماعه وشيوخه - منزلته العلمية - شيوخه - مصنفاته - تلاميذه - أقوال العلماء فيه ... وفاته مضى ألفُ عامٍ على تَصْنِيفِ ابن عبد البرِّ لهذهِ المَوْسوعَةِ الفقْهِيَّةِ التي قامَ بناؤها على أساسٍ من قواعدِ العلمِ، وهُدى العَقْلِ ، والتي سَيكونُ لها من الأثَرِ بَعْدُ ، فقد ولد المصنّفُ عام (٣٦٨) هـ في خلافة هشام بن الحكم ، وكان والد ابن عبد البر : عبد الله بن محمد بن عبد البَرِّ بن عاصم النَّمَري أحدُ من أوْرَدَ ابن الخطيب أسماءَهُمْ فيمن شَهِدَ أَخْذَ العَهْدِ من كبارٍ رَجالِ الدَّوْلَةِ ، ومشاهيرٍ فُقْهائِها على بَيْعَتِهِ قَبْلَ أَنْ يُتَوَنَّى الحكم المستنصر الذي دامَتْ خلافته من (٣٥٠ - ٣٦٦ هـ )، فَخَلَفَهُ ابنه هشام الذي حَكَمَ من (٣٦٦ - ٣٩٩) ، وفي خلافَتِهِ سَطَعَ نجم المنصور بن أبي عامر الذي كسرَ شَوْكَةَ النّصارى في عُقْرِ دارِهم ، وحاربَ في جَيهاتٍ متعدِّدَةٍ ، فبلغَتْ غزواته سِتّا وخمسينَ غَزْوَةً باشَرَها كُلُّهَا بِنَفْسِهِ وَكانَتْ له كلّ عامٍ غزوتان : في الربيع، وفي الخريف ، حَتَّى أَنَّهُ وصلَ إلى معاقِلَ كانت قد امتنعتْ على مَنْ قَبْلَهُ . وكانَ التَّقَدُّم فِي كُلِّ العلومِ قَدْ بَلَغَ شَأْواً بعيداً مما دَفَعَ مَلِكَ انجلترا ، والغال (فرنسا) ، والسويد ، والنرويج أن يكتب للخليفة في قُرْطبة : صاحبَ العظمةِ هشام الجليل المقام ، بَعْدَ التَّعْظِيمِ والتَّوْقِيرِ، فَقَدْ سَمِعْنا عن الرُِّيِّ العظيم الذي تَتَمَتَّعُ بِفَيْضِهِ الصافي معاهِدِ العِلْمِ والصِّناعاتِ فِي بِلادِكُمُ العامِرَةِ ، فَأَرَدْنا لأبنائنا اقتباسَ نماذجَ هذهِ الفضائِل لتكونَ بدايَةً حَسَنَةٌ في اقتفاءِ أَثَرَكُمْ لِنَشْرِ أنْوارِ العلم في بلادِنا التي يَجْتَاحُها الَجَهْل من أَرْكانِها الأَرْبَعَةِ ، وَقَدْ وَضَعْنَا ابنةً شقيقنا الأميرة ((دوبانت)) على رأسٍ بَعْثَةِ بَناتِ الإنجليزِ لتشرَّفَ بِلَثْمٍ أَهْدابِ العَرْشِ، والتماسِ العَطْفِ لتكونَ مع زميلاتِها مَوْضِعَ عِنَايَةٍ عَظَمَتِكُمْ وَحِمَايَةِ الحَاشِيَةِ الكَرِيمَةِ ، - ١٣ - وَحَدْبٍ مِنْ لَدُنّ اللواتي يَسْتَوْفُونَ على تَعْلِيمِهِنَّ، وَقَدْ أَرْفَقْتُ الأميرةَ الصغيرةَ بِهَدِيَّةٍ مُتُواضِعَةٍ لِمِقَامِكُمُ الجَليل، أَرْجو التكرَّمَ بِقَبولِهَا مَعَ التعظيمِ، والحُبِّ الخالِص - من خادمكم جورج - في ذلك العَصْرِ عاشَ ابنِ البَرّ أزهى عصور التَّقَدّمِ والرِّقِيِّ، فَقَدْ بَلَغَتْ حَضَارَةُ الأنْدَلُسِ ذروتها، وكان الإزدهارُ العِلْمِيُّ والَقَافِيِّ مُسْتَمِرًا في الحَوَاضِرِ العلمية التي تَدورُ فِي فَلَكِ قُرْطْبَةَ: إشبيليَّة، ودائِّية، وبلنسيةَ، وبطليموس، والمريَّة ، وسرقسطة. وقد كانَ الحُكَامُ والأمراءُ يَهْتَمُونَ بالَّشَاطِ العِلْمِيِّ وَالتَّعَافِيِّ، ويُشَجِّعُونَ العُلَماءَ في مُخْتَلَفِ التخصصات؛ لا بَلْ قَدِ اسْتَقْدَمُوا أَنْبَغَ العُلماءِ مِنْ الْمَشْرِقِ ليستفيدَ منهم أبناءُ الأندلس . كما ساهم الخلفاءُ في بناءِ المدارسِ ، وَاهْتُمُّوا بِجَمْعِ الكُتبِ في مكتباتٍ عامِرَةٍ تزخر بِأُمَّهاتِ المراجعِ ، حتى بَلَغَتْ مَكْتَبَةُ الحكم : أربع مئة ألف كتابٍ، واستجلبَ من بغداد ، ومصر ، وغيرهما من ديار المشرقِ عُيُونَ التواليفِ الجليلةِ ، والْمُصَنَّفَاتِ الهامَّة في العلومِ القديمةِ والحديثةِ ، وَجَمَعَ منها في بقيةٍ أيامٍ أبيه ، ثم في مُدَّةِّ مُلْكِهِ مِنْ بَعْدِهِ ما كادَ يضاهيه ما جمعته ملوكُ بَنِي العباس في الأزْمانِ الطَّيلَةِ(١). وسَجَّلَ التاريخُ تَقَدُّمَ الأندلس في فنونِ الزراعة ، والطب ، والرياضيات ، والهندسة ، والصناعة ، والتعدين والعمران ، وآثارهم شاهدة على ذلك (٢). وَقَدِ انْتَشَرَ النَّفوذُ الإِسلامي في جُزْرِ البحر المتوسط : رودس ، أرواد ، كريت ، (١) تاريخ ابن خلدون (٤: ١٤٦)، ونفح الطيب (٢٨٣:٣)، وجذوة المقتبس (٥١ - ٥٢). (٢) في التقدم العلمي والحضاري انظر على سبيل المثال: نفح الطيب (٤٦٤:١)، دول الطوائف (٤٤١)، الحضارة الإسلامية في الأندلس : ٦٢، الروض المعطار (٧٠ - ٧١ - ١٣٢ - ١٤٥ - ١٨١)، حضارة العرب (٢٨٢ - ٢٩٩)، الإسلام ونهضة الأندلس (٥٢)، وغير ذلك. - ١٤ - / جزر بحر إيجةَ ، صقلية ، قوصرة ، مالطة ، سردانية ، وكورسيكة ، وَبَسَطَ المسلمونَ نفوذَهُمْ في فرنسا إلى مشارفٍ باريس وبعض أجزاء من إيطاليا : إمارة برنديزي ، وطارنت ، وبارة ، وروما ، وأنكونا ، وكوماتشيو ، حتى دَفَعَتِ البابوية الجزية للمسلمين، وامتدَّ الفتحُ الإسلاميُّ إلى أجزاء من سويسرا وأعالي الراين.(١) في تلكَ العصورِ الرَّاهِرَةِ بَزَغَ نَجْمُ ابن عبد البرّ ، ففي يَوْمِ الجمعة الخامس من شهر ربيع الآخر سنة ثمان وستين وثلاث مئة من الهجرة النبوية وخطيبُ الجُمُعَةِ يَخْطُبُ على المنبرِ وُلِدَ أبو عمر: يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البَرّ بن عاصم النَّمري القُرْطبيّ .(٢) جدّه: محمد بن عبد البر كان عابداً منقطعاً معروفاً بالتهجُّدِ، مُبَرِّزًا فيه ، مُلَازِماً للعَبَّاد المعروفينَ بالرُّهْدِ، عُني بعلومِ القُرآن، والقراءاتِ ، والتَّفْسير ، إلا أنَّ العبادةَ كانت أغلب عليه ، وقد عُمّر حتى بلغ الثمانين ، وتوفي سنة ثلاث مئة وتسع وسبعين في قرطبة ، قبل ابنه عبد الله بسبعة أشهر(٣). والده : أبو محمد عبد الله بن محمد وُلِدَ في قُرطبة سنة ثلاث مئة وثلاثين ، كان مُحَدِّثاً رفيعَ المكانَةِ ، فقيهاً ، عابداً، متهجِّداً ، مُقَرَّباً من المشايخِ ، يَقْرَأُ عليهم والنَّاسُ يسمعونَ بِقِراءَتِهِ ، تَتَلْمَذَ على أحمد بن دُحيم(٤) ، وأحمد بن سعيد بن حزم (١) المسلمون في أوربا في العصور الوسطى : إبراهيم علي طرخان . (٢) احتفظ والده بتاريخ ولادته تيمناً بالوقت ، وكان أبو عمر يُطلع عليه بعض خاصته من تلاميذه ، الصلة لابن بشكوال: ٦٧٩. (٣) التكملة لابن الآبار (٣٧١:١)، تاريخ ابن الفرضي (١٩٠:٢). (٤) من كبار علماء قرطبة ، ولاه الناصر أحكام القضاء بطليطلة ، ولم يزل قاضياً حتى وفاته (٢٧٨ - ٣٣٧) ، وكان معتنياً بالآثار والسنن ، سمع منه شيخان لابن عبد البر . بغية الملتمس (١٦٦)، تاريخ ابن الفرضي (٣٥:١)، الديباج المذهب (١٧١:١). -- ١٥ - الصدفي(١)، وأحمد بن مطرف(٢)، ومحمد بن معاوية القرشي(٣)، وإسحاق بن إبراهيم بن مسرة (٤) ، ومحمد بن أحمد بن قاسم بن هلال ، وغيرهم . أَثْنَى عليه ابن حيان، وقال فيه: ((مِنَ الأعلام هضابٌ راسِيَةٌ ، وبحارٌ من العلم زاخِرَةٌ ، وأعلامٌ قولُهُم مسموعٌ ، ويِرُّهُمْ مَشْروعٌ، وَأَثَرهُمْ متبوع، مثل : عبد الله بن محمد بن عبد البر والد أبي عمر ابن عبد البَرّ )) (٥) . وَقد اختارَهُ الخليفة: ((الحكم )) في أهل العَقْدِ والحَلِّ ، الذين شَهِدُوا على العَهْدِ الذي كَتَبه لابنه هشام بالخلافة من بَعْدِه(٦)، وكانَتْ وفاةُ عبد الله سنة (٣٨٠) ، وعمره خمسون سنة ، وابنه : يوسف في الثانية عشرة من عمره ، تاركاً له كُتْبَهُ ومَسْموعاته التي استفادَ منها ، وأَخَذَ عنها ، ونقلَ ما فيها ، فلم يسمع أبو عمر من أبيه شيئاً لِصِغَرِ سنه ، ولكنَّهُ يحدث كثيراً من كتاب أبيه فيقول : وجدتُ فِي سَماع أبي بخطه .(٧) (١) (٢٨٤ - ٣٥٠)، له رحلة إلى المشرق، وتصنيف في تاريخ الرجال اختصره ابن عبد البر لأهميته. سير أعلام النبلاء (١٦: ١٠٤)، بغية الملتمس (١٦٦). (٢) اشتهر بابن المشاط ، ولي الصلاة بقرطبة ، وكان زاهداً ورعاً معظماً عند الولاة ، مشاوراً في الأمور، مات سنة (٣٥٢)، تاريخ ابن الفرضي (٤٤:١)، بغية الملتمس (١٩٤). (٣) المعروف بابن الأحمر الأموي ، أول من أدخل مصنف النسائي إلى الأندلس ، وعنه انتشر ، حدث عنه كثيرون من شيوخ ابن عبد البر، وكان شيخاً حليماً ثقة صدوقاً، توفي سنة (٣٥٨). تاريخ ابن الفرضي (٦٧:٣)، بغية الملتمس (١١٧)، سير أعلام النبلاء (٦٨:١٦). (٤) من العلماء النابهين ، أحد الزهاد الأعلام بقرطبة ، ممن لا تأخذه في الله ملامة ، وكان فقيهاً مشاوراً مهيباً ، صدراً في الفتيا ، توفي سنة (٣٥٢) . جذوة المقتبس (١٦٨)، بغية الملتمس (٢٣٥)، الديباج (٢٩٦:١)، سير أعلام النبلاء (٧٩:١٦). (٥) أعمال الأعلام : لسان الدين بن الخطيب (٤٨:٢). (٦) التكملة لابن الأبار (١: ٣٧١)، والديباج (٢: ٣٦٩). (٧) جامع بيان العلم (٤٢:١، ٥٤). - ١٦ -/ إذن فابن عبد البَرّ نَشَأً في بيتِ علمٍ ، قَدْ وَجَّهَهُ أبوهُ منذ نُعومَةِ أظفارِهِ إلى الدّراساتِ الدينيّةِ ، ولما توفِّيَ أَبُوهُ دَبَ على الدَّرْسِ مِنْ بَعْدِهِ فَبَداً في الجَمْعِ. والتحصيلِ والسَّماعِ على جلَّةِ العلماءِ، فَتَعمَّقَ بعد حِفْظِهِ القرآنَ في عُلُومِ القُرآنِ الْمُعينةِ على فَهْمِهِ واستنباطِ الأحكامِ منه ، كالفقه وأصولِهِ ، والنَّاسِخِ والمنسوخِ، والحديثِ والسيرةٍ، والتاريخِ، وَعِلْمِ الرِّجالِ، واللُّغَةِ والشِّعْرِ والأدَبِ ، والطبِّ والنجومِ ، حَتَّى صارَ عالماً مَوْسوعِياً سارَتْ بكتبهِ الرُّكْبان ، وكانَتْ تيجاناً على رؤوسِ العُلماءِ، وَبَقِيَ ذكرُهُ على كُلِّ لسانٍ . شَبَّ ابن عبد البَرّ يتيماً لا معيلَ له ، فَتَحَمَّلَتْ والدتُهُ العبءَ الأكبر في تربيته ورعايتهِ ، وكابَدَتْ وضَحَّتْ لتوجيهِهِ وتهيئة الظروفِ المناسبةِ لاستمرارهِ في طلبٍ العلم ، وهو الذي أمضى سنّهُ الأولى في بيئةِ النَّقْوى والعِلْمِ ، وَقَدْ حَفِظَ كتابَ الله ، وشَدَا بَعْض علومِ العَرِبِّةِ، وَبَرَزَ في الْخَطِّ والكتابَةِ ، فَبَدَاً في دراسَةِ العلومِ المعينة على فَهْمِ القرآنِ الكريم ، في القراءاتِ ، وناسخ القرآنِ ومنسوخِهِ ، وتفسيرِ غريبهِ ، والحديث وعلومه، والفقه ، والسيرة ، والرجال ، والتاريخ ، والأنساب ، والزهد ، وغير ذلك في كتب المعارف العامة والعلوم(١)، وَتَلَقَّى عَنْ أَكْثَرٍ مِنْ مِئَةٍ شَيْخٍ ، وَسْتَجَازَهُمْ بِأَخْذِ ما حَصَّلُوهُ من كتبِ شُوخهم، وَجَمَعَ هذه الثَّرْوَةَ العِلْمِيَّةَ المتنوِّعَةَ الشاملةَ، حَتَّى أَصْبَحَ مَدَارُها » إِليه يَصِلُ إِسْنَادُها، ومنْ طريقه يَنْقُلُها تلاميذه للأجيالِ اللاحقَةِ ، زدْ على ذلك مُصَنَّفاتِهِ الضافية المفيدة ، ومؤلفاتِهِ النافعة الفريدة ، التي سَبَكَها بِأَقْوى الدَّلائِلِ ، وَأَثْبَتِ البراهين ، وأَقْوى الحُجَجِ، حَتَّى لم يَتْرُكْ زيادةٌ لمستزيدٍ، فهو العالِمُ البَحْرُ ، نافذُ الباعِ في سائرِ العلومِ والفنونِ ، وشيخٌ مَدرسةٍ الحديثِ والفقهِ في الأندلس ، بخاريُّ المغربِ وحافظُها ، وصلةُ وَصْلِ الماضي التالِدِ بالحاضرِ الطَّرفِ، عنه نُقِلَتْ المُصَنََّاتُ والكُتُبُ، ومن مِنَهجِهِ نَتَّخِذُ مَسَاراً لتقنين (١) يأتي تفصيل ذلك في المبحث الثاني، تحت عنوان ((مصادر ابن عبد البر)). - ١٧ - الحديثِ والفقهِ ، ومن غَوْصِهِ واستنباطِهِ اللآلئَ نأخذُ نبراساً لتواضعِ العالِمِ ، وقوةٍ شکیمته . لا تُسْعِفُنَا المصادِرُ بِذكْرٍ أولادِ ابن عبد البر، خاصةً ابنه عمر الذي تكنى به (١)، إلا أنها تذکر ولده الآخر : عبد الله أبو محمد بن عبد البر ، وابنته زينب . وَقَدْ نَشَأَ ابنه عبد الله نَشْأَةٌ أَدَبِيّةٌ قَوِيَّةٌ ، حتى أَصْبْحَ من أهلِ الأدبِ البارعِ ، والبلاغة الرائعةِ ، والتقدم في العلم والذكاءِ ، وقد استقرَّ في إشبيليَّةً في ظِلِّ المعتضد ابن عبَّاد ، الذي رغبَ فيه ، واحتالَ عليه بشتى الطرق ، ففازَ به ، لباعةٍ عبد الله في إنشاءِ الرسائل وكتابتها ، فكان بَحْرَ البيانِ الزاخرِ ، وفَخْرَ الأوائلِ والأواخرِ ، وواحدَ الأندلس .(٢) وَقَدْ قَلَّدَهُ المعتضدُ وزارةَ القلمِ ، ووزارةَ السيفِ ، فَلُقِّب بذي الوزارتين(٣)، وكان ابن زيدون يومذاكَ الوزيرُ الْمُقَرَّبُ في بَلَاطِ المعتضدِ ، فَدَبَّتِ المنافَسَةُ بينهما ، فوشَى ابن زيدون به عند المعتضدِ ، فَسَجَنَ عَبْدَ الله ، ولمّا تناهى إلى سمع ابن عبد البرّ ما حلَّ بابنه سارَعَ قاصداً إشبيليَّةً ، وهو حينئذٍ يتردَّدُ بين بَلَنْسَيَّةَ وشاطِبَةً ، ودخلَ على المعتضدِ من ساعةٍ وصوله رافِعاً صوته : ابني يا معتضد .. . ابني يا معتضد ، وخاطبه قائلا : (١) ذكر محقق كتاب ((الصلة)) لابن بشكوال أنه وجد تقييداً في هامش المخطوطة التي اعتمدها في نشر الكتاب ، لأحد العلماء الذين وصل الكتاب إليهم ، فحواه أن ابنه عمر الذي به تكنى ، هو (عمر القاضي ، ودفن بمقبرة قرطبة))، وهذه الإشارة دليل على أن عمر القاضي هذا قد ولي القضاء، ومات في قرطبة في حياة أبيه ، ولا تذكره المصادر ، انظر الصلة : ٢٤٢ . (٢) الذخيرة لابن بسام (١٢٧/١:٣)، والمغرب (٤٠٢:٢)، والقلائد للفتح بن خاقان (١٨١)، وانظر رسالته فى المغرب (٤٠٣:٢) . (٣) الذخيرة (١٢٥/١:٣)، أعتاب الكتاب لابن الأبار (٢٢١)، المغرب في حلي المغرب (٤٠٢:٢). - ١٨-/ لتُبْصِرَ مُقلتي ما حلَّ سَمْعي قَصدتُ إليكَ مِن شَرْقٍ لغَرْبٍ دعاكم راغباً في خَيْرٍ فِرْعٍ وَتَعْطِفُكَ المكارِمُ نَحْوَ أَصْلٍ فَلَيْسَ الفَضْلُ عِنْدَكُمْ بِدْعِ فإنْ جُدْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ عَفْوٍ وَيَرْقَاً من جفونِي سَكْبُ دَمْعي (١) فَوَعْدَكِ كِي يُسكِّنَ خَفْقَ قَلْبِي وكانَ سببَ نجاتِهِ ، ولولاه لَوَرَدَ مشرع الحمام ، وكرَعَ من ماءِ الْحُسام ، ولكنَّ إمامَةَ أبيه الشهيرةَ ، ومكانَتَهُ الأثيرةَ جَعَلتِ المعتضد يُغَيِّرُ مَوْقِفَهُ ، ويطلقُ من ساعَتِهِ سَراحَ عبد الله إكراماً لأبيه ، ولم يكتفِ المعتضد بهذا بل قامَ بتوديعِ ابن عبد البر تَوْدِيعاً حافلاً إِكْراماً لِعِلْمِهِ وَفَضْلِهِ وَمَكَانَتِهِ . وَقَدْ نَصَحَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ ابنَهُ أَنْ يترك مَحافِلَ الأُمراءِ ، وَتَّجِهَ إلى ما يَنْفَعُ من العِلْمِ، فالأمراءُ صراعاتُهُمْ كثيرةٌ ، وأَهْوَاءُهُمْ لا تُدْرَكُ ، وَمَهْمَا بالَغْتَ في خِدمتهم والثناءِ عليهم لابدَّ أن يصيبك ضررٌ منِهم ، بَيْدِ أن الباقي هو التّقْوى في السرّ والعلانية ، والعلمُ الذي يُفْني الإنسانَ عُمَرَهُ القصير فيه، وهو الذي يدوم إلى أن يَرِثَ الله الأرض ومن عليها ، فقال ابن عبد البر ينصح ابنه : وَوَفِ سَبيل الدين بالعُروةِ الوُثقى تجاف عن الدُّنيا وهوّن لغَدْرِها فلا ذمة أقوى هُديت من التقوى وسارعْ بتقوى اللَّه سِراً وجَهرة يَمُنَ بها فالشكُر يَستجلبُ النُّعمى ولا تنسَ شُكْرَ اللَّه في كلِّ نعمةٍ فإنّ طريق الحقَّ أبلجُ لا يَخفى فَدعْ عنك ما لا حَظّ فيه لعاقِل وعُمٍ قصير لا يدومُ ولا يَبقى وَتُحِّ بأيام بَقِينَ قلائل ألم تَرَ أن العُمر يمضي مُوليا فَجِدَّتْهُ تَبْلَى ومُدتهُ تفنى (٢) (١) المغرب في حلي المغرب (٤٠٨:٢). (٢) مطمح الأنفس (٧١)، نفح الطيب (٢٨:٤). - ١٩ - ٢ وقد كانَ لهذهِ النصيحة الوَقْعُ الطَّيِّبُ في نَفْسِ الابن الذي وَجَّهَ مَلَكَتَهُ النَّثْرِيَّةَ ، وطاقَتَهُ البلاغِيَّةَ إلى كتابةِ الرسائلِ والمقالاتِ التي تحثُّ على تَوْحِيد الكلمةِ، وتنبيهِ أهْل الأندلس إلى الخطرِ الصليبيّ الذي يتهددهم نتيجةَ هذه الفُرْقة التي حَلَّتْ بهم ، وكان أن سقطت مدينة ((بَرَبَشْتَر)) في شرقي الأندلس سنة (٤٥٦) بيد النصارى، فشحذَ عبد الله همته مع أهل الإصلاحِ من الفقهاءِ والعلماء والأدباء للدعوة إلى توحيد الصفوف، وكتب رسالته المشهورة على لسان أهل بربشتر موجهة إلى أمراء دول الطوائف يستنهض هممهم ، ويستثير حميتهم لاسترجاع بربشتر، فثارت حمية الجهاد عند المقتدر ابن هود الذي استجاب لهذه الصيحة ، فجهز جيشاً لذلك ، وانضم إليه من المجاهدين المتطوعين من العلماء والزهاد ، وغيرهم ستة آلاف متطوع، فهزموا الأعداء ودحروهم ، وعادت بربشتَّرُ إلى حياض الإسلام مرة أخرى ، وكان ذلك سنة (٤٥٧ هـ ) أي قبل وفاة عبد اللَّه بن يوسف بسنة حيث أقر اللَّه عينه بهذا النصر ، ثم توفي بعد ذلك في حياة والده . أما ابنته زَيْنب ، فقد كانَتْ من صالحاتِ النِّساءِ وعالماتهنُّ، وقد أجازَها والدُها بعد أن كَوِّنَتْ حَصيلةً علميةً جيدة ، وقد تزوجتْ في بلنسيةٍ من محمد بن أحمد بن علي اللَّخميّ، فَرُزِقَتْ منه بولدٍ أسمته : عبد الله ، أجاز له جدّه تصانيفه في سنة اثنتين وستين وأربع مئة . وكان مولده في سنة ٤٤٣ . وقد سمع ((الصحيحين)) من أبي العباس بن دِلْهاث العُذْري، و (( صحيح البخاري) من القاضي أبي الوليد الباجي . وولي قضاء مدينة أَغْمات ، أقصى المغرب . روى عنه : حفيدُه لبنته عُمر بنُ عبد اللَّه الأغماتي ، وعيسى بنُ الملجوم ، وأجاز لابن بَشْكُوال . مات في صفر سنة ثلاثٍ أو اثنتين وثلاثين وخمس مئة، وعاش تسعين عاماً (١). (١) التكملة لابن الأبار (٢: ٨٢١)، الأعلام بمن حَلَّ في مراكش وأغمات من الأعلام (١٨٩:٨)، سير أعلام النبلاء (٩٢:٢٠) . - ٢٠ -