النص المفهرس

صفحات 341-360

١ - كتاب وقوت الصلاة - (٦) باب النوم عن الصلاة - ٣٤١
٨٨٣ - وتقدم أيضا قولهم في استنباطهم من قَوْلِهِ عليه السلام: ((فَلْيُصَلِّها
إذا ذَكَرَهَا » وجوب ترتيبِ الصَّلواتِ الفوائِتِ إذا كانَتْ صَلاة يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ .
٨٨٤ - وقولُ (١) الشَّافعيِّ ومن تَابَعَهُ في إِسْقَاطِ وُجُوبِ التَّرْتيبِ في ذلكَ ،
وتَأويلِ الحديثِ عندهم وما ذَهَبَ إليه كُلّ فريقٍ منهم ، ووجوه أقوالهم ، وتلخيص
مذاهبهم ، كل هذا في هذا الباب مُجَوَّد (٢)، والحمدُ للَّه: فلا مَعْنَى لإعادَةِ
شيءٍ من ذلك هنا ، واللّه الموفَّقُ للصَّوابِ .
(١) في ( ص) : وقال ، هو تحريف .
(٢) في ( ص) : مجرد، وهو تحريف، وفي ( ك ) : مجودا .

(٧) باب النهي عن الصلاة بالهاجرة (*)
٢٥ - مَالِكٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أُسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَار؛ أُنَّ رَسُولَ اللَّه
◌َّهِ قَالَ: ((إِنَّ شِدَّةَ الَحَرَِّ(١) مِنْ فَيْحِ جَهَثَّمَ (٢)، فَإِذَاَ اشْتَدَّ الْحَرِّ
(*) المسألة - ١٣ - أفضل الوقت أوله لقول النبي #: ((أفضل الأعمال الصلاة
في أول وقتها ))، ويستحب في البلاد الحارة وغيرها الإبراد بالظهر في الصيف ، للحديث
النبوي: ((أبردوا بالظهر، فإن شدة الحر من فيح جهنم))، يستحب تعجيله في الشتاء
والربيع والخريف، لحديث أنسٍ عند البخاري: ((كان النبي ◌ّه إذا اشتد البرد بكر بالصلاة
وإذا اشتد الحر أبرد بالصلاة )).
والعمل في المساجد الآن على التعجيل أول الوقت شتاءً وصيفاً ، فينبغي متابعة إمام
المسجد في ذلك لئلا تفوته صلاة الجماعة حتى ولو كان ذلك الإمام يترك المستحب .
(١) ( إنَّ شدة الحرة): إنَّ هنا للتعليل ، وشدة الحر = عند استواء الشمس وسطوعها.
(٢) ( من فيح جهنم ) : سطوع الحر وفورانه، ويقال بالواو : فوح ، وفاحت القدرة
تفوح : إذا غلت .
وقال ابن سيده : فاح الحر يفيح فيحا سطع وهاجَ ، ويقال : هذا خارج مخرج التشبيه
والتمثيل أي كأنه فار جهنم في حرها ، ويقال : هو حقيقة وهو أنَّ نُثَارَ وَهَجِ الحر في الأرض
من فيح جهنم حقيقة .
ويقوى هذا حديث (( اشتكت النار إلى ربها)).
وأما لفظ جهنم فقد قيل : إنه اسم أعجمي .
وفي ((الزاهر)) لابن الأنباري : قال أكثر النحويين هي أعجمية لا تجري للتعريف
والعجمة ، وقال : إنه عربي ، ولم تجر للتعريف والتأنيث .
وفي ((المغيث)) هي تعريب ، كهنام بالعبرانية وذكره في الصحاح في الرباعي ثم قال :
هو ملحق بالخماسي لتشديد الحرف الثالث .
وفي ((المحكم )): سميت جهنم لبعد قعرها ، ولم يقولوا فيها : جهنام ، ويقال : بئر
جهنام بعيدة القعر ، وبه سميت جهنم .
وقال أبو عَمْرو : جهنام : اسم ، وهو الغليظ البعيد القعر .
٣٤٢

١ - كتاب وقوت الصلاة - (٧) باب النهي عن الصلاة بالهاجرة - ٣٤٣
فَأَبْرِدُوا عَنِ (١) الصَّلاَةِ)) (٢).
وَقَالَ: ((اشْتَكَت النَّارُ إِلَى رَبِّهَا (٣) فَقَالَتْ: يَارَبِّ! أُكَلَ بَعْضي
بَعْضاً. فَأُذنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ في كُلِّ عَامٍ: نَفَسٍ في الشِّتَاءِ (٤) ، وَنَفَسِ
في الصَّيْف)) (٥).
(١) (عن الصلاة): وفي رواية: بالصلاة والفرق بينهما أن الباء هو الأصل، وأما
(عن ) ففيه تضمين معنى التأخير ، أي أخروا عنها مبردين .
وقيل هما بمعنى واحد لأن عن تأتي بمعنى الباء كما يقال رميت عن القوس أى القوس .
وقيل : الباء زائدة والمعنى ابردوا بالصلاة وقوله ((بالصلاة)) بالباء هو رواية الأكثرين .
والمراد من الصلاة : أي صلاة الظهر
(٢) موطأ مالك في كتاب ((وقوت الصلاة))، ح (٢٧)، ص (١: ١٦)، وقد وصله
مسلم من حديث أبي هريرة ، كما سيأتي في الفقرة (٨٨٥) ، وسيأتي تخريجه أيضاً .
(٣) (شكوى النار إلى ربها): من مظاهر قدرة الله - عزّ وجلّ - وقدرته أعظم
من ذلك لأنه يخلق فيها آلة الكلام ، كما خلق لهدهد سليمان ما خلق من العلم والإدراك كما
أخبر اللَّه تعالى عن ذلك في كتابه الكريم ، وحکی عن النار حيث تقول ﴿ هل من مزيد﴾ .
وورد أن الجنة إذا سألها عبد أمنت على دعائه ، وكذا النار .
وقال ابن المنير : حَمْله على الحقيقة هو المختار لصلاحية القدرة لذلك ، ولأن استعارة
الكلام للحال وإن عهدت وسمعت ، لكن الشكوى وتفسيرها والتعليل له والاذن والقبول
والتنفس وقصره على اثنين فقط بعيد من المجاز خارج عما ألف من استعماله .
وهو يدل على أن النار تفهم وتعقل ، وقد جاء أنه ليس شيء أسمع من الجنة والنار ، وقد
ورد أن النار تخاطب سيدنا محمدا رسول اللَّه عَّه وتخاط المؤمن بقولها «جُزْيا مؤمن فَقْد
أُطْفَأْ نورك لهبي».
(٤) ( فائدة ) لا مانع من حصول الزمهرير من نَفَسِ النار لأنَّ المراد من النار محلها
وهو جهنم وفيها طبقة زمهريرية ، ويقال : لا منافاة فى الجمع بين الحر والبرد في النار ، لأن
النار عبارة عن جهنم ، وقد ورد أن فى بعض زواياها نارا وفي الأخرى الزمهرير ، وليس
محلا واحدا يستحيل أن يجتمعا فيه فالذي خلق الملك من ثلج ونار قادر على جمع الضدين
في محل واحد ( وأيضا ) فالنار من أمور الآخرة ، وأمورالآخرة لا تقاس على أمور الدنيا .
(٥) من طريق الزهري عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة رواه مسلمٌ في الصلاة حديث
(١٣٦٩) باب ((استحباب الإبراد بالظهر في شدة الحر لمن يمضي إلى جماعة ويناله الحر في
طريقه))، ص (٢ : ٨٦٣) من طبعتنا ، وصفحة (١ : ٤٣١) من طبعة عبد الباقي ، =

٣٤٤ - الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار / ج ١
٨٨٥ - قَالَ أبو عمر: قَدْ أُسْنَدَ مَالِكٌ هذا الحديثَ بِتَمامِ مَعْنَاه في الموطّأْ
بروايةٍ لَّهُ عَنْ عبدِ اللهِ بن يزيدٍ = مولى الأسود بْن سفيان ، عن أبي سلمة ، وعنْ
محمدِ بنِ عبد الرَّحْمَن بن ثَوْيان، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ لَ﴾ (١) وفيه أُلْفَاظُ
حديثٍ زيدٍ هذا كلّه ومعانيه، وأُسنَدهُ أيضاً مُخْتصَراً عن أبي الزِّناد، عَنِ الأعرج
عن أبي هريرةَ، عَنِ النبيِّ نَّه (٢).
٨٨٦ - وقد ذكرنا في «التَّمْهيد)) (٣) مَن رَوَاهُ مِنَ التَّابعينَ عَنْ أبي هريرةَ
ومن رَوَاهُ مَعَ أبي هُريرةً عن النبيِّ لَّهُ مِنَ الصِّحَابَةِ (٤).
٨٨٧ - وَهُوَ حديثُ عندَ أُهْلِ السِّنّةِ والعلمِ بالحديثِ صَحِيحٌ لا مقالَ فِيهِ لأُحَدٍ .
= وأخرجه أبو داود في الصلاة (٤.٢) باب ((في وقت صلاة الظهر)) (١: ١١٠)،
والترمذي في الصلاة (١٥٧) باب ((ما جاء في تأخير الظهر في شدة الحر)) (١: ٢٩٥)
والنسائى في الصلاة (١: ٢٤٨) باب ((الإبراد بالظهر إذا اشتد الحر))، وابن ماجه في
الصلاة (٦٧٨) باب ((الإبراد بالظهر في شدة الحر)) (١: ٢٢٢).
وجزء الحديث الثاني رواهُ البخاري في مواقيت الصلاة حديث (٥٣٧) باب ((الإبراد
بالظهر في شدة الحر)). فتح الباري (٢: ١٨)، ومسلمٌ في الصلاة حديث (١٣٧٧).
(١) الموطأ: ص (١٦)، حديث (٢٨)، ورواية محمد بن الحسن ص (٧٨) ، حديث
(١٨٣)، وأخرجه البخاري ومسلم ، وانظر الحاشية السابقة .
(٢) الموطأ : ص ١٦ ، حديث (٢٩) . وانظر الحاشية قبل السابقة .
(٣) التمهيد (٥: ١ - ٢).
(٤) قال ابن عبد البر في ((التمهيد)) (٥: ٢): رواه عن أبي هريرة جماعةٌ ، منهم:
همام بن منبه ، وأبو صالح السمان ، والأعرج ، وأبو سلمة ، وسعيد بن المسيب ، وعطاء بن
أبي رباح ، وغيرهم .
وقد رواه عن النبي ◌َّى جماعةٌ من الصِّحَابَةِ، منهم : أبو ذر ، وأبو موسى الأشعري ،
وهو حديث صحيح مشهور ، فلا معنى لذكر الأسانيد فيه ، إذ هو عند مالك متصل كما
ذكرنا ، ومشهور في المسانيد والمصنفات كما وصفنا .

١ - كتاب وقوت الصلاة - (٧) باب النهي عن الصلاة بالهاجرة - ٣٤٥
٨٨٨ - وأما قولهُ: ((إِنَّ شِدَّةَ الحَرِّ مِنْ فيْحِ جَهَنَّمَ)) فَالفَيْحُ: سُطُوعُ الحرِّ في
شدَّةُ القَيْظ. كذلك قالَ صاحبُ العينِ وغيرُهُ مِنْ أُهْلِ العلمِ بلسانِ العربِ .
٨٨٩ - وأمَّا إضافةُ ذَلِكَ إِلى جَهَّنَمَ - أعاذنَا اللَّهُ منها - فمجازٌ
لا حقيقة، كما تقولُ العربُ في الشَّمْسِ إذَا اشْتَدَّ حَرُّها : هذه نارٌ ، تريدُ كالنَّار
.٨٩ - وكذلك يُقَالُ: فلانُ نار، يريدُ أنَّهُ يفعلُ كفعلِ النَّارِ مَجَازاً واسْتِعَارَةٌ .
٨٩١ - وَمَعْلُومٌ أَنَّ نَارَ جَهَنَّمَ تفضُلُ نارَ بني آدمَ سبعينَ جزءاً، أو (٢) تسْعةً
وستينَ جُزْ ءا .
٨٩٢ - وفي هذا ما يُوَضِّحُ لكَ أنَّ ذلكَ مجازٌ، أو (٣) لغةٌ معروفةٌ في لِسَانِ
العَرَبِ، وَمَنْ قالَ قولهم، ومنه (٤) أُحْرَقَ الحزنُ قلبي، وأُحرَقَ فلانٌ فُؤَادِي
بقوله كذا . ومن هذا المعنى قيلَ : الْحَرُّ مِنْ فيحِ جهنّم ، واللهُ أعلمُ .
٨٩٣ - وأُمَّا قولُه: «فإذَا اشتدَّ الحَرُّ فأبْرِدُوا عَنِ الصَّلاَةِ » فمعنى الإِبْرَادُ
بها تأخيرُها عَنْ أُوَّل وقتها حَتَّى يزولَ سمومُ (٥) الهاجِرَةِ، لأَنَّ الوقتَ فيه سعةٌ
- والحمدُ لله - على ما مَضى في كتابنا هذا واضحاً (٦).
٨٩٤ - واختلفَ العُلماءُ في شَيْءٍ مِنْ هذا المعنى فذكرَ إسماعيلُ بنُ إسْحاق (٧)
(١) قيل: إنه حقيقة، وهو أنَّ نثار وهج الحر في الأرض من فيح جهنم حقيقة ، ويقويه
ما ورد في الحديث : اشتكت النار إلى ربها .
(٢) في ( ص ): وتسعة ، وهو تحريف .
(٣) كذا في ( ك) ، وفي ( ص ) : مجاز لغة ، وهو سقط .
(٤) في ( ص ) : قال : قولهم : أحرق . وفيه سقط .
(٥) (السَّموم) : الريح الحارة، والمراد : الحر على إطلاقه .
(٦) انظر الفقرات (٩٩ - ١.٣)، ص (.١٩) من هذا المجلد ، وما بعدها .
(٧) إسماعيل بن إسحق القاضي ، تقدم في (٨٥٦).

٣٤٦ - الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار / ج ١
وأبو الفرجِ عمرُو بنُ محمدٍ (١) : أَنَّ مذهبَ مالكِ في الظُّهْر وحدها أن يُبْرَدَ بها
وتؤخرُ في شَدَّةِ الحَرِّ . وسائرُ الصَّلَواتِ تُصَلَّى في أُوائِلِ أوقاتِها .
٨٩٥ - قالَ أبو الفرج : أخْتَارُ لكَ لَجَمِيعِ الصلواتِ أُوَّلَ أوقاتِها إلاَّ الظُّهر في
شدَّةَ الحَرِّ ، لقوله - عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ -: ((إِذَا اشْتَدَّ الحَرُّ فأبْرِدُوا بِالصَّلاَةِ ».
٨٩٦ - وأُمَّا ابنُ القاسم فحَكى عن مالكٍ أُنَّ الظُّهْرَ تُصلَّى إذا فاءَ الفَيْءُ
ذرَعاً في الشَّتاءِ والصَّيفِ للجماعةِ والمنْفَرِدِ ، على ما كتبَ به عمر إلى عماله
٨٩٧ - وقال ابنُ عبدِ الحكمِ ، وغيرُهُ مِنْ أصحَابِنَا : إِنَّ معنى كتاب عُمر
مَسَاجِد الجَمَاعات ، وأُمَّا المنفردُ فأوَّلُ الوقتِ أُولى بِهِ، وهو في سعةٍ (٢) مِنَ
الوقتِ كلِّهِ .
(١) هو عَمْرو أبو الفرج بن محمد بن عمرو الليثي القاضي ، ويقال : ابن محمد بن عبد
اللَّه البغدادي ، ووهم من سماه محمدا .
نشأ ببغداد، وأصله من البَصْرة، صحب إسماعيل ، وتفقّه معه ، وكان من كُتَّابه ، فيما
ذكر ، وصحب غيره من المالكيين ، وولي قضاء طرسوس ، وأنطاكية ، والمصيَّصة والثغور ،
وكان فصيحاً لغويًّا فقيهاً متقدِّماً ، ولم يزل قاضيا إلى أن مات سنة ثلاثين ، وقيل: إحدى
وثلاثين وثلاث مئة .
وتعلّم الفروسية ، والثقافة ، حتى كان يفوق الفُرْسَان ، ثم رجع من بغداد سنة إحدى
وثلاثين وثلاث مئة في رُفقة فقطع بهم أعرابُ بني تميم فاجتاحوها ، وذهب أبو الفرج فيمن
ذهب ، ومات عطشا في البرية .
وله الكتاب المعروف ((بالحاوي)) في مذهب مالك، وكتاب ((اللُّمَع)) في أصول الفقه
روى عنه أبو بكر الأبهري ، وأبو على بن السكن ، وأبو القاسم عبيد الشافعي ، وعلي بن
الحسين بن بندر بن القاضي الأنطاكي ، وعمر بن المؤمل الطرسوسي الحافظ ، وغيرهم .
وسمع منه بأنطاكية ، وطرسوس ، وغيرهما من بلاد الشام رحمه الله تعالى .
شجرة النور الزكية (١: ٧٩)، والديباج المذهب (٢ : ١٢٩).
(٢) كذا في ( ك )، وفي ( ص ) مكان الكلمتين بياض .

١ - كتاب وقوت الصلاة - (٧) باب النهي عن الصلاة بالهاجرة - ٣٤٧
٨٩٨ - وإلى هذا مالَ فقهاءُ المالكيينَ مِنَ البغداديينَ، ولَمْ يلتفِتُوا إلى روايةٍ
ابنِ القَاسِمِ .
٨٩٩ - وَقَدْ مضى في الأوقَاتِ ما يكفي في صدرِ هذا الكتابِ ، والحمدُ لله .
٠. ٩ - وقالَ اللَّيْثُ بنُ سَعْدٍ: يُصَلَّ الصلواتِ كلّها : الظُّهْرَ، وغيرها في
أُوُّلِ الوَقْتِ في الشِّتَاءِ والصِّيفِ، وهو أُفْضَلُ .
: ٩.١ - وكذلكَ قالَ الشَّافعيُّ، إلاَّ أنَّهُ اسْتَثْنَى فقالَ: إِلاَّ أُنْ يكونَ إمامُ
جماعةٍ ينتابُ (١) مِنَ المواضِعِ البعيدةِ، فإِنَّهُ يُبرِدُ بالظُّهْر .
٩.٢ - وقد رُويَ عنه أن أُمْرَ رسول اللَّهِ عَّه بالإبراد كانَ بالمدينة، لشدَّةٌ حَرٍّ
الحجارَة ، ولأنَّهُ لَمْ يكنْ بالمدينة مسجدٌ غَير مسجده ، فكانَ يُنتابُ مِنْ بُعد ،
فيتأذونَ بشدّةِ الحَرِّ ، فأمَرَهُم بالإِبْرَادِ لما في الوقتِ مِنَ السَّعةِ .
٩.٣ - وقال العراقيُّونَ: تُصلَّى الظهرُ في الشِّتَاءِ والصيفِ في أُوِّل الوقت:
واستثنى أبو حنيفةَ شدَّةَ الحَرِّ ، فقال (٢): يؤخِّرُ في ذلكَ حَتَّى يُبْردَ، والاختلافُ
في هذا متقاربٌ جداً .
٩.٤ - وقالَ الأَثْرَمُ: قلتُ لأحمدَ بنِ حنبلٍ : أَيُّ الأوقاتِ أُعجبُ إليكَ في
الصَّلَوات كلّها ؟ قالَ: أُوَّلَهُا إلاَّ في صَلاَتِينِ: في العشاءِ الآخرةِ، والظُّهْرِ في
شدَّة الحَرِّ . قالَ : وأُمَّا في الشتاءِ فيعجلُ بها .
٩.٥ - قال أبو عمر: أُمَّا الأحاديثُ عَنْ عمرَ في كتابِهِ إلى عُمَّالِهِ فَفِيها:
إذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ، وفيها : إذا فاءَ الفَيْءُ ذراعاً . وقدْ مضى القولُ فيها في
موضعِها مِنْ صدرِ هذا الكتاب (٣) .
(١) ينتاب : يتكرر إتيانه.
(٢) في ( ص ) : فقالوا ، وهو تحريف .
(٣) في الفقرة (١,٤)، ص (١٩١) من هذا المجلد وذكر في ((التمهيد)) (٥ : ٤)
أن مالكاً رواه عن نافع عن عمر ، ونافع لم يلق عمر .

٣٤٨ - الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار / ج ١
٩.٦ - وقد احتجِّ مَنْ لَمْ يَرَ الإِبْرَادَ بالظهرِ بحديثٍ خَبّاب بن الأُرَتّ ، قال :
((شَكَونا إلى رسول اللَّه عَّهُ حَرَّ الرَّمْضاء (١) فَلَمْ يُشْكِنا)) (٢) يقولُ: فلم
يَعْذِرنَا، وقدْ ذكْرنَا هذا الحديثَ بإسناده وعلَّتِهِ في ((التمهيد)) (٣).
٩.٧ - وتأوَّلَ مَنْ رأى الإِبْرَادَ في قولِ خَبّاب هذا: ((فلم يُشْكنا)): وَلَمْ
يحوجْنَا إِلى الشَّكْوى ، لأنَّهُ رَخَّصَ لنا في الإِبْرَادِ
٩.٨ - وذكرَ أبو الفرج: أُنَّ أحمدَ بنَ يَحيى («ثعلب)) فَسَّرَ قَوْلَهُ: ((فَلَمْ
يُشْكنا )) على هذا المعنى.
٩.٩ - حَدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيم {بن سعيد] (٤)، حدَّثَنا محمدُ بنُ معاويةَ،
حدَّثْنَا أحمدُ بنُ شعيبٍ ، حدّثنا عُبيد اللَّهِ بنُ سعيد، حدَّثنا أبو سعيدٍ مولى بني
هاشم ، أخبرنا خالدُ بنُ دينارٍ أُبو خلدةَ ، قال : سمعتُ أُنْسَ بنَ مالك قال :
(( كانَ رسولُ اللَّهِ عَّهُ إذا كانَ الحُرُّ أَبْردَ، وإذاَ كَانَ البَرْدُ عجّلَ)) (٥).
٩١٠ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدٍ [بن عبد المؤمن] (٦) قال حدَّثنا محمدُ بنُ
بكرٍ [بن عبد الرزاق] (٧)، حدَّثنا أبو داودَ (٨) قالَ، حدّثنا عثمان بن أبي
(١) الرمضاء الأرض الشديدة الحرارة . ويقال : رمض يومنا، كفرح : اشتد حره .
(٢) رواه مسلم في الصلاة، ح (١٣٧٩ - ١٣٨٠) من طبعتنا، ص (٢: ٨٦٩)،
باب ((استحباب تقديم الظهر في أول الوقت في غير شدة الحر)) ، والنسائي في الصلاة
(١: ٢٤٧)، باب ((أول وقت الظهر)).
(٣) التمهيد (٥: ٤ - ٥).
(٤) ما بين الحاصرتين زيادة من ((التمهيد)) (٥ : ٧).
(٥) رواه البخاري في الصلاة، ح (٩.٦) باب ((إذا اشتد الحر يوم الجمعة)) الفتح
(٢: ٣٨٨)، والنسائي في الصلاة (١: ٢٤٨) باب ((تعجيل الظهر في البرد)).
(٦) ما بين الحاصرتين زيادة من ((التمهيد)) (٥: ٦).
(٧) ما بين الحاصرتين زيادة من ((التمهيد)) (٥: ٦).
(٨) في التمهيد : أخبرنا سليمان بن الأشعث .

١ - كتاب وقوت الصلاة - (٧) باب النهي عن الصلاة بالهاجرة - ٣٤٩
شيبةً، حدَّثَنا عَبيدة (١) بنُ حُميدٍ ، عن أبي مالكٍ الأشجعي ، عَنْ كثيرٍ بن
مدركٍ ، عَنِ الأسود بن يزيدٍ: ((أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بنَ مسعود قال : كانَ قَدْرُ صَلاة
رسولَ اللَّهِ عَّهِ الظُّهْر في الصيفِ ثلاثةُ أقدامٍ إلى خَمْسَةٍ ، وفي الشِّتَاء خمسةٌ
أُقْدَامٍ إلى سَبْعَةٍ)) (٢).
٩١١ - وحدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ محمد، حَدَّثَنا حمزةُ بنُ محمدٍ ، حدَّثنا أحمدُ بنُ
شعيبٍ ، قالَ ، حدَّثنا أبو عبد الرحمن الأذرمي (٣)، قال، حدَّثَنا عَبيدةُ بنُ حُميدٍ
فذكره بإسناده .
٩١٢ - وهذا كلُّهُ يدلُّ على سَعَةِ الوقت ، والحمد لله.
٩١٣ - وقدْ تَقَدَّمَ قولُ القاسمِ بنِ محمدٍ: ما أُدْرَكْتُ النَّاسَ إلاَّ وهم
يصلُون (٤) الظهرَ بِعَشيّ .
٩١٤ - وذكرنا هناك قولَ عمرَ، لأبي محذورة - وهو معه بمكَّةَ: ((إنَّكَ (٥)
في بلدةٍ حارةٍ ، فَأَبْرِدْ، ثُمَّ أَبْرِدْ، ثُمَّ أَبْرِدْ)).
٩١٥ - وقالَ مالكٌ: إِنَّ أُهْلَ الأهواءِ لا يبردُونَ ، يعني الخَوَارِجَ .
٩١٦ - وأمَّا قَولُهُ: ((اشتكت النارُ إلى ربِّها، فقالتْ: ياربِّ! أكل بعضي
بعضاً )) فإنَّ أُهْلَ العلمِ اختلَفُوا في ذلكَ فحمله بعضُهم على الحقيقةِ ، وحملَهُ
منهم جماعةٌ على المجَازِ (٦) .
(١) في ( ص ): عبيد ، وهو تحريف .
(٢) رواه أبو داود في الصلاة (٤٠٠)، باب ((في وقت صلاة الظهر))، (١١٠:١)
والنسائي في الصلاة (٢٥٠:١)، باب آخر وقت العصر)).
(٣) عبد الله بن محمد بن إسحق الأذرمي الموصلي: روى عنه أبو داود ، والنسائي،
ووثقه . الخلاصة ، ص (٢١٢) .
(٤) في ( ك): ((ما أدركت الناس يصلّون الظهر إلا بعشيّ)).
(٥) كذا في ( ك)، وفي (ص ) وهو تحريف .
(٦) انظر الحاشية (٥) في أول باب ((النهي عن الصلاة بالهاجرة)).

٠ ٣٥ - الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار / ج ١
٩١٧ - فالَّذينَ حملُوه على الحقيقة قالُوا: أَنْطَقَها (١) اللَّهُ الَّذِي أُنطقَ كلّ
شَيْءٍ (٢)، وفَهمَ عنها كَمَا فهمَ عَنِ الأيدي والأرجلِ والجلودِ، وأخبرَ عَنْ
شَهادتِها ونطقِها (٣) ، وَعَنِ النَّمْلِ بقولها (٤)، وَعَنِ الْجِبَالِ بتسبِيحِها.
٩١٨ - واحتجُّوا بقوله تعالى: ﴿يا جبالُ أُوِّبي معه﴾ [ سورة سبأ: ١٠].
أى : سبِّحي معه .
٩١٩ - وبقوله: ﴿يُسبِّحْنَ بالعَشِيِّ والإشراق﴾ [سورة ص: ١٨].
٩٢٠ - وبقوله: ﴿إِنْ مِنْ شَيءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ولكنْ لا تَفْقَهُونَ
تَسْبِيحَهُم﴾ (٥) [ سورة الإسراء: ٤٤].
٩٢١ - وبقوله: ﴿وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيد﴾ [سورة ق: ٣٠].
٩٢٢ - ويقوله: ﴿سَمِعُوا لها تَغَيُّطاً وزَفِيرا﴾ [ سورة الفرقان: ١٢].
٩٢٣ - وبقوله: ﴿قَالَتَا أُتَيْنا طائعين﴾ [ سورة فصلت: ١١].
٩٢٤ - فلمَّا كانَ مثل هذا - وهوَ في القرآنِ كثيرٌ - حَمَلُوا بُكاءَ السَّمَاء والأرْض (٦) ،
(١) كذا في ( ك)، وفي (ص): أنطقنا، وهو تحريف .
(٢) زاد في ( ك ) بعد كلمة شيء : وينطق في القيامة الأيدى.
(٣) يشير إلى قوله تعالى في سورة النور : ٢٤ ﴿يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم
وأرجلهم بما كانوا يعلمون﴾ وإلى قوله تعالى فى سورة فصلت: ٢١،٢٠ ﴿ حتى إذا ما
جاءوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون . وقالوا لجلودهم لم شهدتم
علينا ؛ قالوا أنطقنا اللَّه الذى أنطق كل شيء ﴾ .
(٤) يشير إلى قوله تعالى في سورة النمل : ١٨ ﴿ قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا
مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده ... ﴾ .
(٥) يبدأ الشاهد في ( ك ) بقوله تعالى : ﴿ تسبح له السموات السبع والأرض ومن
فيهن ) .
(٦) يشير إلى قوله تعالى في سورة الدخان: ٢٩ ﴿ فما بكت عليهم السماء والأرض ).

١ - كتاب وقوت الصلاة - (٧) باب النهي عن الصلاة بالهاجرة - ٣٥١
وانْفطَارِ السَّماءِ، وانشقاقِ الأرْضِ (١) ، وهبوط الحجارَة من خشية الله (٢)،
كلّ ذلكَ وما كانَ مثله على الحقيقةِ، وكذلكَ إرادة الجدارَ الانقضاض (٣).
٩٢٥ - واحتجُّوا على صحّة ما ذهبُوا إليهِ مِنْ الحقيقةِ في ذلك بقوله تعالى :
﴿ يَقُصُّ الْحَقِّ﴾ [ سورة الأنعام: ٥٧].
٩٢٦ - وبقوله: ﴿والحَقَّ أُقُول﴾ [ سورة ص: ٨٤].
٩٢٧ - وأُمَّا الَّذينَ حمِلُوا ذلكَ كلَّهُ وما كانَ مثلَهُ على المجاز (٤) قالُوا: أُمَّا
قوله: ﴿سَمِعُوا لها تَغَيُّطاً وزَفيرا﴾، ﴿تكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيظِ﴾ فهذا تَعْظِيمٌ
مِنَ اللَّه تعالى لشأنِها .
٩٢٨ - قالُوا: وقولُ النَّبِيَّ - عليه السلام -: ((اشتكَتِ النَّارُ إلى ربِّها)
مِنْ بابِ قولِ عنترة :
وَشَكَا إِلَيّ بِعَبْرةٍ وتَحَمْحُمُ (٥)
٩٢٩ - وقولُ الآخر :
شَكَا إِليَّ جَمَلي طولَ السُّرى صبراً جَمِيلاً فَكَلاَنَا مُبْتلى (٦)
(١) يشير إلى قوله تعالى فى سورة مريم : ٩٠ ﴿ تكاد السموات ينفطرن منه وتنشق
الأرض﴾، ( وينفطرن ) بالنون بعد الياء قراءة أبي عمرو وابن عامر وحمزة وآخرين .
(٢) يشير إلى قوله تعالى في سورة البقرة: ٧٤ ﴿وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار
إلى قوله : وإن منها لما يهبط من خشية الله ﴾ .
(٣) يشير إلى قوله تعالى في سورة الكهف : ٧٧ ﴿ فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض ﴾
وفى الأصل إزادة الجدار ، وهو تحريف .
(٤) كذا في ( ص)، والأكثر فقالوا ، وقد سبق مثل ذلك في كلامه .
فازورٌ مِن وَقْعِ القَنَا بِلبانِهِ
(٥ ) صدره :
والبيت من معلقته . شرح المعلقات السبع للزوزني : ١٥٢ .
(٦) يروى: ( يشكو ) مكان (شكا) و (صبر جميل) مكان ( صبرا جميلا) . انظر
" أمالى المرتضى (١: ١.٧)، وكتاب سيبويه (١ : ١٦٢).

٣٥٢ - الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار / ج ١
٩٣٠ - وكقول الحارثي :
ويَرَغَبُ عِنْ دماءٍ بَني عقيل (١)
يُريدُ الرُّمِحُ صَدْرَ أُبِي بَرَاءٍ
٩٣١ - وقالَ غيره :
في نَعيمٍ وسرورٍ وغَدَقْ
رُبَّ قَوْمٍ غَبَرُوا مِنْ عيشِهِم
سَكَتَ الدهرُ زماناً عنهُمُ
٩٣٢ - وقالَ غيرُهُ :
ثُمَّ أَبْكَاهُمْ دماً حينَ نَطْق (٢)
ونَعَنْكَ أُزمنةٌ جَفَتْ
وعَظَنْكَ أُجدَاتُ صُمُتْ
تَبْلَى وعنْ صُوَرٍ سَبتْ
وتكلّمتْ عنْ أوجه
وأُرتْكَ قَبرَكَ في القُبو
رٍ وَأُنْتَ حِيٌّ لَمْ تَمُتْ (٣)
٩٣٣ - وهذا كثيرٌ في أشعارِهم وقدْ ذكرنا كثيراً منْها في التَّمْهيد (٤).
وقالُوا : هذا كلُّهُ على المجازِ والتَّمْثِيلِ ، والمعنى في ذلك: أنَّها لو كانتْ ممَّنْ
تنطقُ لكان نطقُها هذا وفعلها .
٩٣٤ - وذكرُوا قولَ حسَّان بنَ ثابتٍ حيثُ يقولُ :
قَبِيحَ الوَجْهِ أُعورَ مِنْ ثَقِيف (٥)
لَوْ أَنَّ اللَّوْمَ يُنْسَبُ كانَ عَبْداً .
٩٣٥ - وَسُئلَ أبو العباس أحمدُ بنُ يزيدِ النحوي ، عن قول الملك: ﴿ إنَّ هذا
أُخِي لَهُ تِسْعٌ وتِسْعُونَ نَعْجَةٌ ولي نعجة واحدَةٌ﴾ [ سورة ص: ٢٣] وهُمُ الملائكة
(١) روى (يعدل) مكان (يرغب). انظر اللسان (أراد)، وتفسير القرطبى (١١: ٣٦).
(٢) غبروا : مضوا وغدق : رخاء وسعة .
(٣) لأبى العتاهية الديوان : ٥٢
(٤) التمهيد (٥: ١٠).
(٥) في هجاء المغيرة بن شعبة، كما في ديوانه (١٦١)، واستشهد به القرطبي في
تفسيره (١١ : ٢٦) .

١ - كتاب وقوت الصلاة - (٧) باب النهي عن الصلاة بالهاجرة - ٣٥٣
لا أزواجَ لهم فقال : نحنُ طولَ النهارِ نفعلُ هذا ، فنقولُ : ضربَ زَيْدٌ عمراً .
وإنَّما هذا تقديرٌ كأنَّ المعنى: إذا وقعَ هذا فكيفَ الحكمُ فِيهِ ؟
٩٣٦ - وذكرُوا قولَ عدِيٍّ بنِ زَيْد العبادي للنعمانِ بنِ المنذرِ: أُتَدْرِي ما تقولُ
هذه الشجرةُ أيُّها الملكُ ؟ قالَ : وما تقولُ ؟ قال تقول :
رُبّ رَكْبٍ قَدْ أُنَاخُوا حولٌنا يَشْرَبونَ الخَمْرَ بالماء الزلال
وكذاكَ الدهرُ حالٌ بعدَ حال (١)
ثمّ أُضحَوا لَعبَ الدهرُ بهم
٩٣٧ - وأحسنُ ما قيلَ في معنى هذا الحديثِ ما وردَ عَنِ الحسنِ البصْرِيِّ .
٩٣٨ - قال أبو عمر: القولُ الأوَُّ يَعْضُدُهُ عمومُ الخطابِ وظاهرُ الكتابِ ،
وهو أولى بالصَّوَابِ . والله أعلم .
٩٣٩ - وأُحسنُ ما قيلَ في هذا المعنى ما فسَّرَهُ الحسنُ البصريُّ، قالَ :
اشتكت النَّارُ إلى ربِّها فقالتُ: ياربِّ أُكَلَ بعضي بعضاً فخفّفْ عنِّي ، قالَ :
فخفَّفَ عنْها ، وجعلَ لَها كلّ عامٍ نَفَسَيْنِ ، فَمَا كانَ من بَرْدٍ يُهلكُ شيئاً فهوَ من
زمهريرها ، وما كانَ من سَمومٍ يُهلكُ شيئاً فهوَ مِنْ حرِّها .
٠ ٩٤ - فقوله: من زمهرير { يهلك شيئاً وحرّ يهلك شيئاً} (٢) يفسرُ ما
أشکلَ مِنْ ذلك لکلِّ ذي فهمٍ .
٩٤١ - ومعلومٌ أَنَّ نَفَسَها في الشِّتاء غير الشِّتاء، ونفَسَها في الصَّيف غير
الصَّفِ ، لقولهِ : نَفَسُ في الشتاءِ ونفسٌ في الصيفِ .
(١) روى بيتان آخران بين هذين البيتين، وروى (عندنا ) مكان (حولنا). و (يودى
بالرجال) مكان ( حال بعد حال). وانظر الديوان (٥١)، والأغاني (٢: ٣٢).
(٢) كذا في ( ك)، وفي ( ص ): زمهريرها شيء ، ولا معنى له .

٣٥٤ - الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار / ج ١
٩٤٢ - وقولُ الحسنِ: مِنْ زمهريرِها وحرِّها، موجودٌ (١) في الأحاديث
المسندةِ الصِّحَاحِ .
٩٤٣ - حدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ قال، حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغ . قالَ حدَّثنا محمدُ
ابنُ وضَّحٍ قال، حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبةَ ، قال : حدَّثنا عبدُ الله بن إدريس ،
عَنِ الأعمش، عن أبي صالحٍ ، عن أبي هريرةَ ، قالَ ، قال رسولُ اللَّه عَّهِ:
اشتكت النَّارُ إلى ربِّها فقالت : ياربِّ! أُكَل بَعضي بعضاً ، فجعلَ لها نَفَسا في
الشتاء ونَفَساً في الصيفِ ، فشدّةُ ما تَجِدونَ مِنَ البَرْدِ مِنْ زَمهريرِها ، وشِدّةُ
ما تجدونَ في الصِّيفِ مِنَ الحَرِّ مِنْ سَمومها (٢).
٩٤٤ - والشَّدةُ والشدائدُ هو معنى قول الحسنِ . والله أعلم .
٩٤٥ - وفي هذا الحديث دليلٌ على أنَّ الجَنَّةَ والنَّارَ مخلوقتانِ بعدُ ، وهو قولُ
جماعة أُهلِ السُّنَّةِ : أُهلِ الفقةِ والحديث .
٩٤٦ - وحجٌّتُهم مِنَ الآثارِ في ذلك حديث أنسٍ عن النبيِّ - عليه السلام -
أُنَّهُ قالَ لجبريل - عليه السلام -: (( لَمْ أُرَ ميكائيلَ ضاحكاً قطُّ . فقالَ:
ماضحكَ ميكائيلُ منذُ خُلقَتِ النَّارُ )) (٣).
٩٤٧ - وقدْ ذكرنَاهُ بإسناده في التمهيد (٤) وحديث أبي هريرة عَنِ النبيِّ -
عليه السلام - قال: (( لما خلَقَ اللَّهُ الجَنَّةَ دَعَا جبريلَ فأرسلُهُ إليها فقال: انْظُرْ
إلى الجَنَّةِ وإلى ما أُعددتُ لأهلها )) ، الحديثُ بطوله ذكرنَاهُ بإسنادِهِ وتمامِهِ في
التَّمْهِيد ، وأحاديثَ سواه في معناه ، والحمدُ لله .
(١) كذا في (ص)، وجمهور النحويين على وجوب حذف متعلق الخبر إذا كان كونا
عاما .
(٢) تقدم في أول هذا الباب، وانظر السنن الكبرى (١ : ٤٣٧).
(٣) الترغيب والترهيب (٤٦٠:٤ - ٤٦١)، ونسبه للإمام أحمد .
(٤) ((التمهيد)) (٥: ٩).

١ - كتاب وقوت الصلاة - (٧) باب النهي عن الصلاة بالهاجرة - ٣٥٥
٩٤٨ - قالَ أبو عمر : هذا آخرُ ما عمله مالكٌ - رحمه الله - في
الأوقات ، وقدَّمَ بابَ الوقوتِ على بابِ العملِ فِي الوضوءِ ليدلّ على أنَّ أُوَّلَ
فرضِ الصَّلاَة دخولُ وقتِها ، وأُنَّ الوُضُوءَ لا يلزمُ لها إلاَّ بعدَ دخول وقتها، ولكنَّهُ
مباحٌ عملُهُ قبلُ .
٩٤٩ - وسقطَ ليحيى بن يحيى باب النَّهْي عَنِ الصلاةِ بعدَ الصبحِ وبعدَ
العصرِ مِنْ موضعِهِ الَّذي هُوَ فيه في الموطّأ عندَ جماعةِ رواتِهِ وهوَ عندهم قبلَ هذا
الباب وبعدَ بابِ النَّومِ عَن (١) الصَّلاَةِ، فلمَّا سقطَ لَهُ هاهنا استدركَهُ فوضعَهُ في
آخرِ كتابِ الصَّلاةِ بعدَ بابِ العمل (٢) في الدُّعَاءِ، وليسَ لَهُ هناكَ مدخلٌ ،
فرأينَا أُنْ نضعَهُ في كتابنا هذا هنا لما ذكرنَاهُ ، وباللَّه توفيقُنا .
(١) و (٢) كذا في ( ك)، وكلاهما غير واضح في (ص ).

٨ - باب النَّهي عَنِ الصَّلاَة بَعْدَ الصبح
وبعدَ العَصْرِ (*)
٠ ٩٥ - هكذا ترجمةُ هذا الباب في الموطأ عندَ جماعةِ الرُّواة ، وكانتْ حقيقتُهُ
أُنْ يُقال فيه : بابُ النَّهِي عَنِ الصَّلاَةِ عندَ طلوعِ الشَّمْسِ وعندَ غُرُوبِها ، ثُمَّ يذكرُ
النَّهْيَ عَنِ الصَّلاَةِ بعدَ الصبحِ وبعدَ العَصْرِ .
٢٦ - مَالكٌ، عَنْ زَيْدِ بْن أُسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارِ، عَنْ عَبْد اللَّه
الصُّنَابِحِيِّ؛ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ عَّهِ، قَالَ: ((إِنَّ الشَّمْسَ تَطْلُعُ وَمَعَهَاَ قَرْنَ
الشَّيْطَانَ (١). فَإِذَاَ ارْتَفَعَتْ فَارَقَهَا. ثُمَّ إِذَا اسْتَوَتْ قَارَنَهَا. فَإِذَا زَالَتْ
فَارَقَهَا. فَإِذَا دَنَتْ لِلْغُرُوبِ قَارَنَهَا. فَإِذَا غَرَبَتْ فَارَقَهَا )).
وَهِى رَسُولُ اللَّهِ عَّهُ عَنِ الصَّلاَةِ فِي تِلْكَ السَّاعَاتِ (٢).
(*) المسألة - ١٤ - يختص هذا الباب بالنهي عن التنفل ، أو صلاة لم تؤد قبل
الفريضة ، أو تحية مسجد ، أو منذور ، أو سجدتي سهو ، وما إلى ذلك، بعد صلاتي الفجر
والعصر ، وهذا متفق عليه بين المذاهب الأربعة على استثناءات ستأتي في مواضعها .
على أنه للتوسع في الموضوع لا بأس أن نذكر الأوقات المكروهة التي ثبت كراهية الصلاة
فيها في السنة النبوية المطهرة ، وهذه الأوقات هي :
أولاً : ما بعد صلاة الصبح حتى ترتفع الشمس .
ثانياً : وقت طلوع الشمس حتى ترتفع ، أي بعد طلوعها بمقدار عشرين دقيقة .
ثالثاً : وقت الاستواء إلى أن يدخل وقت الظهر .
رابعاً وقت اصفرار الشمس حتى تغرب .
خامساً : بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس .
(١) مما يفسر به قرن الشيطان هنا: مقارنة الشيطان للشمس عند دنوها من الطلوع والغروب.
(٢) رواه مالك في كتاب القرآن حديث (٤٤)، باب ((النهي عن الصلاة بعد الصبح
وبعد العصر))، ص (٢١٩).
=
٣٥٦

- ١ - كتاب وقوت الصلاة - (٨) - باب النهي عن الصلاة بعد الصبح وبعد العصر - ٣٥٧
٩٥١ - تابعَ يحيى على قوله في هذا الحديث عنْ عبد اللّه الصُّنَابحي جمهورَ
الرُّوَاةِ ، منهم القعنبي وغيره .
٩٥٢ - قال فيه مُطرِّف: عن مالكٍ ، عنْ زيدِ بنِ أسلمَ ، عَنْ عطاء بنِ يسارٍ ،
عن أبي عبد اللَّه الصُّنَابِحي ، وتابَعَهُ إسحاقُ بنُ عيسى الطَّبَّاعِ وطائفةٌ ، وهوَ
الصوابُ .
٩٥٣ - وهو أبو عبد اللَّه الصُّنابحيُّ، واسمُه عبدُ الرحمنِ بنُ عُسَيْلَةَ. وقد
ذكرنا في ((التمهيد)) خبرَهُ، وأَنَّهُ مِنْ كبار التَّابعينَ لاصُحْبَةَ لَهُ (١).
= وأخرجه النسائيّ في: ٦ - كتاب المواقيت، ٣١ - باب الساعات التي نُهِيَ عن
الصلاة فيها .
وابن ماجه في : كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها ، باب ما جاء في الساعات التى تكره
فيها الصلاة .
ورواه الشافعي في الرسالة ، فقرة ٨٧٤ ، بتحقيق أحمد محمد شاكر .
(١) قال المصنف في ((التمهيد)) (٤: ٣ - ٦):
رُوي عن ابن معين أنه قال : عبد الله الصنابحي يروي عنه المدنيون : يشبه أن تكون له
صحبة .
وأصح من هذا عن ابن معين أنه سئل عن أحاديث الصّنابحي، عن النبي ◌َّه، فقال :
مرسلة ، ليست له صحبة .
تابع ابن عبد البر قائلاً :
صدق يحيى بن معين ، ليس في الصحابة أحد يقال له عبد اللَّه الصنابحي ، وإنما في
الصحابة : الصنابح الأحمسي ، وهو الصنابح بن الأعسر كوفي ، روى عنه قيس بن أبي
حازم أحاديث ، منها حديثه في الحوض ، ولا في التابعين أيضا أحد يقال له عبد اللّه
الصنابحي ، فهذا أصح من قول من قال إنه أبو عبد الله ، لأن أبا عبد اللَّه الصنابحي
مشهور في التابعين ، كبير من كبرائهم ، واسمه عبد الرحمن بن عسيلة ، وهو جليل ، كان
عبادة بن الصامت كثير الثناء عليه .
=

٣٥٨ - الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار / ج ١
= حدثنا عبد الوارث بن سفيان ، قال : حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال : حدثنا أحمد بن زهير
قال : حدثنا هارون بن معروف قال : حدثنا ضمرة ، قال : حدثنا جابر بن أبي سلمة ، والعلاء
ابن هارون ، عن ابن عون ، عن رجاء بن حيوة ، عن محمود بن الربيع ، قال : كنا عند عبادة
ابن الصامت نعوده ، إذ جاء أبو عبد الله الصنابحي فلما رآه عبادة ، قال : لئن شفعت
لأشفعن لك ، ولئن قدرت لأنفعنك، ولئن سئلت لأشهدن لك ، ثم قال : من سره أن ينظر إلى
رجل كأنه رفع فوق سبع سموات ثم رد ، فعمل على ما رأى فلينظر إلى أبي عبد الله يعني
الصنابحي .
قال أحمد بن زهير : وحدثنا قتيبة ، قال : حدثنا الليث ، عن محمد بن عجلان ، عن
محمد بن يحيى بن حبان ، عن ابن محيريز ، عن الصنابحي ، قال : دخلت على عبادة بن
الصامت وهو في الموت فبكيت فقال : مهلا، لم تبك ؟ فوالله لئن استشهدت لأشهدن لك ،
وذكر نحوه وحديث ضمرة أتم . وذكر ابن وهب عن عمرو بن الحارث ، عن يزيد بن أبي حبيب
عن أبي الخير ، عن الصنابحي أنه قال له : متى هاجرت ؟ قال : خرجنا من اليمن مهاجرين ،
فقدمنا الجحفة ، فأقبل راكب فقلت : ما الخبر ؟ فقال دفنا النبي عليه منذ خمس .
وقال ابن إسحق ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن مرثد بن عبد اللَّه اليزني ، عن عبد الرحمن
ابن عسيلة، قال: لم يكن بيني، وبين وفاة رسول اللَّه عَّه إلا خمس ليال ، توفي وأنا
بالجحفة ، فقدمت وأصحابه متوافرون ، فسألت بلالا عن ليلة القدر ؟ فقال : ليلة ثلاث
وعشرين .
قال أبو عمر :
قدم الصنابحي هذا يومئذ المدينة ، فصلى وراء أبي بكر الصديق رضي الله عنه المغرب ،
فسمعه يقرأ في الركعة الآخرة بعد أم القرآن: ((ربنا لا تزغ قلوبنا)». وهو معدود في تابعي
أهل الشام ، وبها توفي. وأحاديثه التي في الموطأ مشهورة جاءت عن النبي عَّه من طرق
شتى من حديث أهل الشام ، وممن رواها عن النبي ◌َّه عقبة بن عامر ، وعمرو بن عبسة ،
وأبو أمامة الباهلي ، ومرة بن كعب البهزي ، وقيل كعب بن مرة ، وسنذكرها في هذا الباب
على شرطنا في توصيل المرسلات ، وباللَّه العون لا شريك له .
على أن الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على ((الرسالة)) للشافعي ص (٣١٧) ، وما بعدها
ثم في تعليقه على جامع الترمذي رجَّح كون الصنابحي صحابياً، فقال: ((الصنابحي)) بضم
الصاد المهملة وفتح النون وكسر الباء الموحدة ثم حاء مهملة، نسبة إلى ((صنابح)) بطن من
مراد ، كما قال الزرقاني في شرح الموطأ ( ج ١ ص ٣٩٥).
=
...

- ١ - كتاب وقوت الصلاة - (٨) - باب النهي عن الصلاة بعد الصبح وبعد العصر - ٣٥٩
= وقد اضطربت أقوالهم في الصنابحي هذا اضطرابا غريبا ، لأن عندهم راويين آخرين
يشتبهان به، أحدهما (( أبو عبد اللَّه عبد الرحمن بن عسيلة - بالتصغير الصنابحي))،
والآخر ((الصنابح بن الأعسر الأحمسي )) فقد ظنوا أن الصنابحي الراوي هنا هو أحد هذين ،
وأنّ مالكا أوبعض الرواة عنه أخطأ في اسمه . ولذلك قال الترمذي في { باب ما جاء في
فضل الطهور } بعد أن ذكر أن في الباب عن الصنابحي، قال: ((والصنابحي الذي روى عن
أبي بكر الصديق ليس له سماع من رسول اللَّه عَّ، واسمه عبد الرحمن بن عسيلة، ويكنى
أبا عبد الله، رحل إلى النبي ◌ّ فقبض النبي #ه وهو في الطريق، وقد روى عن النبي ◌ّ
أحاديث)) ( ج ١ ص ٨ من شرحنا عليه ) .
وقال أيضا في { باب ما جاء في كراهية الصلاة بعد العصر وبعد الفجر ] فيمن ذكر
أحاديثهم في الباب: ((الصنابحي ولم يسمع من النبي #)) (ج ١ ص ٣٤٤).
ونقل الحافظ ابن حجر في التهذيب ( ج ٦ ص ٩١) عن الترمذي قال: «سألت محمد
ابن إسمعيل عنه ؟ فقال : وهم فيه مالك ، وهو أبو عبد اللَّه، واسمه عبد الرحمن عسيلة ،
ولم يسمع من النبي #٤)). وكذلك نقل البيهقي في السنن الكبرى عن البخاري ( ج ١ ص
٨١ - ٨٢) ، ونقل نحوه أيضا عن يحيى بن معين . وقال البيهقي أيضا في هذا الحديث
(ج ٢ ص ٤٥٤): ((كذلك رواه مالك بن أنس ، ورواه معمر بن راشد ، عن زيد بن أسلم ،
عن عطاء ، عن أبي عبد الله الصنابحي . قال أبو عيسى الترمذي : الصحيح رواية معمر ،
وهو أبو عبد الله الصنابحي، واسمه عبد الرحمن بن عسيلة)). ونقل ابن حجر في التهذيب
(ج٦ ص ٢٢٩) عن يعقوب بن شيبة، قال: ((هؤلاء الصنابحيون الذين يروى عنهم ، في
العدد : ستة وإنما هما اثنان فقط : الصنابحي الأحمسي ، وهو الصنابح الأحمسي ، هذان
واحد ، من قال فيه [ الصنابحي } فقط أخطأ ، وهو الذي يروي عنه الكوفيون ، والثاني :
عبد الرحمن بن عسيلة، كنيته أبو عبد الله، لم يدرك النبي عليه، بل أرسل عنه، روى عن
أبي بكر وغيره ، فمن قال { عن عبد الرحمن الصنابحي] فقد أصاب اسمه، ومن قال { عن
أبي عبد الله الصنابحي ] فقد أصاب كنيته ، وهو رجل واحد ، ومن قال {عن أبي عبد
الرحمن } فقد أخطأ ، قلب اسمه فجعله كنيته ، ومن قال [ عن عبد الله الصنابحي] فقد أخطأ
قلب كنيته فجعلها اسمه . هذا قول علي بن المديني ومن تابعه ، وهو الصواب عندي)).
وقد قلدهم ابن عبد البر في ذلك ، فيما نقله عنه السيوطي في شرح الموطأ في موضعين
(ج١ ص ٥٢ و٢٢٠) قال في الأول: ((قال ابن عبد البر : سئل ابن معين عن أحاديث
الصنابحي عن النبي عليه؟ فقال: مرسلة، ليس له صحبة، وإنما هو من كبار التابعين ، =

.٣٦ - الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار / ج ١
= وليس هو {عبد اللَّه}، وإنما هو {أبو عبد الله} واسمه عبد الرحمن بن عسيلة)). وقال
في الموضع الثاني، وهو شرح الحديث الذي هنا: ((قال ابن عبد البر : هكذا قال جمهور
الرواة عن مالك ، وقالت طائفة ، منهم مطرف ، وإسحق بن عيسى الطباع : { عن عطاء ،
عن أبي عبد الله الصنابحي ] قال: وهو الصواب وهو عبد الرحمن بن عسيلة ، تابعي ثقة ،
ليست له صحبة .
قال : وروي زهير بن محمد هذا الحديث عن زيد بن أسلم ، عن عطاء ، عن عبد الله
الصنابحي، قال: سمعت رسول اللَّه عَّ، وهو خطأ، والصنابحي لم يلق رسول الله ﴾
وزهير لا يحتج بحديثه )) .
هذا قولهم ، وكله عندي خطأ ، اختلطت عليهم الروايات والأسماء واشتبهت ، بل هم ثلاثة ،
لا اثنان: ((الصنابح بن الأعسر الأحمسي)» صحابي، و«أبو عبد الله عبد الرحمن بن
عسيلة الصنابحي)) تابعي، والثالث: ((عبد الله الصنابحي)) صحابي سمع النبي ◌ّه،
ولم يخطئ فيه مالك، ولم يخطئ زهير بن محمد في روايته قول عبد الله الصنابحي ((
سمعت رسول اللّه #))، وزهير ثقة ، والطعن فيه ليس قائما ، وانظر كلامنا عليه في
شرحنا على الترمذي (ج ٢ ص ٩١ - ٩٢) ، ومع ذلك فإن زهيرا لم ينفرد بهذا التصريح
بسماع عبد الله الصنابحي من النبي عليه، فقد صرح به مالك أيضا، نقله الحافظ في
الإصابة (ج ٤ ص ١٤٥) فقال: ((وكذا أخرجه الدارقطني في غرائب مالك من طريق
إسمعيل بن أبي الحارث ، وابن منده من طريق إسمعيل الصائغ : كلاهما عن مالك وزهير بن
محمد قالا : حدثنا زيد بن أسلم بهذا ، قال ابن منده : رواه محمد بن جعفر بن أبي كثير
وخارجة بن مصعب عن زيد)).
وأقوى من هذا كله أن ابن سعد ترجم في الطبقات (( تسمية من نزل الشام من أصحاب
رسول اللَّه عَ)) فذكر تراجمهم (ج ٧ ق ٢ ص ١١١ - ١٥١) ثم ترجم عقبهم ((الطبقة
الأولى من أهل الشأم بعد أصحاب رسول اللَّه عَّ)) فذكر الصنابحي هذا في الصحابة الذين
نزلوا الشام فقال (ج ٧ ق ٢ ص ١٤٢): ((عبد اللَّه الصنابحي ، أخبرنا سويد بن سعيد ،
قال حدثنا حفص بن ميسرة ، عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، قال : سمعت عبد الله
الصنابحي يقول: سمعت رسول اللّه عليه يقول: إن الشمس تطلع من قرن شيطان، فإذا
طلعت قارنها ، فإذا ارتفعت فارقها ، ويقارنها حين تستوي ، فإذا نزلت للغروب قارنها ،
وإذا غربت فارقها فلا تصلوا هذه الساعات الثلاث)).
فهذا جزم من ابن سعد بأنه صحابي ، ورواية بإسناد صحيح أنه سمع من النبي
كرواية زهير بن محمد .
جــ