النص المفهرس
صفحات 181-200
١ - كتاب وقوت الصلاة - (١) باب وقوت الصلاة - ١٨١
إسماعيل الترمذي قال : حدثنا عبد الله بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن
ابن عباس ، قال : كانَ أُوِّلُ ما نَسَخَ اللَّهُ مِنَ القرآنِ: القِبْلَةَ، وذلك أُنَّ النبي
- عليه السلام - لما هَاجَرَ إلى المدينة، وكان أُكْثَرُ أُهْلها اليهود أمرهُ اللَّه أن
يَسْتَقْبِلَ بيتَ المقدس، فَفَرِحَتِ اليهودُ ، فاستقبَلَهَا رسولُ اللَّه بضعة عشر شهراً.
وكان عليه السلام - يحب قبلة إبراهيم ، وكان يَدْعو اللَّه وينظرُ إليها، فأنزل اللَّه :
﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ في السّماءِ فَلَنُوَلِيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾، إلى قوله: ﴿ فَوَّلُوا
وُجُوهَكُمْ شَطْرَه﴾ [ البقرة: ١٤٤]، يعني نحوه . فارتابَ من ذلك اليهود ،
وقالوا : ما وَلاّهم عن قبلتهم التي كانوا عليها؟ فأنزل اللَّه تعالى: ﴿قُلْ للَّه
المَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ [البقرة: ١٤٢]، وقال: ﴿فَأَيْنَما تُوَّلُوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّه ﴾
[ البقرة: ١١٥]، وقال تعالى: ﴿وما جعَلْنَا القِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إلا لِنَعْلَمَ
مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسول مِمَّنْ يَنْقَلِبُ على عَقِبَيْهِ ﴾ [البقرة: ١٤٣] (١).
٥٤ - قال ابن عباس : ليميزَ أهلَ اليقينِ من أهلِ الشكِّ والرِّيبة.
٥٥ - وقال تعالى: ﴿إِنْ كانَتْ لَكَبِيرةٌ إِلاَّ على الذين حَدَى اللَّهُ﴾ [البقرة:
١٤٣] ، يعني تحويلها على أهل الشك ، لا على الخاشعين يعني المصدِّقين بما
أنزل الله .
(١) رواه الحاكم في ((المستدرك)) (٢: ٢٦٧ - ٢٦٨)، وقال: ((هذا حديثٌ صحيحٌ
على شرط الشيخين ولم يخرجاه بهذه السياقة))، ووافقه الذهبي.
ورواه البيهقي في ((معرفة السنن والآثار)) (٢: ٢٨٧٤) مستدلاً على ترتيب نزول
الآيات في القبلة، والحازمي في الاعتبار، ص (١٩٣) باب ((استقبال القبلة)) مستدلاً به
على نسخ الحكم الأول .
لابد من الإشارة إلى وجود اضطراب وتكرار في العبارة في أصل ابن عبد البر .
وقد رُوي الحديث عن البراء .
رواه البخاري في كتاب ((الإيمان)) حديث (٤٠) باب ((الصلاة من الإيمان)). فتح
الباري (١: ٩٥)، وفي تفسير سورة البقرة، عند تفسير قوله تعالى: ﴿وما كان الله
ليضيع إيمانكم﴾ وأخرجه الإمام أحمد في مسنده (٢٥٠:١، ٠ ٣٥، ٣٧٥) و(٤: ٣.٥٤).
١٨٢٠ - الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار / ج ١
٥٦ - وحدثنا عبد الرحمن بن محمد بن عبد المؤمن ، قال : حدثنا أحمد بن
سليمان الحداد ، ببغداد ، قال : حدثنا أبو داود سليمان بن الأشعث ، قال :
حدثنا أحمد بن محمد ، قال : حدثنا آدم بن أبى إياس ، قال : حدثنا جعفر ، عن
الربيع بن أنسٍ ، عن أبي العالية (١) في قوله عز وجل : ﴿وإنّ الذِينَ أُوتُوا
الكتابَ لَيَعْلَمُون أنه الحقُّ من ربهم﴾ [ البقرة: ١٤٤]: يعلمون أُنَّ
الكعبةَ المسجد الحرام كانت قِيْلَةَ إبراهيم والأنبياء عليهم السلام ، ولكنهم تركوها
عمداً (٢).
٥٧ - وقوله: ﴿وإنّ فريقا مِنْهُمْ لَيَكْتُمونَ الحَقَّ﴾ [ البقرة: ١٤٦]:
يكتمون صفة محمد عليه السلام، ويكتمونَ أُنَّ الكَعْبَةَ البيتُ الحرامُ (٣).
(١) أبو العالية = رُفيع بن مهران البصري: أحد الأعلام، أدرك زمان النبي صلَّه وهو
شاب ، وأسلم في خلافة أبي بكر الصديق ، ودخل عليه ، وحفظ القرآن ، وقرأه على أبيّ بن
كعب ، وتصدَّر لإفادة العلم ، وكان إماماً في القرآن والتفسير والعلم والعمل ، وفاته سنة
تسعين من الهجرة على أرجح الأقوال ، وتروى عن أبي العالية ، عن أُبَيّ نسخة كبيرة في
التفسير ، إسنادها صحيح أخرج منها كثير من العلماء : الطبري ، وابن أبي حاتم ، والإمام
أحمد ، والحاكم في المستدرك .
طبقات ابن سعد ١١٢/٧؛ وطبقات خليفة ٢.٢؛ والتاريخ الكبير ٣٢٦/٣ - ٣٢٧ ؛
والمعارف ٤٥٤؛ والمعرفة والتاريخ ٢٣٧/١ و٣٥/٢ و٢٣/٣؛ والجرح والتعديل
٥١٠/٣؛ والثقات لابن حبان ٢٣٩/٤؛ ومشاهير علماء الأمصار ٩٥ ؛ وأخبار أصبهان
٣١٤/١؛ وحلية الأولياء ٢١٧/٢؛ وطبقات الفقهاء للشيرازي ٨٨؛ واللباب ١/ ٤٨٣ ؛
وتهذيب الأسماء واللغات ٢٥١/١/٢؛ وتاريخ الإسلام ٣١٩/٣ و٧٩/٤؛ وتذكرة
الحفاظ ٦١/١ - ٦٢؛ وسير أعلام النبلاء ٢.٧/٤ - ٢١٣؛ والعبر ١.٨/١؛ وميزان
الاعتدال ٥٤/٢ و٥٤٣/٤٦؛ وغاية النهاية ٢٨٤/١ - ٢٨٥؛ والإصابة ٥٢٨/١ :
وتقريب التهذيب ٢٥٢/١؛ وتهذيب التهذيب ٢٨٤/٣؛ ولسان الميزان ٥٤٨/٦؛ وطبقات
الحفاظ للسيوطي ٢٢ ؛ وخلاصة تذهيب الكمال ١١٩؛ وطبقات المفسرين للداوودي
١٧٢/١ - ١٧٣؛ وشذرات الذهب ١.٢/١ .
(٢) ذكره السيوطي في الدر المنثور (١: ٣٥٥) ط . دار الفكر، ونسبه لأبي داود في
(٣) انظر الحاشية السابقة .
ناسخه ، وابن جرير عن أبي العالية .
١ - كتاب وقوت الصلاة - (١) باب وقوت الصلاة - ١٨٣
٥٨ - ثم قال لنبيِّهِ عليه السلام: ﴿ فلا تَكُونَنَّ من الْمُمْتَرِين﴾ [ البقرة :
١٤٧]، يقول : لا تكن في شكٍ يا محمد أُنَّ الكَعْبَةَ قبلتُكَ ، وكانت قبلةً
الأنبياء قبلك (١) .
٥٩ - وبهذا الإسناد عن أبي العالية أنَّ موسى عليه السلام كانَ يصلي عندَ
الصَّخْرَةِ ويستقبل البيتَ الحرام ، وكانتِ الكعبة قبلته ، وكانَتِ الصَّخْرَةُ بينَ يديه ،
فقال اليهود: بَيّ (٢) بيننا (٣) وبينك مسجد صالح النبي عليه السلام.
.٦ - فقال له (٤) أبو العالية: فإني صَلَيْتُ في مَسْجِدٍ صالح وقبلتُه الكعبة
٦١ - قال الربيع : وأخبرني أبو العالية أُنَّهُ رأى مَسْجِدَ ذي القرنين وقبلتُه
الكعبة .
٦٢ - ولم يختلفوا في أنه (٥) استقبل في حين قدومه المدينة بيتَ المقدس
ستة عشر شهرا ، أو سبعة عشر شهراً .
٦٣ - وقد ذكرنا اختلافهم في تاريخ صرف القبلة هناك أيضا (٦) ، ويأتى
ذلك مجوداً في موضعه في هذا الكتاب ، عند قول سعيد بن المسيَّب (٧) :
وصُرِفَتِ القبلةُ قَبْلَ بدر بشهرين ، إِن شاءَ الله .
٦٤ - حدثنا عبد الله بن محمد بن يوسف ، قال : حدثنا محمد بن أحمد بن
يحيى ، قال : حدثنا أحمد بن زياد الأعرابي ، قال : حدثنا أحمد بن عبد اللَّه
(١) ذكره السيوطى في ((الدر المنثور)) (١: ٣٥٧)، ونسبه لأبي داود في ناسخه ،
وابن جرير عن أبي العالية .
(٢) كذا في الأصل ، والبيُّ : الرجل الخسيس .
(٣) في الأصل: ((بيني))، وهو تحريف.
(٥) أنه : أي الرسول عليه.
(٧) الموطأ (١: ١٩٦)، في ((كتاب القبلة)).
(٤) له : أي للربيع بن أنس .
(٦) التمهيد (٨: ٥٥).
١٨٤ - الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار / ج ١ .
العطارديّ ، قال: حدثنا يونس بن بُكَير ، عن ابن إسحق ، قال : ثم إِنَّ جبريل
أتى النبي - عليه السلام - حين افتُرِضَتِ الصَّلاةُ عليه فَهَمَزَ (١) له بعقبه في
ناحية الوادي ، فانفجرتْ له عَيْنُ ماءٍ ، فَتَوَضَّأُ جبريل ومحمد ينظر : فوضَّأُ وجهه
واستنشقَ، ومضمضَ ، ومسحَ برأسِه وأذنيه ، وغسلَ يديه إلى المرفقين ،
ورِجْلَيْهِ إلى الكعْبَيْن، ونَضَحَ (٢) فَرْجَهُ، ثم قامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْن وأُربع سجدات
٦٥ - وهذا إنما أُخذه ابن إسحاق - والله أعلم - من حديث زيد بن حارثة .
٦٦ - وهو حديثٌ حدثناه أحمد بن قاسم بن عبد الرحمن ، قال : حدثنا قاسم
ابن أصبغ ، قال : حدثنا الحارث بن أبي أسامة ، قال حدثنا الحسن بن موسى ،
قال : حدثنا عبد اللَّه لَهيعة ، قال: حدثنا عُقَيل بن خالد ، عن ابن شهاب ، عن
عُرْوة، عن أسامة بن زيد، عن أبيه زيد بن حارثة: ((أُنَّ النبي - عليه السلام
- في أُوِّل ما أُوحِيَ إليه أُتَاهُ جبريلُ فَعَلَّمَهُ الوضوءَ ، فلما فَرَغَ من الوضوءِ أُخذ
غُرْفَةٌ من ماءٍ فَتَضَحَ بها فَرْجَهُ )) (٣).
٦٧ - ومعنى قوله: في أول ما أُوحي إليه ، أى أُوحي إليه في الصلاة .
٦٨ - وهذا يدلُّ على أنَّهُ لم يصلِّ صلاةً قط بغير طُهُور .
٦٩ - ولهذا قال مالك في حديثه عن عبد الرحمن بن القاسم (٤) : حديث عقد
(١) ( همز) = ضغط ، أو ضرب .
(٢) ( نضح) = رش ، وبابه : ضرب .
(٣) رواه الإمام أحمد في ((مسنده)) (٤: ١٦١)، وفيه: فعلّمه الوضوء والصلاة ،
ورواه البيهقي في ((السنن الكبرى)) (١: ١٦١، ١٦٢) عن رجل من ثقيف يقال له الحكم
أو أبو الحكم ، عن أبيه .
وفي إسناده : عبد الله بن لهيعة ، وحديثه حسن .
(٤) الموطأ (١ : ٥٣).
١ - كتاب وقوت الصلاة - (١) باب وقوت الصلاة - ١٨٥
عائشة حين فَقَدوا الشَّمْسَ وهم على غيرِ ماءٍ: فَتَزَلَتْ آيَةُ التيمم (١) ، ولم يَقُلْ:
فنزلَتْ آيةُ الوضوء .
٠ ٧ - وآيةُ الوضوء وإن كانت مدَنية فإنما كان سبب نزولها التيمم .
٧١ - وسنوضح هذا المعنى في موضعه في هذا الكتاب ، إن شاءَ اللَّه .
٧٢ - ويدلُّ على صحَّة قول من قال : فَتَزَلَتْ آية التيمم ، ولم يقل نزلت آية
الوضوء فراراً من أن تكونَ صلاته عليه السلام بغير وضوء مع حديث زيد بن
حارثةً .
٧٣ - وهو معنى قول ابن إسحق مع ما ثبت عنه - عليه السلام - من نَقْلِ
الآحاد العدول في ذلك - قوله: ((لا يَقْبَلِ اللَّهُ صَلاةً بغيرِ طهور ، ولا صدقَةً من
غُلُولِ)) (٢) .
ء
٧٤ - حدثنا أبو زكريا يحيى بن محمد بن يوسف ، قال : حدثنا أبو يعقوب
يوسف بن أحمد بن يوسف بمكة ، قال : حدثنا أبو ذر محمد بن إبراهيم الترمذي ،
قال : حدثنا أبو عيسى محمد بن عيسى بن سَوْرة الترمذي ، قال : حدثنا قتيبة
ابن سعيد ، قال حدثنا أبو عوانة ، عن سماك بن حرب ، عن مُصعب بن سعد ،
(١) أنزل الله في التيمم الآية ٤٣ من سورة النساء، والآية ٦ من سورة المائدة، والمرجح
أن المراد هنا آية المائدة ، لما ظهر للبخاري من أنها المرادة بغير تردد ، لرواية عمرو بن
الحارث ، إذ صرح فيها بقوله : فنزلت: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة﴾،
الآية : انظر تنوير الحوالك (١ : ٧٥).
(٢) رواه مسلم في كتاب ((الطهارة)) ح (٥٢٤) من طبعتنا ص (٢: ٨) باب ((وجوب
الطهارة للصلاة))، وصفحة (١ : ٢.٤) من طبعة عبد الباقي ، وأخرجه الترمذي في
الطهارة ح (١)، باب ((ما جاء لا تقبل صلاة بغير طهور))، ص (١ : ٥) وابن ماجه في
الطهارة ح (١: ٢٧٢) باب ((لا يقبل الله صلاة بغير طهور))، ص (١: ١٠)،
والبيهقي في سننه الكبرى (٢: ٢٥٥) ومعرفة السنن والآثار (٢: ٤١٧٧).
١٨٦ - الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار / ج ١
عن عبد الله بن عمر، عن النبي عليه السلام، قال: ((لا يَقْبَلِ اللَّهُ صَلاَةً بغير
طهور ، ولا صَدَقَةً من غُلول)) (١).
٧٥ - وذكرنا في التمهيد كيف كان وَجْهُ تأخير بني أمية للصلاة ، وذكرنا
الخَبَرَ بذلك مُسْنَداً وغير مسند من وجوهٍ شتى، ونذكرها هنا طرفًا من (٢) ذلك
بعون الله تعالى .
٧٦ - حدثنا خلف بن قاسم الحافظ ، قال : حدثنا عبد الرحمن بن عمر بن
راشد بدمشق ، قال : حدثنا أبو زُرعة الدمشقي ، قال: حدثنا أبو مُسْهِر ، قال :
حدثنا سعيد بن عبد العزيز قال : كانوا يُؤَخِّرُونَ الصلاة في أيام الوليد بن
عبد الملك ، ويَسْتَحْلفونَ النَّاسَ أنهم ما صلوا فَأُتي عبد الله بن أبي زكريا فاستُحْلِفَ
أنه ما صلى ، فحَلَفَ : ما صَلى ، وقد كان صَلَّى. وأتي مكحول فقيل له ، فقال:
فَلم جئنا إذا ؟ فذكر سُنَيد : حدثنا أبو معاوية ، عن محمد بن إسماعيل ، قال :
رأيتُ سعيد بن جُبير ، وعطاء بن أبي رَبَاح - وأُخَّرَ الوليدُ بن عبد الملك الصلاةَ -
فرأيتهما يُومِثَانِ في وَقْتِ الصلاة ، ثم جَلَسْنَا حتى صَلََّا مَعَهُ .
٧٧ - وذكر ابن أبي شيبة : حدثنا حُميد بن عبد الرحمن ، عن حَسن بن صالح
عن إبراهيم بن مهاجر ، قال: كان الحَجَّاج يؤخِّرُ الْجُمُعَةَ، فكنتُ أصلي أنا
وإِبراهيم النخَعي ، وسعيد ابن جبير الظُّهْرَ، ثم نَتَحَدَّثُ وهو يخطب ، ثم نُصَلِّي
ونجعلها نافلة (٣) .
٧٨ - قال : وحدثنا محمد بن عبيد ، عن الزبرقان ، قال : قلت لشقيق : إن
الحجاج يميت الجمعة ، قال : تكتم عليّ ؟ قلت : نعم . قال : صلّها في بيتك
لوقتها ، ولا تَدَعِ الجَمَاعَةَ.
(١) تقدم تخريجه في الحاشية السابقة .
(٢) في ( ص ) : طرفا ذلك ، سقط .
(٣) المصنف لابن أبي شيبة (٢ : ١٤٦).
١ - كتاب وقوت الصلاة - (١) باب وقوت الصلاة - ١٨٧
٧٩ - قال : وحدثنا إسماعيل بن عُتبة ، عن ابن عون ، عن محمد بن سيرين
قال : أُطالَ بعض الأمراء الخطبة فَتَكَأَتُ (١) يدي حَتَّى أدميتها، ثم قُمْتُ
وَخَرَجْتُ وأُخَذَتني السِّيَاطُ ، فمضيتُ .
.٨ - وقد ذكرنا في ((التمهيد)) (٢) أنَّ الوليدَ بن عُقبة، وزيادً، وغيرهما
أخّروها قبل .
٨١ - حدثنا سعيد بن نصر ، قال : حدثنا قاسم بن أصبغ ، حدثنا إسماعيل
ابن إسحاق وأحمد بن زهير ، قالا : حدثنا الوليد الطيالسي ، قال : حدثنا
أبو هاشمٍ الزعفرانيّ عَمَّار بن عمارة، قال : حدثني صالح بن عُبيد ، عن قبيصة
ابن وقاص ، قال :
قال رسولُ اللَّهِ عَّهُ: ((يكونُ عليكم أمراءُ مِن بَعدي يُوخِّرونَ الصلاةَ ، فهي
لكم ، وهي عليهم، فصَلُّوا معهم ما صلوا إلى القبلة)) (٣).
٨٢ - حدّثنا أحمد بن محمد ، قال : حدثنا أحمد بن الفضل ، قال : حدثنا
محمد بن جرير قال : حدثنا محمد بن سعيد ، قال : حدثنا محمد بن عمر ، قال :
حدثنا ابن أبي سَبْرة عن المنذر بن عبد ، قال : ولَّى عمر بن عبد العزيز بعد صلاة
الجمعة ، فأنكرتُ حَالَهُ في العصر .
٨٣ - وقد أوضحنا جهل عمر بن عبد العزيز ، والمغيرة بن شعبة لنزول جبريل
- بمواقيت الصلاة في كتاب ((التمهيد)) (٤)، وأنهما إنما جَهلا من ذلك نزول
جبريل بفرضِ أُوْقَاتِ الصلوات وكانوا يعتقدون ذلك مِنْ سُنَّة رسول اللَّه عَّه؛
(١) (نكأتُ يدي) = حَكَكْتُها حَتَّى أَدْمَيْتَها، وأصلُ النَّكْء: قَشْرُ القُرحة قبل أن تَبْرَأُ .
(٢) التمهيد (٨ : ٥٦ - ٦٢).
(٣) رواه أبو داود في الصلاة - باب ((إذا أخّر الإمام الصلاة عن الوقت)) وقال:
يقولون : قبيصة بن وقاص له صحبة ، ورواه أحمد (٦ : ٧) عن امرأة عبادة بن الصامت
ببعض خلاف .
(٤) التمهيد (٨: ٦، ٦٦).
١٨٨ - الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار / ج ١
لأنَّ القُرْآن ليس فيه آية مفصحة بذلك ترفع الإشكال ، ولو كانَتْ فيه آية تُتلى
ما جَهلها عمر بن عبد العزيز ولا مثله من العلماء .
٨٤ - وقد جازَ على كثيرٍ منهم جَهْل كثير من السنن الواردة على ألسنة
خاصة العلماء .
٨٥ - ولا أعلم أحدا من الصحابة إلا وقد شَذَّ عنه بين علم الخاصة واردة بنقلِ
الآحاد أشياء حفظها غيره ، وذلك على مَن بعدهم أُجْوَز والإحاطة ممتنعة على كل
أحد .
٨٦ - وفي هذا الحديث دليلٌ على أُنَّ وَقْتَ الصلاة من فرائضها ، وأنها
لا تُجزئ قبل وقتها. وهذا لا خلاف فيه بين العلماء إلا شيء روى عن أبي موسى
الأشعري ، وعن بعض التابعين ، وقد انعقدَ الإجماعُ على خلافِهِ ، فلم نَرَ لذكره
وجها ؛ لأنَّهُ لا يصحُّ عندي عنهم . وقد صَحَّ عن أبي موسى خلافه بما يوافق
الجماعة فصارَ اتفاقًا صحيحًا .
٨٧ - والوقتُ أُوَّلُ فرائضِ الصَّلاةِ؛ لأنَّهُ لا يلزمُ الوضوءَ لها إلا بعد دخول
وقتها ، والمتوضئ قَبْلَ الوَقْتِ متبرعٌ مبادِرٌ إلى فضل ، ومتأهِّبٌ لفرضٍ .
٨٨ - ومنَ الدليل أيضا على أنَّ الأَوْقَاتَ أيضا من فَرائِضِ الصلواتِ مع
ماذكرنا من حديث الباب والإجماع - قول اللَّه تعالى: ﴿أُقِمِ الصَّلاةَ لدَّلُوك
الشَّمْسِ إلى غَسَقِ الليلِ، وقُرَأَنَ الفَجْرِ، إِنَّ قُرْآنَ الفَجْر كان مَشْهودا ﴾ [ الإسراء
٧٨ ] .
٨٩ - قال مالك: أوقاتُ الصَّلاة في كتاب اللَّه قوله تعالى: ﴿أُقم الصلاةَ
لدُلُوكِ الشمسِ﴾، يعني (الظُّهْرَ والعَصْرَ)، (إِلى غَسَقِ الليلِ) ، يعني
الْمَغْرِبَ والعشاءَ، (وقُرْآنَ الفَجْر ) ، يعني صلاة الفَجْرِ .
٩٠ - وقد قال ذلك قبله جماعة من العلماء بتأويل القرآن ، منهم : ابن عباس
ومجاهد ، وعكرمة ، وغيرهم .
١ - كتاب وقوت الصلاة - (١) باب وقوت الصلاة - ١٨٩
٩١ - وروى عن ابن عباس أيضا وطائفة أنهم قالوا : أوقات الصلوات في
كتاب اللَّه تعالى قوله: ﴿ فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُون وحينَ تُصْبِحُون﴾ [ الروم:
١٧]. ( فحين تُمْسون): المغرب والعشاءَ، و (حين تُصبحون) : الصبح ،
﴿ وعَشِيًّا﴾ [الروم: ١٨]: العصر، و(حين تظهرون ) الظهر .
٩٢ - ثم قال: ﴿ مِنْ بَعْدِ صَلاةِ العِشاء﴾ [ النور: ٥٨ ].
٩٣ - وهذا كله قد جاءَ عَنِ السَّفِ ، وليس فيه ما يُقطع به، ولا يُعَتَمدُ عليه
لأُنَّ التِّسْبِيحَ إذا أُطْلقَ عليه فإنما يُراد به الذكر : قول سبحان اللَّه ، وهي كلمة
تنزيه الله - تبارك اسمه - عن كل ما نَزَّه عنه نفسه .
٩٤ - وكذلك ظاهر قوله : ﴿ أُقم الصلاةَ لِدُلُوكِ الشمسِ إِلى غَسقِ الليلِ ﴾
[ الإسراء: ٧٨]، لو تُركنا وظاهر هذا القول لَوَجَبَتَ الصَّلَةُ مِنَ الزوال عند من
جَعَلَ دُلوكها زوالَها إلى غَسَقِ الليل ، فليس في محكم القرآن في أوقات
الصلوات شيءٌ واضح يُعْتَمَدُ عليه .
٩٥ - وأصبحّ ذلك نزول جبريل - عليه السلام - بأوقات الصلوات مُفَسَّرَةً،
وهي في الكتاب مُجْمَلَة .
٩٦ - وكذلك الصلاة والزكاة مجملات أُوْضَحَها رسول اللَّه عَّله وبينها، كما
أمره اللَّه بقوله: ﴿وأُنْزَلْنا إليكَ الذِّكرَ لِتُبيِّنَ للناسِ ما نُزِّلَ إليهم﴾ [ النمل :
٤٤] .
٩٧ - فَبَيَّنَها - عليه السلام - بالقول والعمل ، فمن بيانه - عليه السلام -
ما نَقَلَهُ الآحادُ العُدولُ، ومنها ما أُجْمَعَ عليه السلفُ والخَلَفُ، فقطَعَ العُذْرَ ،
ومنها ما اختلفوا فيه .
٩٨ - ونحن ذاكرونَ ما وَصَلَ إلينا عِلْمُهُ مِنْ إجْماعهم في مَواقيت الصلاة ،
وما اختلفوا فيه من ذلك بِعَوْنِ اللَّه لا شريك له .
. ١٩ - الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار / ج ١
٩٩ - أُجْمَعَ علماءُ المسلمين أُنَّ أُوَّلَ وَقْتٍ صَلاَةُ الظُّهْرِ زَوالُ الشَّمْسِ عن کَبِدِ
السَّماء ووسط القبلة إذا استُوقِنَ ذلكَ في الأرْضِ بالتفقُّد والتأمل ، وذلك ابتداء.
زيادة الظل بعد تناهي نُقصانه في الشتاء والصيف وإن كان الظلُّ (١) مخالفا في
الصيفِ له في الشتاءِ ، فإِذا تَبَيِّنَ زوال الشمسِ بما ذكرنا أو بغيره فقد دَخَلَ وقتُ
الظهر .
١٠٠ - هذا ما لم يختلف فيه العلماءُ: أَنَّ زوالَ الشمس أُولُ وقت الظُّهْر ،
وذلك تفسير لقوله تعالى: ﴿ أُقِمِ الصلاةَ لِدُلُوكِ الشمسِ﴾ [ الإسراء: ٧٨]،
ودلوكها مَيلها عِنْدَ أكثرَ أُهلِ العلم ، ومنهم من قال : دلوكها : غروبها ، واللغة
محتملة للقولين ، والأول أكثر .
١.١ - وكان مالك يستحبُّ لمساجد الجماعات أُنْ يُوَخِّروها بعد الزوال حتى
يكونَ الفَيْيُ ذراعا ، على ما كتبَ به عمر إلى عُمَّاله وذلك عند مالك فيما رَوى
عنه ابن القاسم صيفا وشتاءً (٢).
١.٢ - وروى غيره عن مالك أُنَّ أُحَبَّ الأمْرِ إليه في أوقات الصلوات:
البدار (٣) إليها في أوائلِ أوقاتها إلا الظُّهْرَ في شِدَّةِ الْخَرِّ، فإنه يُبرِدِ (٤) بها.
١.٣ - قال أبو الفرج: قال مالك: أوَّلُ الوَقْتِ أفْضَلُ في كُلِّ صَلاةٍ ،
إلا الظُّهْرَ في شِدَّةِ الحَرِّ .
(١) في ( ص): ((الصيف)) وهو تحريف .
(٢) كتب الفاروق عمر إلى عماله: ((صلوا الظُّهْرَ إذا كان الفيء ذراعاً)) موطأ مالك
(١ : ٦) .
(٣) البدار : الإسراع ، مصدر بادر .
(٤) يبرد بها : يؤخرها حتى يخف الحر ، من قولهم : أبرد ، إذا دخل في آخر النهار .
١ - كتاب وقوت الصلاة - (١) باب وقوت الصلاة - ١٩١
١.٤ - وفي كتاب عمر إلى أبي موسى الأشعري: أُنْ صَلّ الظُّهْرَ إذا
زَاغَت (١) الشمس (٢).
١.٥ - وسنبين معنى الحديثين عن عُمَرَ بَعْدُ إِن شاءَ اللَّه .
١.٦ - واختلفوا في آخر وَقْتِ الظُّهْرِ، فقال مالك وأصحابه : آخرُ وَقْتِ
الظُّهْر إذا كانَ ظلُّ كل شيء مثله بعد الغدوّ (٣) الذي زالَتِ عليه الشمس، وهو
أوَّلُ وَقْتِ العَصْرِ .
١.٧ - وبذلكَ قال ابن المبارك وجماعة.
١.٨ - واستحبَّ مالكٌ لمساجد الجماعات أُنْ يُؤَخِّرُوا العَصْرَ بعد هذا المقدار
قليلا .
١.٩ - وهذا كله آخر الوقت المختار، وكذلك هو ما دامَت الشَّمْسُ بَيْضَاءَ
نَقِيَّةٌ لأهلِ الرفاهية (٤)، وأما أهلُ الضرورات ومَنْ لهمُ الاشتراكُ (٥) في
الأوقات فسيأتي ذكر حكمهم في موضعه إن شاءَ اللّه .
١١٠ - وفي الأحاديث الواردة بإمامة جبريل ما يوضّحُ لَكَ أَنَّ [آخر } وَقْتَ
الظُّهْرِ هو أُوَّلُ وَقْتِ العَصْرِ، لأَنَّهُ صَلَى بالنبي عليهما السلام - الظُّهْرَ في اليوم
الثاني في الوقتِ الذي صَلَى فيه العَصْرَ بالأمْسِ (٦).
(١) كذا في (ص) وفي مصنف عبد الرزاق (١: ٥٣٦): ((إذا زالت)).
و (زاغت ) = مالت عن كبد السماء .
(٢) مصنف عبد الرزاق (١: ٥٣٦)، والمحلى (٣: ١٨٥).
(٣) الغدو : أول النهار .
(٤) أصل الرفاهية : لين العيش . ويريد بأهل الرفاهية خلاف أصحاب الضرورات .
(٥) من لهم الإشتراك في الأوقات : هم الذين يباح لهم شرعا الجمع بين الصلوات .
(٦) يشير إلى ما سبق من قوله في الحديث، ص ١٤: (( ثم أتاه من الغد حين كان ظل
كل شيء مثله ، فقال: يا محمد صل الظهر ... )).
١٩٢ - الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار / ج ١
١١١ - وقال الشافعيُّ، وأبو ثور، وداود: آخرُ وَقْتِ الظُّهْر إذا كانَ ظلُّ كُلِّ
شيءٍ مثله، إلا أن بين آخر وقت الظهر، وأُول وقتَ العصَر فاصلَة، وهى (١) أُنْ
يزيدَ الظُّلُ أُدْنَى زيادة على المثل (٢).
١١٢ - وحجتهم حديث أبي قتادة عن النبي عليه السلام أنَّهُ قَالَ: «لَيْسَ
التفريط في النَّوْمِ ، إنما التِّفْريطُ في اليَقَظَةِ على من لم يُصَلِّ الصلاةَ حتى يَدْخُلَ
وَقْتُ الأُخرى (٣) .
١١٣ - وهذا عندهم فيما عدا الصبح للإجماع في الصبحِ أنَّها يَخْرُجُ وَقْتُها
بطلوعِ الشمسِ . فإِن لم يدخل وقتُ الأُخرى فلا (٤).
١١٤ - ومن حُجَّتهم أيضا حديث عبد اللَّه بن عَمْرو عن النبي - عليه
السلام- أنه قال: وَقْتُ الظُّهْرِ ما لم يَدْخُلْ وَقْتُ العَصْرِ (٥).
١١٥ - وقد ذكرنا حديث أبي قتادة (٦) ، وحديث عبد الله بن عمرو بن
العاص من طرقٍ في كتاب «التمهيد» (٧) .
(١) في الأصل: هو ، وهو تحريف .
(٢) الأم (١ : ٧٣) .
(٣) رواه بطوله مسلم في كتاب الصلاة رقم (١٥٣٤) من طبعتنا ص (٢ : ٩٧٧ -
٩٧٩)، باب ((قضاء الصلاة الفائتة واستحباب تعجيل قضائها))، وهو الحديث ذو الرقم
(٣١١) ص (١ : ٤٧٢) من طبعة عبد الباقي ، وروى ابن ماجه طرفًا منه رقم (٦٩٨)،
باب (( من نام عن الصلاة أو نسيها)) (١: ٢٢٨)، والبيهقي في سننة الكبرى (١ :
٣٧٦)، وفي ((معرفة السنن والآثار)) (٣: ٤.٤١، ٥١٧١).
(٤) سقط من (ص): ((فلا)) بعد كلمة ((الأخرى))، والسياق يقتضيها .
(٥) من حديث طويل أخرجه مسلم في كتاب الصلاة، باب ((أوقات الصلوات الخمس))
ص (٢ : ٨٥١) من طبعتنا، وأبو داود في الصلاة، حديث (٣٩٦)، باب ((في المواقيت))
(١: ١.٩)، والنسائي في الصلاة (١: ٢٦١) باب ((آخر وقت المغرب))، والإمام
أحمد في ((مسنده)) (٢ : ٢١٣).
(٦) حديث أبي قتادة قال: قال رسول اللّه عَّه:
(( لَيْسَ في النَّوْمِ تَفْرِيطٌ، ولكنَّ التفريطَ على من لم يُصَلِّ الصلاةَ حتى تَجيءَ الصلاةُ
الأخرى)) وقد تقدم في الفقرة: (١١٢)، وتخريجه، وقد ذكره المصنف في ((التمهيد))
(٧) تقدم في الحاشية قبل السابقة .
(٨ : ٧٥) بإسنادين عن شيوخه .
١ - كتاب وقوت الصلاة - (١) باب وقوت الصلاة - ١٩٣
١١٦ - وقال الثوريُّ، والحسنُ بن صالح ، وأبو يوسف ، ومحمد بن الحسن ،
وأحمد بن حنبل ، وإسحق بن راهويه ، ومحمد بن جرير الطبري : آخرُ وَقْتِ الظُّهْرِ
إذا كان ظِلُّ كُلِّ شيءٍ مِثْلُهُ ، ثم يدخل وقت العصر .
١١٧ - ولم يذكروا فاصلة، إلا أنَّ قَوْلَهُمْ: ثُمَّ يَدْخُلُ وقتُ العَصْرِ يقتضي
الفاصلَةَ .
١١٨ - وقال أبو حنيفة: آخِرُ وَقْتِ الظُّهْرِ إذا كان ظِلُّ كُلِّ شيءٍ مِثْلَيْهِ ،
فَخَالَفَ الآثارَ والناس ، لقوله بالمثلين في آخر وقت الظهر، وخَالَفَهُ أُصْحَابُهُ
في ذلك (١) .
١١٩ - وذكر الطحاوي رواية أخرى عن أبي حنيفة (٢): أنه قال: آخرُ وَقْت
الظُّهْرِ حِينَ يصير ظلُّ كل شيءٍ مثله ، مثل قول الجماعة . ولا يدخل وقت العصر
حتى يصيرَ ظِلُّ كُلِّ شيءٍ مِثْلَيْهِ .
٠ ١٢ - فَتَرَكَ بَيْنَ الظُّهْرِ والعَصْرِ وَقْتاً مُفْرَدًا لا يصلحُ لأحدهما ، وهذا لم
يتابَعْ عليه أيضا .
١٢١ - وأما أُوَّلُ وَقْتِ العَصْرِ فقد تَبَیِّنَ مِنْ قول مالكٍ ما ذكرنا فيه ،ومن قول
الشافعي ومَن تَابَعَهُ على ما وصفناه ، ومِنْ قَوْلِ سائرِ العلماءِ أيضا في مراعاةِ
الميل من الظل ما قد بيناه ، وهو كله معنى متقارب .
(١) في ((البحر الرائق)) (١: ٢٤٥) روايتان عن أبي حنيفة:
( الأولى ) : رواها محمد عنه، وهي ما ذكره المصنف هنا .
( والثانية ): رواها الحسن: إذا صار ظل كل شيء مثله سوى. الفيء : وهو قولهما،
وهذا رأي الصاحبين المفتى به عند الحنفية والأئمة الثلاثة .
وظاهر الرواية وهو رأي أبي حنيفة : أن آخر وقت الظهر أن يصير ظل كل شيء مثْلَيْه ،
إلا أنَّ هذا الوقت هو وقت العصر بالاتفاق ، فَتُقَدَّمُ الصلاة عن هذا الوقت ، لأنّ الأخذ
بالاحتياط في باب العبادات أولى . ولا مخالفة للآثار حيث ذكر أن آخر وقت الظهر هو كذا
(٢) شرح معاني الآثار للطحاوي (١: ١٥٩) باب ((مواقيت الصلاة)).
١٩٤ - الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار / ج ١
١٢٢ - وقال أبو حنيفة: أُوَّلُ وَقْتِ العصر من حين يصير الظل مثلين.
١٢٣ - وهذا خلاف الآثار ، وخلاف الجمهور ، وهو قول عند الفقهاء من
أصحابه وغيرهم مهجور .
١٢٤ - واختلفوا في آخر وقت العصر، فقال مالك: آخر وَقْتِ العَصْرِ أُنْ
يَكُونَ ظِلُّ كُلِّ شيءٍ مِثْلَيْهِ بعد القَدْرِ الذي زالتْ الشَّمْسُ عليه .
١٢٥ - وهذا عندنا محمولٌ من قوله على الاختيارِ ، وما دامتِ الشَّمْسُ
بَيْضَاءَ نقية فهو وقتٌ مختارً أيضاً لصلاة العصر عنده وعند سائر العلماء .
١٢٦ - وأجمعَ العلماءُ أنَّ مَن صَلَّى العَصْرَ والشَّمْسُ بَيْضاءَ نقية لم تدخلها
صُفْرَةٌ فقد صلاها في وقتها المختار ، وفي ذلك دليلٌ على { أُنَّ} (١) مُراعاة
المثلين عندهم استحبابٌ .
١٢٧ - قال ابن عبد الحكم عن مالك في آخر وَقْتِ العصر : أن يكونَ ظلُّ
كل شيءٍ مثليه بعد القَدْرِ الذي زَالَتْ عليه الشمسُ .
١٢٨ - وقال محمد ابنه : القامتان في وقت العَصْرِ مذكورتان عن النبي
- عليه السلام - (٢) وعن بَعْضِ الصحابة.
١٢٩ - قال : وهو قولُ مالكٍ وأصحابه ، وبه نأخذ .
١٣٠ - وفي المدّونة (٣) قال ابن القاسم: لم يكن مالك يذكر القامتين في
وقت العصر ، ولكنه كان يقول : والشمس بيضاءُ نقية .
(١) ما بين الحاصرتين سقط من ( ص ) .
(٢) في السنن الكبرى للبيهقي (١: ٣٦٦) في حديث إمامة جبريل للنبي ◌ّ أنه قال:
«ثُمَّ صَلَّى بِي العَصْرَ حينَ صارَ ظِلُّ كُلُّ شيءٍ مِثْلَيْهِ )).
(٣) المدونة (١ : ٥٦) باختلاف يسير.
١ - كتاب وقوت الصلاة - (١) باب وقوت الصلاة - ١٩٥
١٣١ - وقال ابن القاسم ، عن مالك: آخِرُ وَقْتِ العَصْرِ اصْفِرارُ الشمس .
١٣٢ - وقال ابن وهب، عن مالك: الظهرُ والعَصْرُ آخر وقتهما غروب
الشمس .
١٣٣ - وهذا كله لأهل الضرورات: كالحائضِ ، والمغمى عليه ، ومن يعيد
في الوقت (١) .
١٣٤ - وقال الثوري: إِنْ صَلاَّها ولم تتغير الشمسُ فقد أُجزأه ، وأُحَبُّ إلَّ
أُنْ يصليها إذا كان ظله مثله إلى أن يكون ظله مثليه .
١٣٥ - وقال الشافعيّ (٢) : أول وقتها في الصيف إذا جاوَزَ ظِلُّ كُلِّ شيءٍ
مثله بشيء ما كان ، ومن أُخَّرَ العَصْرَ حتى يجاوز ظل كل شيء مثليه في
الصيف ، أو قدر ذلك في الشتاء فقد فاته وقت الاختيار ، ولا يجوز أن يقال :
فاتَّهُ وَقْتُ العَصْرِ مُطلقا كما جازَ على الذي أخْرَ الظُّهْرَ إلى أَنْ جَاوَزَ ظِلُّ كُلِّ شيءٍ
مثله .
١٣٦ - قال : وإنما قلت ذلك لحديث أبي هريرة عن النبي - عليه السلام -
أنه قال: ((مَنْ أُدْرَكَ رَكْعَةً من العَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أُدْرَكَ
العَصْرَ)) (٣).
(١) يرى أكثر الفقهاء: أن صلاة العصر تكره في وقت اصفرار الشمس لقوله عليه: ((تلك
صلاة المنافق ، يجلس يرقُب الشمس، حتى إذا كانت بين قَرْني الشيطان ، قام فنَقَرها أربعاً
لا يذكر الله إلا قليلاً)» وقوله عليه السلام أيضاً: «وقت العصر ما لم تصفر الشمس»،
رواه مسلم عن عبد الله بن عمرو رضى الله عنه، وفي معناه حديث آخر عن أبي هريرة،
ويؤيده فعل النبي # في حديث بريدة ((أن النبي صلى العصر في اليوم الثاني،
والشمس بيضاء نقية لم تخالطها صفرة » .
(٢) ((الأم)) للشافعي (١: ٧٣)، باب («وقت العصر)).
(٣) ((الأم)) (١: ٧٣) في آخر باب ((وقت العصر))، والحديث أخرجه مالكٌ في
((وقوت الصلاة))، حديث رقم (٥) ص (١: ٦)، والبخاري في ((الصلاة)) حديث
(٥٧٩) باب ((من أدرك من الفجر ركعة)) فتح الباري (٢: ٥٦)، ومسلمٌ في كتاب =
١٩٦ - الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار / ج ١
١٣٧ - وَحُجَّةٌ مَنْ ذَهَبَ إلى هذا المعنى الأحاديثُ في إمامة جبريل ، مع حدیث
العلاء ، عن أنس ، وحديث أبي هريرة هذا .
١٣٨ - وعلى هذا التّويلِ تُسْتَعْمَلُ الأحاديثُ كُلُّها ، ومذهب مالك يدلُّ أيضا
على ذلك .
١٣٩ - وقال أبو يوسف، ومحمد: وقت العصر إذا كان ظلُّ كُلِّ شيءٍ قامته
فيزيدُ على القامة إلى أن تَتَغَّيرَ الشَّمْسُ (١).
.١٤ - وقال أبو ثور: أُوَّلُ وَقْتِها إذا صارَ ظِلُّ كُلِّ شيءٍ مثله بَعْدَ الزوال ،
وزادَ على الظلِّ زيادة تتبين إلى أن تَصْفَرَّ الشَّمْسُ.
١٤١ - وقول أحمد بن حنبل: آخرُ وقتِ العَصْرِ ما لم تصفر الشمس .
١٤٢ - وقال إسحاق بن راهويه: آخرُ وقتِ العَصْرِ أُنْ يُدْرِكَ المصلي منها
رَكْعَةٌ قَبْلَ الغروبِ .
١٤٣ - وهو قول داود لكل الناس : معذورٍ وغير معذور ، صاحب ضرورة
وصاحب رفاهية ، إِلا أُنَّ الأَفْضَلَ غيره .
١٤٤ - وعند إسحاق بن راهويه أيضاً : أوَّلُ الوَقْتِ .
= ((الصلاة)) باب ((من أدرك ركعةً من الصلاة فقد أدرك تلك الصلاة)) (١ : ٤٢٤) من
طبعة عبد الباقي ، والترمذي في باب (( من أدرك ركعةً من العصر قبل أن تغرب الشمس))،
والنسائي في الصلاة باب ((من أدرك ركعتين أو ركعةً من العصر))، وابن ماجه في
((الصلاة))، حديث (٦٩٩) باب ((وقت الصلاة في العذر والضرورة)) (١: ٢٢٩)،
وموقعه في سنن البيهقي الكبرى (١: ٣٧٨)، والسنن الصغير له (١ : ١١٦)، ومعرفة
السنن والآثار (٢: ٢٣٣٢، ٢٣٩٥) و (٣: ٥١٥).
(١) في الأصل : على القامة أن تغيرت ، سقط وتحريف.
١ - كتاب وقوت الصلاة - (١) باب وقوت الصلاة - ١٩٧
١٤٥ - وقال الأوزاعي: إِنْ رَكَعَ رَكْعَةَ قَبْلَ غُروبها ، وركعةً بعد غروبها فقد
أُدْركَها .
١٤٦ - وحجته حديث أبي هريرة عن النبي عليه السلام: ((مَنْ أُدرك ركْعَةٌ
من العَصْرِ (١) قَبْلَ أُنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أُدْرَكَ العَصْرَ )).
١٤٧ - واختلفوا في آخرِ وَقْتِ المغرب بعد إجماعهم على أُنَّ وقتها غروب
الشمس .
١٤٨ - فالظاهر من قول مالك أُنَّ وَقْتَها وقتٌ واحدٌ عند مغيب الشمس ،
وبهذا تَواتَرَتِ الرواياتُ عنه .
١٤٩ - إلا أنَّهُ قال في «الموطإ)): ((فإذا غابَ الشَّفَقُ فقد خَرَجَ وَقْتُ
المغْرِبِ وَدَخَلَ وَقْتُ العِشاءِ » (٢).
٠ ١٥ - وبهذا قال أبو حنيفة ، وأبو يوسف ، ومحمد بن الحسن ، وابن حي ،
وأحمد ، وإسحاق ، وأبو ثور ، وداود ، والطبري ، كل هؤلاء يقولون : آخرُ وقت
المغرب مغيب الشفق ، والشفق عندهم الحُمرة .
١٥١ - وحجتهم في ذلك حديث أبي موسى الأشعري ، ومثله حديث بُريْدة
الأسلمي أن رسول اللَّه عليه السلام صَلأَّها عند سؤال السائل عَنْ مواقيت
الصَّلَواتِ فلم يرد عليه شيئا، وأمَرَ بلالا فأقامَ الفَجْرَ حينَ انشقَّ الفَجْر
والنَّاسُ لا يَعْرِفُ بَعْضُهم بَعْضا، ثم أُمرهُ فَأَقَامَ الظُّهْرَ حينَ زالتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ
أُمَرَهُ فَأقامَ العَصْرَ والشَّمْسُ مرتفعةٌ، ثُمَّ أُمَرَهُ فَأَقَامَ المغربَ حينَ وَقَعَتِ الشَّمْسُ ،
ثُمَّ أُمَرَهُ فَأقامَ العشاءَ حين غابَ الشَّفَقُ، ثُمَّ أُخَّرَ الفَجْرَ من الغَدِ حتى انصرفَ
منها والقائل يقول : طَلَعَتِ الشَّمْسُ أُوْ كَادَت، ثُمَّ أُخْرَ الظُّهْرَ حتى كان قريبًا من
(١) في الأصل : ركعة قبل ، سقط .
(٢) الموطأ : ١٣، وقد ذكر المؤلف كلام مالك بالمعنى .
١٩٨ - الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار / ج ١
العَصْرِ، ثم أُخْرَ العَصْرَ حتى خرجَ منها والقائل يقول: احمرَّتِ الشَّمْسُ ثم أُخَّرَ
المغربَ حتى كانَ سقوط الشفق، ثم أُخَّرَ العشاءَ حتى كانَ ثلث الليل ، ثم أُصْبَحَ
فدعا السائلَ فقال له : الوقتُ فيما بين هذين (١) .
١٥٢ - وقد ذكرنا إسناد الحديث ، وحديث بُرَيْدة وغيرهما بهذا المعنى في
التمهيد (٢) .
١٥٣ - قالوا : وهذه الآثار أُوْلى من آثارِ إمامة جبريل؛ لأنها مُتَأْخِّرَةٌ
بالمدينة ، وإِمامةُ جبريل كانت بمكة، والآخر من فِعْلِهِ أُوْلى ؛ لأنه زيادةً على
الأول .
١٥٤ - واحتجُوا بحديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرو بن العاص، وفيه: ((وَوَقْتُ
المغرب ما لمْ يسقطِ الشَّفَقُ)) (٣).
١٥٥ - وحديثُ أبي بَصْرة الغفَاريّ (٤): أُنَّ رسولَ اللَّهِ مَّهُ لما صَلَى العَصْرَ
قال: ((لا صَلَاَةَ بَعْدَها حتى يَطْلُعَ الشَّاهدُ)) (٥).
(١) رواه مسلم في كتاب ((المساجد ومواضع الصلاة))، الحديث (١٧٨)، ص (١ :
٤٢٩)، من طبعة عبد الباقي، باب ((أوقات الصلوات الخمس)).
(٢) التمهيد (٨: ٨٠).
(٣) رواه مسلم في كتاب الصلاة، حديث (١٣٥٩ - ١٣٦٠) من طبعتنا، باب ((أوقات
الصلوات الخمس)) (٨٥٠:٢)، وأبو داود في الصلاة (٣٩٦)، باب ((في المواقيت))
(١: ١.٩)، والنسائي في الصلاة (١: ٢٦١)، باب ((آخر وقت المغرب))، والإمام
أحمد في ((مسنده)) (٢١٠:٢)، ورقم (٦٩٦٦) من طبعة شاكر .
(٤) اسمه: حُمَيل بن بَصْرَةَ = أبو بَصْرَةَ الغفاري، له ترجمة في أسد الغابة (٢: ٦١)
ومسنده في تحفة الأشراف (٣: ٨٤) ، له حديث واحد - هو هذا - في صحيح مسلم
(٥) رواه مسلم في كتاب الصلاة - باب ((الأوقات التي نُهي عن الصلاة فيها)) عن
قتيبة، عن ليث ، وعن زهير بن حرب، والنسائي في الصلاة - باب ((تأخير المغرب )) عن
قتيبة .
١ - كتاب وقوت الصلاة - (١) باب وقوت الصلاة - ١٩٩
١٥٦ - والشاهدُ : النجم .
١٥٧ - وحديث عائشة وأنس بن مالك عن النبي عليه السلام : إذا حَضَرَتِ
العَشاءُ وأُقيمت الصَّلاةُ فَابْدَءُوا بالعَشاءَ (١).
١٥٨ - وكُلُّ ذلك يَدُلُّ على سَعَةِ الوَقْتِ، وقدْ قَرَأُ فيها بالطُّور وبالصافَّات
والأعراف .
١٥٩ - وقد ذكرنا الآثار بها كلها في ((التمهيد)) (٢).
١٦٠ - وقال الشافعيُّ في وقت المغرب قولين:
(١) حديث عائشة رواه مسلم في كتاب الصلاة رقم (١٢٢١) من طبعتنا ص (٢ :
٧٣٦)، باب ((كراهة الصلاة بحضرة الطعام))، وهو الحديث ذو الرقم (٦٥ - ((٥٥٨)))
ص (١ : ٣٩٢) من طبعة عبد الباقي ، وأخرجه البخاري في الأذان من أبواب الصلاة ،
باب ((إذا حضر الطعام وأقيمت الصلاة))، وابن ماجه في الصلاة (٩٣٥)، باب ((إذا
حضرت الصلاة ووضع العشاء)) (١ : ٣.١) ، وحديث أنس : أخرجه مسلم في الصلاة رقم
(١٢١٩) من طبعتنا ص (٢: ٧٣٥)، باب ((كراهة الصلاة بحضرة الطعام)) ورقم (٦٤
- (( ٥٥٧))) ص (١: ٣٩٢) من طبعة عبد الباقي، والترمذي في الصلاة (٣٥٣)،
باب ((ما جاء إذا حضر العَشَاءُ وأقيمت الصلاة فابدأوا بالعَشَاء)) (٢: ١٨٤)، والنسائي
في الصلاة (٢: ١١١)، باب ((العذر في ترك الجماعة))، وابن ماجه في الصلاة
(٩٣٣)، باب ((إذا حضرت الصلاة ووُضع العَشاء)) (١: ٣.١)، وأبو عوانة (٢ :
١٤)، والدارمي (١: ٢٩٣)، وعبد الرزاق (٢١٨٣)، ومسند أحمد (٣: ١١٠،
١٦٢)، والحميدي (١١٨١)، ومصنف ابن أبي شيبة (٤٢٠:٢)، والطحاوي في
(مشكل الآثار) (٢: ٤.١)، وابن خزيمة في صحيحه (٩٣٤، ١٦٥١).
وأخرجه البخاري في الأذان من أبواب الصلاة حديث (٦٧٢)، باب ((إذا حضر الطعام
وأقيمت الصلاة ))، وموضعه في مسند الشافعي (١ : ١٢٥) ، وفي سنن البيهقي الكبرى
(٣: ٢٧)، ومعرفة السنن والآثار (٤: ٥٦٥١).
(٢) ذكره المصنف في ((التمهيد)) (٨: ٨٢ - ٨٣).
٢٠٠ - الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار / ج ١
١٦١ - (أحدهما) أنه ممدود إلى مغيبِ الشَّفَقِ كما نَزَعَ إليه (١) مالك في
((الموطأ)) (٢).
١٦٢ - ( والآخر) - وهو المشهور عنه - أنَّ وَقْتَهَا واحدٌ لا وَقْتَ لها غِيره
في الاختيار ، وذلك حين تَجبُ (٣) الشمس (٤).
١٦٣ - قال : وذلك بَيِّنَ في إمامة جبريل .
١٦٤ - قال: ولو جازَ أُنْ تُقاسَ المواقيتُ لقيلَ : لا تفوت حتى يدخلَ أول
وقت العشاء ؛ قبل أن يصلّي منها ركعة كما قال في العصر ، ولكنَّ المواقيتَ
لا تؤخذ قياسا .
١٦٥ - وقال الثوري: وقتُ المغربِ إذا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، فإِنْ حَبَسَك عُذْرٌ
فأُخَّرْتَها إلى أُنْ يغيبَ الشَّفَقُ في السَّفَرِ فلا بَأْسَ بها ، وكانوا يَكْرِهونَ تَأَخيرَها
١٦٦ - قال أبو عمر : المشهورُ من مذهب مالك ما ذَهَبَ إليهِ الشافعيّ
والثَّوْرِيُّ في وَقْتِ المغربِ .
١٦٧ - والحُجَّةُ لهم أنَّ (٥) كُلَّ حديثٍ ذكرناهُ في ((التمهيد)) في إمامَةِ
جبريل - على تواترها - لم تختلفْ في أُنَّ للمغربِ وَقْتًا واحدا .
١٦٨ - وقد رُوي مثل ذلك عن النبي - عليه السلام - من حديث أبي هريرة
وجابر بن عبد اللَّه ، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وكلهم صَحِبَهُ بالمدينة ،
(١) في ( ص): ((به)) وهو تحريف .
(٢) موطأ مالك (١ : ١٣).
(٣) وجبت الشمس : غابت .
(٤) قاله الشافعي في ((الأم)) (١: ٧٣) باب ((وقت المغرب)).
(٥) في ( ص): ((والحجة لهم كل)).