النص المفهرس
صفحات 241-260
وقد ذهب شيخنا الألباني - حفظه الله - إلى الاستدلال بصنيع الإمام البخاري في ذلك، انظر ((الإرواء)) (١٢٨٧/١٢٨/٥)، إلا أن كلام الأئمة السابقين، يشق عليَّ تجاوزه، فلعل البخاري رحمه الله صحح الحديث للمتابع الذي أشار إليه الحافظ، أو لغير ذلك، والله أعلم. ٢- وذكر ابن القيم - رحمه الله - في (إعلام الموقعين)) (٢٠٢/١) حديث إرسال معاذ إلى اليمن، وفيه: قال شعبة: حدثني أبو عون عن الحارث بن عمرو عن أناس من أصحاب معاذ عن معاذ أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما بعثه إلى اليمن ... الحديث، قال ابن القيم: فهذا حديث - وإن كان عن غير مُسمَّيْن فهم أصحاب معاذ - فلا يضره ذلك، لأنه يدل على شهرة الحديث، وأن الذي حدث به الحارث بن عمرو عن جماعة من أصحاب معاذ، لا واحد منهم، وهذا أبلغ في الشهرة من أن يكون عن واحد منهم لو سُمِّي، كيف وشهرة أصحاب معاذ بالعلم والدين والفضل والصدق بالمحل الذي لا يخفى، ولا يُعرف في أصحابه متهم، ولا كذاب، ولا مجروح، بل أصحابه من أفاضل المسلمين وخيارهم، لا يشك أهل العلم بالنقل في ذلك ... ، اهـ ولقائل أن يقول: تقوية ابن القيم للحديث ليس لمجرد الجمع الذي يجبر الجهالة، بل لما عُلِم من حال أصحاب معاذ - رضي الله عنه - وبين هذا وما نحن فيه فرق، قلت: وهذا كلام له حظ من الوجاهة، والله أعلم. ٣- قال الحافظ العراقي في ((التقييد)) (ص: ٢٦٤) في النوع الموفي ثلاثين: معرفة المشهور من الحديث :.. وكذلك حديث: ((من آذى ذمياً .. )) هو معروف أيضاً بنحوه، رواه أبو داود من رواية صفوان بن مسلم عن عدة من أبناء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن آبائهم .. عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قال: ((إلّا من ظلم معاهداً، أو انتقصه، أو كلفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئاً بغير طيب نفس، فأنا حجيجه يوم القيامة)) قال: سكت عليه أبو داود - أيضاً -، فهو عنده صالح، وهو كذلك إسناده جيد، وهو وإن كان فيه من لم يُسم، فإنهم عدة من أبناء ٢٤١ الصحابة يبلغون حد التواتر الذي لا يشترط فيه العدالة، فقد رويناه في ((سنن البيهقي الكبرى)) فقال في روايته: عن ثلاثين من أبناء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، اهـ. قلت: وهذا أيضاً ليس صريحاً في موضع النزاع، للقرنية التي ذكرها. ٤- وقال الزركشي في ((التذكرة في الأحاديث المشتهرة)) (ص: ٣٣) بعد ذكره الحديث السابق: وإسناده لا بأس به، ولا يضره جهالة من لم يُسم من أبناء الصحابة، فإنهم عدد كثير، وقد رواه البيهقي في ((سننه)) وقال فيه: عن ثلاثين من أبناء الصحابة، اهـ. قلت: قد سبق ما فيه. ٥- وكذا قال السخاوي في هذا الحديث، انظر ((المقاصد الحسنة)) (ص: ٣٩٢) برقم (١٠٤٤)، وزاد: فإنهم عدد ينجبر به جهالتهم، اهـ. قلت: انظر ما سبق. وفي ((فتخ المغيث)) (٣٢١/١) في نوع المقلوب، ذكر السخاوي قصة امتحان المحدثين ببغداد للإمام البخاري - رحمه الله -، وقد أخرجها ابن عدي في ((مشايخ البخاري)) قال ابن عدي: سمعت عدة مشايخ يحكون .... وذكرها، قلت: قد ذكر ابن عدي هذه القصة في ((أسامى من روى عنهم محمد بن إسماعيل البخاري من مشايخه الذين ذكرهم في جامعه)) (ص ٦٢ - ٦٣) بتحقيق بدر بن محمد العماش، وقد ذكر من أخرجها أو ذكرها وهم: الخطيب في ((تاريخ بغداد)) (٢٠/٢)، والباجي في ((التعديل) (٣٠٨/١)، وابن الجوزي في ((الحث على حفظ العلم)) (٥٦)، وابن خلفون في ((المعلم)) (١/ ٢/ب)، والعراقي في ((شرح الألفية)) (٢٨٤/١)، وابن حجر في ((هدي الساري)) (ص٤٨٦)، و((النكت)) (٨٦٧/٢) وغيرهم، كلهم من طريق ابن عدي به. قال السخاوي: ومن طريق ابن عدي رواها الخطيب في ((تاريخه)) وغيره، ولا يضر جهالة شيوخ ابن عدي فيها، فإنهم عدد ينجبر به جهالتهم ... ، اهـ. وتناقُلُ المصنفين لهذه القصة يشير إلى عدم تعويلهم على علة ٢٤٢ الجهالة، ولعل ذلك للجمع الذي يجبر الجهالة، أو لأن باب القصص يُتساهل فيه، لا سيّما في أمر مشهور، وهو اشتهار قوة حفظ الإمام البخاري - رحمه الله -. وقد ضعف الشيخ بكر بن عبدالله أبو زيد هذه القصة للجهالة، كما في ((التأصيل)) (٧٩/١) في كلامه على القضايا التي اشتهرت ولم تثبت، وأنت ترى أن السخاوي - رحمه الله - قد صرح بقبول رواية الجمع المبهم - وإن لم يكونوا في طبقة التابعين وأتباعهم - وفي النفس من ذلك شيء. ٦- ومن نظر في كتب شيخنا الألباني - حفظه الله - علم أنَّه قد اعتمد ذلك في عدة مواضع، انظر: ((الصحيحة)) (٨٩/١٣٥/١)، (١٣٧٣/٣٦١/٣)، (١٩٦٧/٦١٠/٤)، و((الضعيفة)) (٨٨١/٢٧٦/٢) و ((الإرواء)) (١٢٨٧/١٢٨/٥)، (١٥٦٢/١٧/٦)، (٢٣٩٣/٥٤/٨)، وهذه المواضع كلها في طبقة التابعين أو أتباعهم. ٧- ثم تذكرت ما جاء عن إبراهيم النخعي في روايته عن ابن مسعود - رضي الله عنه -، فقد قال المعلمي - رحمه الله - في ((التنكيل)) (ص: ٨٩٩- ٨٩٩) في المسألة الرابعة عشرة: تقطع يد السارق في ربع دينار فصاعداً، قال - رحمه الله -: وإبراهيم عن عبدالله منقطع، وما روى عنه أنَّه قال: إذا قلت: قال عبدالله، فهو من غير واحد عن عبدالله، لا يدفع الانقطاع، لاحتمال أن يسمع إبراهيم عن غير واحد ممن لم يلق عبدالله، أو ممن لقيه، وليس بثقة، واحتمال أن يغفل إبراهيم عن قاعدته، واحتمال أن تكون قاعدته خاصة بهذا اللفظ: ((قال عبدالله))، ثم يحكى عن عبدالله بغير هذا اللفظ ما سمعه من واحد ضعيف، فلا يتنبه مَنْ بعده للفرق، فيرويه عنه بلفظ: ((قال عبدالله)) .... ، اهـ. قال شيخنا الألباني - حفظه الله - متعقباً عليه ما ذهب إليه في الحاشية (١) : قلت: تصدير المصنف - رحمه الله - لقول إبراهيم المذكور بقوله: (روي) مما يشعر اصطلاحاً. بأنه لم يثبت عنده، ولعل عذره في ذلك أنَّه ٢٤٣ لم يقف على إسناده، وإلّا لجزم بصحته، فقد أخرجه ابن سعد في ((الطبقات)) (١٩٠/٦) أخبرنا عمرو بن الهيثم أبو قطن، قال: حدثنا شعبة عن الأعمش، قال: قلت لإبراهيم: إذا حدثتني عن عبدالله فأسنِذْ، قال: إذا قلت: قال عبدالله: فقد سمعته من غير واحد من أصحابه، وإذا قلت: حدثني فلان، فحدثني فلان، وهذا إسناد صحيح، رجاله ثقات، وقد أخرجه أبو زرعة الدمشقي في ((تاريخ دمشق)) (ق٢/١٣١): حدثنا أحمد بن سبويه قال: حدثنا عمرو بن الهيثم به، إلّا أنَّه قال: ((فحدثني وحده)) . قال شيخنا - حفظه الله -: أقول: وإذا تأمل الباحث في قول إبراهيم: من غير واحد من أصحابه، يتبين له ضعف بعض الاحتمالات التي أوردها المصنف على ثبوت رواية إبراهيم إذا قال: ((قال ابن مسعود)) فإن قول: ((من أصحابه)) يبطل قول المصنف: أن يسمع إبراهيم من غير واحد ممن لم يلق عبدالله، كما هو ظاهر، وعذره في ذلك: أنَّه نقل قول إبراهيم هذا من (التهذيب))، ولم يقع فيه قوله: ((من أصحابه)) الذي هو نص في الاتصال، اهـ. ثم قال في الحاشية رقم (٢) تعقيباً على قول المعلمي - رحمه الله -: ((أو ممن لقيه وليس بثقة)): قلت: هذا فيه بُعْد، فإننا لا نعلم في أصحاب ابن مسعود المعروفين من ليس بثقة، ثم إن عبارته المتقدمة منه آنفاً صريحة منه أنَّه لا يسقط الواسطة بينه وبين ابن مسعود إلّا إذا كان الذي حدثه عنه أكثر من واحد من أصحابه، فكون الأكثر منهم - لا الواحد - غير ثقة بعيد جداً، لا سيما وإبراهيم إنَّما يروي كذلك مشيراً إلى صحة الرواية عن ابن مسعود، والله أعلم، اهـ. والأمر كما قال شيخنا - حفظه الله -، فإن الأعمش لما سمع ما سمع من إبراهيم، قنع بذلك، لما فهم صحة الواسطة بين إبراهيم وابن مسعود، ولو أخذنا ببعض ما قاله الشيخ المعلمي - رحمه الله -، لكان إبراهيم مدلساً بقوله هذا على الأعمش تدليساً قبيحاً، وحاشاه من ذلك. وقد صحح جماعة من الأئمة مراسيل النخعي، وخصه البيهقي ٢٤٤ بمراسيله عن ابن مسعود، قاله العلائي في ((جامع التحصيل)) (ص: ١٤١ - ١٤٢) وقد صحح العلائي أثر الأعمش عن إبراهيم، وذكر كلام أحمد في تمشية مراسيل إبراهيم، وذكر كلام البيهقي السابق، انظر (ص: ٧٩ - ٨٠، ٨٩)، وقد قال الدارقطني - رحمه الله - في ((السنن)) (١٧٤/٣) برقم (٢٦٦) : فهذه الرواية - يعني رواية إبراهيم عن عبدالله - وإن كان فيها إرسال فإبراهيم النخعي هو أعلم الناس بعبدالله. برأيه وبفتياه، وقد أخذ ذلك عن أخواله علقمة والأسود وعبدالرحمن ابني يزيد، وغيرهم من كبراء أصحاب عبدالله، وهو القائل: إذا قلت لكم: قال عبدالله بن مسعود، فهو عن جماعة من أصحابه عنه، وإذا سمعته من رجل واحد سميته لكم، اهـ. فمن تأمل ما سبق علم أن غالب صنيع من ذكرت الاعتداد بالجمع المبهم إذا كان في الطبقات العالية، كطبقة التابعين وأتباعهم، أما من دون ذلك فلم أقف على تصريح أحد به، إلّا كلام السخاوي في قصة امتحان محدثي بغداد للإمام البخاري رحمه الله، ولعل ذلك لأنَّ الطبقات العليا يكثر فيها الخير، وقد فاضت فيها العدالة، وقل فيها الكذب بالنسبة لغيرها مما بعدها من الطبقات، وقد سألت شيخنا الألباني - حفظه الله - عن هذه المسألة في رحلتي إليه بـ ((عمان))، فأجاب بنحو مما ذكرت، وأشار إلى تضعيف قصة امتحان الإمام البخاري، وهذا ما تطمئن إليه النفس، والله تعالى أعلم. (تنبيه): إذا كان العلماء قد قبلوا رواية مجهول العين والمبهم في الشواهد، إذا كان في الطبقات العالية، فالجمع من المجهولين أو المبهمين أولى بالقبول، والله أعلم. (تنبيه آخر): إذا روى الحديث جمع مبهم وهم عدد كثير تطمئن النفس مع كثرة عددهم إلى ثبوته، ولم يكن هناك، ما يدل على النكارة، أو يعارضه ما هو أقوى منه، أو كانت هناك قرائن تقوي ثبوته، قُبلت رواية ٢٤٥ الجمع، وإن كانت في طبقة نازلة، وهذا أمر لا يستطيع ناقد أن يضع له حداً، فكل حديث له دراسة حديثية تليق به، والله أعلم. س ٢٢٨: حديث سنده ضعيف، لكن وصفه بعض العلماء بأنه تُلُقِّي بالقبول، فهل يُعمل به، أم لا؟ ج ٢٢٨: صرح جماعة من العلماء بالاحتجاج بما كان هذا سبيله، وذلك لأنَّ عمل العلماء بالحديث أو بمعنى الحديث يجبر الضعف في سنده، بل هو أقوى من مجرد متابعة ضعيف آخر، فإن العمل بالحديث مما يؤكده ويقويه، وهاك أقوال أهل العلم في ذلك: ١ - الإمام الشافعي - رحمه الله -: فقد سبق في السؤال [٢٢٤] كلامه في الاستشهاد بالمرسل، فقال: وكذلك إن وجد عوام من أهل العلم يفتون بمثل معنى ما روى عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، اهـ من ((الرسالة)) (ص: ٤٦٣) برقم (١٢٧٠). وقال ابن برهان في ((الوجيز)): مذهب الشافعي: أن المراسيل لا يجوز الاحتجاج بها، إلّا مراسيل الصحابة - رضي الله عنهم - ومراسيل سعيد بن المسيب، وما انعقد الإجماع على العمل به، اهـ نقلًا من ((النكت)) (٥٤٧/٢) وفي ((التلخيص)) (١٤٢١/١٩٩/٣) قال الشافعي في حديث: ((لا وصية لوارث)»: وروى بعض الشاميين حديثاً ليس مما يثبته أهل الحديث، فإن بعض رجاله مجهولون، فاعتمدنا على المنقطع مع ما انضم إليه من حديث المغازي وإجماع العلماء على القول به، اهـ. ٢- الإمام البيهقي رحمه الله: قال في ((السنن الكبرى)) (٢٨٢/٣) ك/ صلاة العيدين، ب/الغدو إلى العيدين: وهذا أيضاً مرسل، وشاهده عمل المسلمين بذلك، أو بما يقرب منه ... ، اهـ وقال في (٢٨٥/٩) ك/الضحايا ب/ما جاء في ذبيحة المجوس: هذا مرسل، وإجماع أكثر الأمة عليه يؤكده، اهـ وانظره في ((التلخيص)) (٣/ ٣٥٣ - ٣٥٤/ ١٦٤٣). ٢٤٦ وفي (٢٢٢/٣) ك/الجمعة، ب/من زعم أن الإنصات للإمام اختيار ... قال: وهذا وإن كان مرسلًا، فهو مرسل جيد، وهذه قصة مشهورة فيما بين أرباب المغازي ... ، اهـ. ٣- وقال ابن عبدالبر في ((الاستذكار)) (٩٨/٢) برقم (١٥٦٩): وهذا إسناد وإن لم يخرجه أصحاب الصحاح، فإن فقهاء الأمصار وجماعة من أهل الحديث متفقون على أن ماء البحر طهور، بل هو أصل عندهم في طهارة المياه الغالبة على النجاسات المستهلكة لها، وهذا يدل على أنَّه حديث صحيح المعنى، يُتَلقى بالقبول والعمل، والذي هو أقوى من الإسناد المنفرد، اهـ. ٤- وفي ((التلخيص)) (١٨٧٩/٣٦/٤) قال الحافظ: وقد صحح الحديث بالكتاب المذكور - يعني حديث عمرو بن حزم في كتاب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لأهل اليمن - جماعةٌ من الأئمة، لا من حيث الإسناد، بل من حيث الشهرة، فقال الشافعي في ((رسالته)): لم يقبلوا هذا الحديث حتى ثبت عندهم أنَّه كتاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقال ابن عبدالبر: هذا كتاب مشهور عند أهل السير، معروف ما فيه عند أهل العلم، معرفة يُستغنى بشهرتها عن الإسناد، لأنه أشبه التواتر في مجيئه، لتلقي الناس له بالقبول والمعرفة، قال: ويدل على شهرته: ما روى ابن وهب عن مالك عن الليث بن سعد عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب، قال: وُجِدَ كتابٌ عند آل حزم يذكرون أنَّه كتاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقال العقيلي: هذا حديث ثابت محفوظ، إلّا أنا نرى أنَّه كتاب غير مسموع عمن فوق الزهري، وقال يعقوب بن سفيان: لا أعلم في جميع الكتب المنقولة كتاباً أصح من كتاب عمرو بن حزم هذا، فإن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم والتابعين يرجعون إليه، ويَدَعُون رأيهم، وقال الحاكم: قد شهد عمر بن عبدالعزيز وإمام عصره الزهريُّ لهذا الكتاب بالصحة، ثم ساق ذلك بسنده إليهما، اهـ. ٢٤٧ ٥- وفي ((التلخيص)) (٢٠٧٤/١٢١/٤) ذكر حديث: ((لا قطع في ثمر ولا كثَر)) ثم قال الحافظ: اختلف في وصله وإرساله، وقال الطحاوي: هذا الحديث تلقت العلماء متنه بالقبول، اهـ. والكثر هو الجمار، وفي ((الإرواء)) (٦/ ٩٥ - ١٦٥٥/٩٦). قال شيخنا الألباني - حفظه الله -: ومن ذلك تعلم أن قول الإمام الطحاوي في ((مشكل الآثار)) (١٣٦/٢) في أحاديث ذكرها، هذا أحدها: وجدنا أهل العلم احتجوا بهذا الحديث، فوقفنا بذلك على صحته عندهم ... وإن كان ذلك كله لا يقوم من جهة الإسناد. اهـ. ٦- وقال ابن القيم - رحمه الله تعالى - في ((أعلام الموقعين)) (١/ ٢٠٢ - ٢٠٣) وقد ذكر حديث إرسال معاذ إلى اليمن: قال أبو بكر الخطيب: وقد قيل: إن عبادة بن نسي رواه عن عبدالرحمن بن غنم عن معاذ، وهذا إسناد متصل، ورجاله معروفون بالثقة، على أن أهل العلم قد نقلوه واحتجوا به، فوقفنا بذلك على صحته عندهم، كما وقفنا على صحة قول رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((لا وصية لوارث)) وقوله في البحر: ((هو الطهور ماؤه الحل ميتته)) وقوله: ((إذا اختلف المتبايعان في الثمن، والسلعة قائمة، تحالفا وترادًا البيع)) وقوله: ((الدية على العاقلة)) وإن كانت هذه الأحاديث لا تثبت من جهة الإسناد، ولكن ما تلقتها الكافة عن الكافة غَنُوا بصحتها عندهم عن طلب الإسناد لها، فكذلك حديث معاذ لما احتجوا به جميعاً غَنُو عن طلب الإسناد له، انتهى كلامه، اهـ. والمقصود بيان مذهب الخطيب وإقرار ابن القيم له في ذلك، وإلّا ففي دعوى عدم صحة ذلك من جهة السند بحث، ليس هذا محله، وكذلك يُنظر في دعوى التلقي لبعض هذه الأحاديث، والله أعلم. ٧- وفي ((النكت)) (٣٤٠/١) ذكر الحافظ حديثاً من رواية الحارث عن علي، وقال: والحارث ضعيف جداً، وقد استغربه الترمذي، ثم حكى إجماع أهل العلم على القول بذلك، فاعتضد الحديث بالإجماع، والله أعلم، اهـ وفي ((التلخيص)) (١٤٤٠/٢٠٦/٣) قال: والحارث وإن كان ضعيفاً، فإن الإجماع منعقد على وفق ما روى، اهـ. ٢٤٨ ٨- وفي ((التدريب)) (٦٦/١) ذكر كلام ابن عبدالبر في حديث ماء البحر، ثم قال: وقال في ((التمهيد)): روى جابر عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((الدينار أربعة وعشرون قيراطاً)) قال: وفي قول جماعة العلماء وإجماع الناس على معناه غنّى عن الإسناد. وقال الأستاذ أبو إسحاق الإسفرائيني: تُعرف صحة الحديث إذا اشتهر عند أئمة الحديث بغير نكير منهم. وقال نحوه ابن فُورك، وزاد بأن مثل ذلك بحديث: ((في الرقة ربع العشر، وفي مائتي درهم خمسة دراهم)) . وقال أبو الحسن بن الحصار في ((تقريب المدارك على موطأ مالك)): قد يعلم الفقيه صحة الحديث إذا لم يكن في سنده كذاب، بموافقة آية من كتاب الله، أو بعض أصول الشريعة، فيحمله ذلك على قبوله والعمل به .... ، اهـ. ٩- وقد ذكر التهانوي - رحمه الله - هذه المسألة في كتابه: ((قواعد في علوم الحديث)) (ص: ٦٠ - ٦٢) وذكر المعلّق فوائد متمّمة لذلك، وسأذكر كلامهما - إن شاء الله تعالى - وقد يتداخل في مواضع، مكتفياً بهذه الإشارة، قال رحمه الله بعد ذكره الكلام السابق في حديث ماء البحر: قلت: والقبول يكون تارة بالقول، وتارة بالعمل عليه، ولذا قال المحقق في (الفتح)) (٢١٧/١): وقول الترمذي: ((العمل عليه عند أهل العلم)) يقتضي قوة أصله، وإن ضَعَّف خصوصَ هذا الطريق. وفي الحاشية : قال المحقق ابن الهمام أيضاً في ((الفتح)) في آخر الفصل الأول من فصول كتاب الطلاق (١٤٣/٣): ومما يصحح الحديث أيضاً عمل العلماء على وفقه، وقال الترمذي عقيب روايته حديث ((طلاق الأمة ثنتان)): حديث غريب، والعمل عليه عند أهل العلم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وغيرهم. وفي ((سنن الدارقطني)) (٤٠/٤) قال القاسم وسالم: عمل به المسلمون، وقال مالك: شهرة الحديث بالمدينة تغني عن صحة سنده. ٢٤٩ قال التهانوي - رحمه الله -: قال السيوطي في ((التعقيبات)) (ص: ١٢): الحديث أخرجه الترمذي (٣٠٣/١) - أي حديث ابن عباس: ((من جمع بين الصلاتين من غير عذر، فقد أتى باباً من الكبائر)) - وقال: حسين ضعفه أحمد وغيره، والعمل عليه عند أهل العلم، اهـ قال: فأشار بذلك أن الحديث اعتضد عند أهل العلم، وقد صرح غير واحد بأن من دليل صحة الحديث: قولَ أهل العلم به، وإن لم يكن له إسناد يعتمد على مثله، اهـ. قال: وفيه أيضاً (ص: ١٣): وقال الترمذي: وقد رأى ابن المبارك وغيره صلاة التسبيح، وذكروا الفضل فيه، وقال البيهقي: كان عبدالله بن المبارك يصليها، وتداوله الصالحون بعضهم عن بعض، وفي ذلك تقوية للحديث المرفوع، اهـ. ثم قال التهانوي: بل الحديث إذا تلقته الأمة بالقبول فهو عندنا في معنى المتواتر، قال الجصاص في ((أحكام القرآن)) له (٣٨٦/١): وقد استعملت الأمة هذين الحديثين - يعني حديث ابن عمر وعائشة في طلاق الأمة وعدتها - وإن كان وروده: يعني لفظ: ((طلاق الأمة تطليقتان، وعدتها حيضتان)) - من طريق الآحاد، فصار في حيِّز التواتر، لأنَّ ما تلقاه الناس من أخبار الأحاد بالقبول، فهو عندنا في معنى المتواتر، لما بيّناه في مواضع، اهـ. فهذه المواضع من كلام أهل العلم تدل على أن الحديث، وإن كان ضعيف السند، فإنَّ عَمَلَ العلماءِ به، أو احتجاجهم به فيما بينهم دون نكير من بعضهم، أو نحو ذلك، يجبر الضعف، بل لو صح أن علماء الأمة تلقوه بالقبول، لكان في معنى المتواتر في إفادة العلم، أعني العلم النظري، لأنَّ الأمة لا تجتمع على خطأ، لكن ينبغي التيقظ، فإن بعض أهل العلم يدعي الإجماع، أو تلقى الأمة بالقبول، في مواضع شاع فيها النزاع، والله أعلم . (تنبيه) : ولأبي غدّة جمع موسع في ذلك، انظره في نهاية ((الأجوبة الفاضلة)) (ص: ٢٢٨ - ٢٣٨) وبه ينتهي الكتاب. ٢٥٠ س ٢٢٩: كيف يعرف أهل العلم أن رواية فلان عن شيخه المختلط أو الذي تغير: مستقيمة أو غير مستقيمة؟ ج ٢٢٩: سبق بعض ذلك في السؤال رقم [١٠] وهذا مقام تفصيل ذلك، فأقول : الراوي الثقة إذا اختلط فلا تطمئن النفس إلى قبول حديثه بعد الاختلاط، لأننا لو قبلنا حديثه في هذا الحال، فقد قبلناه مع الشك في ضبطه لحديثه، ويشترط في الحديث الذي يعمل به ضبط راويه. وهناك عدة طرق يعرف بها أهل العلم استقامة حديث التلميذ عن شيخه الموصوف بالاختلاط أو التغير فمن ذلك: ١- تصريح أهل العلم السابقين بذلك، كأن يقول أحدهم: فلان المختلط روى عنه فلان وفلان وفلان قبل اختلاطه، وروى عنه فلان وفلان وفلان بعد اختلاطه، وهذه الطريقة هي أكثر ما يُعرف به حال رواية التلاميذ عن مشايخهم المختلطين، وقد ألّفت في ذلك كتب ورسائل، وبنحو ذلك تصريح التلميذ نفسه بذلك. ٢- وأيضاً يُعرف ذلكِ بالنظر في تاريخ اختلاط الشيخ، وتاريخ وفاة التلميذ، فإذا كان التلميذ قد مات قبل اختلاط شيخه، فهذا يدل على أنّ أخذه عن شيخه كان في زمن استقامته، لكن قد يقع اختلاف بين العلماء في تحديد سنة اختلاط الشيخ، فالأحوط في ذلك أن نأخذ بقول من ادعى تقدم الاختلاط، مثال ذلك سعيد بن أبي عروبة: فقد اختلف في سنة اختلاطه على أقوال كثيرة، منها أنَّه اختلط سنة (١٤٣) وقيل: (١٤٥) وقيل (١٤٨) وهناك أقوال أُخرى، فإذا وجدنا في تلامذته من مات قبل سنة (١٤٣) فروايته عنه مستقيمة، فإن قيل: لماذا نبني على الأقل ولا نبني على الأكثر؟ فالجواب من وجوه: أ - أن هذا هو الأحوط للرواية، لأنَّ الأصل في صحة الرواية السلامة من العلة، فإذا عملنا بقول الأكثر، فقد عملنا بالرواية مع الشك. ٢٥١ ب - أن المثبت مقدم على النافي، فمن أثبت الاختلاط سنة (١٤٣) مقدم على من ادعى السلامة حتى سنة (١٤٥) أو (١٤٨). ج - أن المختلطين في الغالب يبدأ اختلاطهم خفيفاً، ثم يفحش بعد ذلك نسأل الله العافية (فيحتمل أن من نفى الاختلاط سنة (١٤٣) إنَّما نفاه أو لم يعرفه لعدم ظهوره وفحشه بخلاف من أثبته، وهذا الوجه بيان للوجه السابق فإن قيل: فإن اختلفوا في سنة وفاة التلميذ، فهل نبني على الأقل - كما سبق في اختلاط الشيخ - أم نبني على الأكثر؟ الجواب: بل نبني على الأكثر خلافاً لما سبق، فإن هذا هو اللائق بالاحتياط في الرواية، فلو فرضنا أن أحد تلامذة سعيد بن أبي عروبة - مثلاً - قيل: أنَّه مات سنة (١٤٢) وقيل: (١٤٤) ولم يترجح لنا أي القولين لنبني عليه، اعتبرنا هذا التلميذ مات سنة (١٤٤) وبهذا يكون - من باب الاحتياط - قد أدرك سعيداً حال اختلاطه، فنقف في روايته. ومن هذا الباب ما إذا علمنا أن الراوي رحل إلى بلد الشيخ قبل اختلاطه، ولم يلقه بعد ذلك، أو أن التلميذ ما رحل للشيخ إلا بعد اختلاطه، فيدل على أن روايته عنه غير مستقيمة. ٣- إذا كان الراوي الموصوف بالاختلاط أو التغير قد حدث من كتابه الصحيح فإن علة اختلاطه لا تضر هنا، لأنَّ علة الاختلاط أو التغير أو سوء الحفظ تتصل بضبط الصدر لا بضبط الكتاب، وقد جاء في ((فتح المغيث)) (٣٨٢/٤) في نوع معرفة من اختلط من الثقات، قال الأثرم عن أحمد: من سمع منه - يعني عبدالرزاق - بعد ما عمي فليس بشيء، وما كان في كتبه فهو صحيح، وما ليس في كتبه فإنَّ كان يُلقن فيتلقن. وقال الحاكم: قلت للدارقطني: أيدخل في الصحيح؟ قال: إي والله قال العراقي: وكأنهم لم يبالوا بتغيّر عبدالرزاق لكونه إنَّما حدثه من كتبه لا من حفظه .... ، اهـ. وانظر ما قاله الحافظ الذهبي في ((الموقظة)) (ص٥٤) في قبول إجازة من تغير حفظه، إذا كانت أصوله مضبوطة . ٤- ومن ذلك ما إذا اختلط الراوي لكن تلميذه الذي أخذ منه قبل ٢٥٢ الاختلاط تنبه لذلك فلم يأخذ عنه بعد الاختلاط، وهذا قريب من الحالة الأولى. ٥- ومن ذلك، إذا اختلط الراوي فمنعه أهله من التحديث بعد اختلاطه، أو منعوا الناس من الدخول عليه، أو الأخذ عنه بعد اختلاطه، كما جرى لعبدالوهاب بن عبدالمجيد الثقفي، فقد قال الذهبي في ((الميزان)) (٦٨١/٢): قلت: لكن ما ضرَّ تغيُّره حديثَه، فإنه ما حدث بحديث في زمن التغير ... وقال أبو داود: تغير جرير بن حازم وعبدالوهاب الثقفي، فحجب الناس عنهم، أهـ. لكن في ((فتح المغيث)) (٣٨١/٤) أن الفلاس أخذ عنه وهو مختلط، ثم قال: ولعل هذا كان قبل حجبه، اهـ. وفي ((الميزان)) (٣٩/١) ترجمة إبراهيم بن العباس: قال محمد بن سعد: إبراهيم بن العباس اختلط في آخر عمره، فحجبه أهله حتى مات. قال الذهبي: قلت: فما ضره الاختلاط، وعامّة من يموت يختلط قبل موته، وإنما المضعّف للشيخ أن يروى شيئاً زمن اختلاطه، اهـ. ٦- ومن ذلك أن يروى عن المختلط جماعة رووا عنه الحديث على نسق واحد، وإن كانوا جميعاً ممن روى عنه بعد الاختلاط، وقد ذكر الحافظ في ((هدي الساري)) (ص: ٤٠٦) الفصل التاسع، ترجمة سعيد بن أبي عروبة، ذكر أنَّه اختلط، ثم قال: وأما ما أخرجه البخاري من حديثه عن قتادة، فأكثره من رواية من سمع منه قبل الاختلاط وأخرج عمن سمع منه بعد الاختلاط قليلًا كمحمد بن عبدالله الأنصاري وروح بن عبادة وابن أبي عدي، فإذا أخرج من حديث هؤلاء، انتقى منه ما توافقوا عليه .... ، اهـ. وذلك لأ الرواة إذا اتفقوا في رواية لهم عن شيخ بعينه دل ذلك على أن الشيخ حفظ تلك الرواية، ولو كان مخلطاً مضطرباً لحدث كلا منهم بوجه خلاف الوجه الذي حدث به الآخر، وبنحو ذلك قال الإمام المعلمي - رحمه الله - في ((التنكيل)) (ص: ٧٨٧) في القسم الثالث في المسألة الثانية، رفع اليدين، قال رحمه الله: ٢٥٣ وقد دل كلام الإمام أحمد أن التلقين إنَّما أوقعه - يعني عبدالرحمن بن أبي الزناد - في الاضطراب، فعلى هذا إذا جاء الحديث من غير وجه عنه على وتيرة واحدة، دل ذلك على أنه من صحيح حديثه ... ، اهـ. ٧- ومن ذلك ما إذا روى عن المختلط من هو أكبر منه أو قرينه، فالراجح في مثل ذلك أنَّه أخذ عنه حال استقامته، وقد قال الحافظ ابن حجر في ((نتائج الأفكار)) (٨٧/١) المجلس (١٦) :.. إلّا أن عطاء بن السائب اختلط، ورواية الأعمش عنه قديمة، فإنه من أقرانه، اهـ. وفي (٢٦٨/٢) المجلس (١٧٩) ساق حديثاً بسنده إلى حماد بن زيد، قال: كان أيوب حدثنا بهذا الحديث عن عطاء بن السائب، فذكره بطوله، قال: فلما قدم عطاء بن السائب البصرة، قال لنا أيوب: اذهبوا فاسمعوه من عطاء. قال الحافظ: قلت: فدل هذا على أن عطاء حدث به قديماً، بحيث حدث به عنه أيوب في حياته، وهو من أقرانه أو أكبر منه، لكن في كون هذا حُكم من أيوب بصحة هذا الحديث نظر، لأنَّ الظاهر أنَّه قصد لهم على علو الإسناد، اهـ أي أرشدهم إلى الأخذ عن عطاء عالياً. ٨- ومن ذلك ما إذا انتقى التلميذ من حديث شيخه بعد اختلاطه. جاء في ((تهذيب الكمال)) (١٠/١١) ترجمة سعيد بن أبي عروبة: قال أبو داود: سمعت صالحاً الخندقي، قال: سمعت وكيعاً قال: كنا ندخل على سعيد بن أبي عروبة، فنسمع، فما كان من صحيح حديثه أخذناه، وما لم يكن صحيحاً طرحناه، اهـ. وقد قال ابن الصلاح في ((مقدمته)): وقد رُوِّينا عن يحيى بن معين أنَّه قال لوكيع: تحدث عن سعيد بن أبي عروبة، وإنما سمعت منه في الاختلاط؟ فقال: رأيتني حدثْتُ عنه إلّ بحديث مُستوٍ؟، اهـ. ٩- وقد يكون التلميذ نفسه مختلطاً أو متغيراً لكنه من المثبتين في حديث أحد المشايخ، فتقبل روايته - مع تغيره أو اختلاطه - عن ذلك الشيخ، قال السخاوي في ((فتح المغيث)) (٣٩٣/٤) في آخر الكلام على ٢٥٤ ٠ معرفة من اختلط من الثقات: وقد يتغير الحافظ لكبره، ويكون مقبولاً في بعض شيوخه، لكثرة ملازمته له، وطول صحبته إياه، بحيث يصير حديثه على ذِكْره وحِفْظه بعد الاختلاط والتغير، كما كان قبله، كحماد بن سلمة أحد أئمة المسلمين في ثابت البناني، ولذا خرج له مسلم، كما قدمته في مراتب الصحيح، على أن البيهقي قال: إن مسلماً اجتهد وأخرج من حديثه عن ثابت بخصوصه ما سمع منه قبل تغيره، فالله أعلم، اهـ. وقال الحافظ الذهبي في ((الموقظة)) (ص٥٤): فمن تغير بسوء حفظ، وله أحاديث معدودة قد أتقن روايتها، فلا بأس بتحديثه بها زمن تغيره اهـ. وذكر صاحب الحاشية أن البيهقي ذكر ما سبق في ((الخلافيات)) والراجح عندي ما قال السخاوي، ما لم تظهر نكارة في الرواية، والله أعلم. ١٠- وذكر التهانوي - رحمه الله - في ((قواعد في علوم الحديث)) (ص: ٢٨٠) أن إخراج البخاري ومسلم لراو اختلط أن ذلك من روايته قبل الاختلاط، وليس ما قاله بلازم، والله أعلم. ١١- إذا وافقت رواية التلميذ عن شيخه المختلط رواية من روى عنه قبل الاختلاط، دل على أن التلميذ أخذ ذلك عنه قبل اختلاطه، أو أن ذلك مما ضبطه الشيخ، وإن كان قد حدث به بعد اختلاطه. س ٢٣٠: إذا قال الحافظ ابن حجر في ((التقريب)) في أحد الرواة: (صدوق بهم)) أو ((صدوق يخطىء)) فهل نحتج بروايته، أم نتوقف فيها، حتى نرى لها متابعاً؟ ج ٢٣٠: معلوم أن الحافظ رحمه الله يُلخّص في ((تقريبه)) أقوال أئمة الجرح والتعديل التي يذكرها في كتابه: ((تهذيب التهذيب)). والأصل في أحكام الحافظ في ((التقريب)) أنَّه متبع لاصطلاح أهل العلم في وضع كل لفظة في مرتبتها التي تليق بها. وقد نظرت في أقوال الحافظ وصنيعه، فرأيت أن قوله: ((صدوق يهم أو يخطىء))، وما في معنى ذلك، يكون في الرواة الذين لا يُحتج بهم بمفردهم. ٢٥٥ فإذا سلمنا للحافظ حكمه على الراوي، فالراوي ممن لا يحتج به، لكن إذا نازعنا الحافظ في حكمه على الراوي، وظهر لنا أنَّه قد تسامح مع الراوي، أو أنَّه قد بخس الراوي حقه، فهذا أمر آخر. ومن الأدلة على ما قررته هنا ما يلي: أولًا: أن الحافظ - رحمه الله - قسم مراتب الرواة إلى اثنتي عشرة مرتبة: أولها الصحابة - رضي الله عنهم -. والثانية: من أُكّد مدحه بأفعل: كأوثق الناس أو بتكرير الصفة لفظاً: كثقة ثقة، أو معنى: كثقة حافظ، وهؤلاء هم أهل الدرجة العليا في الحديث الصحيح . الثالثة: من أفرد بصفة كثقة ... وهؤلاء هم أهل الدرجة الدنيا في الحديث الصحيح. الرابعة: من قصر عن درجة الثالثة قليلًا، وإليه الإشارة بصدوق، أو لا بأس به ... وهؤلاء هم أهل الحديث الحسن. الخامسة: من قصر عن الرابعة قليلًا، وإليه الإشارة بصدوق سيء الحفظ، أو صدوق يهم، أو له أوهام، أو يخطىء، أو تغير بآخره، قال: ويلتحق بذلك من رمي بنوع من البدعة، كالتشيع والقدر والنصب والإرجاء والتجهم، مع بيان الداعية من غيره، ثم ذكر السادسة وما بعدها حتى نهاية المراتب . فتأمل تقسيمه لمرتبة الصحيح إلى مرتبتين، وهما الثانية والثالثة، ولم يقل في الثالثة: ((من قصر عن الثانية قليلًا))، كما قال في الرابعة: ((من قصر عن الثالثة قليلًا)) ولا يقصر عن درجة الصحيح إلّ الحسن لذاته، والحافظ رحمه الله ممن يقول بالحسن لذاته والحسن لغيره، وبعد ما ذكر مرتبة الحسن لذاته، وهي الرابعة، قال: الخامسة: من قصر عن الرابعة قليلًا، ولا يقصر الراوي عن مرتبة الحسن لذاته، ومع ذلك يبقى حديثه من قسم الحسن لذاته محتجاً به . ٢٥٦ فتأمل قوله: ((من قصر عن ... )) في المرتبة الرابعة والخامسة، تعلم صحة ما قررته. ثانياً: وتأمل - أيضاً - جميع الألفاظ التي عدها الحافظ ابن حجر في المرتبة الخامسة، وهي: ((صدوق سيء الحفظ، أو صدوق يهم، أو له أوهام، أو يخطىء، أو تغير بآخره)) فأقول لمن يحتج بمن قال فيه الحافظ : ((صدوق يهم أو يخطىء)): الحافظ جعل جميع الألفاظ السابقة، ألفاظَ المرتبة الخامسة، فهل أنت تحتج بمن قال فيه الحافظ: ((صدوق سيء الحفظ أو تغير بأخرة))؟ كما تحتج بمن قال فيه: ((صدوق يهم))؟ فإن قال: نعم، خالف السابق واللاحق، وإن قال: لا، قلت: بأي شيء فرقت بين ألفاظ المرتبة الواحدة؟ فجعلت بعضها لا يُحتج بأهلها، والبعض الآخر يحتج به؟ فصنيعك هذا معناه: أن الحافظ قد جمع بين ألفاظ الاحتجاج وألفاظ الشواهد في مرتبة واحدة، وأن هذه المرتبة تقسم مرتبتين، وهذا كله تعقب على الحافظ في صنيعه، ومع ذلك فأنت تدعى أنّ قولك موافق لقصد الحافظ وصنيعه !! . ثالثاً: قد صرح الحافظ بأن أهل المرتبة الخامسة في ((التقريب)) من أهل الشواهد لا الاحتجاج عند البخاري رحمه الله، فقال في ((هدي الساري)) (ص: ٣٨٤) الفصل التاسع: في سياق أسماء من طُعِنَ فيه من رجال هذا الكتاب ... فقال: وأما الغلط: فتارة يكثر من الراوي، وتارة يقل، فحيث يُوصف بكونه كثير الغلط، يُنظر فيما أخرج - يعني: البخاري - له، إن وُجد مروياً عنده أو عند غيره من رواية غير هذا الموصوف بالغلط، عُلِم أن المُعْتَمَد أصلُ الحديث، لا خصوص هذه الطريق، وإن لم يوجد إلّا من طريقه، فهذا قادح يوجب التوقف عن الحكم بصحة ما هذا سبيله، وليس في ((الصحيح)) بحمد الله من ذلك شيء، وحيث يُوصف بقلة الغلط، كما يقال: ((سيء الحفظ))، أو ((له أوهام))، أو ((له مناكير))، وغير ذلك من العبارات، فالحكم فيه كالحكم في الذي قبله، إلّا أن الرواية عن هؤلاء في المتابعات أكثر منها عند المصنف من الرواية عن أولئك ... ، اهـ. ٢٥٧ فتأمل حكمه على من كان كثير الغلط، وأنَّه لا يُحتج بما تفرد به، ثم تأمل قوله في قليلي الغلط - وهم المقصودون عنهم في هذا السؤال - حيث قال: ((فالحكم فيه كالحكم في الذي قبله)) أي أنَّه لا يُحتج بما تفردوا به، لا عند البخاري، ولا عند الحافظ نفسه، والله أعلم. رابعاً: وفي ((هدي الساري)) (ص: ٣٩١) الفصل التاسع، ترجمة إسماعيل بن عبدالله بن عبدالله بن أويس، قال الحافظ: قلت: وروينا في مناقب البخاري بسند صحيح أن إسماعيل أخرج له أصوله، وأذن له أن ينتقي منها، وأن يُعلِّم له على ما يحدث به، ليحدث به، ويعرض عما سواه، وهو مشعر بأن ما أخرجه البخاري عنه هو من صحيح حديثه، لأنه كتب من أصوله، وعلى هذا لا يحتج بشيء من حديثه غير ما في ((الصحيح))، من أجل ما قدح فيه النسائي وغيره، إلّا إن شاركه فيه غيره، فيعتبر فيه، اهـ. ومع تصريح الحافظ بعدم الاعتماد على رواية إسماعيل خارج ((الصحيح))، فقد ترجمه في ((التقريب)) بقوله: ((صدوق أخطأ في أحاديث من حفظه)) ... ، اهـ. ومعلوم أن قولهم: ((صدوق يخطىء)) أكثر ضعفاً من قولهم: ((صدوق أخطأ في أحاديث)) لما هو معلوم من أن صيغة المضارعة تقتضي التكثير، ومع ذلك فلم يحتج بمن قال فيه اللفظَ الأدنى، فكيف بمن قال فيه اللفظ الأعلى في الجرح؟ !. خامساً: وفي ((التقريب)) ترجمة هشام بن سعد المدني أبي عباد، قال الحافظ: ((صدوق له أوهام))، ومع ذلك فقد ذكره في ((الفتح)) (٢٤١/١) ك/الوضوء ب/غسل الوجه باليدين تحت الحديث رقم (١٤٠) فقال: وهشام بن سعد لا يحتج بما تفرد به، فكيف إذا خالف، اهـ. سادساً: سبق أن الحافظ تابع للعلماء في اصطلاحهم، وقد أكثر الساجي من قوله: ((صدوق يهم))، فيمن لا يحتج به، مثال ذلك قوله في صالح بن أبي الأخضر، كما في (تهذيب التهذيب)) (٣٨١/٤) ترجمة صالح. ٢٥٨ وكذلك فقد قال الإمام أحمد في عمرو بن شعيب: له أشياء مناكير، إنَّما نكتب حديثه نعتبر به، فأما أن يكون حجة فلا، اهـ من ((النبلاء)) (٥/ ١٦٦ - ١٦٧) و((تهذيب التهذيب)) (١٤٩/٨) ترجمة عمرو .. سابعاً: سأذكر عدة تراجم حكم عليها الحافظ بقوله: ((صدوق يهم)) أو (صدوق يخطىء)) أو ((صدوق له أوهام)) أو ((صدوق له مناكير أو أغلاط)) ونحو ذلك، وأريد من المخالف أن يرجع إليها في ((تهذيب التهذيب))، فسينظر أن أقوال الأئمة فيها واضحة بالجرح، وأنه لا يُحتج بأهل هذه التراجم، لظهور الجرح في حفظ أهلها، مع أنني لم أقصد استيعاب هذا الصنف. وهذه أسماؤهم: ١ - إبراهيم بن عيينة بن أبي عمران الهلالي. إبراهيم بن يوسف بن إسحاق بن أبي إسحاق السبيعي. ٢ - أسامة بن زيد الليثي. ٣ - ٤ - إسماعيل بن عبدالله بن عبدالله بن أويس - مع ما سبق من تصريح الحافظ نفسه -. إسماعيل بن محمد بن جُحادة. ٥ ۔ أشعث بن عبدالرحمن بن زبيد اليامي. ٦ - ٧ - أشهل بن حاتم الجمحي. ٩ - بكار بن عبدالعزيز بن أبي بكرة الثقفي. ٨ - أيوب بن سويد الرملي. ١٠ - بكر بن خنيس الكوفي العابد. ١١ - الجراح بن مليح الرؤاسي والد وكيع. ١٢ - جعفر بن بُرقان في حديثه عن الزهري. ١٣ - جعفر بن ميمون الأنماطي. ٢٥٩ ١٤ - جُمْيْع بن عمير التميمي الكوفي. ١٥ - جُنادة بن سلم بن خالد السوائي. ١٦ - الحارث بن عبيد أبو قدامة الإيادي. ١٧ - الحارث بن منصور أبو منصور الواسطي. ١٨ - حبة بن جُوين بن علي العُرني البجلي. ١٩ - حبيب بن أبي حبيب يزيد الجرمي. ٢٠ - حُديج بن معاوية بن حُديج أخو زهير. ٢١ - الحسن بن ذكوان أبو سلمة البصري. ٢٢ - الحسين بن الحسن الأشقر الفزاري. ٢٣ - الحكم بن عطية العيشي. ٢٤ - حنش بن المعتمر، ويقال ابن ربيعة الكناني. ٢٥ - رباح بن أبي معروف بن أبي سارة المكي. ٢٦ - ربيعة بن سيف بن ماتع المعافري. ٢٧ - زكريا بن يحيى بن عمر بن حصن الطائي، قال فيه: صدوق له أوهام، ليّنه بسببها الدارقطني. ٢٨ - زياد بن الحسن بن الفرات القزاز. ٢٩ - زيد بن الحباب في حديثه عن الثوري. ٣٠ - سعيد بن داود بن سعيد بن أبي زنبر الزنبري. ٣١ - سعيد بن سفيان الجحدري. ٣٢ - سهل بن تمام بن بزيع الطّفاوي السعدي. ٣٣ - سويد بن إبراهيم الجحدري الحناط، قال فيه: صدوق سيء الحفظ له أغلاط، اهـ. ٢٦٠