النص المفهرس
صفحات 221-240
قال - أي: السائل -: فلِمَ فرَّقت بين التابعين المتقدمين الذين شاهدوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وبين من شاهد بعضهم دون بعض؟ فقلت: لِيُعْدِ إحالة من لم يشاهد أكثرهم. قال: فلِمَ لا تَقْبَل المرسَل منهم، ومِنْ كل فقيه دونهم؟ قلت: لما وصفتُ ... ثم قال الشافعي: وابن شهاب عندنا إمام في الحديث والتخيير وثقة الرجال، إنما يُسميِّ بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ثم خيار التابعين، ولا نعلم محدثاً يُسمِّى أفضلَ ولا أشهر ممن يحدِّث عنه ابنُ شهاب. قال - أي: السائل -: فأنى تُراه أُتي في قبوله عن سليمان بن أرقم؟ قال الشافعي: رآه رجلاً من أهل المروءة والعقل، فقبل عنه، وأحسن الظن به، فسكت عن اسمه، إمَّا لأنَّه أصغر منه، وإما لغير ذلك، وسأله معمر عن حدیثه، فأسنده له. قال الشافعي: فلما أمكن في ابن شهاب أن يكون يروي عن سليمان - مع ما وصفتُ به ابن شهاب - لم يُؤْمَن مثل هذا على غيره ... اهـ، من ((الرسالة)) (ص: ٤٦١ - ٤٧٠) من رقم: (١٢٦٢ - ١٣٠٥). قال ابن رجب - رحمه الله تعالى - بعد ذكره لكلام الشافعي - رحمه الله -: وهو كلام حسن جداً، ومضمونه أنَّ الحديث المرسل يكون صحيحاً، ويُقبل بشروط، منها: في نفس المرسِل: وهي ثلاثة: أحدها: أن لا يُعرف له رواية عن غير مقبول الرواية، من مجهول، أو مجروح. ثانيها: أن لا يكون ممن يخالف الحفاظ إذا أسند الحديث فيما ٢٢١ أسندوه، فإن كان مِمّن يخالف الحفاظ عند الإسناد لم يُقبل مرسله. ثالثها: أن يكون من كبار التابعين، فإنَّهم لا يروون غالباً إلَّا عن صحابي، أو تابعي كبير، وأمّا غيرهم من صغار التابعين ومن بعدهم؛ فيتوسعون في الرواية عمّن لا تقبل روايته، ـ وأيضاً - فكبار التابعين كانت الأحاديث في وقتهم الغالب عليها الصحة، وأما من بعدهم فانتشرت في أيامهم الأحاديث المستحيلة، وهي الباطلة الموضوعة، وكثر الكذب - حينئذ -. قال: فهذه شرائط من يُقبل مرسَلُه. وأمّا الخبر الذي يرسله: فيشترط لصحة مخرجه وقبوله أن يعضده ما يدل على صحته، وأن له أصلًا. والعاضد له أشیاء : أحدها : - وهو أقواها - أن يسنده الحفاظ المأمونون من وجه آخر عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ بمعنى ذلك المرسَل، فيكون دليلًا على صحة المرسَل، وأن الذي أرسل عنه كان ثقة. والثاني: أن يوجد مرسَل آخر موافق له عن عالم يروي عن غير من يروي عنه المرسِل الأول، فيكون ذلك دليلاً على تعدد مخرجه، وأنَّ له أصلًا؛ بخلاف ما إذا كان المرسِل الثاني لا يروى إلَّا عمّن يروي عنه الأوّل، فإن الظاهر أنَّ مخرجهما واحد، لا تعدد فيه، وهذا الثاني أضعف من الأول. والثالث: أن لا يوجد شيء مرفوع يوافقه لا مسند ولا مرسَل، لكن يوجد ما يوافقه من كلام بعض الصحابة، فيُستدل به على أن للمرسَل أصلًا صحيحاً أيضاً، لأن الظاهر أن الصحابي إنما أخذ قوله عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. والرابع: أن لا يوجد للمرسَل ما يوافقه، لا مسند ولا مرسل، ولا قول صحابي، لكنه يوجد عامة أهل العلم على القول به، فإنه يدل على أن ٢٢٢ له أصلًا، وأنهم مستندون في قولهم إلى ذلك الأصل (قال ابن رجب - رحمه الله -: فإذا وجدت هذه الشرائط، دلت على صحة المرسل، وأن له أصلا، وقُبِلَ واحتُجَّ به، ومع هذا فهو دون المتصل في الحجة ... ثم ذكر ما ذكره الشافعي - رحمه الله - من احتمالات ضعف هذه الشواهد، ثم قال: لكن هذا في حق كبار التابعين بعيد جداً، اهـ. من ((شرح علل الترمذي)» (١/ ٥٤٥- ٥٥٠). فقد ذكر ابن رجب - رحمه الله - كلام الشافعي مستحسناً له جداً، وكذا ذكره غير واحد. ولم يتعرضوا لمناقشة بعض المواضع من كلامه - رحمه الله -، وقد تكلم في كثير من هذه المواضع الحافظ العلائي - رحمه الله -، في ((جامع التحصيل))، أو سأضمن كلامه في موضعه من مناقشتي لكلام الشافعي - رحمة الله عليه، - إن شاء الله تعالى -. فأقول : قد بيَّن الإمام الشافعي - رحمه الله - المواضع التي يُقبل فيها المرسَل - على ما في المرسَل من عدم العلم بحال من سقط من السند - وذكر رحمه الله شروط ذلك، وفيما ذكره مواضع تستحق البحث، فمن ذلك : (أ) اشتراطه في المرسِل أن يكون إذا سمى من روى عنه، لم يسم مجهولًا ولا مرغوباً عن الرواية عنه، فهذا الشرط لو تأكدنا من تحققه؛ لقبلنا المرسَل ممن هذا وصفه دون توقف لشاهد، والمقام مقام اعتبار المرسَل إذا كان له شاهد، لا أنه يحتج بالمرسَل بمفرده. وقد لاحظ هذا المعنى العلائي - رحمه الله -، فقال في ((جامع التحصيل)) (ص: ٤٢ - ٤٣) بعد ذكره شرط الشافعي - رحمه الله -: وقد قال أبو عمر بن عبدالبر وأبو الوليد الباجي: لا خلاف أنَّه لا يجوز العمل بالمرسل، إذا كان مرسِلُه غير متحرز يرسل عن غير الثقات. قال العلائي: وهذا الشرط وحده كاف في اعتبار المرسَل وقبوله، كما تقدم في احتجاج الشافعي بمراسيل سعيد بن المسيب. يعني أن الشافعي عرف ثقة الواسطة ٢٢٣ بينه وبين النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم اهـ ومما يؤكد أن الشافعي - رحمه الله - أراد ثقة الرجال بين المرسل والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أنَّه لم يقبل مرسل الزهري لمجرد أنَّه روى عن سليمان بن أرقم في حديث واحد، مع أنَّه وصفه بقوله: ولا نعلم محدثاً يسمى أفضل ولا أشهر ممن يحدث عنه ابن شهاب، اهـ من الرسالة (ص: ٤٦٩) ومع ذلك فقد قال: وإرسال الزهري عندنا ليس بشيء، وذلك أنا نجده يروي عن سليمان بن أرقم، اهـ من ((جامع التحصيل)) (ص: ٤٣) فلو كان الشافعي - رحمه الله - يريد أن يكون مشايخ المرسل في الغالب ثقات - لا جميعهم - لقبل مرسل الزهري، فإذا كان الشافعي يريد ثقة جميع رجال المرسِل بينه وبين النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فهذا الشرط وحده كافٍ في الاحتجاج بالمرسل بدون شواهد. ومما يدل على أن الراوي إذا كان شيوخه ثقات؛ فلا يضر إرساله، ما ذكروا في إرسال النخعي عن ابن مسعود، وكذا راوية أبي عبيدة عن أبيه ابن مسعود، وكذلك ما قاله العلائي في ((جامع التحصيل)) (ص: ١٦٨) في رواية حميد عن أنس التي ثبته فيها ثابت. وكذلك فقد ذكر ابن القيم هذا الشرط لمن يُعْتدّ بمرسله، فقال في (زاد المعاد)) (٣٧٩/١) في فصل في تعظيم يوم الجمعة وتشريفه: وحديث أبي قتادة هذا، قال أبو داود: هو مرسل، لأنَّ أبا الخليل لم يسمع من أبي قتادة، والمرسل إذا اتصل به عمل، وعضده قياس، أو قول صحابي، أو كان مرسلُه معروفاً باختيار الشيوخ، ورغبته عن الرواية عن الضعفاء والمتروكين، ونحو ذلك مما يقتضي قوته، عُمِل به، اهـ. والله أعلم. (ب) اشتراط الشافعي أن يكون المرسِل إذا، شرك أحداً من الحفاظ في حديث لم يخالفه، فإن خالفه (ووُجد) حديثه أنقص؛ قال: كانت في هذه دلائل على صحة مخرج حديثه، اهـ. فهذا الشرط هو شرط الثقات عموماً، فلا يحكم على راوٍ بأنه ثقة إلّا إذا كان ممن يوافق الثقات، وغلب ذلك على حديثه، وإذا خالفهم بالنقص ٢٢٤ فهو دليل على تحريه، بخلاف ما إذا خالفهم بالزيادة، ولا خصوصية للمرسِل بهذا الشرط . وقد قال العلائي - رحمه الله - كما في (ص: ٤٤): وهذا المعنى لا ينفرد به قبول المرسل، بل هذا الاعتبار جارٍ في كل راوٍ، سواء روى مرسلًا أو مسنداً، بخلاف الأمور المتقدمة، فإنَّها معتبرة في المرسل تقويةً له حتى يفيد الظن، إذا انضم إليه شيء مما تقدم، وإنما ذكر الشافعي هذا الشرط هنا، وهو جارٍ في كل راوٍ، كما صرح به في موضع آخر في الراوي مطلقاً، بقوله: إذا شرك أهل الحفظ في حديثهم وافقهم، لئلا يُظن أن الأمور المتقدمة وحدها كافية في قبول المرسل، إذا انضم بعضها إليه، فبيّن الشافعي - رحمه الله - أنَّه لا بد مع ذلك من هذا الشرط في الراوي له، كما هو شرط في راوي المسند، اهـ. فتحصل من ذلك أن الشافعي - رحمه الله - أراد أن يقول: أن يكون التابعي المرسِل ثقةً. وإذا كان ذلك كذلك، فهو داخل في شرط كبار التابعين، وفي شرط من لا يروى إلّا عن ثقة، لأنه إذا كان كذلك فكيف يكون ضعيفاً؟ فما فائدة التنصيص إذاً على هذا الشرط؟ وإن كان المقصود أنَّه يُستدل بكثرة موافقته، وكون مخالفته بالنقص؛ على صحة حديثه لذاته، كما يشير إلى ذلك قوله: ((كانت في هذه دلائل على صحة مخرج حديثه)) إذا كان هذا هو المراد من كلام الشافعي رحمه الله، فيرد عليه ما ورد في المسألة (أ) وهو أن المقام مقام تقوية المرسَل بالشواهد، لا مقام الاحتجاج به. (ج) وقول الشافعي - رحمه الله -: ويعتبر عليه بأن يُنظر: هل يوافقه مُرسِلٌ غيرُه ممن قُبِل العلم عنه من رجاله الذين قُبل عنهم اهـ من ((الرسالة)) ص (٤٦٢) هذا القول مما يُشكل فهمه وتطبيقه عملياً: فظاهر كلام الشافعي رحمه الله أنَّه يشترط أن يكون كل من التابعيَّيْن له ٢٢٥ شيوخ غير شيوخ الآخر، وهذا الذي صرح به جماعة من العلماء الذين شرحوا كلام الشافعي رحمه الله. ووجه الإشكال هنا من جهات: الأولى: هل يتصور تابعي ـ وكبير على قول الشافعي رحمه الله - لم يشارك نظيره في أي شيخ من شيوخه؟ هذا ما استبعده جداً، فإن المعلوم من حال الطلاب الجادين في الطلب، لا سيما كبار التابعين، أنهم يتتبعون ثقات المشايخ حيثما كانوا، فلا بد من اجتماع الطالبين ولو في شيخ واحد، وإن اتفقا - ولو في شيخ واحد - انخرم ما قال الشافعي رحمه الله -. الثانية: لو سلمنا بوجود تابعي كبير لم يشترك مع نظيره في شيخ من المشايخ، فما الفائدة من ذلك؟ فإن قيل: الفائدة من ذلك تعدد المخارج، الذي يورث في النفس ظناً قوياً بصحّة المرسَل، فالجواب: أن هذا الظن حاصل إذا اشتركا في جميع الشيوخ، وكان الشيوخ ثقات، ليس فيهم ضعيف، لأنَّ الحديث في هذه الحالة يكون حيثما دار دار على ثقة، فشرطٌ تخلّفُه لا يضر لا يُسمَّى شرطاً، وإذا كان الشافعي رحمه الله، قد اشترط في المرسل أن لا يكون إذا سمى شيخه يسمى مرغوباً عن الرواية عنه، فما حاجتنا إلى اشتراط تعدد المخرج بعد ذلك؟ الثالثة: لازم هذا الشرط ترك الاستشهاد بالمرسَل مع المرسَل بالكلية، لعدم وقوع ذلك عملياً، وهذا الشرط قد حمل شيخنا الألباني حفظه الله تعالى على القول بذلك - وإن كان هذا خلاف صنيعه في كُتبه - فقد قال حفظه الله - في ((نصب المجانيق لنسف قصة الغرانيق)) (ص: ٢٣ - ٢٤): قلت: فإذا عُرف أن الحديث المرسَل لا يُقْبل، وأنَّ السبب هو الجهل بحال المحذوف، فيرد عليه بأنَّ القول: بأنه يقوى بمرسَل آخر، غير قوي، لاحتمال أن يكون كل من أرسله إنَّما أخذه عن راوٍ واحد، وحينئذٍ ترد الاحتمالات التي ذكرها الحافظ - يعني الحافظ ابن حجر في كلامه في ((النزهة)) في أدلّة رد المرسَل ـ وكأن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى قد لاحظ ورود هذا الاحتمال وقوته، فاشترط في المرسَل الآخر أن يكون ٢٢٦ مرسِله أخذ العلم عن غير رجال التابعي الأول، كما حكاه ابن الصلاح (ص: ٣٥)، وكأن ذلك ليغلب على الظن أن المحذوف في أحد المرسَلين هو غيره في المرسَل الآخر، قال: وهذه فائدة دقيقة لم أجدها في غير كلام الشافعي رحمه الله، فاحفظها وراعها فيما يمر بك من المرسلات التي يذهب البعض إلى تقويتها لمجرد مجيئها من وجهين مرسليْن، دون أن يراعوا هذا الشرط المهم. قال: ثم رأيت شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - قد نص أيضاً على هذا الشرط، في كلام له مفيد في أصول التفسير، نقله عنه الحافظ محمد بن عبدالهادي في كتاب له مخطوط في الأحاديث الضعيفة والموضوعة (حديث ٢٢١/٤٠٥) فقال ابن تيمية رحمه الله تعالى: وأما أسباب النزول فغالبها مرسل، ليس بمسند، ولهذا قال الإمام أحمد: ثلاث علوم لا إسناد لها، وفي لفظ: ليس لها أصل: التفسير والمغازي والملاحم - يعني أن أحاديثها مرسلة ليست مسندة - والمراسيل قد تنازع الناس في قبولها وردها. وأصح الأقوال: أن منها المقبول، ومنها المردود، ومنها الموقوف، فمن عُلِمٍ من حاله أنَّه لا يرسل إلّا عن ثقة؛ قُبِل مرسله، ومن عُرِفَ أنَّه يرسل عن الثقة وغير الثقة؛ كان إرساله رواية عمَن لا يُعرف حاله، فهو موقوف، وما كان من المراسيل مخالفاً لما رواه الثقات؛ كان مردوداً، وإن جاء المرسل من وجهين كل من الراويين أخذ العلم عن غير شيوخ الآخر، فهذا يدل على صدقه، فإن مثل ذلك لا يُتَصور في العادة تماثل الخطأ فيه وتعمد الكذب. قال شيخنا الألباني - حفظه الله -: قلت: ومع أن التحقق من وجود هذا الشرط في كل مرسَل من هذا النوع ليس بالأمر الهين، فإنه لو تحققنا من وجوده، فقد يرد إشكال آخر: وهو أنَّه يحتمل أن يكون كل من الواسطتين أو أكثر ضعيفاً، وعليه يُحتمل أن يكون ضعفهم من النوع الأول الذي ينجبر بمثله الحديث على ما سبق نقله عن ابن الصلاح، ويُحتمل أن ٢٢٧ يكون من النوع الآخر الذي لا يقوي الحديث بكثرة طرقه، ومع ورود هذه الاحتمالات يسقط الاستدلال بالحديث المرسل وإن تعددت طرقه. قال: وهذا التحقيق مما لم أجد من سبقني إليه، فإن أصبت فمن الله تعالى، وله الشكر، وإن أخطأت فمن نفسي، واستغفر الله من ذنبي، وبالجملة فالمانع من الاستدلال بالحديث المرسَل الذي تعدد مرسِلوه أحدُ الاحتمالين : الأول: أن يكون مصدر المرسَلين واحداً. الثاني: أن يكونوا جمعاً، ولكنهم جميعاً ضعفاء ضعفاً شديداً .. ، اهـ. قلت: احتمال أن يكونوا ضعفاء يرده شرط الشافعي الذي تكلمت عليه في المسألة (أ)، هذا إذا سلمنا بشرط الشافعي، وإذا لم نسلّم به؛ فاحتمال ثقة الساقط في هذه الطبقة أكثر من احتمال ضعفه، لشيوع العدالة وكثرتها في ذلك العصر، وإن وُجد فيهم من يُعَكِّر هذا الصفو، لكن لقلة ذلك، مع رواية تابعي آخر لنفس الحديث، يَقْوى في النفس ثبوتُ الخبر، واحتمال ثبوته أرجح من احتمال ضعفه؛ إلّا إذا ظهرت نكارة في الحديث، أو ظهر لنا أن الحديث يدور على ضعيف، كما في حديث القهقهة، وانظره في ((جامع التحصيل)) (ص: ٤٥)، فإذا ظهر شيء من ذلك؛ فلا يُلتفت إلى المرسَل، وإن تعددت طرقه، وإلّا فلا بأس بالاحتجاج بالمرسلَيْن في هذه الحالة، والله أعلم وعلى كل حال فشرط الإمام الشافعي - رحمه الله -، إن حملناه على شيوخ التابعيَّيْن ففيه الإشكالات السابقة، وإن حملناه على اختلاف الطرق إلى التابعيَّيْن كما هو ظاهر كلام العلائي في ((جامع التحصيل)) (ص: ٤١)، فلا بأس بذلك، إلاّ أن ظاهر الكلام لا يساعد هذا الاحتمال، والله أعلم. (د) واشترط الشافعي - رحمه الله - في قبول المرسَل بشواهده: أن يكون المرسِل من كبار التابعين، وذكر العلائي رحمه الله أن اشتراط الشافعي في المرسِل أن يكون مشايخه ثقات، يفيد أنَّه لا يخص المرسَل بما سقط منه صحابي فقط، فقال - رحمه الله -: ٢٢٨ ثم إن هذا القول من الإمام الشافعي يقتضي أن المرسَل عنده ليس مختصاً بما روى التابعي عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بحيث يكون قد أسقط منه الصحابي فقط، إذ لو كان كذلك؛ لما احتاج إلى هذا الاعتبار في شيوخ المرسِل الذين يرسل عنهم، بل يطلق المرسل على كل ما سقط منه رجل أو أكثر، كما تقدم عن اختيار الخطيب، وأنّه اصطلاح جمهور الفقهاء، وحينئذٍ فيشكل على ذلك قول الشافعي في آخر كلامه: ((فأما من بعد كبار التابعين، فلا أعلم من يقبل مرسله))، وأراد بذلك رد مراسيل صغار التابعين كالزهري، ونحوه فمن بعدهم بطريق الأَوْلى. قال العلائي: ويمكن الجمع بين الكلامين، بأن الإمام الشافعي رحمه الله لم يقل برد مراسيل صغار التابعين مطلقاً بالنسبة إليه وإلى غيره، بل أشار إلى علمه وما يترتب على سبره - وفي نسخة: شهرة - أحوالهم، ومقتضى ذلك أن من سبر أحوال الراوي، وعرف منه أنَّه لا يرسل إلّا عن عدل ثقة يحتج بمرسله، لكن الإمام الشافعي لم يعرف هذه الحالة من أحد بعد كبار التابعين ... ، اهـ من ((جامع التحصيل)) (ص: ٤٣). ولما ذكر العلائي المذاهب في قبول المرسل ورده، قال : ... وعاشرها: أنَّه لا فرق في هذا الحكم بين كبار التابعين وصغارهم، فكل من اعتضد مرسله بشيء من ذلك كان مقبولاً، وهو محتمل أن يكون مراد الشافعي بقوله، كما تقدم في الجمع بين كلاميه، ويُحتمل أنَّه أراد الوجه الذي قبله - يعني التاسع وهو خاص بكبار التابعين -، اهـ (ص: ٤٩). والذي يظهر من كلام الشافعي أنَّه خص قبول المرسل بشواهده إذا كان المرسِل من كبار التابعين، لكن محاولة العلائي التخفيف من شأن هذا الشرط، تَدل على أن صنيع من بعد الشافعي لم يقف عند هذا الشرط، أو لم يأخذ بكلام الشافعي فيه، لذا احتاج العلائي إلى تأويل كلام الشافعي. ومما يدل على أن الشافعي رحمه الله قد خولف في ذلك، ما قاله اللكنوي كما في ((ظفر الأماني)) (ص: ٣٤٩) في الكلام على قبول المرسل ..... وثالثها: أن يكون من كبار التابعين، وهذا الشرط وإن كان ٢٢٩ منصوصاً في كلام الشافعي، لكن عامة أصحابه لم يأخذوا به، بل أطلقوا القول بقبول مراسيل التابعين، إذا وُجدت فيها الشروط الباقية، اهـ. ويدل على ذلك أيضاً صنيع الإمام البيهقي في ((سننه الكبرى)) مع أنَّه نص على اعتماده الكلام الذي قال به الشافعي، كما في ((دلائل النبوة)) (١/ ٣٩ - ٤٠)، إلّا أنَّه في ((السنن الكبرى)) استشهد بالمرسل مطلقاً، كما في: (١٢٩/٤) ك/صدقة الزرع، ب/الصدقة فيما يزرعه الآدميون، فقد استشهد بمراسيل غير كبار التابعين، كالحسن ومجاهد والشعبي، وفي (١٣٤/٨) ك/القسامة، ب/لا يرث القاتل، قوى مرسل ابن المسيب بمرسل الزهري وعمرو بن شعيب وعبدالرحمن بن حرملة الأسلمي، وفي مواضع كثيرة وقف في مرسل ابن المسيب، وقواه هنا في الجملة، فقال: هذه مراسيل يؤكد بعضها بعضاً، وهناك أمثلة كثيرة يستشهد فيها بالمنقطع والمبهم، وقوي بها المراسيل، ولا شك أن المرسل - وإن كان من غير كبار التابعين - أولى من سند فيه مبهم غير مسمى. وكذا صنيع الحافظ ابن حجر في كتبه، فإنه يقوي المراسيل ببعضها دون حصر ذلك في كبار التابعين، يعرف ذلك من نظر في ((التلخيص الحبير)) و ((الفتح)) و((نتائج الأفكار)) وغيرها، ومن تتبع ذلك ظفر بأمثلة كثيرة، وانظر مثالًا لذلك في نتائج الأفكار (١٥٢/٢) المجلس (١٥١) وقد أطلق شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - كما في ((مجموع الفتاوى)) (٣٤٧/١٣) قبول المراسيل إذا تعددت طرقها، فقال: والمراسيل إذا تعددت طرقها، وخلت عن المواطأة قصداً، أو الاتفاق بغير قصد، كانت صحيحة قطعاً ..... ، اهـ وكلامه هذا قد يحتمل التأويل، والله أعلم. وفي العلل للرازي (٢٧٠/١٠٠/١) اعتمد أبو زرعة مرسل سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبدالرحمن وعمر مولى غُفْرة عمن حدثه، كلهم عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وذكروا بلالًا في الحديث، بخلاف من جعله عماراً، فسئل أبو زرعة: فما الصحيح عندك بلال أو عمار؟ فقال أبو زرعة: رواه المدنيون على أنَّه بلال، وهم أعلم، وإن (كانت ٢٣٠ روايتهم مرسلة) فلولا أنهم سمعوه من أصحاب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ما كانوا يقولونه، اهـ. مع أنَّه قد يقال: لو سمعوه من الصحابة؛ لصرحوا بأسمائهم، فلما لم يصرحوا دلَّ ذلك على أن من حدثهم من التابعين، ومع هذا الاحتمال، وكون أبي سلمة تابعياً متوسطاً، وعمر مولى غفرة - على ضعفه - من الصغار، فهو من الخامسة، ومع ذلك اعتمد مرسلهم هذا، وإن كان كلام أبي زرعة قد يتطرق إليه تأويل وبحث. وقد أطلق ابن الصلاح الاعتضاد بالمرسل، ولم يفصل بين كبار التابعين وصغارهم، وتبعه في الإطلاق النووي في عامة كتبه، قاله السخاوي في ((فتح المغيث)) (١٦٩/١) وبين أن النووي تنبه لتقييد الشافعي في شرحه ((للوسيط))، وهو من أواخر تصنيفه. وفي الحاشية (٥) اعتراض على السخاوي في دعواه: أن النووي تنبه لذلك القيد في شرحه ((للوسيط)) فقط، وذكر صاحب الحاشية أن السخاوي تبع فيه العراقي، وإلّا فقد نبه النووي على هذا القيد في المجموع (١/ ١٠٣ - ١٠٤)، و((تهذيب الأسماء)) (٢٢١/١/١). وانظر المصادر المشار إليها في نهاية السؤال (٢٢٣) لعله يصفو منها شيء، وعلى كل حال: فالظاهر أن المرسل يتقوى بمثله وبغيره من المعضدات السابقة، وإن رواه صغار التابعين، ما لم تظهر نكارة في الحديث سنداً أو متناً، وما لم يظهر أن الحديث يدور على ضعيف أو من لا يحتج به، أقول هذا وفاقاً لصنيع العلماء والحفاظ المتأخرين، مع علمي بالاحتمالات التي ذكرها الشافعي - رحمه الله - لأنها احتمالات نادرة، ومعلوم أن كثيراً من الأحكام في هذا العلم مبناها على غلبة الظن، ولو أن كل احتمال عملنا بموجبه، لتعطل علينا كثير من الأحكام، والله المستعان؟ (تنبيه) : سيأتي - إن شاء الله تعالى - في الكلام على الاستشهاد بالمنقطع في السؤال الآتي (٢٢٥) أن جماعة من أهل العلم يقوون المنقطع إذا شهد له ٢٣١ أحد المعضدات السابقة، فإذا كان هذا حالهم في المنقطع، فما ظنك بمرسل من دون كبار التابعين؟ (تنبيه آخر): الظاهر صحة الاستشهاد بمرسل في سنده إلى التابعي ضعف خفيف، كوهم راوٍ أو عنعنة مدلس، بل استشهد شيخنا الألباني - حفظه الله - بما هو دون ذلك، انظر ((الصحيحة)) (٢/ ٢٢٨ - ٦٣٥)، (١٥٤٠/٥٥/٤)، والله أعلم. س ٢٢٥ : هل يُستشهد برواية المجهول والمبهم أم لا؟ ج ٢٢٥: المجهول: هو الذي لم يُجرَّح ولم يُعدَّل، وله أقسام: فمنه مجهول العين، ومنه مجهول الحال، والمستور. وتقوية كثير من العلماء لحديث مجهول الحال والمستور مشهورة، وأما مجهول العين، الذي ما روى عنه إلّا راوٍ واحدٌ ليس بشديد الجرح - على المشهور - فقد صرح الدارقطني رحمه الله بأنه يعتبر به، فقال في ((سننه)) (١٧٤/٣) عند الحديث (٢٢٦): وأهل العلم بالحديث لا يحتجون بخبر ينفرد بروايته رجل غير معروف، وإنما يثبت العلم عندهم بالخبر إذا كان (راويه) عدلًا مشهوراً، أو رجل قد ارتفع، اسم الجهالة عنه، وارتفاع اسم الجهالة عنه: أن يروي عنه رجلان فصاعداً، فإذا كان هذه صفته؛ ارتفع عنه اسم الجهالة، وصار حينئذ معروفاً، فأما من لم يرو عنه إلّا رجل واحد، وانفرد بخبر، وجب التوقف عن خبره ذلك، حتى يوافقه غيره، والله أعلم، اهـ، وقد ذكر - رحمه الله - ذلك في رجل في طبقة التابعين. وما ذكره الإمام الدارقطني - رحمه الله - من كون الراوي يكون معروفاً برواية رجلين عنه، ويرتفع عنه اسم الجهالة: فيه تفصيل، قد بيَّنه الإمام ابن رجب - رحمه الله تعالى - في ((شرح علل الترمذي)) (١/ ٨١- ٨٥)، فارجع إليه، وأما اعتماده على رواية من هذه صفته، فقد خالف فيه ٢٣٢ كثيراً من أهل العلم، فإن مجرد رواية العدلين فأكثر عن أحد الرواة؛ لا يلزم منها قبول روايته، واعتباره عدلًا - وإن عُرفت عينه -، والشاهد من كلامه - رحمه الله - قوله: ((فأما من لم يرو عنه إلّا رجل واحد .... )) إلخ. لكن إذا عُلم أن تلميذ المجهول ممن يروي عن التالفين الساقطين، ففي النفس شيء من الاستشهاد به، لا سيما إذا كان الشاهد له مجهول عين، انفرد بالرواية عنه من يروي عن المتروكين أيضاً، لأنَّ الراوي إذا انفرد بالرواية عنه من يأخذ عن كل أحد، ازداد توغلًا في الجهالة، فإذا انضم إلى ذلك نكارة في السند أو المتن، ترجح الظن بعدم الاستشهاد بما كان هذا سبيله، والله أعلم. والمبهم: هو الذي لم يُسَمَّ، كقول الراوي: حدثني رجل، أو حدثني شیخ، أو نحو ذلك. وقد استشهد الحافظ بالمجهول والمبهم، في مواضع كثيرة من كتبه، انظر: ((نتائج الأفكار)) (١٣٧/١) المجلس رقم (٢٦)، (١/ ١٤٢ - ٢٧/١٤٦، ٢٨) (٣٤/١٧٩/١)، (٢/ ٤٨ - ١٢٣/٤٩)، (١٣٩/١١٢/٢) وانظر ((الإرواء)) (٣٤٢/٥٥/٢) و((الصحيحة)) (٦٣٥/٢٢٨/٢)، (٧٤٨/٣٨٤/٢). وقد قيَّد الشيخ بكر أبو زيد - حفظه الله وسلمه - الاستشهاد بالمبهم بكونه من القرون المشهود لها بالخير، قال: هذا عند بعضهم، وهو وجيه، اهـ من ((التأصيل)) (١٨٦/١). وهو كذلك، إلّا إذا عُلم من حال من أبْهم أنَّه مشهور بالرواية عن المجروحين المتروكين، فذلك مما لا تطمئن معه النفس للاعتضاد به، وكذلك تقبل رواية المبهم إذا شهد له مبهم آخر، وظهر من السياق اختلاف المخرج، كأن يروي التابعي عن رجل عن صحابي، ويروي تابعي آخر، عن رجل عن صحابي آخر. فالنفس تميل إلى الاستشهاد بما هذا سبيله، وإن كان من الممكن أن يكون المبهم عندهما واحداً، وهذه الصورة أقوى في النفس من رواية تابعيين؛ كل منهما عن رجل عن صحابي واحد، فإن اختلفت طبقة المبهم أو المجهول فهو أولى بالقبول، وليس ذلك بشرط، حسب ما رأيت من ٢٣٣ صنيع العلماء الذين عزوت إلى مواضع من كتبهم بذلك. هذا ما ترجح لي - على ما في النفس من حرج - والله أعلم -. س ٢٢٦: هل يصح الاستشهاد بالحديث الذي في سنده انقطاع، أم لا؟ ج ٢٢٦: الانقطاع منه جلي ومنه خفي. فالجلي: كالمعلَّق والمعضل والمنقطع والمرسل. والخفي: كالتدليس والإرسال الخفي. فأما الانقطاع الخفي: فيصلح أن يستشهد به، سواء كان بعنعنة مدلِّس، وما كان في معنى العنعنة، أو رواية مَنْ إرسالُه خفي غير جلي. وأما الانقطاع الجلي ففيه تفصيل : فالمرسل: قد سبق أنَّه يصلح أن يُعتضد به - على تفاصيل قد سبقت -. وأما المعلق: وهو ما سقط في أول إسناده من جهة المصنّف راو فأكثر: فلا يستشهد به في الغالب، وفيه تفصيل سيأتي إن شاء الله تعالى من آخر الجواب. ولم أقف على التصريح بالاستشهاد بالمعلقَّ في صورة قول أحد المصنفين: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم كذا وكذا، أو قال ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم كذا وكذا، كما لم أقف على التصريح بالاعتضاد بمطلق المعلِّق إلّا في كلام الشيخ بكر بن عبدالله أبي زيد، - حفظه الله - كما في (التأصيل)) (١٨٣/١، ١٨٤) وكذلك يظهر من صنيع شيخنا الألباني - حفظه الله - في ((الإرواء)) (١٢٠/٥) برقم (١٢٧٨)، والنفس إلى غير ذلك أميل، كما سيأتي إن شاء الله تعالى. وأما المعضل: وهو ما سقط من إسناده اثنان فأكثر على التوالي، سواء ٢٣٤ في أثناء السند أو في آخره، فقد صرح الشيخ بكر بن عبدالله أبو زيد - حفظه الله - كما في الموضع السابق بالاستشهاد به، وكذلك استشهد به شيخنا الألباني - حفظه الله -، كما في ((الصحيحة)) (٤٣٢/٢، ٧٩٠/٤٣٣) والبيهقي في (الكبرى)) (٧٣/٥) ورأيت صاحب ((مناهج المحدثين)) (ص: ٢٤٩) قد نقل كلاماً للخطيب - رحمه الله -، وهو موجود في ((الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع)) (٢٨١/٢) في باب القول في كتب الحديث على وجهه وعمومه .. ، قال - رحمه الله - وحكم المعضل مثل حكم المرسل في الاعتبار به فقط، اهـ. فظن المؤلف وغيره - حفظ الله الجميع - أن الخطيب يرى الاعتضاد بالمعضل كالاعتضاد بالمرسل، لقوله السابق. وعندي أن كلام الخطيب في باب آخر، فإنه ذكر أثراً عن أحمد في كتابة الحديث المرسل، لتُعرف به علة الحديث المسند، ثم ذكر قول ابن مهدي: لأنَّ أعرف علة حديث، أحب إليّ من أن أستفيد عشرة أحاديث. ثم قال الخطيب عقب ذلك: وحكم المعضل مثل حكم المرسل في الاعتبار به فقط، اهـ. فلم يقصد الخطيب - رحمه الله - بذلك باب الشواهد والمتابعات، إنّما قصد باب السبْر والاعتبار، لمعرفة علة الحديث المسند بالحديث المعضل، كما تُعرف علة الحديث المسند بالحديث المرسل، فقد يُروى الحديث مسنداً، ويكون المحفوظ فيه أنَّه مرسل أو معضل، هذا هو المراد هنا بالاعتبار، والعلماء يستعملون كلمة الاعتبار في باب الشواهد، وفي باب الإعلال أيضاً، وهذا هو المناسب للباب الذي ذكر تحته الخطيب - رحمه الله - هذه الآثار وهذه المقالة، والله أعلم. لكن لعل دليل من استشهد بالمعضل: الاستشهاد بالمنقطع، ووجهه أننا إذا استشهدنا بالمنقطع، فكذلك يلزمنا الاستشهاد بالمنقطع في موضعين، لأننا نستشهد بالحديث الذي فيه ضعيف وضعيفان، أو فيه أكثر من علة ليست بالشديدة، والمنقطع في موضعين يساوي المعضل، كما صرح بذلك ٢٣٥ الحافظ في ((النكت)) (٢/ ٥٨١ - ٥٨٢) وقد نقل عن (الجوزقاني) أنَّه قال في مقدمة كتابه في الموضوعات: المعضل أسوأ حالاً من المنقطع، والمنقطع أسوأ حالاً من المرسل، والمرسل لا تقوم به حجة. قال الحافظ: قلت: وإنما يكون المعضل أسوأ حالاً من المنقطع، إذا كان الانقطاع في موضع واحد من الإسناد، وأما إذا كان في موضعين أو أكثر، فإنه يساوي المعضل في سوء الحال، والله - تعالى - أعلم، اهـ. وإذا كان المعضل يساوي المنقطع في موضعين، ونحن نستشهد بالمنقطع في موضعين، لزمنا الاستشهاد بالمعضل، فلعل هذا وجه من استشهد بالمعضل. وعندي أن في ذلك توسعاً غير مرضي، فأصل الاستشهاد بالمنقطع، هو الاستشهاد بالمرسل، ولا شك أن المرسل أحسن حالًا من المنقطع، لأن المرسل في طبقة عالية، وقد كان الكذب فيها أخف مما بعدها الطبقات، كما مرّت الإشارة إليه من كلام الجوزقاني، وكما قال ابن السمعاني عندما تحدث عن حكم الحديث المنقطع: مَنْ منع قبول المرسل، فهو أشد منعاً لقبول المنقطعات، ومن قَبِلَ المراسيل اختلفوا، اهـ نقلًا عن (الصناعة الحديثية في السنن الكبرى)) للبيهقي (ص: ٢٠٨). والاستشهاد بالمرسل فيه نزاع قد سبق بيانه، والمنقطع أسوأ حالاً من المرسل، أعني المرسل بالمعنى الاصطلاحي المشهور، لا كل من سقط منه راو، لأنَّ الساقط في المرسل غالباً ما يكون من الطبقات التي لم يشتهر فيها الخلل، بخلاف الطبقات النازلة، ففي النفس غضاضة من الاستشهاد بالمنقطع، ولولا تصريح جماعة من المحدثين، أو اشتهار صنيعهم بذلك، لما قبلنا الاستشهاد بالمنقطع - وسيأتي إن شاء الله مفصلًا - ومع هذا كله: فهل يليق أن نقيس المعضل على المنقطع؟ فيكون قياساً على قياس على أصل فيه نزاع؟! حيث قسنا المعضل على المنقطع - مع الفارق -، والمنقطع على المرسل - مع الفارق - وفي الاستشهاد بالمرسل نزاع وقيود، قد سبق بيانها، ثم لو سلمنا بذلك؛ فقد يقول قائل: إذا أجزتم الاستشهاد ٢٣٦ بمنقطع في موضعين، فكذلك يلزم الاستشهاد بمنقطع في ثلاثة مواضع أو أكثر، فإن سلمنا بذلك؛ سقط معنى تشديد العلماء في الرواية بالأسانيد، ولزمنا أن نقبل في الشواهد قول أحد المصنفين: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم كذا وكذا، وإذا كان ذلك كذلك - لا سيّما إذا كان الشاهد والمشهود له من هذا الصنف - فعلى الأسانيد السلام، وانقطع الكلام، ومن شاء أن يقول قولًا فلْيَقُلْه !!! وإذا رفضنا الاستشهاد بمنقطع في ثلاثة مواضع فأكثر، لزم التحكّم بلا دليل ولا برهان. فإن قيل: إن الأمر يرجع إلى غلبة الظن، قلت: وغلبة الظن أنَّه لا فائدة في المعضلات والمنقطعات المتكررة في السند الواحد، ولا أعرف ذلك عن السلف، إلّا من كلام البيهقي، وإن وجد فنادر جداً لا يُقعَّد عليه، لاحتمال أنَّهم قبلوه لقرائن أخرى، لا تطّرِد في بقية الأحاديث، والله أعلم. نعم، إذا كان هناك من الأسانيد ما يعتمد عليه لذاته أو لغيره، وانضم إليه شيء من ذلك، فإن نفعه وإلّا ما ضره، والله أعلم. وأما المنقطع: وهو ما سقط من أثناء سنده راو واحد، في موضع واحد أو أكثر، فما كان منه في أكثر من موضع فلا تطمئن إليه النفس، كما سبق . وما كان منه في موضع واحد، فإن كان من أسقط شيخه معروفاً بالرواية عن المتروكين، فيخشى أن يكون إسقاطه لشيخه لأنه متروك، وقد سبق شيء من ذلك، والله أعلم. وما كان منه من رواية من لم يُعرف بالأخذ عن كل ضرب، فقد صرح ابن القيم في ((زاد المعاد)) (٣٧٩/١) بأن عواضد المنقطع هي عواضد المرسل، انظر كلامه على حديث أبي قتادة أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كره الصلاة نصف النهار إلّا يوم الجمعة، وقال: ((إن جهنم تسجر إلّا يوم الجمعة)) في كلامه على تعظيمه صلى الله عليه وعلى آله وسلم (وتشريفه ليوم الجمعة). وقد ذكر الحافظ في ((النكت)) (٣٨٧/١) أن الترمذي يستشهد بالانقطاع ٢٣٧ الخفيف، إلّا أنَّه عندما مثَّل لذلك، ذكر أمثلة فيها الانقطاع الجلي، وقد حسن الترمذي تلك الأحاديث، مع تصريحه بعدم اتصال السند، أو بأن فلاناً لم يسمع من فلان، وإن كان في نسخ ((السنن)) اختلاف في الأحكام على الأحاديث بينه المحقق في الحاشية - انظر ((النكت)) (١/ ٣٩٦ - ٣٩٩، ٤٠٢) - كما يظهر من تعريف الترمذي للحسن، كما في العلل في آخر ((الجامع)) أنَّه لم يشترط الاتصال، وعزا الحافظ هذا المذهب للنسائي أيضاً، انظر ((النكت)) (٣٩٨/١) وفي المثال الذي ذكره بحث، ليس هذا موضعه. وكذلك صنيع البيهقي - رحمه الله - بقبول المنقطع، انظر («السنن الكبرى)) (٢٢٦/٢)، (١٨٤/٥)، (١٢٧/٧) وقد قال في ((معرفة السنن والآثار)): ونحن إنَّما لا نقول بالمنقطع، إذا كان منفرداً، فإذا انضم إليه غيره، وانضم إليه قول بعض الصحابة، أو ما يتأكد به المراسيل، ولم يعارضه ما هو أقوى منه، فإنّا نقول به، اهـ نقلًا من ((الصناعة الحديثية في السنن الكبرى للبيهقي)» (ص: ٢٠٧ - ٢٠٨). وقد استشهد الحافظ ابن حجر رحمه الله بالمنقطع في عدة مواضع من كتبه، كما في ((نتائج الأفكار)) (٢٦/١٣٧/١)، (٥١/٢٥٨/١)، (١٤٩/١٤٦/٢) و (التلخيص)) (٣/ ٣٥٣ - ١٦٤٢/٣٥٤، ١٦٤٣)، (١٦٤٩/٣٥٨/٣)، (١٨٧٨/٣٤/٤)، وانظر كلام الحافظ الذي نقله شيخنا الألباني - حفظه الله - في ((الإرواء)) (٣٤١/٥١/٢). وقد استشهد شيخنا الألباني - حفظه الله - بالمنقطع في مواضع عدة من كتبه، كما في ((الصحيحة)) (٧١٦/٣٤١/٢)، (٧٤٨/٣٨٤/٢) والله أعلم. (تنبيه) : الاستشهاد بالمنقطع يترجح عندي إذا كان في طبقة التابعين وأتباعهم، كما سبق في المجهول والمبهم، وذلك لأن الطبقات العليا قد استفاضت فيها العدالة، بخلاف ما بعد ذلك من طبقات، ويدل على ذلك أيضاً صنيع الأئمة الذين عزوتُ إليهم في المواضع السابقة، وإذا لم نقبل رواية المجهول أو المبهم إلّا في الطبقات العليا، فمن باب أولى أن نشترط ذلك في ٢٣٨ المنقطع، لأنَّ الرواية التي فيها مبهم أو مجهول - مع اتصال السند - أولى من المنقطعة التي يحتمل أن يكون الساقط فيها أكثر من واحد، والله أعلم. (فائدة) : الاستشهاد بالمبهم والمجهول والأنواع السابقة في الانقطاع أضعف من الاستشهاد بمن فيه ضعف خفيف أو مرسل تابعي، وإذا ظهر للناقد نكارة في السند أو في المتن، فلا عبرة بهذه الشواهد، وقد قيّدت الاستشهاد بما سبق، بعدة قيود مستفادة من كلام أهل العلم في عدة مواضع، كما هو معروف من كلام العلماء الذين شرحوا كلام الإمام الشافعي - رحمه الله - في الاستشهاد بالمرسل، والله أعلم. (فائدة أُخرى): فإن قيل: لماذا لم تستشهد بالمعلَّق، وهو مما سقط منه راو فأكثر في أول السند، كالمنقطع أو المعضل؟ فالجواب: أن نفسي لا تميل إلى الاستشهاد بالمعضل، فما كان من المعلقات قد سقط فيه راويان فأكثر على التوالي: فلا يستشهد به، وما كان من المعلقات مما سقط من راو واحد في أول السند، أي سقط منه شيخ المصنّف فإن كان المصنف ممن ينتقى في شيوخه: فيستشهد بالمعلق، وإن كان ممن لا ينتقى في شيوخه: فلا يستشهد به، لأن صنيع الأئمة في الاستشهاد بالمنقطع؛ إنما كان في الطبقات العالية، والانقطاع هنا نازل؛ فافترقا. فإن قيل: فلماذا تستشهد بالمعلّق إذا كان المعلِّق ممن ينتقى، مع أن شيخه نازل الطبقة؟ فالجواب: أن العلة التي من أجلها قبلنا الاستشهاد في الطبقات العالية، وهي فيوض العدالة، وقلة الكذب في الرواية، موجودة فيما نحن بصدده، حيث أن المصنّف الذي ينتقى في شيوخه، قد كفانا التخوّف من وجود هالك في شيوخه - غالباً - فيقوى الظن في هذه الحالة بقبوله في الشواهد. والله أعلم. (تنبيه): لقد استفدت في بعض الإحالات السابقة من كتاب ((مناهج المحدثين ٢٣٩ في تقوية الأحاديث الحسنة والضعيفة)) للمرتضى الزين أحمد، وكتاب (الصناعة الحديثية في السنن الكبرى للإمام البيهقي)) لنجم عبدالرحمن خلف - جزاهما الله خيراً - وفي الكتابين فوائد لا تخفى على من له صلة بهذا الفن، والله أعلم. س ٢٢٧: حديث في سنده رجل، قال: حدثني جماعة، أو عدة من أشياخنا، فهل يُحتج بهذا السند، أم يُضعّف لجهالتهم؟ ج ٢٢٧ : سبق في السؤال [٢٢٥] أن المجهول والمبهم يصلحان في الشواهد والمتابعات، على تفاصيل في ذلك. فإذا أُبْهم جماعةٌ في السند - كما ورد في السؤال - فلا بأس باعتماد حديثهم، فإن الجمع يجبر الجهالة، إذا كان في طبقة التابعين وأتباعهم، وقد مشى على ذلك جماعة من أهل العلم - وإن خالف في ذلك بعضهم - وهاك أقوال أهل العلم وصنيعهم في ذلك: ١- أخرج الإمام البخاري في (صحيحه)) (٣٦٤٢/٦٣٢/٦) - مع ((الفتح)) - قال: حدثنا علي بن عبدالله أخبرنا سفيان حدثنا شبيب بن غرقدة قال: سمعت الحي يتحدثون عن عروة - وهو البارقي - أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أعطاه ديناراً يشتري له به شاة، فاشترى له به شاتين، فباع إحداهما بدينار، فجاء بدينار وشاة، فدعا له بالبركة في بيعه، وكان لو اشترى التراب لربح فيه . . فإخراج الإمام البخاري - رحمه الله - لهذا الحديث - مع الجهالة - يدل على اعتماده ما كان هذا سبيله، لكن الحافظ رحمه الله قد قال في (٦٣٥/٦): فالحديث بهذا ضعيف للجهل بحالهم، لكن وجد له متابع ... ، اهـ وكذا قال الحافظ في ((التلخيص)) (٣/ ١٠ - ١١٢٨/١١)، ونقل عن البيهقي أن الشافعي ضعفه، لأنَّ الحي غير معروفين، اهـ. وكذا قال الخطابي في ((معالم السنن)) (٥/ ٤٩ - ٥١) مع ((مختصر سنن أبي داود)) - برقم (٣٢٤٤) فقال: وفي خبر عروة: ((أن الحي حدثوه)) وما كان هذا سبيله من الرواية لم تقم به الحجة ... ، اهـ. ٢٤٠