النص المفهرس
صفحات 181-200
دونهم، ولماذا لم يعمل رسول الله بخبر ذي اليدين دون رجوع إلى جماعة المصلين، مستدلاً بأنه حفظ، وغيره لم يحفظ، أو أتقن وغيره شُغل أو ذهل بأمر آخر ... ؟ إلى آخر ما قاله الخطيب - رحمه الله -. فلما توقف النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في خبر ذي اليدين لانفراده عن الجماعة، توقفنا في خبر من انفرد بزيادة لم يروها من هو أحفظ منه أو أكثر، حتى يشهد لها ما يقويها، كما أقر الجماعةُ ذا اليدين على ما قال، والله أعلم. الثاني: الأصل أنّنا لا نضيف خبراً إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلّا إذا تيقّنا ثبوته إليه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أو غلب على ظنّنا ذلك، لكن إذا تردد في النفس قبوله أو عدمه؛ فالأحوط للدين أنّنا لا نضيفه إليه صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وما قاله أبو بكر الخطيب - رحمه الله - من احتمال أن يحفظ الواحد، وينسى العدد الكثير ... إلخ. فقد يُقْلَبُ عليه، فيقال: ومن المحتمل أن يهم الواحد، فيضيف إلى شيخه ما سمعه من شيخ آخر، حيث قد ظن أن هذا من حديث هذا الشيخ، فرواه عنه، فلما لم يروه الجماعة، دل ذلك على وهم الواحد، وهذا الاحتمال وارد، وله أمثلة كثيرة في كتب العلل، وكم من إمام - فضلًا عمن دونه - يسمع الحديث في المذاكرة عن شيخ: فيعْلَق في ذهنه، فيرويه مرسلًا أو مدلّساً أو غير ذلك، فيظن من وقف على حديثه، أنه سمعه من الشیخ الذي سماه، وليس كذلك. وكم من ثقة يقول فيه العلماء: دخل عليه حديث في حديث، أو حديثه هذا يشبه حديث فلان، ولا يشبه حديث فلان - أي الذي سماه الراوي - وإذا كان هذا محتملًا، وما ذكره الخطيب أيضاً محتمل، فما تطرق إليه الاحتمال سقط به تعين الاستدلال: ١٨١ والأصل أنّنا لا نضيف إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلّا ما تيقّنا ثبوته إليه، أو على الأقل ما غلب على ظنّنا ثبوته إليه، ومع هذه الاحتمالات؛ فلا يحصل شيء من ذلك. - فإن قيل: الاحتمال الذي ذكرته بعيد، لأننا لو أخذنا بذلك لزم التوقف في جميع أخبار الثقات، واللازم باطل، فكذا الملزوم. فالجواب: أنَّ اللازم باطل إذا نحن أطلقنا الوقف في خبر الثقات، أما إذا قيّدنا ذلك بظهور قرينة تدل على وهم الواحد المخالف للجماعة فلا بأس، والقرينة هنا عدم نقل الجماعة لهذه الزيادة، والدواعي متوفرة لنقلها، لو حدث بها شیخهم. · وقد يجاب على الخطيب أيضاً باحتمال آخر: وهو أن الشيخ الذي حدث الواحد بالزيادة، ولم يحدث بها الجماعة، لعله قد ظهر له أن هذه الزيادة ليست من حديثه، فكف عن روايتها، لا سيما إذا كان الجماعة قد أخذوها في عدة مجالس، وما حدث به المحدث في عدة مجالس على وتيرة واحدة - بدون زيادة - مقدم على ما حدث به مرة واحدة لشخص واحد في مجلس واحد مع الزيادة. · وما ذكره الخطيب ــ رحمه الله ـ من كون الراوي قد يدخل متأخراً، فلا يسمع الحديث بتمامه، فإن كان هذا راوي الناقصة فلا إشكال، وليس هذا موضع البحث، إنّما حَرْف النزاع فيما إذا زاد الواحد ونقص الباقون، أما ما ذكره الخطيب فغايته أن يكون: راوي الزائدة مثل راوي الناقصة . وفي هذه الحالة فالزيادة من الثقة مقبولة، والمتوقع في مثل هذا أن يكون الجماعة قد افتتحوا مجلسهم مع الشيخ، ثم دخل الواحد بعد ذلك، فهذا الداخل تكون روايته ناقصة، ورواية الجماعة تامة، فأين هذا مما نحن فيه؟، ولم تجر العادة بأن يُفتتح المجلس بواحد فقط، ثم يأتي بقية المحدثين . ١٨٢ ● وما ذكره ــ رحمه الله ـ من تطاول المجلس حتى يغشى النومُ بعض الجالسين، فالعادة في مثل هذا: أن يقع ذلك للعدد القليل، لا أن الجماعة يغشاهم النوم، ويبقى الواحد مستيقظاً، فيعي ما فاتهم، فالأمر على عكس ما نحن فيه. ● وكذا من ذهل عن بعض كلام الشيخ، أو من عرض له عارض، فقطع عليه المجلس، فالغالب أنَّ هذا يقع للواحد فيقوم، فيكون حديثه ناقصاً، بخلاف الجماعة الذين بقوا بعده، فأتموا سماع الحديث من الشيخ، ومستبعد أن يعرض عارض للجماعة، فيقوموا جميعاً، إلّا الواحد فيبقى خلفهم، فيكون حديثه أتم من حديث الجماعة. فكُلُّ الاحتمالات التي ذكرها الخطيب - رحمه الله - ورودها على الواحد، أكثر من ورودها على الجماعة، وكذلك ورودها على الأقل في الحفظ والإتقان؛ أكثر من ورودها على الأعلى في الحفظ والإتقان، والذي قد عُرِف من شأنه التحري والتيقظ في مجالس الحديث، فلو قبلنا الزيادة مع هذه الاحتمالات، نكون قد عملنا بالزيادة مع الشك، أو مع غلبة الظن بعدم الثبوت، وفي هذا ما لا يخفى من الضعف. الثالث: أن صنيع العلماء أهل الفهم والدراية بالحديث النبوي؛ على خلاف ما قال الخطيب - رحمه الله -، وهذه مئات بل ألوف الأسئلة التي وجهت للأئمة، فكانت أجوبتهم تتضمن إعلال بعض الروايات، لكون فلان زاد هذه الكلمة، أو زاد في الإسناد زيادة، وغيره من الثقات لا يروونها . وما كنا لنرضى بمذهب الفقهاء والأصوليين والمتكلمين مذهباً، ونترك مذهب هؤلاء الجهابذة الأفذاذ، وصدق من قال: فأما ما علمتُ فقد كفاني وأما ما جهلتُ فجنّبوني الرابع: لو أخذنا بهذا القول المرجوح، فمتى يكون الحديث شاذاً؟ فإن قيل: إذا خالفت الزيادةُ الأصلَ، مخالفة يتعذر الجمع بينها وبين الأصل، فحينذاك تكون شاذة، وقد قال بذلك الحافظ في ((هدي الساري)) ١٨٣ (ص: ٣٤٧) في الفصل الثامن، حيث قال في أثناء كلامه على أقسام الأحاديث المنتقدة في ((صحيح البخاري)): (القسم الثالث منها): ما تفرد بعض الرواة بزيادة فيه، دون من هو أكثر عدداً أو أضبط ممن لم يذكرها، فهذا لا يؤثر التعليل به، إلّا إن كانت الزيادة منافية، بحيث يتعذر الجمع، أما إن كانت الزيادة لا منافاة فيها، بحيث تكون كالحديث المستقل، فلا، اللّهم إلّا إن وضح بالدلائل القوية أن تلك الزيادة مدرجة في المتن من كلام بعض رواته، فما كان من هذا القسم فهو مؤثر، كما في الحديث الرابع والثلاثين، اهـ. وهذا الكلام یجاب عليه من وجوه: ١- أن الحافظ نفسه قد صرح بخلاف هذا في ((النزهة))، و((الفتح))، و ((النكت)) وقد سبق ذكر ذلك عنه، بل قد رد على من خالف ذلك. ٢- أن الحافظ نسب القول السابق إلى أئمة الحديث، بخلاف قوله هذا. ٣- لا نسلم أنَّ الجمع يكون متعذراً بين الزيادة والأصل، إلا في الحديث المضطرب الذي يختلف فيه الرواة اختلافاً كثيراً، لا يمكن الجمع فيه بين الروايات، لكننا في هذه الحالة، لا نستطيع أن نقول: إنَّ الرواية الفلانية هي الأصل، والأخرى هي المزيدة؛ لأنَّ من شرط الاضطراب الموجب للاطرح: أن يتعذر الجمع، مع تكافؤ الطرق، فلا ترجيح مع الاضطراب، إذاً فما نحن بصدده لا نسلم فيه أن الجمع متعذر، وما من زيادة إلّا ويمكن أن يخصص بها عموم، أو يقيد به مطلق، أو يفسر بها مجمل، أو يُعين بها مبهم، فأين تعذر الجمع إذاً؟ ولْيُكَذِّبْنا المخالفون في ذلك بمثال واحد غير الحديث المضطرب، لأنَّ المضطرب لا ترجيح فيه، ومسألتنا في ترجيح رواية الجماعة على رواية الواحد عند تعذر الجمع بينهما على حد قولهم، وكتب العلل والتخاريج مليئة بشواهد لا تُحصى كثرة على صحة ما قررناه، بخلاف قول المخالف. ٤- لو سلمنا للحافظ بإمكان تعذر الجمع بين الزيادة والأصل في ١٨٤ المتون، فكيف نتصور هذا التعذر في زيادات الأسانيد؟! فمن المعلوم أنَّ الزيادة في الإسناد تكون برفع موقوف، أو إسناد مرسل، أو تسمية مبهم، أو تعيين مهمل، أو تصريح مدلس بالسماع، أو قَرْن ضعيف بآخر يقويه، أو نحو ذلك، ويمكن الجمع بين كل هذا الاختلاف، بأن نقول في الرواية الزائدة: نشط الشيخ فزاد، أو كسل فنقص، فأين تعذر الجمع الذي يجعلنا نأخذ برواية الجماعة دون الواحد إذا؟ أم أنَّ أصحاب هذا المذهب يفرقون بين الزيادة في الأسانيد، وبين الزيادة في المتون؟ وهذا ما لا أعلمه عن أحد من القائلين بذلك، والله أعلم . الخامس : - من وجوه الرد على ما ذكره الإمام أبو بكر الخطيب رحمه الله -: ما ادعاه بعض أهل العلم من التفرقة بين الزيادة التي تكون في مجلس واحد فترد، وبين الزيادة التي تكون في مجالس متعددة فتقبل، هذا التفصيل كما قال ابن رجب - رحمه الله - لم يلتفت إليه الإمام أحمد ومن جرى مجراه في الإمامة والتقدم في هذا الفن. أضف إلى ذلك ــ من باب البيان - أنَّ آلاف الأسئلة في العلل توجه للأئمة، فيطلق الإمام منهم القول برد رواية فلان، لمخالفته من أولى منه، دون أن يعرج على نوع المجلس الذي جرى فيه التحديث، هل كان متحداً أو متعدداً؟ . ويزيد ذلك وضوحاً، أن الشيخ إذا روى حديثاً، ورواه عن سبعة من الرواة مثلًا، فرواه ستة على وجه، ورواه واحد فزاد فيه زيادة، فإن لم نعلم تعدد المجلس أو اتحاده ــ وهذا حال أكثر الروايات -. فالأصل في ذلك أن نقف في رواية الواحد، ونأخذ رواية الجماعة، لما سبق من أدلّة، وإن علمنا اتحاد المجلس، فالمخالفون مسلمون بشذوذ الواحد هنا . ١٨٥ وإن علمنا بتعدد المجالس فلنعتبر كل راوٍ أخذه في مجلس، لأنّنا ليس عندنا دليل باجتماع بعضهم في مجلس واحد، وعلى ذلك فرواية الجماعة أيضاً أرجح، لأن الشيخ حدث كل واحد منهم على حدة، فما حدث به في ستة مجالس على وجه واحد، مقدم على ما حدث به على وجه آخر في مجلس واحد. ولا يَرِدُ على ذلك أنَّه يلزم مما حررته توهيم الشيخ لا التلميذ المخالف للستة، والذي نراه من كلامهم توهيم التلميذ لا الشيخ؛ لأنَّ الذي نراه من كلامهم في توهيم التلميذ؛ عندما لا يُذكر تعدد المجلس، أمّا إذا ذُكر تعدد المجلس؛ فإنهم يوهمون الشيخ، أو يحمِّلونه العهدة، أو يقولون: الحديث عند الشيخ بالوجهين، وحدث كلَّا بوجه، كما لا يخفى على من يطالع في أحكام العلماء على الأحاديث، والله أعلم. السادس: ما ذكره الخطيب - رحمه الله - من قياس قبول الزيادة على قبول الحديث المستقل: مردود، لما هو معلوم من الفرق بين تفرد الراوي بحديث لم يروه غيره، وبين تفرد الراوي بزيادة، شاركه من هو أحفظ منه، أو أكثر، على رواية الحديث بدونها، وقد قال الحافظ في ((النكت)) (٢/ ٦٩٠ - ٦٩١): واحتج من قبل الزيادة من الثقة مطلقاً: بأنَّ الراوي إذا كان ثقة، وانفرد بالحديث من أصله كان مقبولًا، فكذلك انفراده بالزيادة. قال الحافظ: وهو احتجاج مردود، لأنَّه ليس كل حديث تفرد به أي ثقة، كان يكون مقبولًا، كما سبق بيانه في نوع الشاذ. قال: ثم إن الفرق بين تفرد الراوي بالحديث من أصله، وبين تفرده بالزيادة: ظاهر؛ لأنَّ تفرده بالحديث؛ لا يلزم منه تطرق السهو والغفلة إلى غيره من الثقات، إذ لا مخالفة في روايته لهم، بخلاف تفرده بالزيادة، إذا لم يروها من هو أتقن منه حفظاً، وأكثر عدداً، فالظن غالب بترجيح روايتهم على روايته، ومبنى هذا الأمر على غلبة الظن ... ثم ذكر الاحتمالات السابقة التي ذكرها الخطيب ثم قال: ١٨٦ والجواب عن ذلك: أن الذي يبحث فيه أهل الحديث في هذه المسألة، إنّما هو في زيادة بعض الرواة من التابعين فمن بعدهم، أمّا الزيادة الحاصلة من بعض الصحابة على صحابي آخر، إذا صح السند إليه، فلا يختلفون في قبولها ... ثم ذكر أمثلة، ولعله أجاب بذلك؛ لأنَّ الأمثلة التي مثل بها الخطيب وقعت للصحابة - رضي الله عنهم -. ثم قال: وإنّما الزيادة التي يتوقف أهل الحديث في قبولها من غير الحافظ، حيث يقع في الحديث الذي يتحد مخرجه، كمالك عن نافع عن ابن عمر - رضي الله عنهما -، إذا روى الحديث جماعة من الحفاظ الأثبات العارفين بحديث ذلك الشيخ، وانفرد دونهم بعض رواته بزيادة، فإنَّها لو كانت محفوظة، لما غفل الجمهور من رواته عنها، فتفرد واحد عنه بها دونهم، مع توفر دواعيهم على الأخذ عنه، وجمع حديثه؛ يقتضي ريبة توجب التوقف عنها اهـ. والعجب من الخطيب - رحمه الله - الذي عزا لأهل الحديث هذا القول الذي ارتضاه، مع أنَّ صنيع حذاقهم وأهل الشأن فيهم ليس كذلك، بل قد ذكر ابن رجب أن المذاهب التي ذكرها الخطيب في ((الكفاية)) لا تعرف عن أحد من متقدمي الحفاظ، إنّما هي مأخوذة من كتب المتكلمين ... إلى آخر ما قد سبق ذكره عن ابن رجب - رحمه الله -. وقد سبق أنَّ صنيع الخطيب في كتابه: ((تمييز المزيد)» يوافق ما عليه المحدثون، وكذلك صنيعه في الأحاديث التي ينتقدها في ((تاريخ بغداد)) تراه يسلك فيها مسلك حذاق المحدثين، فالله أعلم. فإن قيل: إنَّ المباركفوري قد نصر القول بقبول زيادة الثقة، كما في ((تحفة الأحوذي)) (٢/ ٩٢ - ٩٥) في ك/الصلاة ب/ما جاء في وضع اليمين على الشمال في الصلاة: قلت: المباركفوري - رحمه الله - يرد على النيموي صاحب ((آثار السنن)) عندما أعل زيادة: ((على صدره)) بالشذوذ، وعرَّف الحديث الشاذ بأنَّه: ((ما رواه الثقة مخالفاً في نوع من الصفات، لما رواه جماعة من ١٨٧ الثقات، أو من هو أوثق منه وأحفظ، وأعم من أن تكون المخالفة منافية للرواية الأُخرى أم لا؟ قال المباركفوري بعد نقله لهذا: وادعى - أي: النيموي - أن هذا هو مذهب الشافعي وأحمد بن حنبل وابن معين والبخاري وغيرهم من المحدثين المتقدمين ... ثم ذكر أمثلة استدل بها على ذلك. وقد اعترض عليه المباركفوري بأنَّ تعريفه للشاذ ليس بصحيح، وليس هو مذهب المحدثين المتقدمين البتة، قال: وجه عدم صحته: أنَّه يلزم منه أن يكون كل زيادة زادها ثقة، ولم يزدها جماعة من الثقات، أو لم يزدها من هو أوثق منه، وليست منافية لأصل الحديث؛ شاذة غير مقبولة، واللازم باطل، فالملزوم مثله، والدليل على بطلان اللازم: أن كل زيادة هذا شأنها قبلها المحدثون المتقدمون، كالشافعي والبخاري وغيرهما، وكذا قبلها المتأخرون، إلّا إن ظهرت لهم قرينة تدل على أنها وهم من بعض الرواة، فحينئذٍ لا يقبلونها . قال: ألا ترى أن الإمام البخاري رحمه الله، قد أدخل في ((صحيحه)) من الأحاديث ما تفرد به بعض الرواة بزيادة فيه غير منافية، ولم يزدها جماعة من الثقات، أو من هو أوثق منه وأحفظ، وقد طعن بعض المحدثين بإدخال مثل هذه الأحاديث في ((صحيحه)) ظناً منهم أن مثل هذه الزيادات ليست بصحيحة، وقد أجاب المحققون عن هذا الطعن: بأن مثل هذه الزيادات صحيحة ... ثم ذكر ما سبق ذكره عن الحافظ من ((هدي الساري)) (ص: ٣٤٧) من الفصل الثامن واستدل بكلام الحافظ في تعذر الجمع ... هذا حاصل ما استدل به المباركفوري رحمه الله، وقد سبق نقض هذه الأدلة التي استدل بها على وجه التفصيل، بما يغني عن إعادته، والذي يظهر لي أن كلام النيموي في هذا الموضع أدق من كلام المباركفوري، وأما كون البخاري يخرج بعض هذه الزيادات، فنحن لا نمنع ذلك، إذا كانت هناك قرينة تدل على أن الراوي حفظ ما زاد، ولا شك أن للأئمة معرفة بالغة بهذه القرائن، الأمر الذي لا يتوفر لنا الآن، فموقفنا من هذه الزيادات: ١٨٨ إذا صححها الأئمة صححناها، وإذا اختلفوا فيها رجحنا حسب القواعد، وإذا لم يتكلموا عنها أصلًا، وظهرت لنا قرينة أو أكثر - على حسب - قواعد أهل العلم في ذلك، تدل على أن راوي الزيادة ضبطها: صححناها، وإلا حكمنا عليه بالشذوذ، وأجرينا القاعدة التي عليها صنيع أكثر العلماء، والتي صرحوا بها في مواضع أكثر من أن تحصر، وذلك أنهم قد عللوا الحكم بالشذوذ لمخالفة من رواها لمن لم يروها، وهم أوثق منه إما عدداً أو وصفاً، والذي يتأمل في صنيعهم يجدهم لا يخرجون عن ذلك إلّا لقرينة فأكثر، علمها من علمها، وجهلها من جهلها، والله تعالى أعلم. (تنبيه): انظر كلام ابن القطان والبزار في ((النكت)) للحافظ (٢/ ٦٠٣ - ٦٠٤) وكذلك كلام ابن حبان والحاكم في ((النكت)) (٦٨٧/٢) وانظر مذاهب العلماء في ((توضيح الأفكار)) (١/ ٣٣٩ - ٣٤٣) وفي ((المقنع)) (١/ ١٩١ - ٢٠٨) وفي ((الغاية)) للسخاوي - مختصراً - (٢٩٨/١). تنبيه آخر: واعلم أن كثيراً ممن أطلق القول بقبول زيادة الثقة، لم يطرد ذلك في بعض المواضع، فالنووي - رحمه الله - وهو ممن يطلق القبول، سلَّم بإعلال زيادة ((وإذا قرأ فأنصتوا)) وهكذا غيره. تنبيه آخر: يظهر لي من صنيع حذاق المحدثين أنهم يعدون مجرد زيادة المرجوح مخالفة للأرجح - إذا كانت تحمل زيادة في المعنى -، وإن لم تكن منافية، خلافاً لما ذهب إليه من سبق ذكرهم، والله تعالى أعلم. س ٢١٨: هل هناك فرق في الاتصال بين قول الراوي: ((عن فلان أنه قال كذا، أو فعل كذا)) وبين قوله: ((أن فلاناً قال كذا، أو فعل كذا)»؟. ج ٢١٨: هذه مسألة الحديث المعنعن والمؤنّن: والكلام فيها على جهتين : الجهة الأولى: قول الراوي: ((عن فلان))، يعني شيخه الذي سمع منه في الجملة، فلا فرق بين هذا، وبين قوله: ((أن فلاناً قال))، بشرط أن يكون ١٨٩ الراوي عدلًا غير مدلس، وقد ثبت سماعه من هذا الشيخ في الجملة - على تفاصيل في هذا الشرط الأخير -، والإسناد المعنعن الذي يقال فيه: فلان عن فلان عن فلان، فهو بهذه الشروط محمول أيضاً على الاتصال عند جماهير العلماء، فقد قال ابن الصلاح في ((مقدمته)): عَدَّهُ بعض الناس من قبيل المرسل والمنقطع، حتى يتبين اتصاله بغيره. ثم قال: والصحيح والذي عليه العمل: أنَّه من قبيل الإسناد المتصل، وإلى هذا ذهب الجماهير من أئمة الحديث وغيرهم، وأودعه المشترطون للصحيح في تصانيفهم، وقبلوه، وكاد أبو عمر بن عبدالبر الحافظ يدعي إجماع أئمة الحديث على ذلك، وادعى أبو عمرو الداني المقرىء الحافظ إجماع أهل النقل على ذلك، وهذا بشرط أن يكون الذي أضيفت العنعنة إليهم؛ قد ثبتت ملاقاة بعضهم بعضاً، مع براءتهم من وصمة التدليس، فحينئذٍ يُحمل على ظاهر الاتصال، إلّا أن يظهر فيه خلاف ذلك ... ، اهـ من ((التقييد) (ص: ٨٣ - ٨٤). وقد تعقب العراقيُّ ابنَ الصلاح كما في ((التقييد)) (ص: ٨٣- ٨٤) في قوله: ((وكاد أبو عمر بن عبدالبر الحافظ يدعي إجماع أئمة الحديث، على ذلك)) فقال: ولا حاجة إلى قوله: ((كاد))، فقد ادعاه، ثم نقل ما في مقدمة ((التمهيد)) (١٢/١) وفيه: اعلم - وفقك الله - أني تأملت أقاويل أئمة أهل الحديث، ونظرت في كتب من اشترط الصحيح في النقل منهم ومن لم يشترطه . فوجدتهم أجمعوا على قبول الإسناد المعنعن، لا خلاف بينهم في ذلك إذا جمع شروطاً ثلاثة، وهي: عدالة المحدثين في أحوالهم، ولقاء بعضهم بعضاً مجالسة ومشاهدة، وأن يكونوا برآء من التدليس ... ثم ساق سنده إلى شعبة أنه قال: فلان عن فلان ليس بحديث، قال وكيع: وقال سفيان: هو حديث. قال أبو عمر: ثم إن شعبة انصرف عن هذا إلى قول سفيان، وقد أعلمتك أن المتأخرين من أئمة الحديث، والمشترطين في تصنيفهم ١٩٠ الصحيح، قد أجمعوا على ما ذكرتُ لك، وهو قول مالك وعامة أهل العلم والحمد لله، إلا أن يكون الرجل معروفاً بالتدليس، فلا يقبل حديثه حتى يقول: حدثنا أو سمعت. فهذا ما لا أعلم فيه خلافاً ... ثم ذكر مثالاً عاب فيه أحمدُ بن حنبل على الوليد بن مسلم قوله: ((عن)) في منقطع، ليدخله في الاتصال، ثم قال: فهذا بيان أن ((عن)) ظاهرها الاتصال، حتى يثبت فيها غير ذلك، ومثل هذا عن العلماء كثير اهـ (١/ ١٢ - ١٤). وقد تعقب الحافظ في ((النكت)) (٥٨٣/٢) على ابن الصلاح نقله عن أبي عمرو الداني، وقد أخذ الدانيُّ ما قال عن الحاكم، وكان الأولى أن ينقل ابنُ الصلاح عنه، لأنه من أئمة الحديث، وقد صنف في علومه، قال: وابن الصلاح كثير النقل من كتابه، قال: فالعجب كيف نزل عنه إلى النقل عن الداني، وقد قال الحاكم - أي في ((المعرفة)) -: الأحاديث المعنعنة التي ليس فيها تدليس متصلة بإجماع أهل النقل، ثم تعجب الحافظ أيضاً من عدم نقل ابن الصلاح عن الخطيب، وقد ادعى الإجماع أيضاً في ((الكفاية)) التي هي معول المصنف في هذا المختصر، ثم تعقب الحافظ الخطيب في دعواه الإجماع، لقول الحارث المحاسبي، ونقله عن غيره الاختلاف في ذلك، ورجح في النهاية أن ((عن)) محمولة على الاتصال، وحمل الخلاف بين العلماء على ما كان قبل الوفاق ... ، اهـ من ((النكت)) (٢/ ٥٨٣ _ ٥٨٥) وقد قال ابن عبدالبر في مقدمة ((التمهيد)) (٢٦/١): واختلفوا في معنى ((أن)) هل هي بمعنى ((عن)) محمولة على الاتصال بالشرائط التي ذكرنا، حتى يتبين انقطاعها، أو هي محمولة على الانقطاع، حتى يعرف صحة اتصالها؟ قال: وذلك مثل: مالك عن أن ابن شهاب أن سعيد بن المسيب قال کذا. ومثل: مالك عن هشام بن عروة أن أباه قال كذا. ومثل: حماد بن زيد عن أيوب أن الحسن قال كذا. ثم قال: فجمهور أهل العلم على أن ((عن)) و((أن)) سواء، وأن ١٩١ الاعتبار ليس بالحروف، وإنما هو باللقاء والمجالسة والسماع والمشاهدة، فإذا كان سماع بعضهم من بعض صحيحاً، كان حديث بعضهم عن بعض أبداً بأي لفظ ورد محمولًا على الاتصال، حتى تتبين فيه علة الانقطاع. قال: وقال البرديجي: ((أن)) محمولة على الانقطاع، حتى يتبين السماع في ذلك الخبر بعينه من طريق آخر، أو يأتي ما يدل على أنه قد شهده وسمعه . قال أبو عمر: هذا عندي لا معنى له، لإجماعهم على أن الإسناد المتصل بالصحابي، سواء قال فيه: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: أو أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال أو: عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: أو سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كل ذلك سواء عند العلماء، والله أعلم، اهـ وعندي أن في الاعتراض على كلام البرديجي بما ذكر عن الصحابة؛ نظراً، لأن غايته أن يكون مرسل صحابي، والأصل روايتهم عن الصحابة، وهم عدول، بخلاف من دونهم، ففيهم العدل وغيره، لكن يجاب على كلام البرديجي بما سبق من صنيع العلماء، وإن كانت ((عن)) ليست صريحة في السماع، لكنّها هي محمولة على ذلك، والله أعلم. فإذا علمت أَنّ (عَنْ)) محمولة على الاتصال، فكذلك: ((أن)) بالشروط السابقة. ويضاف إلى ذلك في ((أن)) أن يكون الراوي يحكي شيئاً - قولًا أو فعلًا - يمكن أن يكون قد شهده وسمعه من شيخه. الجهة الثانية: وذلك إذا قال الراوي: ((إن فلاناً قال أو فعل))، مما لا يمكن أن يكون قد شهده الراوي، مثل أن لا يكون قد أدرك زمانه، كقول عروة: إن عائشة قالت للنبي: كذا وكذا، فهل هو مرسل، لعدم الإتيان بما يبين أنه رواه عن عائشة، أم هو متصل، لأن عروة قد عُرف بالرواية عن عائشة؟ فالظاهر أنه سمع ذلك منها؟ قال ابن رجب رحمه الله بعد ذكره صورة المسألة: هذا فيه خلاف. ثم قال: قال أبو داود: سمعت أبا عبدالله - يعني أحمد - قال: كان ١٩٢ مالك - زعموا أنه يرى - ((عن فلان)) و((أن فلانا)) سواء، وذكر أحمد مثل حديث جابر: أن سُليكاً جاء والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يخطب، وعن جابر عن سُليك أنه جاء والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يخطب قال: وسمعت أحمد، قيل له: إن رجلًا قال: عن عروة، قالت عائشة: يا رسول الله، وعن عروة عن عائشة، سواء؟ قال: كيف هذا سواء؟ ليس هذا بسواء ... ثم ذكر أمثلة، وبيَّن أن أحمد لا يخالف مالكاً فيما إذا كانت ((أنّ)) فيما يمكن مشاهدته، وحمل تفرقة أحمد على ما إذا كان الراوي لا يمكن أن يدرك أو يشاهد ما حكى، بل تَرَجَّى حَمْل كلام البرديجي على هذا القسم. قال: وأما رواية عروة عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وعروة أنَّ عائشة قالت للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فهذا القسم الثاني، هو الذي أنكر أحمد التسوية بينهما. قال: والحفاظ كثيراً ما يذكرون مثل هذا، ويعدونه اختلافاً في إرسال الحديث واتصاله، وهو موجود كثيراً في كلام أحمد وأبي زرعة وأبي حاتم والدار قطني وغيرهم من الأئمة. قال ابن رجب: ومن الناس من يقول: هما سواء، كما ذُكر ذلك لأحمد، وهذا إنما يكون فيمن اشتهر بالرواية عن المحكي قصته، كعروة عن عائشة، أما من لم يعرف له سماع منه، فلا ينبغي أن يحمل على الاتصال، ولا عند من يكتفي بإمكان اللُّقيّ. قال: والبخاري قد يخرج من هذا القسم في ((صحيحه)): كحديث عكرمة أن عائشة قالت للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في قصته امرأة رفاعة، وقد ذكرناه في كتاب النكاح، هذا على تقدير أن يكون عكرمة سمع من عائشة . قال: وقد ذكر الإسماعيلي في ((صحيحه)): أن المتقدمين كانوا لا يفرقون بين هاتين العبارتين، وكذلك ذكر أحمد أيضاً، أنهم كانوا يتساهلون في ذلك، مع قوله: إنهما ليسا سواء، وأن حكمهما مختلف، لكن كان يقع ١٩٣ ذلك منهم أحياناً على وجه التسامح وعدم التحرير. قال: قال أحمد في رواية الأثرم في حديث سفيان عن أبي النضر عن سليمان بن يسار عن عبدالله بن حذافة في النهي عن صيام أيام التشريق : ومالك قال فيه: عن سليمان بن يسار أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بعث عبدالله بن حذافة. قال أحمد: هو مرسل، سليمان بن يسار لم يدرك عبدالله بن حذافة، قال: وهم كانوا يتساهلون بين ((عن عبدالله بن حذافة)) وبين ((أنَّ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بعث عبدالله بن حذافة)). قيل له: وحديث أبي رافع: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بعثه يخطب ميمونة، وقال مطر عن أبي رافع؟ قال: نعم، وذاك أيضاً، اهـ من ((شرح علل الترمذي)» (٢/ ٦٠١ - ٦٠٥). فالحاصل من كلام أهل العلم الذي تعرض له ابن رجب: أن الراوي إذا قال: ((إنّ فلان قال)) وحكى روايةً يمكن أن يشهدها، فـ ((أنّ)) كـ ((عن)) في هذه الحالة، وإن حكى رواية لا يمكن أن يشهدها، فالذي رجّحه أحمد أن الرواية لا تكون متصلة، وبعضهم لا يرى التفرقة، وحمل ابن رجب تسوية هؤلاء على الراوي المشهور بالرواية عن شيخه، أي أن الراجح أنه سمع ذلك منه، وإن كان الظاهر في الرواية الإرسال، لا سيما وقد عُرف عن المتقدمين التسامح وعدم تحرير العبارة في ذلك، كما قال أحمد والإسماعيلي، والله أعلم. وقد تكلم الحافظ في ((النكت)) (٢/ ٥٩٠ - ٥٩٢) على هذه المسألة، وجعل كلام مالك في التسوية، وكلام أحمد في التفرقة، أن ذلك كله ليس على إطلاقه، قال: وذلك يتبين مِن نص سؤال كل منهما عن ذلك. أما مالك، فإنه سئل عن قول الراوي: ((عن فلان أنه قال كذا)) و ((أن فلاناً قال كذا)) فقال: هما سواء، وهذا واضح. وأما أحمد، فإنه قيل له: إن رجلًا قال: عن عروة عن عائشة، وعن ١٩٤ عروة أن عائشة رضي الله عنها سألت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، هل هما سواء؟ فقال: كيف يكونان سواء؟ ليسا سواء. قال الحافظ: فقد ظهر الفرق بين مراد مالك وأحمد. قال: وحاصله أن الراوي إذا قال: ((عن فلان))، فلا فرق أن يضيف إليه القول أو الفعل في اتصال ذلك عند الجمهور، بشرطه السابق، وإذا قال: ((إن فلاناً)) ففيه فرق: وذلك أن يُنظر: فإن كان خبرها - أي خبر إنّ - قولًا لم يتعد لمن لم يدركه، وذلك بأن يقول: إنَّ فلاناً قال، فـ((قال)) هي الخبر، التحقت بحكم ((عن)) بلا خلاف، كأن يقول التابعي: إن أبا هريرة رضي الله عنه قال كذا، فهذا نظير ما لو قال: عن أبي هريرة أنه قال: سمعت کذا. وإن كان خبرها - أي خبر إنّ - فعلًا، نُظِر: إن كان الراوي أدرك ذلك؛ التحقت بحكم (عن))، وإن كان لم يدركه؛ لم تلتحق بحكمها. قال: فكون يعقوب بن شيبة قال في رواية عطاء عن ابن الحنفية: إن عماراً مرّ بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: هذا مرسل، إنما هو من جهة كونه أضاف إلى الصيغة الفعل الذي لم يدركه ابن الحنفية، وهو مرور عمار، إذ لا فرق بين أن يقول ابن الحنفية: إن عماراً مرّ بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مرّ بعمار؛ فكلاهما سواء في ظهور الإرسال ولو كان أضاف إليها - أي إلى الصيغة - القول، كأن يقول: عن ابن الحنفية أن عماراً قال: مررت بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لكان ظاهر الاتصال، اهـ. وقد صرح بذلك العراقي في ((التقييد)) (ص: ٨٦) مقوياً لقول من حكم بالإرسال في مثل قول عروة: إن عائشة قالت: يا رسول الله! أو سألت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وإنّما الفرق بين اللفظين، لأن عروة في اللفظ الأول - يعني أن عائشة قالت يا رسول الله!، أو سألَتْ رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم - لم يسند ذلك إلى عائشة ولا أدرك القصة، وإلا فلو قال عروة: إنَّ عائشة ١٩٥ قالت: قلت: يا رسول الله! لكان ذلك متصلًا، لأنَّه أسند ذلك إليها. قال: وأما اللفظ الثاني، وهو قوله: عروة عن عائشة، فأسنده عروة إليها بالعنعنة، فكان ذلك متصلًا، فما فعله أحمد ويعقوب بن شيبة صواب، ليس مخالفاً لقول مالك، ولا لقول غيره، وليس في ذلك خلاف بين أهل النقل. قال: وجملة القول فيه أن الراوي إذا روى قصة أو واقعة: فإن كان أدرك ما رواه، بأن حكى قصة وقعت بين يدي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وبين بعض أصحابه، والراوي لذلك صحابي قد أدرك تلك الواقعة، حكمنا لها بالاتصال، وإن لم نعلم أنَّ الصحابي شهد تلك القصة - وإن علمنا أنه لم يدرك الواقعة، فهو مرسلُ صحابيٍّ، وإن كان الراوي كذلك تابعياً، كمحمد بن الحنفية مثلًا، فهي منقطعة، وإن روى التابعي عن الصحابي قصة أدرك وقوعها، كان متصلًا، ولو لم يصرح بما يقتضي الاتصال، وأسندها إلى الصحابي بلفظ: ((أن فلاناً قال)) أو بلفظ ((قال: قال فلان)) فهي متصلة أيضاً، كرواية ابن الحنفية الأولى - يعني قوله: عن عمار قال - بشرط سلامة التابعي من التدليس، كما تقدم، وإن لم يدركها ولا أسند حكايتها إلى الصحابي؛ فهي منقطعة، كرواية ابن الحنفية الثانية - يعني قوله: إن عماراً مر بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال: فهذا تحقيق القول فيه، وممن حكى اتفاق أهل النقل على ذلك الحافظ أبو عبدالله بن المواق في كتاب ((بغية النقاد))، فذكر مِنْ عند أبي داود حديث عبدالرحمن بن طرفة أن جده عرفجة قطع أنفه يوم الكلاب ... الحديث، وقال: إنه عند أبي داود هكذا مرسل، قال: وقد نبّه ابن السكن على إرساله، فقال ... فذكر الحديث مرسلًا، قال ابن المواق: وهو أمر بيّن لا خلاف بين أهل التمييز من أهل الشأن في انقطاع ما يروى كذلك، إذا عُلم أن الراوي لم يدرك زمان القصة، كما في هذا الحديث، قال: وذكر نحو ذلك أيضاً في حديث أبي قيس: أن عمرو بن العاص كان على سرية ... الحديث في التيمّم من عند أبي داود أيضاً، وكذلك فعل ذلك غيره، وهو أمر واضح بيّن، والله أعلم، اهـ. ١٩٦ وبنحو كلام العراقي هذا، انظر ((الشذا الفياح)) (١/ ١٦٠ - ١٦٤) و((التدريب)) (٢١٤/١) وما بعدها. وقد ذكر الحافظ في ((النكت)) (٢/ ٥٩١ - ٥٩٣) أن شيخه - أي العراقي -، نقل عن ابن المواق تحرير ذلك، واتفاق المحدثين على الحكم بانقطاع ما هذا سبيله، قال: وهو كما قال، لكن في نقل الاتفاق نظر، ونقل كلاماً لابن عبدالبر يشير إلى الاختلاف في ذلك، ثم قال: قلت: وهذا - وإن كنا لا نسلمه لأبي عمر -، فإنه يخدش في نقل الاتفاق(١). ثم نقل الحافظ عن ابن خزيمة ما يدل على انقطاع ما كان من هذا الباب، اهـ ملخصاً. وخلاصة القول في هذه المسألة الثانية: أن الراوي غير الصحابي إذا قال: إِنَّ فلاناً قال كذا، وكان ما حكاه لم يشهده، فالراجح في ذلك الحكم بعدم الاتصال، وإن لم يكن الراوي مدلساً، لأنَّه لم يُسند ذلك إلى من فوقه، ولم يشهد وقوع ما حكى عن شيخه، كما قال الحافظ العراقي - رحمه الله -. إلّا إذا ظهرت قرينة تدل على الاتصال، كأن يأتي الحديث من طريق أُخرى محفوظة، بإسناد ذلك إلى الشيخ أو ما يدل على أنَّ الراوي تسامح في التعبير عند روايته، ولم يحرر عبارته، كما قال أحمد والإسماعيلي، أو يكون الراوي مشهوراً بالرواية عن شيخه، كما قال ابن رجب رحمه الله - مع الحاجة لمزيد تحرير له -، أو يخرج الحديث كذلك البخاري أو مسلم، ولم ينتقد عليهما أو أحدهما في ذلك، فإنه يُحمل في هذه الحالة على ظهور قرينة لهما أو أحدهما تدل على الاتصال، أما هذه الصيغة المجردة - بالشرط السابق - فلا تدل على الاتصال والله أعلم. (تنبيه): قد ترد صيغة ((عن)) في غير السماع، بل وفي غير الاتصال أو الرواية (١) وأشار المعلمي - رحمه الله - إلى الخلاف في ذلك، كما في ((التنكيل)) (ص: ٢٧٤) في نهاية القسم الأول في القواعد. ١٩٧ أصلًا، انظر ((شرح علل الترمذي)) لابن رجب (٦٠٣/٢)، و((التبصرة والتذكرة)) للعراقي (١/ ١٦٥ - ١٦٧) (١٧٢ - ١٧٣)، و((النكت)) (٥٨٦/٢) وما بعدها، و ((توضيح الأفكار)) (١/ ٣٣٦ - ٣٣٧). تنبيه آخر: ذكر العلامة المعلمي رحمه الله في ((التنكيل)) (ص: ٢٧٣ - ٢٧٤) أن كلمة ((عن)) ليست من لفظ الراوي الذي يُذكر اسمه قبلها، بل هي من لفظ من دونه، وذلك كما لو قال همام: حدثنا قتادة عن أنس، فكلمة ((عن)) من لفظ همام؛ لأنَّها متعلقة بكلمة: ((حدثنا)) وهي من قول همام ... إلى آخر ما قال - رحمه الله -، فارجع إليه لنفاسته في هذا الباب، والله أعلم. س ٢١٩: هل يُقبل بعض حديث الكذابين والمتروكين، أم يُردُّ مطلقاً؟ ج ٢١٩: يُفَرّق بين الكذاب الذي تاب، وبين الذي لم يتب، ويفرق بين الكذاب في حديث الناس، وبين الكذاب في حديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ويُلْحَق به من كان متروكاً، لا عن كذب في الرواية، ويفرق بين من تعمد الكذب، ومن لم يتعمده، وكذا من كذب في الأحكام، ومن كذب في الرقاق. فهذه المواضع قد فرق بعض أهل العلم بينها: ● فأما الكذاب في الرواية ــ غير التائب ـ، فلا تقبل روايته، ولا کرامة . • وأما الكذاب في الرواية، لكنه قد تاب، فقد اختلف فيه أهل العلم: وأكثر أهل العلم على أنه لا تقبل روايته، وإن تاب. قال الخطيب في ((الكفاية)) (ص: ١٩٠ - ١٩٢): فأما الكذب على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بوضع ١٩٨ الحديث وادعاء السماع، فقد ذكر غير واحد من أهل العلم، أنَّه يوجب رد الحديث أبداً، وإن تاب فاعله، ثم قال: حدّثت عن عبدالعزيز بن جعفر الحنبلي ثنا أحمد بن محمد بن هارون الخلال، قال: أخبرني موسى بن محمد الوراق، قال: حدثنا أبو عبدالرحمن عبيدالله بن أحمد الحلبي، قال: سألت أحمد بن حنبل عن محدث كذب في حديث واحد، ثم تاب ورجع؟ قال: توبته فيما بينه وبين الله - تعالى -، ولا يُكتب حديثه أبداً. قال: أخبرنا محمد بن أحمد بن حسون النرسي قال: ثنا أحمد بن منصور النوشري، قال: ثنا محمد بن مخلد بن حفص، قال: ثنا أحمد بن يحيى بن أبي العباس الخوارزمي، قال: ثنا ابن قهزاذ، قال سمعت عبدالعزيز بن أبي رزمة يقول: قال عبدالله بن المبارك: من عقوبة الكذب(١) أن يُرد عليه صدقه. قال: أخبرنا أبو الحسين علي بن محمد بن عبدالله المعدل، قال: أنا أحمد بن محمد بن جعفر الجوزي، قال: ثنا أبو بكر عبدالله بن محمد بن أبي الدنيا، قال حدثني أبو صالح المروزي، قال رافع بن أشرس: كان يقال: ((إن من عقوبة الكذاب: أن لا يُقبل صدقه))، قال: وأنا أقول: ومن عقوبة المبتدع: أن لا تذكر محسانه ... ثم قال: أخبرنا أبو نعيم الحافظ، قال: ثنا أبو علي محمد بن أحمد بن الحسين(٢)، قال: ثنا بشر بن موسى، قال: قال عبدالله بن الزبير الحميدي: فإن قال قائل: فما الذي لا يُقبل به حديث الرجل أبداً؟ قلت: هو إن يُحدِّث عن رجل أنه سمعه، ولم يدركه، أو عن رجل أدركه، ثم وجد عليه أنه لمن يسمع منه، أو بأمر يتبين عليه في ذلك كذب، فلا يجوز حديثه أبداً، لما أدرك عليه من الكذب فيما حدث به ... ، اهـ. قلت: أما أثر الإمام أحمد فسنده ضعيف، لأن الخطيب أبهم شيخه، فقال: حُدُثْت عن عبدالعزيز بن جعفر الحنبلي. (١) كذا، ولعله الكذاب، كما عند ابن أبي الدنيا. (٢) كذا، ولعله: الحسن. ١٩٩ وأثر ابن المبارك فيه أحمد بن يحيى بن أبي العباس الخوارزمي، قال الدارقطني: لا يحتج به، اهـ من («تاريخ بغداد)» (٢٠٤/٥)، لكن له طريق أخرى جيدة عند ابن أبي الدنيا في ((الصمت)) كما في ((مجموعة رسائل ابن أبي الدنيا)) (٣١٠/٥) برقم (٥٥٠). وليس فيه تصريح بموضع النزاع، في حق التائب، والله أعلم. وأثر الحميدي صحيح، لكنه ليس بصريح في حق من تاب من الكذب، والله أعلم. قال الخطيب - رحمه الله - بعد ذكره ما سبق من آثار: قلت: هذا الحكم فيه إذا تعمد الكذب، وأقرّبه، كما أخبرنا محمد بن أحمد بن رزق، قال: أنا عثمان بن أحمد الدقاق، قال: ثنا حنبل بن إسحاق، قال: ثنا علي - يعني ابن المديني - قال سمعت يحيى - وهو ابن سعيد القطان - يحدث عن سفيان قال، قال لي الكلبي؛ قال لي أبو صالح: كل ما حدثتك به كذب - قلت: كذا، والصواب: قال لنا الكلبي: ما حدثت عن أبي صالح ..... فهو كذب لا ترووه - قال: فأما إذا قال: كنت أخطأت فيما رويته، ولم أتعمد الكذب، فإن ذلك يُقبل منه، وتجوز روايته بعد توبته، سمعت القاضي أبا الطيب طاهر بن عبدالله الطبري يقول: إذا روى المحدث خبراً، ثم رجع عنه، وقال: كنت أخطأت فيه، وجب قبول قوله: لأن الظاهر من حال العدل الثقة الصدق في خبره، فوجب أن يُقبل رجوعه عنه، كما تقبل روايته، وإن قال: كنت تعمدت الكذب فيه، فقد ذكر أبو بكر الصيرفي في كتاب الأصول: أنه لا يُعْمَل بذلك الخبر ولا بغيره من روايته، ... ثم ساق سنده إلى حسين بن حبان، قال: قلت ليحيى بن معين: ما تقول في رجل حدث بأحاديث منكرة، فردها عليه أصحاب الحديث، إن هو رجع عنها، وقال: ظننتها، فأما إذا أنكرتموها ورددتموها عليَّ، فقد رجعت عنها؟ فقال: لا يكون صدوقاً أبداً، إنما ذلك الرجل يشتبه له الحديث الشاذ والشيء، فيرجع عنه، فأما الأحاديث المنكرة التي لا تشتبه لأحد فلا، فقلت ٢٠٠