النص المفهرس
صفحات 161-180
رضي الله عنهم، ولذلك عاب الأئمة التدليس، ولم يعيبوا الإرسال، ومع أنَّ التدليس فيه شبهة الانقطاع؛ إلّا أنَّ جمهور من احتجّ بالمرسل - وهو انقطاع جلي - لم يحتجّ بالمدلّس، من أجل تهمة الإيهام، انظر ((الشذا الفياح)) (ص: ١٧٨). ولو نظرنا إلى الأسباب التي حملت المدلسين على التدليس، ما وجدنا واحداً منها يصح أن يُطْلَق في حق الصحابة - رضي الله عنهم -. وهاك الأغراض التي حملت المدلسين على التدليس: ١- ضعف الشيخ الذي حدثه بذلك. ٢- كثرة روايته عن شيخه، فيحتاج إلى إسقاطه، كي لا يُظن به أنه ليس له إلا هذا الشيخ، أو يعرِّفه بغير ما هو مشهور به، ليوهم كثرة المشايخ. ٣- تأخر وفاة شيخه، فيأنف من مشاركة الصغار معه في السماع منه، فیدلسه . ٤- صغر شیخه. ٥- إيهام الرحلة، وذلك في تدليس البلدان. ٦- الإغراب في الرواية. ٧- العداوة التي بين التلميذ والشيخ، وقد ذكر ذلك العلائي؛ مستدلاً بما جرى بين البخاري والذهلي، وفيه بحث. ٨- طلب العلو. ٩- تحسين الحديث، وإظهاره مستوياً بالثقات، كما في تدليس التسوية . ١٠- التفنن في العبارة، وتنويع صيغ الرواية، كما كان الخطيب لهجاً بذلك . ١١- قصد الدفاع عن الشيخ، كما جرى من الوليد بن مسلم في حق الأوزاعي. ١٦١ ١٢- الخوف من رد الحديث، إذا كان المستمع لا يحب راويه، كالرواية عند النواصب عن رجل من أهل البيت. ومصادر أكثر هذه المواضع: ((جامع التحصيل)) (ص: ١٠٤) و ((الشذا الفياح)) (ص: ١٧٧) و ((الموقظة)) (ص: ٣٩ - ٤٠) و ((الكفاية)) (ص: ٥١١، ٥١٨)، ((الاقتراح)) (ص: ٢١٨ - ٢١٩) و((التمهيد)) (١٥/١) و ((التدليس)) للدميني (ص: ٨٣- ٩٣). وقد عاب الأئمة التدليس بخلاف الإرسال، فقال حماد بن زيد وأحمد: لا أعلم المدلس إلّا متشبعاً بما لم يُعط اهـ من ((جامع التحصيل)) (ص: ٩٨) وانظر قول حماد في ((المعرفة)) للحاكم (ص: ١٠٣)، و ((الكفاية)) (ص: ٥٠٩) وقال يزيد بن هارون: هو من التزين، اهـ من ((التمهيد)) (٢٧/١). وقال المعافى بن عمران بنحوه، انظر ((الكفاية)) (ص: ٥٠٨) و ((المقنع)) (١٦٣/١) وقال جرير بن حازم: أدنى ما يكون فيه أن يُرِيَ الناس أنه سمع ما لم يسمع اهـ من ((الكفاية)) (ص: ٥٠٨) وانظر (ص: ٥١٠ - ٥١١، ٥١٥) وقال عبدالوارث بن سعيد: التدليس ذل، كما في ((المعرفة)) للحاكم (ص: ١٠٣). وكل هذه الأوصاف لا توجد في واحد من الصحابة، وحاشاهم من ذلك - رضي الله عنهم -. لكن في ((النبلاء)) (٦٠٨/٢) ترجمة أبي هريرة - رضي الله عنه -: قال يزيد بن هارون: سمعت شعبة يقول: كان أبو هريرة يدلس. قال الذهبي: قلت: تدليس الصحابة كثير، ولا عيب فيه، فإن تدليسهم عن صاحب أكبر منهم، والصحابة كلهم عدول، اهـ. قلت: قول شعبة أسنده ابن عدي في (الكامل)) (٨١/١) في الكلام على شعبة، قال ابن عدي: أخبرنا الحسن بن عثمان التستري نا سلمة بن شبيب، قال: سمعت شعبة يقول: أبو هريرة كان يدلس اهـ. والتستري كذاب وضاع، والله أعلم. ١٦٢ وقال الحافظ في ((النكت)) (٢/ ٦٢٣ - ٦٢٤): واعلم أن التعريف الذي ذكرناه للمرسل(١)، ينطبق على ما يرويه الصحابة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مما لم يسمعوه منه، وإنّما لم يطلقوا عليه اسم التدليس أدباً، على أن بعضهم أطلق ذلك ... ثم ذكر ما في ((الكامل))، ثم قال: والصواب ما عليه الجمهور من الأدب في عدم إطلاق ذلك، والله الموفق، اهـ. قلت: والذي يترجح عندي عدم إطلاق ذلك في حق الصحابة من الأصل، لأنَّهم لم يقصدوا الإيهام بذلك، وهذا القيد مذكور في تعريف أكثر العلماء، كما سبق، وكل ما ذُكر من أسباب التدليس لا يوجد فيهم، والعلة التي من أجلها عاب الأئمة التدليس، لا توجد فيهم، ولم أقف إلّا على قول الذهبي بذلك، وكلام شعبة لا يصح إليه، ومما يدل على اعتبار قصد من يُرمى بالتدليس، ما جاء في ((معرفة علوم الحديث)) للحاكم (ص: ١٠٣- ١٠٤) حيث قسم أجناس المدلسين إلى ستة أجناس. فقال: فمن المدلسين؛ من دلس عن الثقات الذين هم في الثقة مثل المحدث، أو فوقه، أو دونه؛ إلّا أنَّهم لم يخرجوا من عداد الذين يقبل أخبارهم، فمنهم من التابعين أبو سفيان طلحة بن نافع وقتادة وغيرهما ..... ، ثم قال: ففي هؤلاء الأئمة المذكورين بالتدليس من التابعين جماعة وأتباعهم، غير أني لم أذكرهم، فإنَّ غرضهم من ذكر الرواية أن يدعوا إلى الله - عزّ وجلّ -، فكانوا يقولون، قال فلان، لبعض الصحابة، فأما غير التابعين فأغراضهم فيه مختلفة، اهـ. فتأمل قوله: غير أني لم أذكرهم ... إلخ يظهر لك أن الحاكم اعتبر قصد الراوي في التدليس، - وإن كان فيما قرره نظر، فإنهم قد ذكروا في جملة المدلسين بعض التابعين وأتباعهم - والله أعلم. (١) كذا، ولعل الصواب: ((للتدليس)) أو ((للمدلس)) كما يدل عليه السياق. ١٦٣ س ٢١٧: كثر الكلام حول زيادة الثقة في الروايات، ونريد تفصيل مذاهب العلماء في ذلك، مع ترجيح الراجح منها، نظراً لمسيس الحاجة لذلك، ولكثرة ورود هذا في الروايات، ورجوع كثير من الأحكام الفقهية لمثل هذه الزيادات. ج ٢١٧: سبق في هذا الكتاب عند السؤال ٩٣، ٩٤، ٢٠٦ ذِكْر شيء من ذلك على سبيل الإجمال، وهاأنذا أفصّل القول في ذلك في هذا الموضع - إن شاء الله تعالى - وأسأل الله العون والسداد، فأقول: اعلم - علمني الله وإياك - أن هذه المسألة مما اشتهر فيها الخلاف بين المحدثين وبين الفقهاء والأصوليين، ولا شك أن مذهب حذاق المحدثين وفرسان الحديث أولى من مذهب غيرهم، من الذين لم يسبروا غور الروايات، ولم يلازموا الرواة ومجالسهم، ولم يطيلوا النظر في أصول الرواة ورواياتهم، حتى إن المحدثين كانوا يعدون الحروف التي عند الرواة، سواء كان ذلك عن شيخ معين، أو على سبيل الإطلاق، بل بلغ بهم الأمر أنهم يعرفون أن هذه الرواية أشبه بفلان دون فلان، وكان أحدهم يسمع الحديث فيستنكره عند سماعه، وليس معه دليل على نكارته، ثم يتضح له صحة ما ذهب إليه - أحياناً - بعد سنوات. وقد سلّم القاصي والداني من المحدثين والفقهاء والأصوليين بأنَّ معرفة العلل إلهام، وأنَّ العالم بالعلل كالصيرفي الذي يعرف صحيح النقد من مزيّفه، وفي كثير من الأحيان لا يذكر دليله على ذلك، فلماذا - بعد هذا كله - ينفرد جمهور الفقهاء والأصوليين والمتكلمين بمذهب يخالف ما عليه هؤلاء الأئمة الجهابذة؟ ثم لماذا يجد هذا التفرد وجاهة عند البعض؟ وكل عِلْم يؤخذ عن أهله وعلمائه؟ هذا جواب مجمل، وسأسرد المذاهب - بمشيئة الله، عزّ وجلّ - مع أدلتها، والقائلين بها، وسيظهر لك من الجواب المفصل - إن شاء الله، عزّ وجلّ - صحة مذهب المحدثين. فاعلم أن مذهب أئمة الحديث أنهم لا يقبلون الزيادة من الثقة مطلقاً، ١٦٤ ولا يردونها مطلقاً، بل يدورون مع القرائن التي تحف كل حديث، فتارة يقبلونها، وأُخرى يردونها، وأُخرى يتوقفون فيها، وإليك أقوال أهل العلم في ذلك - دون التزام بالترتيب الزمني: قال الإمام مسلم - رحمه الله - في ((مقدمة التمييز)) (ص: ١٧٢) أثناء كلامه حول خطأ الرواة : والجهة الأخرى أن يروى نفر من حفاظ الناس حديثاً عن مثل الزهري أو غيره من الأئمة، بإسناد واحد، ومتن واحد، مجتمعون على روايته في الإسناد والمتن، لا يختلفون فيه في معنى، فيرويه آخر سواهم عمن حدث عنه النفر الذين وصفناهم بعينه، فيخالفهم في الإسناد، أو يقلب المتن، فيجعله بخلاف ما حكى من وصفنا من الحفاظ، فيعلم حينئذٍ أن الصحيح من الروايتين: ما حدث الجماعة من الحفاظ، دون الواحد المنفرد، وإن كان حافظاً، على هذا المذهب رأينا أهل العلم بالحديث، يحكمون في الحديث، مثل شعبة وسفيان بن عيينة ويحيى بن سعيد وعبدالرحمن بن مهدي وغيرهم من أئمة أهل الحديث، وسنذكر من مذاهبهم وأقوالهم في حفظ الحفاظ وخطأ المحدثين في الروايات، ما يستدل به على تحقيق ما فسرت لك، إن شاء الله اهـ ـ ثم ذكر في كتابه أمثلة تدل على ما قال - رحمه الله -. - وقد نقل الحافظ في ((النكت)) (٢/ ٦٠٤ - ٦٠٥) كلام ابن دقيق العيد في مقدمة ((شرح الإلمام)) فقال: من حكى عن أهل الحديث أو أكثرهم أنه إذا تعارض روايةُ مُرسِل ومُسْنِد، أو رافع وواقف، أو ناقص وزائد، أن الحكم للزائد؛ فلم يُصِيب في هذا الإطلاق، فإن ذلك ليس قانوناً مطرداً، وبمراجعة أحكامهم الجزئية؛ يُعرف صواب ما نقول، اهـ. قال الحافظ: وبهذا جزم الحافظ العلائي، فقال: كلام الأئمة المتقدمين في هذا الفن كعبدالرحمن بن مهدي ويحيى بن سعيد القطان وأحمد بن حنبل والبخاري وأمثالهم، يقتضي أنهم لا يحكمون في هذه المسألة بحكم كلي، بل عملهم في ذلك دائر مع الترجيح، بالنسبة إلى ما يَقْوَى عند أحدهم في كل حديث حديث، اهـ. ١٦٥ قال الحافظ: وهذا العمل الذي حكاه عنهم؛ إنّما هو فيما يظهر لهم فيه الترجيح، وأما ما لا يظهر فيه الترجيح، فالظاهر أنه المفروض في أصل المسألة ... اهـ. - وذكر الحافظ استدلال من استدل على قبول الزيادة مطلقاً، بقول البخاري في حديث: ((لا نكاح إلَّا بِوَلي)): والزيادة من الثقة مقبولة، يعني رواية إسرائيل الذي أسندها، خلافاً لمن أرسلها، ثم قال الحافظ : لكن الاستدلال بأن الحكم للواصل دائماً على العموم من صنيع البخاري في هذا الحديث الخاص: ليس بمستقيم، لأن البخاري لم يحكم فيه بالاتصال من أجل كون الوصل زيادة، وإنّما حكم له بالاتصال لمعان أُخرى رَجَّحَتْ عنده حكم الموصول ... ثم ذكرها ... ثم قال: فتبين أن ترجيح البخاري لوصل هذا الحديث على إرساله، لم يكن لمجرد أن الواصل معه زيادة ليست مع المرسِل، بل بما يظهر من قرائن الترجيح، ويزيد ذلك ظهوراً: تقديمه الإرسال في مواضع أخر ... ثم ذكر أمثلة قدم فيها البخاري المرسَل، ثم قال: فتبين أنه ليس له عمل مطرد في ذلك، والله أعلم اهـ من ((النكت)) (٢/ ٦٠٥ - ٦٠٩). - وفي ((جزء القراءة خلف الإمام)) للبيهقي (ص: ١٣٨) قال البيهقي: وذكر محمدُ بن إسحاق بن خزيمة رحمه الله فصلًا في زيادة من زاد في هذه الأخبار: ((وإذا قرأ فأنصتوا)) قال: لسنا ندفع أن تكون الزيادة في الأخبار مقبولة من الحفاظ، ولكنّا إنّما نقول: إذا تكافأت الرواة في الحفظ والإتقان والمعرفة بالأخبار، فزاد حافظ متقن عالم بالأخبار كلمةً قُبلت زيادته، لا أنَّ الأخبار إذا تواترت بنقل أهل العدالة والحفظ بخبر، فزاد راوٍ ليس مثلهم في الحفظ والإتقان زيادة، أن تلك الزيادة تكون مقبولة. اهـ. ثم ذكر البيهقي أن الشافعي - رحمه الله - رجح رواية الأحفظ والأكثر، وذكر أمثلة لذلك. وقد نقل الحافظ كلام ابن خزيمة - مختصراً - في ((النكت)) (٢/ ٦٨٨ - ٦٨٩) وعزاه لابن خزيمة في ((صحيحه)) فالله أعلم -. ١٦٦ - قال الحافظ: وقال الترمذي في ((أواخر الجامع)): وإنما تقبل الزيادة ممن يُعتمد على حفظه، قال: وفي ((سؤالات السهمي للدارقطني)): سئل عن الحديث إذا اختلف فيه الثقات؟ قال: يُنظر ما اجتمع عليه ثقتان، فيُحكم بصحته، أو ما جاء بلفظة زائدة، فتقبل تلك الزيادة من متقن، ويُحكم لأكثرهم حفظاً وثبتاً على من دونه -. قال الحافظ: قلت: وقد استعمل الدارقطني ذلك في ((العلل))، و ((السنن)) كثيراً ... ثم ذكر مثالًا لذلك، ثم قال: وقال ابن عبدالبر في ((التمهيد)): إنما تقبل الزيادة من الحافظ، إذا (ثبتت) عنه، وكان أحفظ وأتقن ممن قصر، أو مثله في الحفظ، لأنه كأنه حديث آخر مستأنف، وأما إذا كانت الزيادة من غير حافظ ولا متقن، فإنها لا يلتفت إليها ... قال: فحاصل كلام هؤلاء الأئمة: أن الزيادة إنما تقبل ممن يكون حافظاً متقناً، حيث يستوي مع من زاد عليهم في ذلك، فإن كانوا أكثر عدداً منه، أو كان فيهم من هو أحفظ منه، أو كان غير حافظ، ولو كان في الأصل صدوقاً، فإن زيادته لا تقبل، وهذا مغاير لقول من قال: زيادة الثقة مقبولة، وأطلق، والله أعلم اهـ من ((النكت)) (٢/ ٦٨٩ - ٦٩٠). - وقد ذكر ابن رجب رحمه الله فصلًا في زيادة الثقة، في كتابه القيم: ((شرح علل الترمذي)) فقال: قال أبو عيسى - رحمه الله -: ورُبَّ حديث استُغْرِب لزيادة تكون في الحديث، وإنّما يصح إذا كانت الزيادة ممن يعتمد على حفظه، مثل ما روى مالك بن أنس عن نافع عن ابن عمر، قال: ((فرض رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم زكاة الفطر في رمضان على كل حر أو عبد ذكر أو أنثى من المسلمين: صاعاً من تمر، أو صاعاً من شعير، فزاد مالك في هذا الحديث: ((من المسلمين)) .... ثم ذكر من لم يزدها، ومن تابع مالكاً عليها، قال الترمذي: وقد أخذ غير واحد من الأئمة بحديث مالك، واحتجوا به: منهم الشافعي وأحمد بن حنبل، قالا: إذا كان للرجل عبيد غير مسلمين، لم يؤد زكاة الفطر عنهم، واحتجا بحديث مالك. ١٦٧ قال: فإذا زاد حافظ ممن يعتمد على حفظه قُبل ذلك (منه) اهـ. كلام الترمذي - قال ابن رجب: هذا - أيضاً - نوع من الغريب، وهو أن يكون الحديث في نفسه مشهوراً، لكن يزيد بعض الرواة في متنه زيادة تستغرب، وقد ذكر الترمذي أنَّ الزيادة إن كانت من حافظ يعتمد على حفظه؛ فإنها تقبل، يعني: وإن كان الذي زاد ثقة، لا يعتمد على حفظه لا تقبل. قال: وهذا - أيضاً - ظاهر كلام الإمام أحمد، قال في رواية صالح: قد أنكر على مالك هذا الحديث يعني زيادته: ((من المسلمين))، ومالك إذا انفرد بحديث هو ثقة، وما قال أحد ممن قال بالرأي أثبت منه، يعني في الحديث، وقال: قد رواه العمري الصغير والجمحي ومالك - قال ابن رجب: فذكر أحمد أن مالكاً يُقبل تفرده، وعلل بزيادته في التثبيت على غيره، وبأنَّه قد توبع على هذه الزيادة. قال: وقد ذكرنا هذه الزيادة، ومن تابع مالكاً عليها في كتاب الزكاة، ولا تخرج بالمتابعة عن أن تكون زيادة من بعض الرواة، لأنَّ عامة أصحاب نافع لم یذکروها. وقد قال أحمد في رواية عنه: كنت أتهيّب حديث مالك: ((من المسلمين)) يعني: حتى وجده من حديث العمريَّيْن، قيل له: أمحفوظ هو عندك ((من المسلمين))؟ قال: نعم. قال: وهذه الرواية تدل على توقفه في زيادة واحد من الثقات، ولو كان مثل مالك، حتى يتابع على تلك الزيادة، وتدل على أن متابعة مثل العمري لمالك؛ مما يقوي رواية مالك، ويزيل عن حديثه الشذوذ والإنكار. قال: وسيأتي فيما بعد - إن شاء الله - عن يحيى القطان نحو ذلك - أيضاً -. وكلام الترمذي ههنا يدل على خلاف ذلك، وأن العبرة برواية مالك، وأنَّه لا عبرة بمن تابعه ممن لا يعتمد على حفظه ... ثم ذكر أمثلة، ثم قال: فالذي يدل عليه كلام الإمام أحمد في هذا ١٦٨ الباب: أنَّ زيادة الثقة للفظة في حديث من بين الثقات، إن لم يكن مبرزاً في الحفظ والتثبت على غيره ممن لم يذكر الزيادة، ولم يتابع عليها، فلا يُقبل تفرده، وإن كان ثقة مبرزاً في الحفظ على من لم يذكرها: ففيه عنه روايتان، لأنه قال مرة في زيادة مالك: ((من المسلمين)) كنت أتهيبه، حتى وجدته من حديث العمريَّيْن، وقال مرة: إذا انفرد مالك بحديث: هو ثقة، وما قال أحد بالرأي أثبت منه ... قال: وأما أصحابنا الفقهاء، فذكروا في كتب أصول الفقه في هذه المسألة روايتين عن أحمد: بالقبول مطلقاً، وعدمه مطلقاً، ولم يذكروا نصاً له بالقبول مطلقاً، مع أنهم رجحوا هذا القول، ولم يذكروا به نصاً عن أحمد، وإنما اعتمدوا على كلام له، لا يدل على ذلك، مثل قوله في فوات الحج: جاء فيه روايتان: إحداهما في زيادة دم، قال: والزائد أولى أن يُؤخذ، وهذا ليسٍ مما نحن فيه، فإن مراده: أن الصحابة رَوى بعضهم فيمن يفوته الحج أن عليه القضاء، وعن بعضهم عليه القضاء مع الدم، فأخذ بقول من زاد الدم، فإذا رُوي حديثان مستقلان في حادثة، وفي أحدهما زيادة، فإنَّها تُقبل من الثقة، كما لو انفرد الثقة بأصل الحديث، وليس هذا من باب زيادة الثقة، ولا سيما إذا كان الحديثان موقوفين على صحابيين، وإنّما قد يكون أحياناً من باب المطلق والمقيد. قال: وأما مسألة زيادة الثقة التي نتكلم فيها ههنا، فصورتها: أن يروى جماعة حديثاً واحداً بإسناد واحد، ومتن واحد، فيزيد بعض الرواة فيه زيادة، لم يذكرها بقية الرواة. قال: ومن الأصحاب من قال في هذه المسألة: إنْ تَعَدَّدَ المجلس الذي نُقل فيه الحديث: قُبلت الزيادة، وإن كان المجلس واحداً، وكان الذي ترك الزيادة جماعة لا يجوز عليهم الوهم: لم تقبل الزيادة، وإن كان ناقل الزيادة جماعة كثيرة قُبلت، وإن كان راوي الزيادة واحداً، والنقصان واحداً، قُدم أشهرهما وأوثقهما في الحفظ والضبط. ١٦٩ قالوا: وإن خالفت الزيادة ظاهر المزيد عليه، لم تقبل، وحملوا كلام أحمد في حديث السعاية على ذلك. قال: وليس في كلام أحمد تعرض لشيء من هذا التفصيل، وإنما يدل كلامه على ما ذكرناه أولًا ... ثم ذكر من نسب قبول الزيادة للشافعي؛ ما لم تخالف المزيد، وكان راويها ثقة، ثم قال : وفي حكاية ذلك عن الشافعي نظر، فإنه قال في الشاذ: هو أن يروى ما يخالف الثقات، وهذا يدل على أن الثقة إذا انفرد عن الثقات بشيء، أنه يكون ما انفرد به عنهم شاذاً غير مقبول، والله أعلم - اهـ كلام الشافعي. وسيأتي نحوه من كلام الحافظ ابن حجر، ورده على الشافعية المخالفين لهذا - قال ابن رجب: ولا فرق في الزيادة بين الإسناد والمتن، كما ذكرنا في حديث النكاح بلا ولي، وقد تكرر في هذا الكتاب ذكر الاختلاف في الوصل والإرسال، والوقف والرفع، وكلام أحمد وغيره من الحفاظ يدور على اعتبار قول الأوثق في ذلك والأحفظ أيضاً. قال: وقد قال أحمد في حديث أسنده حماد بن سلمة: أي شيء ينفع وغيره یرسله؟ قال: وذكر الحاكم أن أئمة الحديث على أن القول قول الأكثرين، الذين أرسلوا الحديث، وهذا يخالف تصرفه في ((المستدرك)). قلت: وصنيع الحاكم في ((معرفة علوم الحديث)) في النوع السابع والعشرين من علوم الحديث (ص: ١١٢) وما بعدها يدل على ذلك - وكذا ما صرّح في النوع الثالث من أقسام الصحيح المختلف فيه، في كتابه: ((المدخل إلى معرفة الإكليل)) حيث جعل مذهب المحدثين تقديم الأكثر، خلافاً للفقهاء، انظر مقدمة ((جامع الأصول)) لابن الأثير (١٧٠/١) و((توضيح الأفكار)) (٩١/١) و((النكت)) للحافظ (٣٦٧/١) مختصراً. وانظر صنيع الحاكم في النوع الثامن عشر في معرفة الشاذ من الحديث ١٧٠ (ص: ١١٩) وما بعدها من ((معرفة علوم الحديث)). قال ابن رجب رحمه الله: وقد صنّف في ذلك الحافظ أبو بكر الخطيب مصنفاً حسناً سماه: ((تمييز المزيد في متصل الأسانيد)) وقسمه قسمين : أحدهما: ما حكم فيه بصحة ذكر الزيادة في الإسناد وتركها. والثاني: ما حكم فيه برد الزيادة وعدم قبولها. قال: ثم إن الخطيب تناقض، فذكر في كتاب ((الكفاية)) للناس مذاهب في اختلاف الرواة في إرسال الحديث ووصله، كلها لا تعرف عن أحد من متقدمي الحفاظ، إنما هي مأخوذة من كتب المتكلمين (١)، ثم إنَّه اختار أن الزيادة من الثقة تقبل مطلقاً، كما نصره المتكلمون وكثير من الفقهاء، وهذا يخالف تصرفه في كتاب ((تمييز المزيد)). قال: وقد عاب تصرفه في كتاب ((تمييز المزيد)) بعض محدثي الفقهاء، وطمع فيه لموافقته لهم في كتاب ((الكفاية)) ... ثم ذكر كلام البخاري في حديث: ((لا نكاح إلَّا بِوَلِي))، ثم قال: وهذه الحكاية إن صحت، فإنّما مراده الزيادة في هذا الحديث، وإلّا فمن تأمل كتاب ((تاريخ البخاري)) تبيّن له قطعاً أنَّه لم يكن يرى أنَّ زيادة كل ثقة في الإسناد مقبولة. قال: وهكذا الدارقطني يذكر في بعض المواضع أن الزيادة من الثقة مقبولة، ثم يردُّ في أكثر المواضع زيادات كثيرة من الثقات، ويرجح الإرسال على الإسناد، فدل على أن مرادهم زيادة الثقة في مثل تلك المواضع الخاصة، وهي إذا كان الثقة مبرزاً في الحفظ. (١) قلت: قد نقل قول الحذاق من الحفّاظ في جملة المذاهب التي ذكرها - كما سيأتي - لكنه رجح مذهب الفقهاء إلّا أن يكون مراد ابن رجب - رحمه الله - أنَّ الخطيب لم يذكر مذهب الحفاظ في الرجوع للقرائن إنّما أطلق عنهم رد الزيادة، فنعم، والله أعلم. ١٧١ وقال الدارقطني في حديث زاد في إسناده رجلان ثقتان رجلًا، وخالفهما الثوري فلم يذكره، قال: لولا أنَّ الثوري خالف؛ لكان القول قول من زاد فيه، لأنَّ زيادة الثقة مقبولة، وهذا تصريح بأنَّه إنما يقبل زيادة الثقة؛ إذا لم يخالفه من هو أحفظ منه -، اهـ من ((شرح علل الترمذي)) (٢/ ٦٣٠ - ٦٣٩). - وقال الزيلعي في ((نصب الراية)) (١/ ٣٣٦- ٣٣٧) أثناء كلامه على الإسرار بالبسملة في الصلاة الجهرية: فمن الناس من يقبل زيادة الثقة مطلقاً، ومنهم من لا يقبلها، والصحيح التفصيل، وهو أنها تقبل في موضع دون موضع، فتُقبل إذا كان الراوي الذي رواها ثقة حافظاً ثبتاً، والذي لم يذكرها مثله، أو دونه في الثقة، كما قبل الناس زيادة مالك بن أنس، قوله: ((من المسلمين)) في صدقة الفطر، واحتج بها أكثر العلماء، وتقبل في موضع آخر لقرائن تخصها، ومن حكم في ذلك حكماً عاماً فقد غلط، بل كل زيادة لها حكم يخصها، ففي موضع يجزم بصحتها ... وفي موضع يغلب على الظن صحتها ... وفي موضع يجزم بخطأ الزيادة ... وفي موضع يغلب على الظن خطأها ... وفي موضع يتوقف عن الزيادة ... اهـ، وقد ذكر أمثلة لكل نوع ينازع في بعضها، والله أعلم. وذكر الحافظ في ((النكت)): أن ابن الصلاح قسم الزيادات إلى ثلاثة أقسام : أحدها: ما يقع منافياً لما رواه الثقات، وهذا حكمه الرد - يعني: لأنَّه يصير شاذاً . والثاني: أنَّ لا يكون فيه منافاة، فحكمه القبول، لأنَّه جازم بما رواه، وهو ثقة، ولا معارض لروايته، لأن الساكت عنها لم ينفها لفظاً ولا معنى، لأنَّ مجرد سكوته عنها؛ لا يدل على أنَّ راويها وهم فيها. والثالث: ما يقع بين هاتين المرتبتين، مثل زيادة لفظة في حديث لم يذكرها سائر من روى ذلك الحديث. قال الحافظ: يعني وتلك اللفظة توجب قيداً في إطلاق، أو تخصيصاً لعموم، ففيه مغايرة في الصفة، ونوع مخالفة يختلف الحكم بها. ١٧٢ ثم نقل قول ابن الصلاح على القسم الأخير حيث قال: فهو يشبه القسم الأول من هذه الحيثية، ويشبه القسم الثاني من حيث أنه لا منافاة في الصورة، اهـ. قال الحافظ: قلت: لم يحكم ابن الصلاح على هذا الثالث بشيء، والذي يجري على قواعد المحدثين، أنهم لا يحكمون عليه بحكم مستقل من القبول والرد، بل يرجحون بالقرائن، كما قدمناه في مسألة تعارض الوصل والإرسال، يعني: ما سبق في ((النكت)) (٦٠٣/٢). قال: على أن القسم الأول الذي حكم عليه المصنف - يعني: ابن الصلاح - بالرد مطلقاً، قد نوزع فيه، وجزم ابن حبان والحاكم وغيرهما بقبول زيادة الثقة مطلقاً في سائر الأحوال، سواء اتحد المجلس أو تعدد، سواء أكثر الساكتون أو تساووا. قال: وهذا قول جماعة من أئمة الفقه والأصول، وجرى على هذا الشيخ محيي الدين النووي في مصنفاته . قال: وفيه نظر كثير، لأنَّه يرد عليهم الحديث الذي يتحد مخرجه، فيرويه جماعة من الحفاظ الأثبات على وجه، (ويرويه) ثقة دونهم في الضبط والإتقان على وجه، ويشتمل على زيادة تخالف ما رووه، إمّا في المتن، وإمّا في الإسناد، فكيف تقبل زيادته، وقد خالفه من لا يغفل مثلهم عنها، لحفظهم أو لكثرتهم، ولا سيّما إن كان شيخهم ممن يُجمع حديثه، وتُعتنى بمروياته، كالزهري وأضرابه، بحيث يقال: إنَّه لو رواها، لسمعها منه حفاظ أصحابه، ولو سمعوها لرووها، ولَمَا تطابقوا على تركها، والذي يغلب على الظن في هذا وأمثاله تغليط راوي الزيادة، وقد نص الشافعي في ((الأم)) على نحو هذا، فقال في زيادة مالك ومن تابعه في حديث ((فقد عتق منه ما عبق)): إنّما يغلط الرجل بخلاف من هو أحفظ منه، أو بأنَّ يأتي بشيء يشركه فيه من لم يحفظه عنه، وهم عدد، وهو منفرد، اهـ. قال: فأشار إلى أنَّ الزيادة متى تضمنت مخالفة الأحفظ أو الأكثر عدداً، أنَّها تكون مردودة. ١٧٣ وهذه الزيادة التي زادها مالك؛ لم يخالف فيها من هو أحفظ منه ولا أكثر عدداً فتقبل، وقد ذكر الشافعي - رضي الله عنه - هذا في مواضع، وكثيراً ما يقول: العدد الكثير أولى بالحفظ من الواحد ... اهـ. وذكر الحافظ كلام ابن خزيمة والترمذي والدارقطني وغيرهم، وقد سبق ذكره، والله أعلم. هذا، وللحافظ كلام آخر في ((نزهة النظر)) (ص: ٧٠) حيث ذكر معنى ما ذهب إليه ابن الصلاح في التقسيم السابق مختصَراً، ثم قال بعد ذلك (ص: ٧١ - ٧٤): واشتهر عند جمع من العلماء القول بقبول الزيادة مطلقاً من غير تفصيل، ولا يتأتى ذلك على طريق المحدثين الذين يشترطون في الصحيح أن لا يكون شاذاً، ثم يفسرون الشذوذ بمخالفة الثقة لمن هو أوثق منه، والعجب ممن أغفل ذلك منهم، مع اعترافه باشتراط انتفاء الشذوذ في حد الصحيح، وكذا الحسن. قال: والمنقول عن أئمة الحديث المتقدمين: كعبدالرحمن بن مهدي ويحيى القطان وأحمد بن حنبل ويحيى بن معين وعلي بن المديني والبخاري وأبي زرعة وأبي حاتم والنسائي والدارقطني وغيرهم: اعتبار الترجيح فيما يتعلق بالزيادة وغيرها، ولا يُعْرف عن أحد منهم إطلاق قبول الزيادة. قال: وأعجب من ذلك إطلاق كثير من الشافعية القول بقبول زيادة الثقة، مع أنَّ نص الشافعي يدل على غير ذلك، فإنَّه قال في أثناء كلامه على ما يعتبر به حال الراوي في الضبط ما نصه: ويكون إذا شارك أحداً من الحفاظ لم يخالفه، فإن خالفه، فوُجِد حديثه أنقص، كان في ذلك دليل على صحة مخرج حديثه، ومتى خالف ما وصفت؛ أضر ذلك بحديثه. انتھی کلامه. قال الحافظ: ومقتضاه أنَّه إذا خالف فوُجد حديثه أزيد؛ أضر ذلك بحديثه، فدل على أنَّ زيادة العدل عنده؛ لا يلزم قبولها مطلقاً، وإنّما تُقْبل من الحافظ، فإنَّه اعتبر أن يكون حديث هذا المخالف أنقص من حديث من خالفه من الحفاظ، وجعل نقصان هذا الراوي من الحديث دليلاً على ١٧٤ صحته، لأنَّه يدل على تحريه، وجعل ما عدا ذلك مضراً بحديثه، فدخلت فيه الزيادة، فلو كانت عنده مقبولة مطلقاً؛ لم تكن مضرة بحديث صاحبها، والله أعلم اهـ. هذا، وللحافظ كلام في ((هدى الساري)) - سيأتي إن شاء الله تعالى، ولكنه يخالف هذا، والحق فيما حرره هنا، وله قول آخر في ((النكت)) (٦٥٤/٢) فيه أنَّ الشذوذ يقدح في الاحتجاج لا في التسمية، أي: أنّه يسمي الشاذ صحيحاً، ولا يعمل به، وانظر ((التدريب)) (١/ ٦٥ - ٦٦). - وذكر شيخنا أبو عبدالرحمن - سلمه الله - في مقدمة ((الإلزامات والتتبع)) (ص: ٢١) أنَّ الحافظ قال في ((الفتح)) (٣١٢/١٢): والتحقيق أنَّهما - أي: الشيخان - ليس لهما في تقديم الوصل عمل مطرد، بل هو دائر مع القرينة، مهما ترجح بها اعتمداه، وإلّا فكم حديث أعرضا عن تصحيحه للاختلاف في وصله وإرساله. اهـ. وانظر أقوال جماعة من أهل العلم في ((فتح المغيث)) للسخاوي (١/ ٢٤٥ - ٢٥٢) في نوع زيادات الثقات. - وقال البيهقي في ((المدخل إلى السنن الكبرى)) (ص: ٩٢): وترجيح الأخبار إذا اختلفت بكثرة الرواة، وزيادة الحفظ والمعرفة، وتقدم الصحبة، من الأمور المعروفة فيما بين أهل المعرفة بالحديث، وقد أخبر ذو اليدين رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بسهوه، فأقبل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم على القوم، فقال: ((أصدق ذو اليدين؟)) فقالوا: نعم، وفي رواية أخرى: فأومئوا: أي نعم، اهـ. وقال ابن دقيق العيد في ((الاقتراح في بيان الاصطلاح)) (١/ ١٨٦- ١٨٧) في تعريف الصحيح: وزاد أصحاب الحديث: أن لا يكون شاذاً ولا معللًا، وفي هذين الشرطين نظر على مقتضى مذهب الفقهاء، فإن كثيراً من العلل التي يعلل بها المحدثون الحديث، لا تجري على أصول الفقهاء، قال: ومن شرط الحد أن يكون جامعاً مانعاً، اهـ. قال العراقي - مجيباً على ذلك - في ((التقييد والإيضاح)) (ص: ٢٠) ١٧٥ والجواب أنَّ من يصنف في علم الحديث، إنّما يذكر الحد عند أهله، لا من عند غيرهم من أهل علم آخر ... وكون الفقهاء والأصوليين لا يشترطون في الصحيح هذين الشرطين، لا يفسد الحد عند من يشترطهما، على أنَّ المصنف - يعني: ابن الصلاح - قد احترز عن خلافهم، وقال بعد أن فرغ من الحد وما يحترز به عنه: فهذا هو الحديث الذي يحكم له بالصحة بلا خلاف بين أهل الحديث ... اهـ. - وقد قال البقاعي: إنَّ ابن الصلاح خلط هنا طريقة المحدثين بطريقة الأصوليين، فإنَّ للحذاق من المحدثين في هذه المسألة نظراً لم يحكه، وهو الذي لا ينبغي أن يُعدل عنه، وذلك أنَّهم لا يحكمون فيها بحكم مطرد، وإنّما يديرون ذلك على القرائن اهـ. من ((توضيح الأفكار)) (١/ ٣٣٩- ٣٤٠) . - وقال الذهبي في ((الموقظة)) (ص: ٥٢ - ٥٣) في المضطرب والمعلل : وإن كان الحديث قد رواه الثبت بإسناد، أوقفه أو أرسله، ورفقاؤه الأثبات يخالفونه، فالعبرة بما اجتمع عليه الثقات، فإن الواحد قد يغلط، وهنا قد ترجح ظهور غلطه، فلا تعليل، - أي فلا تُعِلُّ روايتُه روايتهم - والعبرة بالجماعة، وإن تساوى العدد، واختلف الحافظان، ولم يترجح الحكم لأحدهما على الآخر، فهذا الضرب يسوق البخاري ومسلم الوجهين منه في كتابيهما، وبالأولى سُوقُهما لما اختلفا في لفظه، إذا أمكن جمع معناه . قال: ومن أمثلة اختلاف الحافظين: أن يُسمى أحدهما في الإسناد ثقة، ويبدله الآخر بثقة آخر، أو يقول أحدهما: عن رجل، ويقول الآخر عن فلان، فيسمى ذلك المبهم، فهذا لا يضر في الصحة، فأما إذا اختلف جماعة فيه، وأتوا به على أقوال عدة، فهذا يوهن الحديث، ويدل على أن راويه لم يتقنه ... اهـ. - وقد استدل ابن الوزير بقصة ذي اليدين على التوقف في قبول خبر ١٧٦ الثقة عند الريبة، لسكوت الجماعة، واختصاص ذي اليدين بالخبر ... وذهب ابن الوزير إلى التفصيل السابق، لا الحكم بالقبول المطلق. انظر ((توضيح الأفكار)) (١/ ٣٤٥ - ٣٤٦)، فقد قال: وأما إذا رواه ثقتان على سواء، أو قريب من السواء، فالحكم لمن زاد، وكذلك إذا كان أحدهما مثبتاً، والآخر نافياً، مع تساويهما أو تقاربهما، فالحكم للمثبت، وبين ذلك مراتب في القوة والضعف لا يمكن حصرها، بل ينظر الناظر في كل ما وقع فيه هذا التعارض، ويعمل بحسب قوة ظنه اهـ. - وقد نقل الحافظ في ((النكت)) (٢/ ٦٩٣ - ٦٩٤) عن ابن الصباغ في ((العدة)) وفخر الدين الرازي قريباً من مذهب المحدثين، هذا ما يسر الله جمعه من أقوال المحدثين في هذه المسألة. وهناك من ذهب إلى قبول الزيادة مطلقاً، وهم جمهور الفقهاء والأصوليين والمتكلمين، وهو صريح كلام الخطيب في ((الكفاية)) وابن القطان والبزار وابن الصلاح - في بعض المواضع - وابن حبان والحاكم في ((المستدرك)) والنووي وآخرين. وهاك الأقوال في ذلك: - قال الخطيب في «الكفاية)»: قال الجمهور من الفقهاء وأصحاب الحديث: زيادة الثقة مقبولة، إذا انفرد بها، ولم يفرقوا بين زيادة يتعلق بها حكم شرعي، أو لا يتعلق بها حكم، وبين زيادة توجب نقصاناً، من أحكام تثبت بخبر ليست فيه تلك الزيادة، وبين زيادة توجب تغيير الحكم الثابت، أو زيادة لا توجب ذلك، وسواء كانت الزيادة في خبر رواه راويه مرة ناقصاً، ثم رواه بعد وفيه تلك الزيادة، أو كانت الزيادة قد رواها غيره، ولم يروها هو. قال: وقال فريق ممن قبل زيادة العدل الذي ينفرد بها: إنما يجب قبولها إذا أفادت حكماً يتعلق بها، وأما إذا لم يتعلق بها حكم فلا. وقال آخرون: يجب قبول الزيادة من جهة اللفظ دون المعنى. ١٧٧ قال: وحُكى عن فرقة ممن ينتحل مذهب الشافعي، أنَّها قالت: تقبل الزيادة من الثقة إذا كانت من جهة غير الراوي، فأما إن كان هو الذي روى الناقص، ثم روى الزيادة بعد، فإنَّها لا تقبل. قال: وقال قوم من أصحاب الحديث: زيادة الثقة إذا انفرد بها غير مقبولة، ما لم يروها معه الحفاظ، وترك الحفاظ لنقلها، وذهابهم عن معرفتها، يوهنها ويضعف أمرها، ويكون معارضاً لها. قال: والذي نختاره من هذه الأقوال: إن الزيادة الواردة مقبولة على كل الوجوه، ومعمول بها إذا كان راويها عدلًا حافظاً، ومتقناً ضابطاً. والدليل على ذلك عدة أمور: أحدها: اتفاق جميع أهل العلم على أنه لو انفرد الثقة بنقل حديث لم ينقله غيره، لوجب قبوله، ولم يكن ترك الرواة لنقله، إن كانوا عرفوه، وذهابهم عن العلم به: معارضاً له، ولا قادحاً في عدالة راويه، ولا مبطلًا له، وكذلك سبيل الانفراد بالزيادة، فإن قيل: ما أنكرت أن يكون الفرق بين الأمرين؛ أنَّه غير ممتنع سماع الواحد الحديث من الراوي وحده وانفراده به، ويمتنع في العادة سماع الجماعة لحديث واحد، وذهاب زيادة فيه عليهم، ونسيانها إلّا الواحد، بل هو أقرب إلى الغلط والسهو منهم، فافترق الأمران؟ قال: قلت: هذا باطل من وجوه غير ممتنعة: أحدها: أن يكون الراوي حدث بالحديث، في وقتين، وكانت الزيادة في أحدهما دون الوقت الآخر. ويحتمل أيضاً، أن يكون قد كرر الراوي الحديث، فرواه أولًا بالزيادة، وسمعه الواحد، ثم أعاده بغير زيادة، اقتصاراً على أنَّه قد كان أتمه من قبل، وضبطه عند من يجب العمل بخبره، إذا رواه عنه، وذلك غير ممتنع. وربما كان الراوي قَدْسَها عن ذكر تلك الزيادة لما كرر الحديث، وتركها غير متعمد لحذفها . ١٧٨ ويجوز أن يكون ابتدأ بذكر ذلك الحديث، وفي أوله الزيادة، ثم دخل داخل فأدرك بقية الحديث، ولم يسمع الزيادة، فنقل ما سمعه، فيكون السامع الأول قد وعاه بتمامه، وقد رُوِيّ مثل هذا في خبر جرى الكلام فيه بين الزبير بن العوام وبين بعض الصحابة، ... وساق قصة، وأخرى في ذلك. ثم قال: ويجوز أن يسمع من الراوي الاثنان والثلاثة، (فينسى) اثنان منهما الزيادة، ويحفظها الواحد ويرويها، ويجوز أن يحضر الجماعة سماع الحديث، فيتطاول حتى يغشى النومُ بعضَهم، أو يشغله خاطر نفس وفِكْر قلب في أمر آخر، فيقتطعه عما سمعه غيره، وربما عرض لبعض سامعي الحديث أمر يوجب القيام، ويضطره إلى ترك استتمام الحديث، وإذا كان ما ذكرناه جائزاً فَسَدَ ما قاله المخالف .... ثم ساق قصة في ذلك. ثم قال: ويدل أيضاً على صحة ما ذكرناه: أنَّ الثقة العدل يقول: سمعت وحفظت ما لم يسمعه الباقون، وهم يقولون: ما سمعنا ولا حفظنا، وليس ذلك تكذيباً له، وإنّما هو إخبار عن عدم علمهم بما علمه، وذلك لا يمنع علمه به، ولهذا المعنى وجب قبول الخبر إذا انفرد به دونهم، ولأجله - أيضاً - قُبلت الزيادة في الشهادة، إذا شهدوا جميعاً بثبوت الحق، وشهد بعضهم بزيادة حق آخر، وبالبراءة منه، ولم يشهد الآخرون. قال: وأما علة من اعتل في ترك قبولها؛ ببُعد ذهابها عن الجماعة، وحِفْظِ الواحد لها، فقد بيَّنا فسادها فيما تقدم، وجواز ذلك من غير وجه. وأما فَضْل من فَصَّل بين أن تكون الزيادة موجبة لحكم، أو غير موجبة له، فلا وجه له، لأَنَّه إذا وجب قبولها مع إيجابها حكماً زائداً، فبِأَنْ تُقبل إذا لم توجب زيادة حكم أولى؛ لأنَّ ما يثبت به الحكم أشد في هذا الباب. ثم ذكر أحاديث فيها زيادة توجب حكماً. قال: وأما فضل من فضَّل بين أن تكون الزيادة في الخبر من رواية راويه بغير زيادة، وبين أن تكون من رواية غيره، فإنه لا وجه له، لأنه قد ١٧٩ يسمع الحديث متكرراً، تارة بزيادة، وتارة بغير زيادة، كما يسمعه على الوجهين من راويين، وقد ينسى الزيادة تارة، فيرويه بحذفها مع النسيان لها والشك فيها، ويذكرها فيرويها مع الذكر واليقين، وكما أنه لو روى الحديث ونسيه، فقال: لا أذكر أني رويته، وقد حَفِظ عنه ثقة، وجب قبوله برواية الثقة عنه، فكذلك هذا، وكما لو روى حديثاً مثبتاً لحكم، وحديثاً ناسخاً له، وجب قبولهما، فكذلك حكم خبره إذا رواه تارة زائداً، وتارة ناقصاً، وهذه جملة كافية اهـ ص: ٥٩٧ - ٦٠٢) من ((الكفاية)) باب القبول في حكم خبر العدل إذا انفرد برواية زيادة فيه لم يروها غيره. قلت: فهذه الأدلة التي استدل بها الخطيب - رحمه الله - على قبول زيادة الثقة مطلقاً، هي غاية ما عند القوم، والجواب عليها يعتبر جواباً على كل من أطلق قبول زيادة الثقة، فأقول، وبالله التوفيق: ما ذكره الخطيب - رحمه الله - من الاحتمالات وارد وليس بمتعذر، لكن مع ورود هذه الاحتمالات؛ فلا يلتفت إلى ذلك لأمور: الأول: لو نظرنا في قصة ذي اليدين، وهي متفق عليها من حديث أبي هريرة، قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إحدى صلاتي العشي، فصلى بنا ركعتين، ثم سلّم، ثم انطلق إلى خشبة معروضة في مقدم المسجد، فقال بيديه عليها هكذا، كأنه غضبان، وخرج سَرَعانُ الناس(١) من باب المسجد، فقالوا: قصرت الصلاة، وفي القوم أبو بكر وعمر، فهاباه أن يسألاه، وفي القوم رجل في يديه طول، كان يُسمى ذا اليدين، فقال: يا رسول الله! أقصرت الصلاة، أم نسيت؟ فقال: ((لم أَنْس، ولم تقصر الصلاة))، فقال: صليت ركعتين، فقال: ((أكما يقول ذو اليدين))، فقالوا: نعم ... الحديث. فلو كان ما قال الخطيب - رحمه الله - صواباً، لما رجع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى الجماعة، ليتثبت منهم فيما قاله ذو اليدين (١) سَرَعان الناس وسَرْعانهم: أوائلهم المستبقون إلى الأمر اهـ من ((اللسان)) (١٥٢/٨). ١٨٠