النص المفهرس
صفحات 101-120
يرغّب الناس في كتابة الأخبار، ويطلبوها في المدن والأمصار. وأما شعبة وغيره من شيوخنا؛ فإنَّهم رأوا عنده أشياء لم يصبروا عنها، وكتبوها ليعرفوها، فربّما ذكر أحدهم عنهُ الشيء بعد الشيء على جهة التعجب، فتداوله الناس بينهم. قال: والدليل على صحة ما قلنا: أنَّ محمد بن المنذر قال: حدثنا أحمد بن منصور: حدثنا نعيم بن حماد، قال: سمعت وكيعاً يقول: قلت لشعبة: ما لك تركت فلاناً وفلاناً، ورويت عن جابر الجعفي؟ قال: روى أشياء لم نصبر عنها ... ، اهـ ونعيم بن حماد فيه مقال، والله أعلم. وذكر الحافظ في مقدمة ((تهذيب التهذيب)) (١/ ٤- ٥) أن شعبة قد عُرف من حاله أنَّه لا يروي إلّا عن ثقة، اهـ، وانظر ترجمة حبيب بن صالح الطائي في ((تهذيب التهذيب)) (١٨٦/٢) وقد وقع فيه تصحيف فاحش، فارجع إلى أصله ((تهذيب الكمال)) (٣٨٢/٥). وانظر كلام النسائي في مدح شعبة بالانتقاء في ((التمهيد)) (٦٣/١)، وقد مدحه بذلك القطان، انظر ((الميزان)) (٣٧٦/٣) ترجمة القاسم بن عوف الشيباني، وانظر (٦١٣/٣) ترجمة محمد بن عبدالجبار عن محمد بن كعب. وأنكر الذهبي على شعبة روايته عن شرقي بن قطامي، مع قوله: حماري وردائي للمساكين، إن لم يكن شرقي كذب على عمر، فقال الذهبي: قلت: فلمَ تروي عنه؟ اهـ. وهذا يدل على أن روايته عن شرقي خلاف المعروف عنه. وكلام أحمد يدل على انتقاء شعبة، انظر ((الميزان)) (٥٩١/٢) ترجمة عبدالرحمن بن معاوية أبي الحويرث. وفي ترجمة أبي الحسن عن طاوس، قال الذهبي: وعنه شعبة، مجهول، قلت: لكن شعبة منقِّ للرجال، اهـ من ((الميزان)) (٥١٤/٤). ولا يفهم من كون الحاكم عدّ شعبة ــ في ((المعرفة)) (ص: ١٠٦) - في النوع السادس والعشرين فيمن روى عن قوم من المجهولين، أن شعبة لا ١٠١ ينتقي؛ لأنه ما من إمام انتقى، إلا ووجد في مشايخه من لا يصح الاحتجاج به، إلا أن ذلك في الغالب، ولو قصد الحاكم أن شعبة لا ينتقي - كما يظهر من سياق كلامه، حيث عده في جماعة لا ينتقون -؛ فهو متعقّب بالنصوص السابقة عن الأئمة، والله أعلم. • طاوس بن كيسان الأبناوي الحميري - مولاهم؛ أبو عبدالرحمن -: جاء في ((مقدمة صحيح مسلم)) (١/ ٤٤ - ٤٥): قال سليمان بن موسى: لقيت طاوساً فقلت: حدثني فلان: كيْت وكيْت، قال: إن كان ملياً فخذْ عنه - وفي رواية: إن كان صاحبك ملياً فخُذْ عنه ــ اهـ، أي: إن كان صاحبك ثقة حافظاً فخذ عنه. وانظر كلام البيهقي في ((المعرفة)) (٨١/١) وكلام النووي (١/ ٤٤- ٤٥). وما كان طاوس ليأمر صاحبه بذلك، ثم يترخص لنفسه في الرواية عن الضعفاء، والله أعلم. • طلحة بن نافع أبو سفيان الإسكاف، نزل مكة: ذكر الحاكم في ((معرفة علوم الحديث)) (ص: ١٠٣) في النوع السادس والعشرين، في معرفة المدلسين، أنه ممن لا يدلس إلا عن الثقات، الذين هم في الثقة مثله، أو فوقه، أو دونه، إلا أنهم لم يخرجوا من عداد الذين يقبل أخبارهم ... ، اهـ بمعناه. إلا أن في النفس شيئاً من ذلك؛ لأنه ضم إليه قتادة، وقتادة معروف أنه حاطب ليل، كما قال الشعبي، فينظر، والله أعلم. • عامر بن شراحيل الشعبي الحميري - أبو عمرو الكوفي -: - قال ابن معين: إذا حدث عن رجل فسماه، فهو ثقة يحتج بحديثه، وقال العجلي: لا يكاد الشعبي يرسل إلا صحيحاً، اهـ من ((تهذيب التهذيب)) ١٠٢ (٦٧/٥) وفي حاشية ((تهذيب الكمال)) (١٣/٨) الحاشية رقم (٤): وقال ابن خُلفون في كتاب ((الثقات)): قال ابن أبي خيثمة: سمعت يحيى بن معين يقول: إذا روى الحسن والشعبي عن رجل، فسمياه، فهو ثقة يحتج بحديثه. قال: نقله مغلطاي، واختصره ابن حجر، اهـ. وفي (فتح المغيث)) (٤٢/٢) ذكر في ((الحاشية)) رقم (٤) أن السخاوي زاد في جملة من يروون عن ثقة إلا في النادر: الشعبي، وقال: هذا في بقية النسخ، اهـ. وليس للشعبي ذكر في أصل الكتاب المطبوع الذي وقفت عليه. وفي ((شرح علل الترمذي)» (٣٧٧/١) قال يعقوب بن شيبة: قلت ليحيى بن معين: متى يكون الرجل معروفاً؟ إذا روى عنه كم؟ قال: إذا روى عن الرجل مثل ابن سيرين والشعبي، - وهؤلاء أهل العلم - فهو غير مجهول، قلت: فإذا روى عن الرجل مثل سماك ابن حرب وأبي إسحاق؟ قال: هؤلاء يروون عن مجهولين، قال ابن رجب: وهذا تفصيلٌ حسن ... اهـ. فهذا يدل على أن الشعبي ممن ينتقى، والله أعلم. • عبدالله بن أحمد بن حنبل - رحمهما الله -: قد سبق الكلام على ذلك في ترجمة أبيه - أحمد بن محمد بن حنبل - رحمه الله تعالى -. وزد على ذلك ما جاء في ((تعجيل المنفعة)) (ص: ٢٥٨) ترجمة عبدالرحمن بن المعلم - أبي مسلم -: قال الحسيني: روى عنه عبدالله بن أحمد حديثاً واحداً، لا يُدرى من هو. قال الحافظ: قلت: ما كان عبدالله يكتب إلَّا عمن أذن له أبوه في الكتابة عنه، فهذا القدر يكفي في التعريف به، اهـ. وفي (ص: ٣٥٥) ترجمة الليث بن خالد البلخي - أبي بكر -: عنه عبدالله بن أحمد وأبو حاتم، قال الحسيني: فيه نظر، قال الحافظ: وقال في ١٠٣ ((الإكمال)): لا يكاد يُعرف، قلت: وقد كان عبدالله بن أحمد لا يكتب إلّا عمن يأذن له أبوه بالكتابة عنه، ولهذا كان معظم شيوخه ثقات، وإني لأعجب من إغفال ابن حبان ذكر هذا في ثقاته، اهـ. وقد ذكر ابن عدي في ((الكامل)) (١٤٥/١) أنه لم يكتب عن أحد إلا من أمره أبوه أن يكتب عنه، اهـ. • عبدالله بن ذكوان القرشي أبو عبدالرحمن المدني، المعروف بأبي الزناد : جاء في مقدمة ((صحيح مسلم)) (٤٦/١) قال أبو الزناد: أدركت بالمدينة مائة كلهم مأمون، ما يؤخذ عنهم الحديث، يقال: ليس من أهله اهـ. وفي هذا دليل على أنّ أبا الزناد ينتقي في الجملة، ولا يلزم من هذا القول أنَّ مشايخه نقاوة، لأنَّ الرجل قد لا يكون مخلطاً، ومع ذلك فلا يُحتجّ به، إلّا أنَّ هذا القول يقوي في النفس أنَّ أبا الزناد عنده أصل الانتقاء، والله أعلم. عبدالله بن سعيد بن أبي هند، قال أحمد: ما أحسن حديثه وأصحه اهـ من ((سؤالات أبي داود لأحمد)) (ص: ٢١٣) برقم (١٧٥). • عبدالله بن عون بن أرطبان - أبو عون البصري -: جاء في ((شرح علل الترمذي)) (٣٥٥/١) قال ابن رجب: قال يعقوب بن شيبة: قلت ليحيى بن معين: تعرف أحداً من التابعين كان ينتقي الرجال، كما كان ابن سيرين ينتقيهم؟ فقال برأسه - أي: لا -. قال يعقوب: سمعت علي بن المديني يقول: كان ممن ينظر في الحديث، ويفتش عن الإسناد، ولا نعرف أحداً أول منه: محمد بن سيرين، ١٠٤ ثم كان أيوب، وابن عون، ثم كان شعبة، ثم كان يحيى بن سعيد، وعبدالرحمن، قلت لعلي: فمالك بن أنس؟ فقال: أخبرني سفيان بن عيينة، قال: ما كان أشد انتقاء مالك للرجال، اهـ. فهذا يدل على انتقاء ابن عون، حيث عده في جملة جماعة عُرفوا بذلك، والله أعلم. ء • عبدالله بن المبارك بن واضح أبو عبدالرحمن الحنظلي - مولاهم -، - رحمة الله عليه -: قال المسيب بن واضح: سمعت ابن المبارك، وقيل له: الرجل يطلب الحديث لله، يشتد في سنده؟ قال: إذا كان لله؛ فهو أولى أن يشتد في سنده، اهـ من ((النبلاء)) (٣٩٩/٨). وفي (٤٠٣/٨) قال الذهبي: وعن ابن المبارك قال: في صحيح الحديث. شغل عن سقيمه، اهـ. وفي (٤٠٤/٨) قال: روى المسيب بن واضح أنه سمع ابن المبارك، وسأله رجل عمن يأخذ؟ فقال: قد يلقى الرجل ثقةً، وهو يحدث عن غير ثقة وقد يلقى الرجل غير ثقة، يحدث عن ثقة، ولكن ينبغي أن يكون ثقة عن ثقة اهـ، فهذا كله يدل على تحريه - رحمه الله -، إلا أن المسيب لا يحتج به . ومن نظر في شيوخه علم أن منهم عدداً كبيراً من الأئمة المشاهير والثقات، وإن وُجد فيهم من يتكلم فيه، فلم يسلم من ذلك غيره، ولم أجد من صرح بأنه ممن يروي عن كل واحد، إلا ما جاء في ((الجرح والتعديل)) (٢٧٠/١) قال أبو حاتم: سمعت نعيم بن حماد يقول: كان ابن المبارك لا يترك حديث الرجل، حتى يبلغه عنه الشيء الذي لا يستطيع أن يدفعه، اهـ. فهذا بظاهره يدل على أنّه يروي عن الضعفاء، إنّما يتجنب من اشتهر ضعفه أو جرحه، وهذا خلاف التحري، إلّا أنَّ نعيماً نفسه فيه كلام، فهل يُقبل منه هذا النقد؟ ولو قبلنا كلامه، فلعله محمول على أنَّ ابن المبارك ١٠٥ كان يقبل حديث الضعيف المختلف فيه، أمّا إذا ظهر ضعفه ترك حديثه، سواء كان الضعف خفيفاً أو شديداً. وإذا كان كذلك احتمل قول نعيم أن يكون مدحاً؛ لأنّه ما من إمام وُصف بالتحري، إلّا وقد روى عمَّن اشتهر ضعفه، فضلًا عن الذين اختلف فيهم، وهذا الذي يتفق مع النصوص السابقة ومع مكانة ابن المبارك، الذي لُقِّب بأمير المؤمنين في الحديث، ولُقِّب بالطبيب، وكان المحدثون إذا اختلفوا في حديث رجعوا إليه، ومع ما اشتهر به ابن المبارك من الورع في الرواية، والله - تعالى - أعلم. وقد جاء في ((مقدمة صحيح مسلم)) (٥٧/١) ب/ الكشف عن معايب رواة الحديث .... قال عبدالله بن المبارك: بقية صدوق اللسان، لكنّه يأخذ عمن أقبل وأدبر. اهـ. وكونه ينكر على بقية ذلك، دلّ على أنّه لم يقع فيما وقع فيه بقية، وفي الباب أقوال أخرى تدل على تحاشيه مجالس المطعون فيهم، والله أعلم. وعلى ذلك فقول النسائي في ((التمهيد)) (٦٣/١): وكذلك ابن المبارك من أجلّ أهل زمانه، إلّا أنّه يروي عن الضعفاء - يُحمل على أنّه مع انتقائه، فقد روى عن ضعفاء، إمّا لأنّ ذلك في أول أمره، أو لأسباب أخرى سبقت في السؤال السابق، لأنَّ ابن المبارك جاء أنّه قال: يكتب الحديث إلّا عن أربعة: غلّاط لا يرجع، وكذّاب، وصاحب بدعة (هوى)، يدعو إلى بدعته، ورجل لا يحفظ، فيحدث من حفظه اهـ. من ((الكفاية)) (ص: ٢٢٧) فهذا يدل على انتقائه، والله أعلم. • عبدالرحمن بن مهدي بن حسان العنبري - أبو سعيد البصري -: قال الخطيب في ((الكفاية)) (ص: ١٥٤): إذا قال العالم: كل من أروي لكم عنه، وأسميه، فهو عدل رضا مقبول الحديث، كان هذا القول ١٠٦ تعديلاً منه لكل من روى عنه وسماه، وقد كان ممن سلك هذه الطريقة عبدالرحمن بن مهدي، اهـ ووصفه بتنقي الرجال الذهبيُّ في ((الميزان)) (٥٤٩/٢) ترجمة عبدالرحمن بن بديل. وقد جاء في ((النبلاء)) (١٦٢/٧) خلاف ذلك، كما في ترجمة معاوية بن صالح بن حُدير الأندلسي، فقد قال الليث بن عبدة: قال يحيى بن معين: كان عبدالرحمن بن مهدي إذا حدث بحديث معاوية بن صالح زَبَره يحيى بن سعيد، وقال: أَيْش هذه الأحاديث؟! وكان عبدالرحمن لا يبالي عمن روى، ويحيى ثقة في حديثه، اهـ، قلت: وما قاله ابن معين - إن صح إليه - فمحمول على ما كان من ابن مهدي في أول أمره، فقد قال أحمد: كان عبدالرحمن أولًا يتسهل في الرواية، ثم تشدد - بعدُ -، كان يروي عن جابر - يعني: الجعفي - ثم تركه، اهـ من ((الكفاية)) (ص: ١٥٤)، وانظر ((فتح المغيث)) (٣٦/٢)، و((التدريب)) (٣٧٣/١). وفي ((شروط الأئمة)) لابن منده (ص: ٨٢): قال أبو موسى محمد بن المثنى: قال لي ابن مهدي: يا أبا موسى! أهل الكوفة يحدثون عن كل أحد، قلت: يا أبا سعيد! هم يقولون: أنك تحدث عن كل أحد، قال: عمن أحدث؟ فذكرت له محمد بن راشد، فقال: احفظ عني؛ الناس ثلاثة: رجل حافظ متقن، فهذا لا يُختلف فيه، وآخر يهم، والغالب على حديثه الصحة، فهذا لا يترك؛ لأنَّه لو ترك حديث هذا لذهب حديث الناس، وآخر يهم، والغالب على حديثه الوهم، فهذا يترك، اهـ. وفي ((سؤلات أبي داود لأحمد)) (ص: ١٩٨) برقم (١٣٧): قال أبو داود: قلت لأحمد: إذا روى يحيى - أو عبدالرحمن بن مهدي - عن رجل مجهول یحتج بحديثه؟ قال: يحتج بحديثه، اهـ. ● علي بن عبدالله بن جعفر بن نجيح السعدي - مولاهم أبو الحسن بن المديني بصري : جاء في ((الجرح والتعديل)) (٧٣/٧) ترجمة فضيل بن سليمان النميري: ١٠٧ سئل أبو زرعة عن فضيل بن سليمان؟ فقال: لين الحديث، روى عنه عليّ بن المديني، وكان من المتشددين، اهـ ــ أي: من المتشددين في الرواية عن الشيوخ، فلا يروى إلا عمن يرضاه -، وانظر ما قاله أبو زرعة أيضاً، في ((تهذيب التهذيب)) (٢٩٢/٨) ترجمة فضيل بن سليمان. وفي (تهذيب التهذيب)) (١١٤/٩) ترجمة محمد بن الحسن بن آتش: قال النسائي: ليس بثقة، وقال أحمد بن صالح: هو ثقة، قال الحافظ: وكلام النسائي فيه غير مقبول؛ لأن أحمد وعليّ بن المديني لا يرويان إلا عن مقبول، مع قول أحمد بن صالح فيه، اهـ، وكلام القطان في ((الجرح والتعديل)) (٣١/٨) ترجمة محمد بن عمرو بن علقمة، يدل على انتقاء علي بن المديني. ، القاسم بن عبيدالله بن عبدالله بن عمر - أبو محمد المدني -: جاء في ((سنن الدارمي)) (٤٨/١) ب/ التورع عن الجواب. فيما ليس فيه كتاب ولا سنة: أخبرنا محمد بن كثير عن سفيان بن عيينة عن يحيى، قال: قلت للقاسم: ما أشدّ عَلَيَّ أن تُسأل عن الشيء ولا يكون عندك، وقد كان أبوك إماماً، قال: إنّ أشدّ من ذلك عند الله وعند من عقل عن الله: أن أُفتي بغير علم، وأروي عن غير ثقة. اهـ. وانظره في ((مقدمة صحيح مسلم)) (١/ ٥٠ - ٥١) ب/الكشف عن معايب رواة الحديث ... ، ولفظ مسلم أتم وأوضح، والله أعلم. الليث بن سعد بن عبدالرحمن الفهمي - أبو الحارث المصري -: ذكر الحاكم في ((المستدرك)» (٤/ ٢٥٠ - ٢٥١) حديثاً في ك/ التوبة والإنابة، من رواية الليث بن سعد عن سليمان بن هرم عن محمد بن المنكدر عن جابر؛ مرفوعاً ... ، ثم قال: هذا حديث صحيح الإسناد، فإن سليمان بن هرم العابد من زهّاد أهل الشام، والليث بن سعد لا يروي عن المجهولین، اهـ. ١٠٨ وقد ذكر ذلك الحافظ في ((لسان الميزان)) (١٠٩/٣) ترجمة سليمان بن هرم. • مالك بن أنس بن أبي عامر بن عمرو الأصبحي - أبو عبدالله المدني، إمام دار الهجرة -: قال ابن عدي في ((الكامل)) (١٧٦٩/٥) ترجمة عمرو بن أبي عمرو - مولى المطلب -: وروى عنه مالك، وهو عندي لا بأس به؛ لأن مالكاً لا يروي إلا عن ثقة أو صدوق، اهـ. وفي ((نصب الراية)) للزيلعي (٤٥٩/٢) ك/ الصوم: وقال النسائي: لا نعلم مالكاً روى عن إنسان ضعيف مشهور بالضعف، إلا عاصم بن عبيدالله؛ فإنه يروي عنه حديثاً، وعن عمرو بن أبي عمرو، وهو أصلح من عاصم، وعن شريك بن أبي نمر، وهو أصلح من عمرو، ولا نعلم أن مالكاً حدث عن أحد يُترك حديثه إلا عبدالكريم بن أبي المخارق البصري، اهـ. وفي ((شرح علل الترمذي)) (٣٧٧/١) قال أحمد - في رواية أبي زرعة -: مالك بن أنس إذا روى عن رجل لا يُعْرف، فهو حجة. وقال في رواية ابن هانىء: ما روى مالك عن أحد، إلا هو ثقة، كل من روى عن مالك فهو ثقة، وقال الميموني: سمعت أحمد - غير مرة - يقول: كان مالك من أثبت الناس، ولا تبال أن لا تسأل عن رجل روى عنه مالك، ولا سيما مدني، قال الميموني: وقال لي يحيى بن معين: لا تريد أن تسأل عن رجال مالك، كل من حدث عنه ثقة، إلا رجلًا أو رجلين، اهـ. وفي ((مقدمة صحيح مسلم)) (٧٩/١) - بشرح النووي - ب/ الكشف عن معايب رواة الحديث ونقلة الأخبار: قال بشر بن عمر :.... وسألته - يعني: مالكاً - عن رجل آخر، نسيت اسمه، فقال: هل رأيته في كتبي؟ قلت: لا، قال: لو كان ثقة لرأيته في كتبي، اهـ. قال النووي: هذا تصريح من مالك - رحمه الله -، بأن من أدخله في ١٠٩ كتابه، فهو ثقة، فمن وجدناه في كتابه حكمنا بأنه ثقة عند مالك، وقد لا يكون ثقة عند غيره، اهـ ــ قلت: وكذلك مشايخ مالك الذين لم نجدهم في كتابه، فنصوص الأئمة تدل على مدحهم، والله أعلم، وانظر سؤال بشر بن عمر لمالك في ((التمهيد)) (٦٨/١) وقد صرح الحافظ في مقدمة ((تهذيب التهذيب» (١/ ٤- ٥) أنَّ مالكاً ممن عُرف من حاله أنَّه لا يروي إلَّا عن ثقة، اهـ، وانظر ترجمة عمرو بن أبي عمر - مولى المطلب -، من ((تهذيب التهذيب)) (٨٣/٨). وفي (٣٠٤/٩) ترجمة محمد بن عبدالرحمن بن أبي ذئب: قال أحمد: ابن أبي ذئب كان يُعدّ صدوقاً أفضل من مالك، إلا أن مالكاً أشد تنقية للرجال منه، كان ابن أبي ذئب لا يبالي عمن يحدث، اهـ. وقال يحيى بن معين: وكل من روى عنه مالك ثقة، إلا عبدالكريم - أبا أمية -، اهـ من ((تهذيب التهذيب)) (٣٠٤/٩). وفي ((التمهيد)) (٦٠/١): قال ابن عبدالبر: ومن اقتصر على حديث مالك - رحمه الله -، فقد كُفي تعب التفتيش والبحث، ووضع يده من ذلك على عروة وثقى لا تنفصم؛ لأنَّ مالكاً قد انتقد وانتقى، وخلص، ولم يروِ إلا عن ثقة حجة ... ، اهـ. وانظر ما قاله - أيضاً - في (٦٥/١). وقد قال النسائي: وما أحد عندي بعد التابعين أنبل من مالك بن أنس، ولا أجل ولا آمن على الحديث منه، ثم شعبة في الحديث، ثم يحيى بن سعيد القطان، وليس بعد التابعين آمن من هؤلاء الثلاثة، ولا أقل رواة عن الضعفاء، اهـ من ((التمهيد)) (٦٣/١). وقال ابن مهدي: ما أقدِّم على مالك في صحة الحديث أحداً، اهـ من ((التمهيد)) (٦٥/١)، وانظر (١/ ٦٥ - ٦٩). لكن قال القطان: مالك عن سعيد بن المسيب، أحب إليّ من الثوري عن إبراهيم؛ لأنّه لو كان شيخ الثوري فيه رمق لبرح به وصاح، وقال مرة أُخرى: كلاهما عندي شبه الريح، اهـ. ١١٠ فقول القطان: كلاهما عندي شبه الريح، إمّا أنَّه مقيد بحديث ما، وإلا فما سبق يرد عليه، والله - تعالى - أعلم. • محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع المطلبي المكي - أبو عبدالله الشافعي - الإمام : جاء في ((معرفة السنن والآثار)) للبيهقي (٨١/١): قال الشافعي: وكان ابن سيرين وإبراهيم النخعي وغير واحد من التابعين يذهب هذا المذهب، في أن لا يقبل إلا ممن عرف. قال: وما لقيت ولا علمت أحداً من أهل العلم بالحديث يخالف هذا المذهب، اهـ. قلت: وما كان الشافعي - رحمه الله - على مكانته العلية، ورتبته المنيفة - لِيُخالف مذهب العلماء في زمانه وقبل زمانه، لكن يرد عليه أن هناك من وُصف بعد الانتقاء، وهم في طبقة شيوخ أو شيوخ شيوخ الشافعي، والله أعلم. فإن قيل: إنه روى عن الأسلمي، قلت: غالب من وُصِفوا بالانتقاء يروون عن غير مرضي، والشافعي له تأويل في روايته عن الأسلمي، والله أعلم . (تنبيه): سيأتي - إن شاء الله تعالى - في ترجمة محمد بن مسلم بن عبيدالله بن شهاب الزهري، كلام للشافعي يدل على انتقاء الشافعي، والله أعلم. · محمد بن إسحاق بن خزيمة بن المغيرة - أبو بكر السلمي النيسابوري الشافعي -: وال العلامة المعلمي - رحمه الله - في ((التنكيل)) (ص: ٤١٥) ترجمة إسماعيل بن بشر بن منصور: وكذلك روى عنه ابن خزيمة مع تثبته، اهـ. ١ وفي (ص: ٦٩٧) ترجمة محمد بن علي بن الحسن بن شقيق، قال : (وروى عنه) ابن خزيمة، وهو لا يروي في ((صحيحه)) إلا عن ثقة، اهـ. قلت: وقد صرح ابن خزيمة في ((كتاب التوحيد)) (١١/١) في مقدمة كتابه، بأنه سيذكر ما صح وثبت عن نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالأسانيد الثابتة الصحيحة، بنقل أهل العدالة؛ موصولًا إليه صلى الله عليه وعلى آله وسلم ... ، اهـ. قال الذهبي في ((النبلاء)) (٣٧٣/١٤): وابن خزيمة - رحمه الله - كان جهبذاً بصيراً بالرجال ... فذكر رجالًا لم يحتج بهم ابن خزيمة، وإن كان قد احتج ببعضهم في ((كتاب التوحيد)). وعلى كل حال فابن خزيمة ممن له معرفة بالرجال، فإذا اشترط إخراج الصحيح من الحديث؛ فإنه سيعتني بذلك - على حسب فهمه لشروط الصحة - وقد قال السلمي: سألت الدارقطني عن الأزهري؛ فقال: هو أحمد بن محمد بن الأزهر بن حريث، سجستاني، منكر الحديث، لكنه بلغني أن ابن خزيمة حسن الرأي فيه، وكفى بهذا فخراً اهـ من ((الميزان)) (١/ ١٣١ - ١٣٢) ترجمة أحمد بن محمد أن الأزهر، والله أعلم. · محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة - أبو عبدالله البخاري صاحب ((الصحیح) -: قال الترمذي في ((الجامع)) (١٩٩/٢): ب/ ما جاء في الإمام ينهض في الركعتين ناسياً: وقال محمد بن إسماعيل: ابن أبي ليلى هو صدوق، ولا أروي عنه؛ لأنَّه لا يدري صحيح حديثه من سقيمه، وكل من كان مثل هذا، فلا أروي عنه شيئاً، اهـ. وقد نقل العلامة المعلمي - رحمه الله - هذا في ((التنكيل)) ترجمة أحمد بن عبدالله أبي عبدالرحمن العكي، ثم قال: وقوله: كل من كان مثل هذا، فلا أروي عنه شيئاً، يتناول الرواية بواسطة وبلا واسطة، وإذا لم يروٍ عمن كان كذلك بواسطة، فلأن لا يروي عنه بلا واسطة أولى؛ لأنَّ ١١٢ المعروف عن أكثر المتحفظين؛ أنَّهم إنما يتقون الرواية عن الضعفاء بلا واسطة، وكثيراً مما يروون عن متقدمي الضعفاء بواسطة. قال: وهذه الحكاية تقتضي أن يكون البخاري لم يرو عن أحد؛ إلا وهو يرى أنَّه يمكنه تمييز صحيح حديثه من سقيمه، وهذا يقتضي أن يكون الراوي - على الأقل - صدوقاً في الأصل، فإنَّ الكذاب لا يمكن أن يَعْرِفِ صحيح حديثه، فإن قيل: قد يُعْرَف بموافقته الثقات. قلت: قد لا يكون سمع، وإنّما سرق من بعض أولئك الثقات، ولو اعتد البخاري بموافقة الثقات؛ لروى عن ابن أبي ليلى، ولم يقل فيه تلك الكلمة، فإنَّ ابن أبي ليلى - عند البخاري وغيره - صدوق، وقد وافق الثقات؛ في كثير من أحاديثه، ولكنّه عند البخاري كثير الغلط، بحيث لا يؤمن غلطه، حتى فيما وافق عليه الثقات، وقريب منه مَنْ عُرف بقبول التلقين؛ فإنَّه قد يُلقّن من حديث شيوخه ما حدثوا به، ولكنّه لم يسمعه منهم، وهكذا من يحدث على التوهم؛ فإنَّه قد يسمع من أقرانه عن شيوخه، ثم يتوهم أنَّه سمعها من شيوخه، فيرويها عنهم، قال: فمقصود البخاري من معرفة صحيح حديث الراوي من شيوخه، لا تحصل بمجرد موافقة الثقات؛ وإنّما يحصل بأحد أمرين: إمّا أن يكون الراوي ثقة ثبتاً، فيعرف صحيح حديثه بتحديثه، وإمّا أن يكون صدوقاً يغلط، ولكن يمكن معرفة ما لم يضبط فيه بطريق أُخرى، كأن يكون له أصول جيدة، وكأن يكون غلطه خاصاً بجهة، كيحيى بن عبدالله بن بكير، روى عنه البخاري، وقال في ((التاريخ)»: ما روى يحيى بن عبدالله بن بکیر في التاريخ، فإني أتقيه، ونحو ذلك. فإن قيل: قضية الحكاية المذكورة، أن يكون البخاري التزم أن لا يروي إلَّا ما هو عنده صحيح؛ فإنَّه إن كان يروي ما لا يرى صحته، فأي فائدة في تركه الرواية عمن لا يدري صحيح حديثه من سقيمه؟ لكن كيف تصح هذه القضية، مع أنَّ في كتب البخاري - غير ((الصحيح)) - أحاديث غير صحيحة، وكثير منها يحكم هو نفسه بعدم صحتها؟ ١١٣ قلت: أما ما نبَّه على عدم صحته، فالخطب فيه سهل، وذلك بأن يُحمل كونه لا يروي ما لا يصح، على الرواية بقصد التحديث أو الاحتجاج، فلا يشمل ذلك ما يذكره ليبيِّن عدم صحته، ويبقى النظر فيما عدا ذلك. وقد يقال: إنَّه إذا رأى أنَّ الراوي لا يعرف صحيح حديثه من سقیمه، تركه البتة، ليعرف الناس ضعفه مطلقاً، وإذا رأى أنَّه يمكن معرفة صحيح حديثه من سقيمه في باب دون باب، ترك الرواية عنه في الباب الذي لا يعرف فيه، كما في يحيى بن بكير، وأما غير ذلك؛ فإنّه يروي ما عرف صحته، وما قاربه أو أشبهه، مبيّناً الواقع بالقول أو الحال، والله أعلم، اهـ (ص: ٣٢٠ - ٣٢٢)، وانظر خلاف عن المعلمي في تحقيقه لـ((الفوائد المجموعة)) (ص: ٣٥٤) ط/السنة المحمدية سنة ١٩٧٨م عن الحديث رقم (٥٣). وفي ((هدي الساري)) (ص: ٤٧٩): قال الحافظ: ذِكْرُ مراتب مشايخه - أي البخاري - الذين كتب عنهم، وحدث عنهم: قد تقدم التنبيه على كثرتهم، وعن محمد بن أبي حاتم عنه قال: كتبت عن ألف وثمانين نفساً، ليس فيهم إلا صاحب حديث، وقال - أيضاً -: لم أكتب إلّا عمن قال: الإيمان قول وعمل، اهـ. فهذا القول من البخاري - رحمه الله -، يدل على أنَّ مشايخه جياد عنده، ولا يليق حصر ذلك بمشايخه في ((الصحيح))؛ لأن عدة مشايخه في (الصحيح)) (٣٢٢) شيخ، كما ذكره أخونا الفاضل أبو عمير مجدي بن محمد بن عرفات - سلمه الله من كل سوء - في رسالته: ((إسعاف القاري بمعجم شيوخ الإمام البخاري)) فأين هذا العدد من ألف وثمانين شيخاً؟! وقد قال أبو عمرو الخفاف: حدثنا التقِيُّ النقِيُّ العالم الذي لم أرَ مثله: محمد بن إسماعيل ... ، اهـ من ((تهذيب التهذيب)) (٥٤/٩) وقد قال التهانوي في ((قواعد في علوم الحديث)) (ص: ٢٢٣): وكذا كل من ذكره البخاري في ((تواريخه))؛ ولم يطعن فيه، فهو ثقة، فإن عادته ذكر الجرح ١١٤ والمجروحين، قاله ابن تيمية، اهـ قال المحقق: إذا أُطلق ابن تيمية؛ فيراد به شيخ الإسلام أبو العباس تقي الدين أحمد بن عبدالحليم - رحمه الله تعالى -، وقائل هذا الكلام هو: أبو البركات مجد الدين عبدالسلام بن عبدالله بن تيمية، المتوفّى سنة (٦٥٢)هـ، وهو جد شيخ الإسلام ابن تيمية. قال: ونص عبارة الشوكاني: قال ابن القيم في ((الهدى)) (٢٦٩/١): وفي إسناده عكرمة بن إبراهيم، وقد أعله البيهقي بانقطاعه عنه، وتضعيفه عكرمة، قال أبو البركات ابن تيمية: ويمكن المطالبة بسبب الضعف، فإنَّ البخاري ذكره في ((تاريخه)) ولم يطعن فيه، وعادته ذِكر الجرح والمجروحین، انتهى. قال: وهذا التوثيق ضمنيٌّ لا صريح، كما هو ظاهر وقد مشى على هذا أيضاً الحافظ ابن حجر في ((تعجيل المنفعة))؛ فتراه يقول في كثير من المواضع: ذكره البخاري، ولم يذكر فيه جرحاً، انظر منه (ص: ٢١٩، ٢٢٣، ٢٢٥، ٢٥٤) ... ، اهـ. قلت: الذي يظهر لي أنَّ في هذا توسعاً، وأنَّه لا يلزم من سكوت البخاري وغيره عن الراوي؛ عدم الطعن فيه، لاحتمال أنَّهم لم يقفوا فيه على شيء، وانظر ما كتبه عداب الحمش في ((رواة الحديث الذين سكت عليهم أئمة الجرح والتعديل بين التوثيق والتجهيل))، فقد جعل لذلك فصلًا مستقلًا، وأشار إلى أنَّ سكوت البخاري عن بعض الرواة: إما لاشتهار ثقتهم، أو لاشتهار ضعفهم، أو لعدم معرفته بهم، وذكر أمثلة لكل نوع من ذلك، وذكر هذا عن الأئمة لا عن البخاري فقط، انظر (ص: ٣٥ - ٣٨) والفصل الثالث (ص: ١٧١ - ٢٥٠). ومما يدل على انتقاء البخاري، قول أبي عمرو الخفاف: حدثنا التقيّ النقيّ العالم الذي لم أرَ مثله: محمد بن إسماعيل ... ، اهـ من ((تهذيب التهذيب)) (٥٤/٩). وفي ((الميزان)) (١٠٦/١) ترجمة أحمد بن عاصم البلخي: ذكره ابن أبي حاتم، وبيض له، مجهول. ١١٥ قلت: بل هو مشهور، روى عنه البخاري في ((الأدب))، اهـ. · محمد بن جرير بن يزيد بن خالد الطبري أبو جعفر صاحب ((التفسير)) : له كتاب «تهذيب الآثار وتفصيل الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم من الأخبار)) وفي الجزء الخاص بمسند علي - رضي الله عنه - (ص: ٢٧١) قال : فإن قال قائل: ما أنت قائل في هذه الأخبار التي رويتها لنا؟ فإن قلت: إنها صحاح، قلنا لك: فما وجه اختلاف رواتها ... ؟ وإن قلت: إنها غير صحاح، قيل: فما وجه ذكرك لها، وقد شرطت لنا في أول كتابك - هذا - أنّك لا ترسم لنا فيه إلّا ما كان عندك صحيحاً؟ قال: قيل: أما الأخبار التي ذكرناها؛ فإنَّ منها عندنا صحاحاً، ومنها غير صحاح، ولم نذكر ما كان منها عندنا غير صحاح استشهاداً به على دين، ولا على الوجه الذي شرطنا في أول كتابنا هذا أنا لا نذكره إذا كان الذي شرطنا في أول كتابنا هذا ترك ذكره فيه، هو ما لا نراه في الدين حجة، إلَّا الحكاية عمن احتج به في توهين خبر، أو تأييد مقالة، هو بها قائل عند ذكرنا مقالته، وما اعتُل به لها ... ، اهـ. وفي الجزء الخاص بمسند ابن عباس (٥٣١/١) بنحو هذا، إلى أن قال: وأما إحضارنا ذكره في كتابنا هذا، فلشرطنا في كتابنا هذا؛ أنّا إذا ذكرنا خبراً من أخبار رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أبنًا عن حاله: أهو مما انفرد به، أم هو مما وافقه عليه غيره، ولم نشترط في سند الموافق أو المخالف ما شرطناه في خبر الذي نذكر خبره عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم من أصحابه، من أن لا نحضر كتابنا هذا منه إلّا ما صح عندنا، اهـ. فهذا يدل على أنه ينتقي في رجال أحاديثه التي يوردها على وجه ١١٦ الاحتجاج في هذا الكتاب، كأن يذكر حديث ابن عباس في مسنده، ويذكر شواهد له من حديث صحابة آخرين، فإنَّه ينتقي في رجال حديث ابن عباس، دون رجال أحاديث الصحابة الآخرين، على أنه لا يلزم من الانتقاء في الحديث الانتقاء في الرجال، كما لا يخفى، لكنه فيه انتقاء في الجملة والله أعلم. · محمد بن حبان بن أحمد بن حبان أبو حاتم التميمي البستي السجستاني صاحب «صحيح ابن حبان)): شيوخه في ((الصحيح)) جياد، فقد قال في مقدمة ((صحيحه)): ولعلّنا قد كتبنا عن أكثر من ألفي شيخ، من إسبيجاب إلى الإسكندرية، ولم نروٍ في كتابنا هذا إلّا عن مائة وخمسين شيخاً، أقل أو أكثر، ولعل معوَّل كتابنا هذا يكون على نحو عشرين شيخاً ممن أدرنا السنن عليهم، واقتنعنا برواياتهم عن رواية غيرهم، على الشرائط التي وصفناها ... ، اهـ (١٥٢/١). وقد سبق تفصيل ذلك في نهاية السؤال (٢٠١) فارجع إليه. · محمد بن داود بن صُبيح أبو جعفر المصيصي: قال الآجري: سمعت أبا داود يقول: كان محمد بن داود بن صُبيح يتفقد الرجال، ولم يكتب عن أبي كريب لحال المحنة، ولم يحدث عن سعدويه ولا عن أبي نصر التمار، وما رأيت رجلاً قط أعقل من محمد بن داود، اهـ من ((سؤالات الآجري)) (٢/ ٢٥٣ - ٢٥٤) برقم (١٧٥٨). · محمد بن سيرين أبو بكر الأنصاري البصري: سبق في ترجمة إبراهيم بن يزيد النخعي، وترجمة سعيد بن المسيب، قول ابن عبدالبر: فمراسيل سعيد بن المسيب ومحمد بن سيرين وإبراهيم النخعي عندهم صحاح ... اهـ. من ((التمهيد)) (٣٠/١)، وهذا معناه أنَّهم لما أُوقِفِوا ذكروا ثقات، أو أنها فُتْشَتِ فَوُجِدت أنَّها جاءت عن ثقات. ١١٧ وقد قال ابن معين عندما سأله يعقوب بن شيبة: متى يكون الرجل معروفاً، إذا روى عنه كم؟ قال: إذا روى عن الرجل مثل ابن سيرين والشعبي وهؤلاء أهل العلم، فهو غير مجهول ... ، اهـ من ((شرح علل الترمذي)) (٣٧٧/١). وقد صرح الشافعي بأنه لا يروى إلا عمن عرف، انظر ((المعرفة)) للبيهقي (٨١/١) والكفاية للخطيب (ص: ٢١٠). وهو القائل رحمه الله: لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة، قالوا: سموا لنا رجالكم، فيُنْظَر إلى أهل السنة، فيُؤْخَذ حديثهم، ويُنْظَر إلى أهل البدع، فلا يُؤْخَذ حديثهم، اهـ، من ((مقدمة مسلم)) (٤٤/١). وهو القائل: إنّ هذا الأمر دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم، وقد عدّه غير واحد بأنّه أول من انتقى وانتقد، انظر ((شرح علل الترمذي)) (٣٥٥/١). · محمد بن عبدالرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب القرشي العامري أبو الحارث المدني : جاء في ((تهذيب التهذيب)) (٩/ ٣٠٤ - ٣٠٥) قال ابن معين: ابن أبي ذئب ثقة، وكل من روى عنه ابن أبي ذئب ثقة، إلّا أبا جابر البياضي، وكل من روى عنه مالك ثقة، إلّا عبدالكريم أبا أمية، وقال أبو داود: سمعت أحمد بن صالح يقول: شيوخ ابن أبي ذئب كلهم ثقات، إلّا البياضي، اهـ. إلّا أنّهما خولفا في ذلك، فقد قال أحمد: ابن أبي ذئب كان يُعدّ صدوقاً أفضل من مالك، إلّا أنَّ مالكاً أشد تنقية للرجال منه، كان ابن أبي ذئب لا يبالي عمن يحدث، اهـ. من ((تهذيب التهذيب)) (٣٠٤/٩) وانظره في (سؤالات أبي داود لأحمد)) (ص: ٢١٨ - ٢١٩)، وفي ((تهذيب التهذيب» (٣٠٧/٩) قال الخليلي: ثقة أثنى عليه مالك، فقيه من أئمة أهل المدينة، حديثه مخرج في الصحيح، إذا روى عن الثقات، فشيوخه شيوخ مالك، لكنّه قد يروي عن الضعفاء، اهـ. ١١٨ وقول الخليلي: فشيوخه شيوخ مالك ... إلخ يدل على أنّ ابن أبي ذئب كان أحياناً يحدث عن الضعفاء، وهذا قريب من قول يحيى وأحمد بن صالح، فإن أنكر شيخ عنده هو البياضي، ولا يمنع أن يكون عنده آخرون متكلّم فيهم، شأنه في ذلك شأن غيره، وعلى هذا فإدخاله هنا عندي أولى من إدخاله فيمن لا ينتقون، ويُحمل قول أحمد على ما قال الخليلي، أو لعل أحمد رأى روايته عن البياضي، فقال ما قال، والله أعلم. · محمد بن المنكدر بن عبدالله بن الهدير أبو عبدالله التيمي: جاء في ((تهذيب التهذيب)) (٩/ ٤٧٤ - ٤٧٥): قال ابن عيينة: ما رأيت أحداً أجدر أن يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولا يُسأل عمن هو، من ابن المنكدر، قال الحافظ: يعني لتحريه، اهـ. يعني أن طلب الإسناد من الدين، لكن إذا كان الشيخ الذي يحدث ناقداً بصيراً، وعُلم من حاله الانتقاء، فإنه يكفي السامع مؤنة النظر فيمن فوقه، والله تعالى أعلم. • محمد بن مسلم بن عبيدالله بن عبدالله بن شهاب الزهري أبو بكر المدني : جاء في (تهذيب التهذيب)) (٥/١٢) ترجمة أبي الأحوص مولى بني لیث : روى عنه الزهري وحده، وقال الدوري عن ابن معين: ليس بشيء، قال الحافظ: قلت: قال ابن عبدالبر: قد تناقض ابن معين في هذا، فإنَّه سئل عن ابن أكيمة، وقيل له: إنَّه لم يرو عنه غير ابن شهاب، فقال: يكفيه قول ابن شهاب: حدثني ابن أكيمة، فيلزمه مثل هذا في أبي الأحوص، اهـ. وفي ((تهذيب التهذيب)) (٤١١/٧) ترجمة عمارة بن أكيمة الليثي، قال ابن عبدالبر في باب: من لم تشتهر عنه الرواية، واحتُملت روايته لرواية الثقات عنه، ولم يغمز: ابن أكيمة الليثي، قال يحيى بن معين: كفاك قول ١١٩ الزهري: سمعت ابن أكيمة يحدث عن سعيد بن المسيب ... ، اهـ. وفي ((الرسالة)) للشافعي (ص: ٤٦٩ - ٤٧٠) قال: وابن شهاب عندنا إمام في الحديث والتخيير (١) وثقة الرجال، إنما يُسمّى بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ثم خيار التابعين، ولا نعلم محدثاً يُسمِّي أفضل ولا أشهر ممن يحدث عنه ابن شهاب، فأنَّى تُراه أُتِي في قبوله عن سليمان بن أرقم؟ رآه رجلاً من أهل المروءة والعقل، فقبل عنه، وأحسن الظن به، فسكت عن اسمه: إما لأنَّه أصغر منه، وإما لغير ذلك، وسأله معمر عن حديثه عنه، فأسنده له، فلما أمكن في ابن شهاب أن يكون يروي عن سليمان، مع ما وصف به ابن شهاب، لم يُؤمن مثل هذا على غيره، اهـ. وقال ابن المبارك: حديث الزهري عندنا كأخذ باليد، اهـ من ((الجرح والتعديل)) (٢٧٤/١) فهذا يدل على انتقاء الزهري، لكن يرد على ذلك أن البيهقي ذكر في ((المعرفة)) (٨١/١) أن الشافعي قال: قال سفيان: فقال سعد بن إبراهيم للزهري: من أبو الأحوص - أي: الي يروي عنه الزهري حديثاً في الصلاة - كالمغضب حين حدث الزهري عن رجل مجهول لا يعرفه، فقال له الزهري: أما رأيت الشيخ الذي كان يصلي في الروضة مولى بني غفار، فجعل الزهري ينعته له، وسعد لا يعرفه. قال البيهقي: وإنّما أراد الشافعي من هذا الحديث: مسألة سعد بن إبراهيم عن أبي الأحوص، وأنَّه لم يكتفِ في معرفته برواية الزهري عنه، اهـ. وفي ((مناقب الشافعي)) لابن أبي حاتم (ص: ٨٢) ساق سنده إلى أحمد بن أبي سريج، قال: سمعت الشافعي يقول: يقولون: يُحابي، فلو حابينا لحابينا الزهري، وإرسال الزهري ليس بشيء، وذلك أنّا نجده روى عن سليمان بن أرقم، اهـ. (١) وفي حاشية (٣): ((التخيير)) بالخاء المعجمة، واضحة النقط، في الأصل ونسخة ابن جماعة، يعني: في اختيار الثقات الذين يروى عنهم ... اهـ. ١٢٠