النص المفهرس

صفحات 61-80

للحسن بن شاذان الواسطي، فحدثنا به، وحدثنا أيضاً، عن إسحاق، عن
شريك، عن عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة عن
النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بمثله، قال يحيى: ليس له أصل، إنّما
نظرت في كتاب إسحاق، فليس فيه هذا، قلت لأبي: فما قولك في حديث
عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه
وعلى آله وسلم الذي أنكره يحيى؟ قال: هو عندي صحيح، وحدثنا به
أحمد بن حنبل - رحمه الله - بالحديثين - جميعاً - عن إسحاق الأزرق،
قلت لأبي: فما بال يحيى نظر في كتاب إسحاق فلم يجده؟ قال: كيف؟!
نظر في كتابه كله؟! إنما نظر في بعض، وربما كان في موضع آخر، اهـ.
وقد يستشكل البعضُ هذا النوع من الإعلال، ويقول: الحديث وإن لم
يكن في كتاب الراوي؛ فلعله قد حدَّث به تلميذَه من حفظه، وليس كل
حدیث الراوي یکون في کتبه!
فالجواب: أن الأئمة وقفوا على ما لم نقف عليه، وهم أهل الشأن
الذين عليهم المعوَّل في ذلك، أضف إلى ذلك أن الراوي إذا صنف كتاباً
في الصلاة - مثلاً -، ثم بوَّب باباً، واحتج لهذا الباب بآثار موقوفة على
صحابي أو تابعي، ثم جاء أحد الرواة وروى عن هذا المصنّف حديثاً
مرفوعاً؛ ظاهر الدلالة على ما بؤَّب له المصنّف؛ ففي هذه الحالة يتجه أن
يُقال: لو كان هذا الحديث عند فلان لأدخله في كتابه، أو بادر بالاحتجاج
به، ولم يحتجْ إلى ما ذكر من آثار.
وقد يُقال: لعل العلماء قد اشتهر عندهم أن فلاناً قد جمع كل حديثه
في كتابه، وما ليس في كتابه؛ فليس من حديثه، كلّ هذه الوجوه تجعلنا
نسلّم بكلام الإمام منهم؛ لأنَّ مثل هذا الاعتراض السابق؛ لا يخفى على
الأئمة، وإذا كان لا يخفى على الطالب؛ أنَّ حديث بعض الرواة: منه ما هو
في صدره، ومنه ما هو في كتابه؛ فكيف يخفى ذلك على جهابذة هذا
الفن، وفرسان هذا العلم؟!
٦١

ولما رأيناهم لا يرد بعضهم على بعض بهذا الاعتراض، تعيّن الوقوف
عند قولهم، والله أعلم.
٢- إعلالهم بعض الأحاديث، باحتمال دخول حديث في حديث
على بعض الرواة، أو أن الراوي نقل إسناداً لحديث، ثم انتقل بصره إلى
متن الحديث الذي يليه، وكل هذا فرع عن وقوف الأئمة على أصول الرواة
وكتبهم، ومن أين للمتأخر مثل ذلك؟!
فمن ذلك:
- ما جاء في ((العلل)) للرازي (٧٧/١/ ٢٠٧): سألت أبي، عن حديث
رواه هشام بن إسماعيل، عن محمد بن شعيب بن شابور، عن عبدالله بن
العلاء بن (زبْر)، عن سالم، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وعلى آله
وسلم: أنَّه صلى فترك آية، فلما انصرف؛ قال: ((أفيكم أَبيّ؟)) - وذكر
الحدیث -.
- قال أبي: هذا وهم، دخل لهشام بن إسماعيل حديث في حديث،
نظرت في بعض أصناف محمد بن شعيب، فوجدت هذا الحديث رواه
محمد بن شعيب، عن محمد بن يزيد البصري، عن هشام بن عروة، عن
أبيه، عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: صلّى فترك آية، هكذا
مرسل، ورأيت بجنبه حديث عبدالله بن العلاء، عن سالم، عن أبيه، عن
النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنّه سئل عن صلاة الليل، فقال: ((مثنى
مثنى، فإذا خشيت الصبح ... ))، فعلمت أنه سقط على هشام بن إسماعيل
متن حديث عبدالله بن العلاء، وبقي إسناده، وسقط إسناد حديث محمد بن
يزيد البصري، فصار متن حديث محمد بن يزيد البصري بإسناد حديث
عبدالله بن العلاء بن (زَبْر)، وهذا حديث مشهور يرويه الناس عن هشام بن
عروة .
فلما قدمْتُ السفرة الثانية، رأيت هشام بن عمار يحدث به عن
محمد بن شعيب، فظننت أن بعض البغداديين أدخلوه عليه، فقلت له: يا أبا
الوليد! ليس هذا من حديثك، فقال: أنت كتبت حديثي؟ فقلت: أما حديث
٦٢

محمد بن شعيب؛ فإنّي قدمت عليك سنة بضعة عشر، فسألتني أن أخرج
لك مسند محمد بن شعيب، فأخرجتَ إليّ حديث محمد بن شعيب،
فكتبتُ لك مسنده، فقال: نعم، هي عندي بخطك، قد أعلمت الناس أنَّ
هذا بخط أبي حاتم، فسكت. اهـ، ولا يسلم هذا النص من تصحيف، والله
أعلم، وبنحو ذلك انظر (٢١٦٥/٢٢٦/٢).
فتأمل كيف عرف أبو حاتم هذه العلة، وهل يستطيع باحث اليوم -
مهما كان واسع الاطلاع - أن يعرف مثل هذه العلة، ولم يقف على أصول
الرواة؟
٣- وقد يشعر أحدهم بنكارة الحديث، وليس معه دليل على
النكارة، فيبقى حريصاً على معرفة ذلك، وقد يقف على دليل هذه النكارة،
وقد لا يتيسر له ذلك، لكن الإمام منهم؛ لطول اشتغاله بالحديث النبوي،
وكثرة ملازمته ومذاكرته للأئمة، أصبح قادراً على معرفة كلام
رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم من كلام غيره، فمن ذلك:
- ما جاء في ((العلل)) للرازي (٢٣٩/٨٩/١): سألت أبي عن حديث
رواه أبو غسان محمد بن مطرف، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار،
عن عبادة، عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((من صلى الصلوات
الخمسَ، فأتمَّ ركوعها، كان له عند الله عهدٌ أن لا يعذِّبه))، قال أبي:
سمعت هذا الحديث عن عبادة منذ حين، وكنتُ أَنكره، ولم أفهم عورته،
حتى رأيته الآن: أخبرنا أبو محمد بن أبي حاتم، قال: حدثنا أبو صالح،
عن الليث، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن محمد بن يحيى بن
حبان، عن ابن محيريز، عن عبادة، سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى
آله وسلم يقول ... فعلمت أن الصحيح هذا، وأن محمد بن مطرف لم
يضبط هذا الحديث، وكان محمد بن مطرف ثقة، اهـ.
- وفي (٤٦٦/١٦٤/١): قال أبي: ذاكرت أبا زرعة بحديث رواه
عبدة بن سليمان، عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة، عن
المغيرة بن شعبة أنَّ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان إذا سلّم من
٦٣

الصلاة؛ قال: ((اللّهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع
ذا الجد منك الجد)) قال: فقلت: قد رابني أمر هذا الحديث؛ لأنَّ الناس
يروونه عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن المغيرة، عن النبي صلى
الله عليه وعلى آله وسلم في المسح على الخفين، فتابعني - أي: أبو
زرعة - على ما رابني، ورابه نحو ذلك، حتى ذاكرني بعض أصحابنا عن
بعض المدنيّين، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن المغيرة - كما
رواه عبدة - غير أن ذلك لم يستقر بعد عندي، اهـ.
- وفي (١٨٧٩/١٢٩/٢) ذكر حديثاً، ثم قال ابن أبي الثلج: كنا نذكر
هذا الحديث ليحيى بن معين سنتين - أو ثلاثة -، فيقول: هو باطل، ولا
يدفعه بشيء، حتى قدم علينا زكريا بن عدي، فحدثنا بهذا الحديث عن
عبيدالله بن عمرو عن إسحاق بن أبي فروة، فأتيناه، فأخبَرَناه، فقال: هذا
بابن أبي فروة أشبه منه بعبيدالله بن عمرو، اهـ.
فتأمل كيف أنَّ يحيى كان يحكم عليه بالبطلان سنتين - أو ثلاثاً -،
ولا يذكر دليلًا على قوله، ثم ظهر الدليل مؤيِّداً ما قاله ابن معين، مما
يدلك على صحة نقد هؤلاء الأئمة.
- وفي (٢٣٠٧/٢٧٠/٢): سألت أبي عن حديث رواه ابن أبي عمر
العدني، عن سفيان بن عيينة، عن إبراهيم بن أبي خداش، عن ابن عباس،
عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في المملوكين -: (( ... أطعموهم
مما تأكلون ... ))؛ الحديث، قال أبي: لم يكن هذا الحديث عند الحميديٍّ،
ولا عند علي بن المدينيِّ، ولم نجده عن أحد من أصحاب ابن عيينة، قال
أبي: ولم أزل أفتش عن هذا الحديث - وهمني جداً -، حتى رأيته في
موضع، عن ابن عيينة، عن إبراهيم بن أبي خداش عن ابن عباس - موقوفاً
-، فقلت: إنَّ رفعه ليس له معنى، والصحيح موقوف.
وقد كان رواه ابن جريج، عن إبراهيم بن أبي خداش، عن ابن
عباس، عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنّه قال: ((نعم المقبرة؛
هذه)) يعني: مقبرة مكة، قال أبي: فلم يُعرف بذا الإسناد إلَّ هذا وحده،
٦٤

حتى كتبت عن ابن أبي عمر ذلك الحديث، اهـ.
- وفي (٢٤٥١/٣١٢/٢) ذكر حديثاً، ثم قال أبو حاتم: هذا الحديث
من فضل الأعرج، وفاتني من أحمد، وأنكرته في نفسي، وكان يقع في
قلبي أنَّه أبو وهب الكلاعي صاحب مكحول - أي: ليس أبا وهب الجشمي
الصحابي؛ المذكور في الحديث -، وكان أصحابنا يستغربون - أي: يعدونه
غريباً ويستحسنونه -، فلا يمكنني أن أقول شيئاً، لما رواه أحمد.
ثم قدمت حمص، فإذا قد حدثنا ابن المصفى عن أبي المغيرة، قال:
حدثني محمد بن مهاجر، قال: حدثني عقيل بن سعيد، عن أبي وهب
الكلاعي، قال: قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ... ، قال أبو
حاتم: فعلمت أنَّ ذلك باطل، وعلمت أنَّ إنكاري كان صحيحاً.
وأبو وهب الكلاعي هو صاحب مكحول الذي يروي عن مكحول،
واسمه عبيدالله بن عبيد، وهو دون التابعين، يروي عن التابعين، وضربه مثل
الأوزاعي ونحوه، فبقيت متعجباً من أحمد بن حنبل، كيف خفي عليه؟ فإني
أنكرته حين سمعت به، قبل أن أقف عليه ... اهـ.
فتأمل هذا الإمام الهمام، الذي أصبح قلبه ميزاناً للسُّنَّة، فإذا أنكر قلبه
حديثاً، بقي مهموماً حتى يعرف علته، فيُفَرَّج عنه! فهل نستطيع اليوم أن
تكون كذلك؟!
٤- وأحياناً يُعِلُّون الحديث؛ لأنّه خلاف المشهور عندهم، وإن كان
السند كالشمس وضوحاً؛ كما في ((العلل)) للرازي (٨٠٨/٢٧٤/١): سألت
أبي عن حديث رواه أبو عامر العقدي، عن حماد بن سلمة، عن منصور بن
شيبة، عن أمه، عن عائشة، قالت: ((كان لا يوضع حَجَر على حجر بمنى،
إلّا أن يتخذ الرجل كنيفاً))، قال أبي، حدثنا أبو سلمة، قال: حدثنا حماد
عن منصور عن أمّه، قالت: كان (قولها) بلا عائشة، قال أبي: هذا الحديث
عن منصور عن أمه أشبه عندي، ومتن الكلام مشهور عن عائشة، اهـ.
فالإمام قد يحكم على إسناد - ما - بالنكارة لمخالفته المشهور
عندهم، وقد يشتهر عندهم ما لا يشتهر عندنا، فإذا تعقَّبْنا كلامهم بمجرد
٦٥

ظاهر الإسناد، كان تعقبنا في غير محله، فإن قيل: يلزم من ذلك ضياع
بعض الدين، والله - عزّ وجلّ - قد تكفل لنا بحفظ الدين، فقال: ﴿إِنَّا
!
نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَفِظُونَ
قلت: قد - حفظ الله - لنا ما فاتنا من الأسانيد؛ بحكم هؤلاء العلماء
على السند بالنكارة؛ لمخالفته المشهور عندهم، فلم يفُتْنا شيء من ديننا
الذي نحتاج إليه، والحمد لله رب العالمين.
٥- وكذلك فالأئمة المتقدمون قد ينظرون إلى مذهب الراوي
وروايته، وقد يُعلُّون بعض الروايات إذا كانت خلاف ما يفتي به الراوي،
وهذا محمول على أن الحديث لا يصح إلى ذاك الراوي، أو أنهم تأكدوا
من دخول الحديث على الراوي، كما في ((العلل)) للرازي (١٢٧١/٤٢٢/١):
سألت أبي عن حديث رواه حماد بن خالد الخياط، عن هشام بن سعد،
عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، قالت: ((لا طلاق إلّا بعد نكاح))، قال
أبي: هذا حديث منكر، وإنما يروى عن الزهري أنّه قال: ما بلغني في هذا
رواية عن أحد من السلف، ولو كان عنده عن عروة عن عائشة، كان لا
يقول ذلك، اهـ. وانظر ((العلل)) (١٥٦٦/٣٠/٢).
٦- وقد يستنكرون الحديث عن أحد الرواة؛ لعلمهم أن هذا الراوي لا
يروي شيئاً في هذا الباب، كما جاء في ((العلل)) (١٠٩٧/٣٧٠/١): سألت أبي
عن حديث رواه المحاربي، عن إبراهيم بن الفضل، عن سالم الأفطس، عن
عطاء بن أبي رباح، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى
آله وسلم: ((من قال لا إله إلَّا الله؛ فصلّوا عليه، وصلوا وراءه))، قال أبي: هذا
حديث منكر، لا أعلم لسالم حديثاً مسنداً - يعني: في هذا الباب -، اهـ.
٧- معرفة الأئمة للراوي كيف وأين أخذ الحديث من شيخه، فمن
ذلك :
ما جاء في ((العلل)) للرازي (٩٥١/٣١٧/١): سألت أبي عن حديث
رواه سعدان، عن يونس، عن الزهري، عن قبيصة، عن ذؤيب وأبي سلمة،
عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: ((يوشك
٦٦

أقصى مسالح المسلمين بسلاح ... ))، قال أبي: الموقوف أشبه، قلت: وما
تنكر أن يكون سمع منهما، قال: أنكر، فإن لا يحتمل أن يكون هذا من
حديث قبيصة وسعدان، أرى أنه سمع من يونس بمكة أو المدينة، ويونس
لم يكن معه كتبه، قال وكيع: رأيت يونس بن يزيد بمكة، فجهدتُ أن يقيم
لي إسناد حديث لم يقمه، فترى أن سعدان سمع منه بمكة؛ لأنَّ حديثه
وحديث أبي ضمرة وسليمان بن بلال وطلحة بن يحيى متقارب، اهـ، فتأمل
هذا الفهم العجيب، وسل الله - عزّ وجلّ - أن يقسم لك من هذا بنصيب،
ومن ذلك إعلال البخاري حديث الجمع بين الصلاتين، لأَن قتيبة كتبه في
حضور المدائني، وكان ممن يدخل على الشيوخ، وانظر رقم (٩) الآتي بعد
قلیل .
٨ - وقولهم: هذا الحديث يشبه كلام الحسن البصري - مثلاً -
وليس من كلام رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، انظر ((شرح علل
الترمذي)) لابن رجب (٨٦١/٢) وما بعدها. وعمدتهم في ذلك سعة
الاطلاع، وتتبع مراحل الحديث، وأنَّ الراوي قديماً كان يرويه على الوجه
الفلاني، ثم رواه على وجه آخر، كما في ((العلل)) (١٧٩١/٩٩/٢).
٩- ومن ذلك ما قاله العلامة المعلمي - رحمه الله -: إذا استنكر
الأئمة المحققون المتن، وكان ظاهر السند الصحة؛ فإنهم يتطلبون له علة،
فإذا لم يجدوا علة قادحة مطلقاً حيث وقعت، أعلّوه بعلة ليست بقادحة
مطلقاً، ولكنهم يرونها كافية للقدح في ذاك المنكر، فمن ذلك: إعلاله بأنَّ
راويه لم يصرح بالسماع، هذا مع أن الراوي غير مدلس، أعل البخاري
بذلك خبراً رواه عمرو بن أبي عمرو - مولى المطلب -، عن عكرمة، تراه
في ترجمة عمرو من ((التهذيب))، ونحو ذلك كلامه في حديث عمرو بن
دينار، في القضاء بالشاهد واليمين، ونحوه أيضاً كلام شيخه علي بن
المديني في حديث: ((خلق الله التربة يوم السبت ... إلخ))، كما تراه في
((الأسماء والصفات)) للبيهقي، وكذلك أعل أبو حاتم خبراً رواه الليث بن
سعد عن سعيد المقبري، كما تراه في ((علل ابن أبي حاتم)) (٣٥٣/٢) -
برقم (٢٥٧٩) - ومن ذلك إشارة البخاري إلى إعلال حديث الجمع بين
٦٧

الصلاتين، بأن قتيبة لما كتبه عن الليث كان معه خالد المدائني، وكان خالد
يُدخل على الشيوخ، يُراجع ((معرفة علوم الحديث)) للحاكم (ص: ١٢٠).
قال: ومن ذلك الإعلال بالحَمْل على الخطأ، وإن لم يتبين وجهه،
كإعلالهم حديث عبدالملك بن أبي سليمان في الشفعة، ومن ذلك إعلالهم
بظن أن الحديث أدخل على الشيخ، كما ترى في ((لسان الميزان)) في ترجمة
الفضل بن الحباب وغيرها.
وحجتهم في هذا أنَّ عدم القدح بتلك العلة مطلقاً، إنّما بُني على أن
دخول الخلل من جهتها نادر، فإذا اتفق أن يكون المتن منكراً، يغلب على
ظن الناقد بطلانه، فقد يحقق وجود الخلل، وإذْ لم يوجد سبب له إلّا تلك
العلة، فالظاهر أنها هي السبب، وأنَّ هذا من ذاك النادر الذي يجيء الخلل
فيه من جهتها، وبهذا يتبيّن أنَّ ما يقع ممن دونهم من التعقب، بأنَّ تلك
العلة غير قادحة، وأنَّهم قد صححوا ما لا يحصى من الأحاديث، مع
وجودها فيها، إنما هو غفلة عما تقدم من الفرق، اللهم إلّا أن يُثْبِتَ
المتعقّب أنَّ الخبر غير منكر. اهـ.
فمما سبق يتضح أهمية الرجوع لكلام العلماء في هذا العلم، وقد قال
ابن رجب - رحمه الله - في ((شرح علل الترمذي)) (٨٦١/٢): حذاق النقاد
من الحفاظ لكثرة ممارستهم للحديث، ومعرفتهم بالرجال وأحاديث كل
واحد منهم، لهم فهم خاص، يفهمون به أنَّ هذا الحديث يشبه حديث
فلان، ولا يشبه حديث فلان، فيعللون الأحاديث بذلك، وهذا مما لا يُعبَّر
عنه بعبارة تحصرهُ، وإنّما يُرجع فيه إلى مجرد الفهم والمعرفة التي خُصّوا
بها عن سائر أهل العلم ... اهـ.
فإذا رأينا إسناداً مسلسلًا بالثقات، ورأينا العلماء يطعنون في هذا السند،
فإن صرحوا بالعلة؛ فذاك، وإن لم يصرحوا بالعلة؛ فإعمال قولهم مقدم على
مجرد ظاهر الإسناد، إلَّا أن يكون المقصود من كلام أحدهم تضعيف أحد
رواة السند، ووقفنا على من وثقه، فنرجح بين كلام الأئمة حسب قواعد هذا
الفن، فإن رجحنا عدالة الراوي؛ احتججنا بحديثه، وإلا فلا.
٦٨

إلَّا أنني أريد أن أكشف النقاب عن مسألة طالما زلّت فيها أقدام بعض
طلبة العلم، وذلك أن كلام الأئمة المتقدمين في إعلال كثير من الأحاديث،
قد يكون مقيداً بإسناد بعينه، مع أن عبارة الإمام منهم قد تكون مطلقة،
فيظن من وقف على ذلك، أنهم يُعلّون الحديث من جميع طرقه، ثم يتعقب
من صحح الحديث - لوقوفه على أسانيد تقوي الحديث -؛ مستدلاً بأن
فلاناً من الأئمة قد ضعّف هذا الحديث.
والصواب في ذلك: أن ننظر في كلام الأئمة المتقدمين، فإن اتفقوا
على ضعف الحديث وعدم الاحتجاج به، تركناه، وإن اختلفوا في تصحيحه
وإعلاله، رجحنا بينهم حسب قواعدهم - كما سبق -، من كلام الحافظ،
وإن تكلم أحدهم في الحديث وطعن فيه، وأمكن حمل كلامه على سند
بعينه؛ فذاك، وإن لم يمكن حمل كلامه على سند معين، وظهرت قرينة
تدل على أنه يحكم بالنكارة أو البطلان على الحديث كله؛ فلا نستطيع أن
نخالفه في ذلك، والسلامة في لزوم غرز العلماء، والله أعلم.
فإن قيل: إن العلماء إذا أطلقوا النكارة، فإنهم يقصدون بذلك الحديث
كلّه، لا مجرد السند.
فالجواب: أَنَّ هذا الإطلاق من قائله، كلام من لا يعرف صنيع أهل
العلم، والأمثلة في رد هذا الإطلاق كثيرة، فمن ذلك: ما جاء في ((العلل))
للرازي (٣٦٢/١٣١/١): سئل أبي عن حديث رواه نوح بن حبيب، عن
عبدالمجيد بن عبدالعزيز بن أبي رواد عن مالك بن أنس عن زيد بن أسلم
عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم:
((إنما الأعمال بالنيات))، قال أبي: هذا حديث باطل لا أصل له، إنما هو
مالك عن يحيى بن سعيد عن محمد بن إبراهيم التيمي عن علقمة بن وقاص
عن عمر عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، اهـ.
فأنت تراه قال: ((هذا حديث باطل لا أصل لهُ)) وهو يعني الإسناد الذي
جعل الحديث من مسند أبي سعيد، وصحح الحديث من مسند عمر -.
وكما حكم أبو حاتم على حديث ((من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم
٦٩

القرآن؛ فهي خداج غير تمام))؛ بأنّه حديث منكر جداً، انظر ((العلل))
(٤٣٧/١٥٥/١)، مع أن الحديث صحيح من غير الطريق التي في ((العلل))،
وكما في (٩٤٠/٣١٣/١): سئل أبو حاتم على حديث: إن الله - عزّ وجلّ -
كتب الغيرة على النساء، والجهادَ على الرجال ... ؛ الحديث في قصته، قال
أبو حاتم: هذا حديث منكر، وقال مرة أخرى: هذا حديث موضوع بهذا
الإسناد، اهـ.
وفي (١٠٦٣/٣٥٩/١) قال أبو حاتم في حديث النياحة: هذا حديث
منكر، قال ابنه: يعني: بهذا الإسناد، اهـ.
وفي (١٠٧١/٣٦٢/١) قال أبو حاتم في حديث: ((إذا رأيتم الجنازة
فقوموا حتى تجاوزكم أو توضع)»: هذا حديث باطل، قال ابنه: يعني: هذا
الإسناد، اهـ.
وفي (١٠٨١/٣٦٦/١) قال في حديث: ((أكثر عذاب القبر من البول)):
هذا حديث باطل، قال ابنه: يعني: (مرفوعاً)، اهـ.
وهناك أمثلة كثيرة للعلماء يطلق أحدهم الإعلال، وهو يريد سنداً
بعينه، أو كلمة في المتن دون بقية المتن، فلا يتجه - مع هذا - أن يقال:
لا نلتفت إلى الأسانيد الصحيحة السالمة من العلة؛ لمجرد استنكار أحد
الأئمة، لاحتمال أنَّ إطلاقهُ النكارة من العام الذي يراد به الخاص، والله
أعلم.
(تنبيه):
شاع عند كثير من طلبة العلم أن مثل الحافظ ابن حجر - رحمه الله
-، - أو ما يسمونهم بـ((المتأخرين)) - لا يتقيدون بقواعد الأئمة المتقدمين في
إعلال الروايات، وهذا الإطلاق في غير محله، فالمتأخرون يخدمون مذاهب
المتقدمين، ولا يهدمونها، ومن الأدلة على ذلك، أنهم يرد بعضهم على
بعض مستدلين بصنيع المتقدمين، ومن الأمثلة الدالة على وقوفهم عند كلام
المتقدمين، ما جاء في ((التلخيص الحبير)) للحافظ (٢٦٤/٢) برقم (٧٨٩)
قال :
٧٠

وروى ابن ماجه من حديث أبي هريرة: «أنَّ رسول الله صلى الله عليه
وعلى آله وسلم حتى من قبل الرأس ثلاثاً)، وقال أبو حاتم في ((العلل)):
هذا حديث باطل، قال الحافظ: قلت: إسناده ظاهره الصحة:
قال ابن ماجه: حدثنا العباس بن الوليد: ثنا يحيى بن صالح: ثنا
سلمة بن كلثوم: ثنا الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن
أبي هريرة: ((أنَّ رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم صلى على
جنازة، ثم أتى قبر الميت، فحثى عليه - من قبل رأسه - ثلاثاً، ليس
لسلمة بن كلثوم في ((سنن ابن ماجه)) وغيرها إلّا هذا الحديث الواحد،
ورجاله ثقات، وقد رواه ابن(١) أبي داود في كتاب ((التفرد)) له من هذا
الوجه، وزاد في المتن، أنَّه كبّر أربعاً، وقال بعده: ليس يروي في حديث
صحيح، أنّه صلى الله عليه وعلى آله وسلم كبر على جنازة أربعاً إلّا هذا،
فهذا حكم منه بالصحة على هذا الحديث، لكن أبو حاتم إمام لم يحكم
عليه بالبطلان، إلّا بعد أن تبين له، وأظن: العلّة فيه عنعنة الأوزاعي،
وعنعنة شيخه، وهذا كله إن كان يحيى بن صالح هو الوحاطي شيخ
البخاري، والله أعلم، اهـ، فتأمل إجلاله لقول أبي حاتم، والتماس المخرج
له، مع أنَّه قد خولف.
فهل يقال بعد ذلك: إن المتأخرين لا يرفعون رأساً بإعلال المتقدمين؟
ولو ذهبتُ ألتمس أدلة لذلك لظفرت بأدلة كثيرة من كلام المتأخرين، ويكفي
ما سبق من كلام الحافظ في أول هذا الجواب، ولكن المتعقّب عليهم قد
يفوته ما سبق التنبيه عليه؛ أنَّ من كلام العلماء ما هو عام أريد به
الخصوص، أو يكون في المسألة خلاف بين المتقدمين، اطلع عليه مثل
الذهبي وابن حجر - لسعة اطلاعهما - فاحتاجا إلى الترجيح، ولم نطلع
عليه نحن، فتعجلنا برمي العلماء بمخالفة مذهب المتقدمين، وأوغرنا صدور
الأحداث على الأئمة الحفاظ، وقد يجتهد المتأخر فيخطىء، وكفى المرء
نبلاً أن تعدَّ معايبه.
(١) كذا، والمعروف أن كتاب ((التفرد)) لأبي داود، والله أعلم.
٧١

أما أن نُوهم طلبة العلم: أنَّنا أعرف وأفهم بصنيع المتقدمين من
الذهبي وابن حجر ومن جرى مجراهما؛ فإنّها - وربِّي - آبدة من الأوابد،
والله المستعان .
س ٢٠٥: هل يصح للباحث - اليوم - في الأحاديث، أن يحكم
على الحديث بالصحة، إذا تأكد من الاتصال وثقة الرواة، أم لا بد من التأكد
من السلامة من الشذوذ والعلة؟
ج ٢٠٥: من نظر في تعريفهم للحديث الصحيح، وأنَّه الحديث الذي
يتصل سنده، بنقل عدل تام الضبط، عن مثله، إلى منتهاه، ولا يكون شاذاً
ولا معللًا، وقد عزا ابن الصلاح - رحمه الله - هذا التعريف لأهل
الحديث، فقال - بعد تعريفه للحديث الصحيح -: فهذا هو الحديث الذي
يُحكم له بالصحة بلا خلاف بين أهل الحديث ... ، اهـ (ص: ٨) من
((علوم الحديث)) لابن الصلاح.
من نظر في ذلك علم أنَّهم يشترطون في الحديث الصحيح خمسة
شروط :
١- الاتصال.
٢- عدالة الرواة .
٣- تمام ضبطهم.
٤- السلامة من الشذوذ.
٥- السلامة من العلة.
فعلى ذلك لا يسمى الحديث صحيحاً، إلَّا إذا توفرت فيه الشروط
الثلاثة الأُولى، وغلب على ظن الباحث - بعد البحث - السلامة من الشذوذ
والعلة .
ومن حكم على الحديث بالصحة، بمجرد ثبوت الشروط الثلاثة
الأُولى؛ فقد أهدر كلام المحدثين.
وقد قال السخاوي - رحمه الله - في ((فتح المغيث)) (١/ ١٧ - ١٨):
وأما من لم يتوقف من المحدّثين والفقهاء، في تسمية ما يجمع الشروط
٧٢

الثلاثة صحيحاً، ثم إن ظهر شذوذ أو علة رده، فشاذ، وهو استرواح، حيث
يحكم على الحديث بالصحة، قبل الإمعان في الفحص عن تتبع طرقه، التي
يُعلم بها الشذوذ والعلة، نفياً وإثباتاً، فضلًا عن أحاديث الباب كله، التي
ربّما احتيج إليها في ذلك.
قال: وربّما تطرق إلى التصحيح متمسكاً بذلك - أي: تصحيح
الحديث لقولهم: صحيح الإسناد - من لا يحسن، فالأحسن سدُّ هذا
الباب، وإن أشعر تعليل ابن الصلاح ظهور الحكم بصحة المتن من إطلاق
الإمام المعتمد صحةً الإسناد، بجواز الحكم قبل التفتيش، حيث قال: لأنَّ
عدم العلة والقادح هو الأصل الظاهر.
قال السخاوي: فتصريحه بالاشتراط يدفعه، مع أن قصر الحكم على
الإسناد - وإن كان أخف ــ لا يسلم من انتقاد، اهـ.
ثم ذكر عن الحافظ أنَّه مال إلى تسمية الشاذ صحيحاً، والمحفوظ
أصح، وانتهى إلى عدم العمل به مع صحته، كالمنسوخ، وبنحو ذلك نقل
السيوطي في ((التدريب)) (٦٥/١).
والأصح: ما تقدم عن السخاوي - رحمه الله -؛ لما سبق، ولأنَّ
الحافظ - نفسه - قال بغير هذا؛ كما في ((النكت)) (٤٧٤/١)، عند قول ابن
الصلاح: لأنَّ عدم العلة والقادح هو الأصل؛ قال الحافظ -: لا نسلم أنَّ
عدم العلة هو الأصل، إذ لو كان هو الأصل؛ ما اشتُرِط عدمه في شرط
الصحيح، فإذا كان قولهم: ((صحيح الإسناد))، يحتمل أن يكون مع وجود
العلة، لم يتحقق عدم العلة، فكيف يحكم له بالصحة؟ ... ، اهـ من كلامه
على التفريع السابع بعد نوع الحسن.
- وقد يقول قائل: لو نظرنا في صنيع الأئمة المتقدمين، لرأيناهم
يصححون الحديث، إذا كان ظاهر إسناده السلامة من العلة، فإذا وقفوا على
علة بعد ذلك أعلوه، ويلزمنا اتباعهم في ذلك، كما جاء في ((العلل)) للرازي
(١١٢٢/٣٧٧/١): سألت أبي عن حديث رواه قتادة وحماد بن سلمة عن
عكرمة بن خالد عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال:
٧٣

((من باع نخلاً قد أبّرت؛ فثمرتها للبائع، إلّا أن يشترط المبتاع)، قال أبي:
كنت أستحسن هذا الحديث من ذا الطريق، حتى رأيت من حديث بعض
الثقات عن عكرمة بن خالد عن الزهري عن ابن عمر عن النبي صلى الله
عليه وعلى آله وسلم، قال أبي: فإذا الحديث قد عاد إلى الزهري عن سالم
عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. اهـ. وبنحوه في
(٢٨٨/١٠٧/١)، (١٢٨٧/٤٢٨/١)، (٢٢٠٥/٢٣٨/٢).
فالجواب: أن الحفاظ لهم اطلاع واسع، ودراية فائقة بالروايات، فإذا
سمع أحدهم حديثاً، نظر في إسناده، وقارنه بما يحفظ من روايات في هذا
الباب، واعتبره بما يعلم من روايات التلاميذ الآخرين عن ذلك الشيخ، فإذا
لم يجد فيه ما يعلّه، استحسنهُ، وقد يقف بعد ذلك على رواية لم يكن قد
وقف عليها من قبل، فتُفْسِد هذه الرواية الجديدةُ ما كان يعلمه عن الحديث
من قبل، فيغيِّر الإمام منهم عند ذاك اجتهاده.
فأنت ترى أنَّ الإمام إذا سمع بسند بحث عن علته، ولم يقبله حتى
يعرضه على ما عنده من روايات، وهذا بعينه هو البحث عن علة الحديث،
حتى يغلب على الظن السلامة منها.
أما نحن - معشَرَ الباحثين اليوم -؛ فليس لنا سبيل إلّ جمع طرق
الحديث، وسبر الروايات، وعرض الرواية على غيرها، لنقف على العلة، أو
على السلامة منها، وكل هذا يعتبر أقل مما في صدر الحافظ من الحفاظ،
والله أعلم.
س ٢٠٦ : إذا خالف الثقة من هو أوثق منه، فروى الحديث مرفوعاً - مثلاً -
وأوقفهُ الثقة الحافظ أو ثقتان فأكثر، فهل ترد رواية الثقة مطلقاً، أم تقبل مطلقاً؟
ج ٢٠٦: من المعلوم أنَّ الحديث الشاذ: هو الحديث الذي يخالفُ
فيه المقبول من هو أوثق منه، والمقبول يشمل راوي الصحيح وراوي
الحسن، وقولهم: ((من هو أوثق منه)) أي: لمزيد ضبط وإتقان، أو لكثرة
عدد في الرواة.
٧٤

فإذا خالف المقبول من هو أوثق منه، يُرَدُّ حديثه - في غالب
الأحيان -؛ لأنَّ قول الأحفظ أو الأكثر؛ مقدم على من هو دونه في الحفظ
أو العدد.
لكن بالاستقراء ظهرت لي حالات يَقْبل فيها العلماءُ قول الثقة، وقول
من هو أوثق منه حفظاً أو عدداً، ويحملون الحديث فيها على الوجهين،
ومعرفة هذه الحالات مما لا يخفى نفعه، والأصل في ذلك أنَّ العلماء لا
یحکمون بحكم واحد علی کل الأحاديث، بل كل حديث له دراسة تليق به،
فهم يعلُّون رواية الضعيف إذا زاد رجلًا - مثلاً - ويُحمل ذلك على أنَّه وَهِمَ؛
فأسند ما أرسله غيره، ومع ذلك فقد يقبلون الزيادة من الضعيف، ويستدلون
بوجود الزيادة على أنّه حفظ وأتقن؛ لأنَّ النقص كان أسهل عليه، كما جاء في
((العلل)) للرازي (٤٨٨/١٧١/١): سألت أبي عن حديث رواه النعمان بن
المنذر، عن مكحول، عن عنبسة عن أم حبيبة عن النبي صلى الله عليه وعلى
آله وسلم قال: ((من حافظ على ثنتي عشرة ركعة في يوم وليلة، بُني له بيت
في الجنة))؛ فقال أبي: لهذا الحديث علة: رواه ابن لهيعة عن سليمان بن
موسى، عن مكحول، عن مولى لعنبسة بن أبي سفيان، عن عنبسة، عن أم
حبيبة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قال أبي: هذا دليل (على أن
مكحولًا) لم يلق عنبسة، وقد أفسده رواية ابن لهيعة، قلت لأبي: لمَ حكمت
برواية ابن لهيعة؟ فقال: لأنَّ في رواية ابن لهيعة زيادة رجل، ولو كان نقصان
رجل كان أسهل على ابن لهيعة حفظه، اهـ.
فالعلماء لهم في كل حديث قرائن تحملهم على القول بقبوله أو
إعلاله، ومن الخطأ الجسيم أن يُفْهَم أن هذا تناقض واضطراب، أو اتباع
لهوى، ومن ظن بالعلماء كذلك فهو أعمى، وقد ضلّ من كانت العميان
تهدیه .
وهذه الحالات التي يُقبل فيها قول المقبول مع قول من هو أوثق منه:
١- إذا كان المخالِفُ أحد الأئمة المشاهير، فلا يردُّون قوله - في
مواضع كثيرة - مثال ذلك: ما جاء في ((العلل)) للدارقطني (٥/ ٢٥١-
٧٥

٨٦١/٢٥٢): وسئل عن حديث مسروق عن عبدالله: سأل قوم من اليهود
رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن الروح، فسكت، فظننا أنّه
يُوحى إليه، ثم قال: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِّ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِ ﴾ الآية.
فقال: يرويه عبدالله بن إدريس عن الأعمش عن عبدالله بن مرة عن
مسروق عن عبدالله، وخالفه وكيع وعيسى بن يونس وعلي بن مسهر، فرووه
عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبدالله، وهو المشهور، ولعلهما
صحيحان، وابن إدريس من الأثبات، ولم يتابَع على هذا القول، اهـ.
وقد يقفون في الجميع، فلا يرجحون شيئاً كما في (العلل)) للدار قطني
(٤/ ٣٩٣ - ٦٥٢/٣٩٤).
٢- إذا كان المخالف له مزية في الشيخ المختلف عليه، قُبل قولُهُ
أيضاً، كما في ((العلل)) للدار قطني (٧/ ٢٠٦ - ١٢٩٥/٢١١) ذكر حديث أبي
موسى: ((لا نكاح إلّا بولي)) وذكر أنَّ شعبة والثوري أرسلاه، عن أبي
إسحاق السَّبيعي، وأسنده إسرائيل عن أبي إسحاق، ثم قال: وإسرائيل من
الحفاظ عن أبي إسحاق، قال عبدالرحمن بن مهدي: كان إسرائيل يحفظ
حديث أبي إسحاق، كما يحفظ سورة الحمد، قال: ويشبه أن يكون القولُ
قوله، وأنَّ أبا إسحاق كان ربما أرسله، فإذا سئل عنه وصله، اهـ.
وفي (٩٢٩/٣٣٥/٥) قال: وسئل عن حديث أبي عمرو الشيباني عن
ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((سباب المسلم
فسوق، وقتاله كفر))؛ فقال: يرويه سليمان التيمي عن أبي عمرو، ورفعه عنه
ابنهُ معتمر، ووقفه يحيى القطان وحماد بن سلمة، ورفعه صحيح، اهـ.
ولعل ذلك لما لمعتمر من مزية في أبيه؛ لأنَّه من أهل بيته، والله
أعلم .
وبنحوه في ((العلل للدارقطني)) (٢/ ١٨٧ - ٢٠٩/١٨٨) وبنحو ذلك
حكم أبو حاتم على رواية همام عن قتادة، مخالفاً لشعبة عن قتادة، وحمل
الحديث على الوجهين، وقال: همام أعلم بحديث قتادة من شعبة، انظر
((العلل للرازي)) (١/ ٤٨٢ - ١٤٤٥/٤٨٣).
٧٦

والراوي إذا كان له مزية في شيخ بعينه؛ فهو بمنزلة الثقة الحافظ إذا
روى عن ذلك الشيخ، وإن لم يكن كذلك في غيره.
وفي ((العلل)) للرازي (١٦٤٧/٥٤/٢) رجح أبو زرعة رواية محمد بن
يزيد بن سنان عن أبيه، على رواية وكيع عن يزيد، فقال: حديث محمد بن
يزيد أشبه عن أبيه؛ لأنّه أفهم لحديث أبيه، أن كان كتب أبيه عنده، اهـ.
فأنت تراه رجح رواية محمد على وكيع الإمام المشهور، وهذا أقوى
في الدلالة من قبول القولين.
٣- إذا كان الراوي المخالف روى نفس رواية من هو أوثق منه، ثم
انفرد برواية أُخرى، دل ذلك على أنه حفظ ما حفظ غيره، وزاد عليهم،
فروى ما لم يروه غيره، وذلك كله بشرط أن يكون الوجهان محفوظين عنه .
مثال ذلك :
· ما جاء في ((العلل)) للرازي (٣٦٧/١٣٣/١): سألت أبي عن حديث
رواه ابن الهاد عن محمد بن إبراهيم عن عطاء بن يسار عن رجل من
الأنصار - من بني بياضة -: أنّه سمع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله
وسلم وهو مجاور في المسجد، فوعظ الناس وحذّرهم، وقال: ((المصلي
يناجي ربّه لا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن)) وروى ابن الهاد - أيضاً
على إثر ذلك - عن محمد بن إبراهيم عن أبي حازم - مولى الغفاري -،
أنَّه حدثه هذا الحديث البياضيُّ عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله
وسلم .
قال أبو محمد: قال أبي: لولا أن ابن الهاد جمع الحديثين، لكنا
نحكم لهؤلاء الذين يروونه، اهـ ــ أي: يروونه بخلاف روايته -، اهـ، وانظر
(٧٧٦/٢٦٣/١)، وانظر ((العلل)) للدار قطني (٦/ ٤٠ - ٩٦٥/٤٣).
وقد قال ابن رجب في ((شرح علل الترمذي)) (٨٣٨/٢) بعد أن ذكر
حديث عبدالله بن إدريس في الروح؛ قال: ومما يشهد لصحة ذلك: أن ابن
إدريس روى الحديث بالإسناد الأول أيضاً، وهذا مما يستدل به الأئمة كثيراً
٧٧

على صحة رواية من انفرد بالإسناد، إذا روى الحديث بالإسناد الذي روى
به الجماعة ... ، اهـ وانظر (٨٤٠/٢)، وانظر ((الموقظة)) (ص: ٥٣) للذهبي
تحقيق أبي غدة في الكلام على المضطرب والمعلل.
٤- إذا روى الثقة الحديث بوجه، ورواه الثقات بوجه آخر، فجاء
ثقة آخر وروى الحديث بالوجهين، دلّ ذلك على صحة الوجهين، مثال
ذلك :
ما جاء في ((العلل)) للرازي (٤٦٩/١٦٥/١): سألت أبي عن حديث
رواه مالك وابن عيينة عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن
النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنَّه سئل عن الصلاة في الثوب الواحد؟
فقال: ((أوكلكم يجد ثوبين))، ورواه سليمان بن كثير عن الزهري عن أبي
سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قال: كلاهما
صحيح، قد روى عُقيل عن الزهري عن سعيد وأبي سلمة عن أبي هريرة
عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم جمعهما، اهـ.
وفي ((العلل)) للدارقطني (٦/ ٧٣ - ٩٨٨/٧٩) ذكر حديثاً ... وفيه:
واختلف عن الأعمش: فرواه عبيدة بن حميد عن الأعمش عن الحكم -
وحده -، عن ميمون عن معاذ، وخالفه عبدالله بن إدريس، وأبو إسحاق
الفزاري، فروياه عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ميمون بن أبي
شبيب، ورواه جرير بن عبدالحميد، عن الأعمش، عن الحكم وحبيب، عن
ميمون، عن معاذ، فصحّ القولان، عن الأعمش، اهـ.
وفي (٦/ ١١٢ - ١٠١٢/١١٤) ذكر حديثاً ... وفيه: حدث به شعبة،
واختلف عنه: فرواه محمد بن كثير وغير واحد عن شعبة عن عثمان بن
عبدالله بن موهب عن موسى بن طلحة، ورواه غندر وبدل بن المحبر وأبو
الوليد وعبدالصمد، عن شعبة عن محمد بن عثمان بن عبدالله بن موهب عن
موسى، ورواه بهز بن أسد عن شعبة بتصحيح الوجهين جميعاً، فقال: عن
محمد بن عثمان وأبيه عثمان (عن) موسى ... ، اهـ.
٥- إذا كان الراوي المختلف عليه واسع الحديث، فتحمل رواية الثقة
٧٨

عنه، ورواية من هو أوثق منه على الصحة؛ لأنَّ الشيخ المكثر؛ يُتَوقّع في
حقّه أن يكون قد حفظ الحديث على أكثر من وجه، وحدث بعض تلاميذه
بهذا، والبعض الآخر بذاك، وليس ذلك لكل ثقة، إنّما هذا في حق
المشاهير الأثبات.
وبنحو ذلك قال ابن رجب، في ((شرح علل الترمذي)) (٨٣٨/٢).
قلت :
ومن الأمثلة على ذلك:
● ما جاء في ((العلل)) للرازي (١٦٣٤/٥٠/٢): سألت أبي عن حديث
اختلف على أبي إسحاق الهمداني: رواه زهير عن أبي إسحاق عن أبي
عبيدة عن عبدالله بن مسعود، وروى الثوري وإسرائيل عن أبي إسحاق عن
أبي الأحوص عن عبدالله أنّه قال: ((من قرأ القرآن؛ فليتعلم الفرائض ... ))؛
وذكر الحديث، فسمعت أبي يقول: كلاهما صحيح، كان أبو إسحاق واسع
الحديث، اهـ.
وجاء في ((فتح الباري)) (١٥/١٣) الحديث (٧٠٦١) ذكر الحافظ أنَّ
يونس بن يزيد وشعيب بن أبي حمزة والليث وابن أخي الزهري رووا
الحديث عن الزهري عن حميد بن عبدالرحمن بن عوف عن أبي هريرة،
وخالفهم معمر، فرواه عن الزهري عن سعيد عن أبي هريرة، وصنيع
البخاري يقتضي أنَّ الطريقين صحيحان؛ فإنَّه وصل طريق معمر هنا، ووصل
طريق شعيب في كتاب ((الأدب))، وكأنّه رأى أنَّ ذلك لا يقدح؛ لأنَّ الزهري
صاحب حديث، فيكون الحديث عنده عن شيخين، ولا يلزم من ذلك
اطراده في كل من اخْتِلف عليه في شيخه، إلّا أن يكون مثل الزهري في
كثرة الحديث والشيوخ، ولولا ذلك لكانت رواية يونس ومن تابعه أرجح،
وليست رواية معمر مدفوعة عن الصحة لما ذكرته، اهـ وانظر ((هدي الساري))
(ص: ٣٨١) الفصل الثامن ك/ الفتن، الحديث الثاني بعد المائة .
١٠
٦- إذا احتف حديث الثقة بقرائن خارجية تدل على أنَّه محفوظ،
وإن خالف من هو أوثق منه، ومن هذه القرائن أن يذكر أحد الرواة في
٧٩

رواية الثقة المخالف قصة، فمن ذلك ما جاء في ((العلل)) للرازي
(١٢٠٣/٤٠٢/١): سألت أبي عن حديث رواه أشعث بن عبدالملك عن
الحسن عن سعد بن هشام عن عائشة، ((أنَّ النبي صلى الله عليه وعلى آله
وسلم نهى عن التبتل)) ورواه معاذ بن هشام عن أبيه عن قتادة عن الحسن
عن سمرة «أنَّ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى عن التبتل)» قلت:
أيّهما أصح؟ قال أبي: قتادة أحفظ من أشعث، وأحسب الحديثين
صحيحين؛ لأنَّ لسعد بن هشام قصة في سؤاله عائشة عن ترك النكاح -
يعني: التبتل -، اهـ.
فلولا أن لسعد بن هشام قصة في هذا الباب مع عائشة، لرُجّحت
رواية قتادة، وكان الحديث من مسند سمرة، لا من مسند عائشة، والله
أعلم.
وذِكْر القصة في الحديث يدل على ضبط الراوي، ففي ((هدي الساري))
(ص: ٣٦٣) الحديث الثاني والأربعون ... وفيه: وفي السياق قصة تدل
على أن العوام - أي ابن حوشب - حفظه، فإن فيه: اصطحب يزيد بن أبي
كبشة وأبو بردة في سفر، فكان يزيد يصوم في السفر، فقال له أبو بردة:
أفطر، فإني سمعت أبا موسى مراراً يقول ... ؛ فذكره - أي: ذكر حديث:
((إذا مرض العبد أو سافر؛ كتب الله له مثل ما كان يعمل صحيحاً مقيماً)) -
وقد قال أحمد بن حنبل: إذا كان في الحديث قصة، دل على أنَّ راويه
حفظه، والله أعلم، اهـ.
(تنبيه):
لا يلزم مما ذكرتُ أن تكون هذه الحالات مطردة في قبولها والاعتماد
عليها، فما من حالة إلَّا وقد تخلَّف الحكم بالصحة مع وجود نحوها؛
وذلك لأنَّ الأئمة لهم فهم ثاقب ودراية تامة، وينظرون لكل حديث حسب
ما يحتف به من قرائن، ولا يلزم من قبولهم لحديث ما، لأمر ما، أنَّهم
يقبلون كل حديث توفر فيه هذا الأمر، كما لا يخفى على المشتغلين بهذا
العلم الشريف، والله أعلم.
٨٠