النص المفهرس
صفحات 321-340
من أجل أن يظهر الإسناد مستوياً بالثقات، ويترتب على هذا الصنيع أمران قبيحان : الأول: الحكم للإسناد بالصحة، وتصحيح المتن والعمل بحديث الضعفاء والمجهولین. الثاني: أن الثقة الذي أخذ من الضعيف المُسْقَط، يُحمَّل عهدة هذه المناكير، كما قيل للوليد بن مسلم حين سئل عن هذا الصنيع: فقال: أجلُّ الأوزاعي أن يروي عن مثل هؤلاء، فقيل له: إنك إن فعلت ذلك ضُعْف الأوزاعي(١)، أي أن من نظر في روايته رأى فيها المناكير، ورأى أن شيوخه توبعوا عليها، فتلزق العهدة بالأوزاعي، وهو منها بريء، وهكذا يتعدى ضرر المدلسين في هذا النوع إلى غيرهم(٢)، فمن هنا كان شر أنواع التدليس، والله المستعان . س ١٦٨: إذا أسقط أحد من الرواة رجلاً من السند هل يكون مدلساً؟ ج ١٦٨: من المحتمل أن يكون ذلك تدليساً أو تسوية أو تجويداً، وقد سبق شرح هذا (٣)، ومن المحتمل أن يكون تضعيفاً من الراوي لهذا المُسْقَط، أو شكاً في وجوده في السند، كما كان مالك يفعل ذلك بعكرمة، فظن بعضهم أنه يدلس، وليس ذلك تدليساً، ومن المحتمل أنه أسقط الراوي (١) في ((الميزان)) (٣٤٨/٤) قال صالح جزرة: سمعت الهيثم بن خارجة يقول: قلت للوليد بن مسلم: قد أفسدت حديث الأوزاعي قال: وكيف؟ قلت: تروي عنه عن نافع وعنه عن الزهري وعنه عن يحيى وغيرك يدخل بين الأوزاعي وبين نافع عبدالله بن عامر الأسلمي، وبينه وبين الزهري قرَّة. فما يحملك على هذا؟ قال أنبل الأوزاعي أن يروي عن مثل هؤلاء. قلت فإذا روى الأوزاعي عن هؤلاء ... وهم ضعفاء ومناكير فأسقطتهم أنت وصيرتها من رواية الأوزاعي عن الأثبات ضعف الأوزاعي، فلم يلتفت إلى قولي. اهـ. (٢) أقول: ولهذا قال العلاني رحمه الله في ((جامع التحصيل)) (ص١٠٣) و((بالجملة فهذا النوع أفحش أنواع التدليس مطلقاً وشرها. لكنه قليل بالنسبة إلى ما يوجد عن المدلسين)) ا. هـ وانظر كلام الإمام العراقي رحمه الله في ((التقييد والإيضاح)) (ص٩٦ - ٩٧). (٣) انظر ذلك في السؤال رقم (٨٣). ٣٢١ وهماً منه وغفلة، ولكل من هذه الاحتمالات حكم. والله المستعان. س ١٦٩: إذا نص أحد العلماء على أن الحديث الفلاني، لم يروه عن فلان إلا فلان، وكان هذا التلميذ ضعيفاً، هل أحكم على الحديث بالضعف أم لا؟ ج ١٦٩: ينظر أولًا في قائل هذه المقالة، هل هو من أهل التتبع والاستقراء لطرق الحديث، أم أنه يطلق ذلك والأمر على خلافه؟ فإني قد رأيت جماعة من العلماء يطلقون ذلك، وليس الأمر على ما قالوا، مثل العقيلي في ((الضعفاء الكبير)) وابن عدي في ((الكامل)) والبزار في ((مسنده)) والطبراني في ((الأوسط)) و((الصغير)) و((أبي نعيم)) في ((الحلية)) و((معرفة الصحابة))، فإنهم يكثرون من إطلاق تفرد الراوي عن شيخه، ويكون هناك متابع له، وقد يكون لهم مقاصد أخرى، فلا يُتنبه لها، ويحكم على الحديث بالضعف، ثم إن هذه الكلمة في ذاتها لا تدل على ضعف الحديث مطلقاً، فقد يكون الحديث ضعيفاً من هذه الطريق، ولكنه ثابت من جهة أخرى، فضعفه من رواية فلان؛ لا يلزم منه أن يكون ضعيفاً من كل الطرق، فقد يُضَعف الإسناد، ولا يُضعف المتن، إذا كان له طرق أخرى، وقد يكون قصد من ادعى التفرد أي بالسياق الفلاني، أو يعني أنه لم يروه من الثقات إلا فلان، وقد نبّه الحافظ ابن حجر رحمه الله على هذا (١)، لكن (١) قال الحافظ ابن حجر - رحمه الله تعالى - في ((النكت)) (٧٠٨/٢ - ٧٠٩): من مظان الأحاديث الأفراد مسند أبي بكر البزار، فإنه أكثر فيه من إيراد ذلك وبيانه، وتبعه أبو القاسم الطبراني في ((المعجم الأوسط)) ثم الدارقطني في ((كتاب الأفراد)) وهو ينبىء على اطلاع بالغ ويقع عليهم التعقب فيه كثيراً بحسب اتساع الباع وضيقه أو الاستحضار وعدمه. وأعجب من ذلك أن يكون المتابع عند ذلك الحافظ نفسه فقد تتبع العلامة مغلطاي على الطبراني ذلك في جزء مفرد. وإنما يحسن الجزم بالإيراد عليهم حيث لا يختلف السياق أو حيث يكون المتابع ممن يعتبر به لاحتمال أن يريدوا شيئاً من ذلك بإطلاقهم والذي يرد على الطبراني ثم الدار قطني = من ذلك أقوى مما يرد على البزار لأن البزار حيث يحكم بالتفرد إنما ينفي علمه فيقول: ٣٢٢ لو افترضنا عدم وجود هذه القرائن، فالنفس تطمئن إلى الحكم بضعف ما هذا سبيله، والله أعلم. س ١٧٠: إذا قالوا عن راوٍ: ((متفق على تضعيفه))، هل يكون متروكاً شديد الضعف؟ ج ١٧٠: قد يكون متروكاً، وقد يكون ضعيفاً فقط، وإنما المقصود بذلك أن الراوي لم يوثقه أحد، بل تتابعت كلمات النقاد فيه بالجرح، لكن ما هو نوع هذا الجرح؟ هل هو جرح شديد، أم جرح خفيف؟ هذا كله لا يظهر لنا إلا إذا رجعنا إلى الكتب التي ترجمت لهذا الراوي، فحينذاك سنقف على قول أهل النقد فيه، ويظهر لنا حال الراوي. ومما يدل على ما ذكرت أن الحافظ ابن حجر رحمه الله قال في ((النكت)) (٣٩٢/١): وعبيدة - يعني ابن معتِّب الضبي - قد اتفق أئمة النقل على تضعيفه، إلا أنهم لم يتهموه بالكذب اهـ. وترجم له في ((التقريب)) بقوله: ضعيف واختلط بأخرة، وذكر نحو ذلك في إسماعيل بن مسلم المكي، انظر ((النكت)) (٣٩١/١). والله تعالى أعلم. س ١٧١ : في كتب العلل يذكرون أن رواية فلان أرجح من رواية فلان، فما معنى ذلك؟. ج ١٧١: لا يلزم من كون الراوية مرجوحة أن تكون ضعيفة شاذة، فقد وجدتهم يطلقون ذلك على الصحيح والأصح، فالمرجوحة صحيحة والراجحة أصح منها، ومن تتبع ذلك بتأمل في كتب العلل والتخريجات ظهر هذا له، نعم يطلقون ذلك كثيراً في الأحاديث المقبولة التي مقابلها المردودة، لكن إذا ظهرت قرينة للأمر الأول عُمل بها. انظر كلام الحافظ ((لا نعلمه يروي عن فلان إلا من حديث فلان)). = وأما غيره، فيعبر بقوله ((لم يروه عن فلان إلا فلان)) وهو وإن كان يلحق بعبارة البزار على تأويل فالظاهر من الإطلاق خلافه - والله أعلم. اهـ. ٣٢٣ في ((التتبع)) بتحقيق شيخنا مقبل بن هادي - حفظه الله - ص٣٨٣ الحديث رقم (٦٦)، وأيضاً فقد يرجحون أحد الوجوه على أحد الشيوخ، لكن هناك علة فوق الشيخ المختلف عليه، فيكون الوجه هذا مع كونه راجحاً، إلا أنه ضعيف للعلة الأخرى، والله أعلم. س ١٧٢: الحافظ الذهبي في ((تلخيص مستدرك الحاكم))، يذكر كلام الحاكم دون اعتراض عليه غالباً، فهل هذا يعتبر موافقة منه للحاكم على تصحيح الحديث؟ ج ١٧٢: يرى شيخنا الألباني - حفظه الله - أن ذلك يُعتبر موافقة من الذهبي للحاكم، وهو واضح لمن نظر في كتب شيخنا - سلمه الله - ولذلك ترى شيخنا الألباني - متع الله به - يتعقب الحافظ الذهبي - رحمه الله -، ويقول: في السند فلان، وقد ضعفه الذهبي نفسه في ((الميزان)) فقال ... كذا . والذي ترجح لي أن الذهبي قصد تلخيص الكتاب، ولم يتصد لتحقيقه كله، بل تعرض لبعض المواضع، وسكت عن الأكثر، مع علمه بأن الكتاب يحتاج إلى عمل، كما صرح بذلك في ((النبلاء)) ترجمة أبي عبدالله الحاكم النيسابوري صاحب ((المستدرك))، وليس من المعقول أن يسكت الحافظ الذهبي على أحاديث فيها علل ظاهرة لا تخفى على طالب علم - فضلًا عن الحافظ الذهبي - ولا يتكلم عليها، وقد قسم الحافظ الذهبي في ((النبلاء)) أيضاً أحاديث ((المستدرك)) إلى أقسام: منها الصحيح، ومنها الحسن والصالح، وذكر أن نحو الربع من الكتاب ضعيف أو منكر، وذكر أن فيه أحاديث يشهد القلب ببطلانها وعبارته في ((النبلاء)) (١٧٥/١٧ - ١٧٦): في ((المستدرك)) شيء كثير على شرطهما، وشيء كثير على شرط أحدهما، ولعل مجموع ذلك ثلث الكتاب، بل أقل، فإن في كثير من ذلك أحاديث في الظاهر على شرط أحدهما أو كليهما، وفي الباطن لها علل خفية مؤثرة، وقطعة من الكتاب إسنادها صالح وحسن وجيد، وذلك نحو ربعه، وباقي الكتاب مناكير وعجائب، وفي غضون ذلك أحاديث نحو المائة، يشهد القلب ببطلانها، كنت ٣٢٤ قد أفردت منها جزءاً، وحديث الطير بالنسبة إليها سماء، وبكل حال فهو كتاب مفيد اختصرته، ويعوز عملًا وتحريراً اهـ، ولو جمعنا المواضع التي له نقد واعتراض على الحاكم فيها، ما وصلت ربع أحاديث الكتاب، مما يدل على أن الرجل قصد التلخيص لا التحقيق، وإن كان لا يصبر في بعض المواضع، ويتكلم على بعض الأحاديث، فتلك سجية أي محدث وناقد. ومع ذلك فالأمر يحتاج إلى مزيد بحث. والله أعلم. س ١٧٣: إذا روى الثقة حديثاً من حفظه، وخالفه ثقة روى الحديث من كتابه الذي مدحه الأئمة، فمن نقدم؟ ج ١٧٣: إذا تعذرت وجوه الجمع، وتجرد الأمر من قرائن أخرى: نقدم قول صاحب الكتاب الذي ضبطه صاحبه؛ لأن الحفظ قد يخون، وقد جُرِّب على الحفاظ الوهم - وإن كان قليلاً(١) - ولذلك كان أمير المؤمنين في الحديث وهو الإمام أحمد - رحمه الله - يؤكد على النظر في الأصل حال التحديث أو الإملاء(٢)، وكان العلماء يشددون في النكير على من لم يكتب، لعلمهم أن الحفظ خوّان، حتى قال ابن معين: إذا رأيت المحدث (١) في ((تاريخ بغداد)) (٢٦/٩) ترجمة سليمان بن الجارود، أبو داود الطيالسي. قال أبو مسعود: كتبوا إلي من أصبهان أن أبا داود أخطأ في تسعمائة أو قالوا ألف فذكرت ذلك لأحمد فقال: يحتمل لأبي داود. قال الخطيب: كان أبو داود يحدث من حفظة والحفظ خوان فكان يغلط مع أن غلطه يسير في جنب ما روى على الصحة والسلامة. اهـ. (٢) في ((سير أعلام النبلاء)) (٢٨٩/١٢) ترجمة يحيى بن محمد بن يحيى الذهلي. ثنا محمدُ بن صالح بن هانىء: ثنا يحيى بنُ محمد، سمعتُ علي بن المديني يقول: عهدي بأصحابنا وأحفظهُم أحمدُ بن حنبل فلما احتاج أن يحدث لا يكاد يحدِّث إلا من کتاب. قال الذهبي: لأن ذلك أقرب إلى التحري والوَرَع وأبعدُ عن العُجْب. وفي (٢٠٠/١١) وعن علي بن المديني، قال: أمرني سَيِّدي أحمد بن حنبل أن لا أحدث إلا من كتاب. وعن الحسين بن الحسن أبو معين الرازي: سمعتُ ابن المديني، يقولُ: ليس في أصحابنا أحفظُ من أحمد، وبلغني أنه لا يُحدِّثُ إلا من كتاب، ولنا فيه أسوة. اهـ من ((السير)). ٣٢٥ لا يحمل قرطاساً ولا قلماً، فاعلم أنه قد عزم على الكذب(١)، أي: أن الأوهام ستقع في حديثه إذا لم يكن معه أصل يرجع إليه عند الشك أو الريبة . لكن بقي للسؤال بقية، وهي: ماذا نفعل إذا عارض الثقةَ الذي روى من حفظه رجلٌ صدوق روى من أصله الذي أتقنه؟ الظاهر أيضاً تقديم الكتاب، وهل ذلك أيضاً إذا روى سيىء الحفظ من كتابه؟ محل بحث. والله أعلم. س ١٧٤: ما هو الفرق بين عمل صاحب ((المستخرج))، وعمل صاحب ((المستدرك))؟ ج ١٧٤ : صاحب المستخرج يعمد إلى متون الكتاب المستخرج عليه، ويأتي لها بأسانيد من غير طريق صاحب الكتاب المخرَّج عليه، وسواء التقى معه في شيخه أو فيمن فوقه، وقد يزيد زيادات في المتن أو في السند، مثل تصريح مدلس بالسماع، أو رواية متقدِّم عن مختلط، أو غير ذلك، وقد يسقط بعض المتون لعدم الوقوف على إسناد له من غير طريق صاحب الكتاب، وقد يرويها من طريق صاحب الكتاب، كما قال الحافظ ابن حجر - رحمه الله(٢) - فصاحب ((المستخرج)) همه الإسناد، وقد يزيد أحاديث ليست في الأصل المخرّج عليه، على سبيل المثال، حديث: ((إذا انتصف شعبان فلا تصوموا)) فقد أخرجه أبو عوانة في ((مستخرجه))، وعن ابن معين أنه قال: منكر، ومسلم رحمه الله لم يخرجه، واستنكر ذلك السخاوي في (الفتاوى الحديثية)) السؤال السادس، أما صاحب ((المستدرك)) فهمه المتن، فهو يأتي لرجال أخرج لهم (١) قال الذهبي في ((سير أعلام النبلاء)) (١٨١/١٦) ترجمة حمزة بن محمد: وقد ساق سنده إلى عباس الدوري قال: سمعت يحيى بن معين يقول: إذا رأيتَ الرجلَ يخرجُ من منزلة بلا محبرة ولا قلم يطلبُ الحديث، فقد عَزَمَ على الكِذبة. اهـ وفي ((تذكرة الحفاظ)) (٩٣٤/٣) فقد عزم على الكذب. والله أعلم. (٢) انظر ((النكت على ابن الصلاح)) (٣٢١/١ - ٣٢٣)، و((تدريب الراوي)) للسيوطي (١١٢/١). ٣٢٦ صاحب الكتاب المستدرك عليه بعض المتون، ويُلْزِمه أن يخرج هذه المتون؛ لأنها عن نفس الرجال، أو عن رجال في درجتهم. لكن لو نظرنا إلى الحاكم - رحمه الله - في ((مستدركه)) وجدناه يلزم الشيخين بأحاديث بعضها قد أخرجاها أو أحدهما، وبعضها لا يلزمهما إخراجها؛ لأنهما لم يلتزما إخراج كل الصحيح، بل التزما إخراج الصحيح، ولم يشترطا الاستيعاب(١)، وبعضها يكون مخطئاً في تصحيحها، فضلاً عن كونها من أعلى درجات الصحة، وقد تكلم الحافظ ابن حجر على ذلك(٢)، وانظر ((الباعث الحثيث)) ص: (٢٤)، والله أعلم. س ١٧٥: معلوم أن سيىء الحفظ يُستشهد به، وكذا المدلس إذا عنعن، فهل يستشهد برواية سيىء الحفظ إذا تابعه مدلس على نفس الحدیث؟ ج ١٧٥: فرق بين كون الحديث روي من طريقين مختلفين، في أحدهما رجل سيىء الحفظ، وفي الآخر عنعنة مدلس، وبين كون الضعيف هذا والمدلس روياه عن شيخ واحد، ففي الحالة الأولى يُحسن الحديث، (١) قال الإمام البخاري - رحمه الله تعالى -: ما أدخلت في كتابي الجامع إلا ما صح وتركت من الصحاح مخافة الطول. وقال الإمام مسلم: كل شيء عندي صحيح وضعته ههنا، إنما وضعت ما أجمعوا عليه يريد ما وجد عنده فيها شرائط الصحيح المجمع عليها. وإن لم يظهر اجتماعها في بعضها عند بعضهم قاله ابن الصلاح ... إلخ. قال النووي في ((شرح مسلم)) . وقد ألزمهما الدارقطني وغيره إخراج أحاديث على شرطهما لم يخرجها وليس بلازم لهما. لعدم التزامهما ذلك. انظر ((تدريب الراوي)) (٩٨/١) والله أعلم. (٢) قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في ((النكت)) (٤١٨/١): ((ومن أعجب ما وقع للحاكم أنه أخرج لعبدالرحمن بن أسلم وقال بعد روايته: هذا صحيح الإسناد ... مع أنه قال في كتابه الذي جمعه في الضعفاء عبدالرحمن بن زيد بن أسلم روى عن أبيه أحاديث موضوعة لا يخفى على من تأملها من أهل الصنعة أن المحمل فيها عليه. وقال في آخر هذا الكتاب: فهؤلاء الذين ذكرتهم قد ظهر عندي جرحهم لأن الجرح لا أستحله تقليداً . اهـ. ٣٢٧ بخلاف الحالة الثانية؛ لأننا نخاف من المدلس، فلربما أنه أخذه عن هذا الضعيف، ثم أسقط الضعيف، ودلسه، فتكون الروايتان من طريق هذا الضعيف، فلا يحسن الحديث إلا إذا علمنا أن هذا المدلس لم يروِ قط عن هذا الضعيف، فحينذاك نستشهد به، وقد صرح بذلك شيخنا الألباني - حفظه الله - كما في ((تمام المنة)) ص (٧٢) و((الضعيفة)) (١٤٥/٣)، ولم أستفد هذه الفائدة النفيسة إلا عنه - حفظه الله تعالى -. س ١٧٦ : ما الفرق بين الحديث الموصول والحديث المرفوع والحديث المسند؟ ج ١٧٦: الذي ترجح لي بعد النظر في كلام الأئمة - تمييزاً للأنواع وفراراً من تداخلها -. أن الموصول أو المتصل: هو ما اتصل سنده إلى منتهاه، سواء وصل إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أو إلى من دونه(١). والمرفوع: هو ما رفع إلى النبي (صلى الله عليه وعلى آله وسلم)، سواء اتصل سنده أم لم يتصل. والمسند: هو ما رفعه الصحابي إلى النبي (صلى الله عليه وعلى آله وسلم) حال كونه متصلًا، فهو عبارة عن موصول مرفوع. وعبارة الحافظ في ((النكت)) أدق، وعليها المعتمد، حيث قال: والذي (١) أما إذا اتصل الإسناد إلى أحد التابعين فلا يطلق عليه الاتصال، وإنما يقيد اتصاله إلى ذلك التابعين كأن يقال ((متصل الإسناد إلى الزهري مثلًا)). قال العراقي في ((شرحه الألفية)) (٥٨/١) وأما أقوال التابعين إذا اتصلت الأسانيد إليهم فلا يسمونها متصلة في حالة الإطلاق أما مع التقييد فجائز وواقع في كلامهم. كقولهم هذا متصل إلى سعيد بن المسيب أو إلى الزهري. أو إلى مالك ونحو ذلك قيل: والنكتة في ذلك أنها تسمى مقاطع. فإطلاق المتصل عليها. كالوصف لشيء واحد بمتضادين لغة. اهـ وانظر ((مقدمة ابن الصلاح)) (ص ٤٠)، و((تدريب الراوي)) (١٨٣/١)، و(توضيح الأفكار)) (٢٦٠/١). ٣٢٨ يظهر لي بالاستقراء من كلام أئمة الحديث وتصرفهم، أن ((المسند)) عندهم: ما أضافه من سمع النبي (صلى الله عليه وعلى آله وسلم) بسند ظاهره الاتصال اهـ. فيدخل فيه ما فيه عنعنة مدلس، أو مرسل خفي، كما نبه على ذلك الحافظ في موضع آخر، وقال: ومن تأمل مصنفات الأئمة في ((المسانيد)) لم يرها تخرج عن اعتبار هذه الأمور، وعبارته في ((النزهة)) (ص٥٧)، بعد ذكر نحو هذا: لإطباق الأئمة الذين خرجوا المسانيد على ذلك اهـ. ثم قال في ((النكت)): وبهذا يتبين الفرق بين الأنواع، وتحصل السلامة من تداخلها واتحادها، إذ الأصل عدم الترادف اهـ (٥٠٧/١، ٥٠٨). ولا يشترط في جميعها ثقة الرواة؛ لأن ذلك من شروط الصحة، لا شرط الإسناد أو الوصل أو الرفع. والله أعلم. س ١٧٧: إذا كان كذلك، فهل هناك فرق بين قول أحدهم في حديث ما: ((أرسله فلان، ورفعه فلان)) وبين قول أحدهم: ((أرسله فلان وأسنده فلان)»؟ ج ١٧٧: لا شك أن العبارة الثانية أدق - وإن كانت العبارة الأولى موجودة في نصوص بعض العلماء - لأن المرسل من جملة المرفوع، لأنه منسوب إلى النبي (صلى الله عليه وعلى آله وسلم)، ولا يشترط فيه اتصال السند، لكن العبارة الثانية تضمنت مع الرفع الاتصال. والله أعلم. س ١٧٨: ذكر الحافظ الذهبي والشيخ المعلِّمي - رحمهما الله تعالى - أن الراوي المدلس تقبل عنعنته إذا روى عن شيخ قد أكثر عنه، أو طالت ملازمته له - فهل هذا على إطلاقه(١)؟ (١) قال الحافظ الذهبي رحمه الله في ((ميزان الاعتدال)) (٢٢٤/٢) ترجمة سليمان بن مهران الكوفي الأعمش قال: قلت وهو يدلس وربما دلس عن ضعيف ولا يدرى به فمتى قال ثنا فلا كلام، ومتى قال ((عن)) تطرق إليه احتمال التدليس إلا في شيوخ له أكثر عنهم. كإبراهيم وأبي وائل وأبي صالح السمان، فإن روايته عن هذا الصنف محمولة على الاتصال. اهـ. = ٣٢٩ ج ١٧٨: في التسليم بما قالاه بحث. ووجه كلامهما أن الراوي المدلس، بما أنه مكثر عن شيخه، وملازم له، فقد عرف حديثه من حديث غيره، فإذا سمع حديثاً منه، وصرح بسماعه فلا إشكال، وإذا سمع حديثاً وعنعن عنه، فيحتمل بأنه سمعه منه، ولا إشكال في ذلك، ويحتمل أنه سمعه بواسطة عنه، والفرض أنه يعلم حديثه من حديث غيره، والفرض أيضاً أنه ثقة في دينه، فلو كان يعلم أن هذا الحديث الذي سمعه بواسطة، ليس من حديث شيخه، لما استجاز لنفسه أن يجزم بنسبته إلى شيخه، وحيث قد جزم، فقد ظهر له أنه من حديث شيخه، سواء سمعه مباشرة أو بواسطة، هذا وجه كلامهما يرحمهما الله. وفي التسليم به بحث، ولو سلمنا بذلك لكان هذا مقيداً بمن هو مثل الأعمش والثوري في النباهة واليقظة، وترك الشره في الرواية، لا في كل مدلس، وهذا الذي تميل إليه النفس، وهو قبول عنعنة الأعمش وابن جريج وأمثالهما بالقيد السابق والله أعلم، أرجع إلى السؤال فأقول: ليس كل مكثر عن مدلس يزيل إكثاره عنه علة تدليسه؛ لأن المدلس قد يكون ممن يدلس تدليس التسوية، وعلته حينئذ ليست منحصرة فيما بينه وبين شيخه، بل نحن نرتاب منه فيما فوق ذلك؛ لأنه يسقط الأدنياء الضعفاء، ويظهر الأجواد الرفعاء، ليستوي الإسناد بالثقات، فيصححه من نظر فيه. والله المستعان. س ١٧٩: أيهما أفضل: السند الذي فيه مبهم، كقول ثقة: حدثني رجل قال: حدثني فلان، ويسمي ثقة آخر، أم السند الذي فيه انقطاع؟ وهل وفي ((التنكيل)) للمعلمي ص(٨٦٥) قال رحمه الله: = كان ابن جريج يدلس عن غير عطاء، فأما عن عطاء فلا. قال: إذا قلت قال عطاء فأنا سمعته منه، وإن لم أقل سمعت، وإنما هذا لأنه كان يرى أنه قد استوعب ما عند عطاء، فإذا سمع رجلًا يخبر عن عطاء بما لم يسمعه منه رأى أنه كذب فلم يستحل أن يحكيه عن عطاء، وهذا كما قال أبو إسحاق قال أبو صالح وعبدالرحمن بن هرمز الأعرج ليس أحد يحدث عن أبي هريرة إلا علمنا أصادق أم كاذب، يريدان أنه إذا حدث عن أبي هريرة بما لم يسمعاه منه علماً أنه كذب لإحاطتهما بحديث أبي هريرة. اهـ. ٣٣٠ الذي فيه مبهم من جملة المتصل، أم المنقطع؟ ج ١٧٩: يظهر لي أن السند الذي فيه مبهم، أخف ضرراً من السند الذي فيه انقطاع؛ لأن الثاني من المحتمل أن يكون معضلًا، وإن كان بين الثقتين اللذين بينهما انقطاع طبقة واحدة؛ لأن الرواة قد يروون عن أقرانهم، بل قد ينزلون ويروون عن أصغر منهم، فبذلك تتعدد الوسائط بين الثقتين الظاهرين، وإن كان هذا نادراً، لكنه منتف في القول الأول، ويظهر لي أيضاً أن السند الذي فيه مبهم من جملة المتصل، وإن سماه البعض منقطعاً. والله أعلم (١). س ١٨٠: كيف عرف الأئمة أن الراوي الفلاني مدلس؟ ج ١٨٠ : یعرف ذلك بأمور: ١ - أن يروي الراوي عن شيخه بصيغة محتملة، فيُسأل: هل سمعت هذا منه؟ فيُظهر واسطة أو أكثر، كما وقع من ابن عيينة في روايته عن الزهري(٢). (١) ومن هؤلاء الإمام الخطابي - رحمه الله تعالى - فقد أعل حديث ((عروة البارقي)) في قصة شرائه الشاة. بعدم الاتصال. وذلك الإبهام الحي الذين يروون عنه. اهـ انظر ((نصب الراية)) (٩٠/٤ - ٩١) وكذلك الإمام البيهقي رحمه الله. فقد أعل الحديث السابق وقال: ليس بثابت وذلك لما في إسناده من الإرسال لأن شبيب بن غرقدة لم يسمعه من عروة البارقي إنما سمعه من الحي يخبرونه. اهـ من ((السنن للبيهقي)) (١١٣/٦). وقال الرافعي في ((التذنيب)) هو مرسل كما في ((التلخيص الحبير)) (٥/٣). هذا وقد أجاب الحافظ ابن حجر رحمه الله على إطلاقهم الانقطاع أو الإرسال على إبهام الحي فقال: وأما قول الخطابي والبيهقي وغيرهما أنه غير متصل لأن الحي لم يسم أحد فيهم فهو على طريقة بعض أهل الحديث يسمون ما في إسناده مبهم ((مرسلًا)) أو منقطعاً. والتحقيق إذا وقع التصريح بالسماع أنه متصل في إسناده بهم إذ لا فرق فيما يتعلق بالاتصال والانقطاع بين رواية المجهول والمعروف والمبهم نظير المجهول في ذلك، ومع ذلك فلا يقال في إسنادٍ صرح كل من فيه بالسماع من شيخه أنه منقطع وإن كانوا أو بعضهم غير معروف .. إلخ اهـ. وانظر ((فتح الباري)) (٦٣٤/٦)، و((التلخيص الحبير)) (٥/٣). (٢) قال الحاكم أبو عبدالله رحمه الله في ((المعرفة)) وقوم يدلسون الحديث فيقولون: قال = ٣٣١ ٢ - أن تكون أحاديثه التي صرح فيها بالسماع مستقيمة، والتي رواها بصيغة محتملة فيها المناكير، كما عَرَف ابنُ حبان تدليس بقية بن الوليد بهذا السبيل(١). ٣ - أن يروي الحديث عن شيخه مباشرة بصيغة محتملة كـ: ((عن، وقال، وذكر ... )) ثم يأتي فيروي عنه بواسطة - لا سيما إن كانت الواسطة ضعيفة أو صغيرة، ما لم تظهر قرينة تدل على أنه سمعه نازلًا(٢) وعالياً. ٤ - أن يسقط الواسطة الضعيفة في الإسناد، ويسويه، كما عُلِم عن الوليد بن مسلم في حديث الأوزاعي. ٥ - أن يروي المناكير عن الثقات، كما قال أحمد: كنت أظن أن بقية فلان فإذا وقع إليهم من ينقر عن سماعاتهم ويلح ويراجعهم ذكروا فيه سماعاتهم انتهى = من (ص١٠٤) اهـ مثال ذلك. ما جاء في ((الكفاية))، للخطيب (ص٥١٢) عن علي بن خشرم قال: كنا عند سفيان بن عيينة في مجلسه، فقال الزهري فقيل له: حدثكم الزهري؟ .. فسكت، ثم قال الزهري فقيل له: سمعته من الزهري؟ .. فقال: لا، لم أسمعه من الزهري ولا ممن سمعه من الزهري، حدثني عبدالرزاق عن معمر عن الزهري. وفي التمهيد (٣١/١). عن ابن معين قال: كان ابن عيينة يدلس فيقول: عن الزهري فإذا قيل له: من دون الزهري؟ فيقول لهم: أليس لكم في الزهري مقنع؟ فيقال: بلى فإذا استُقصِي عليه يقول: معمر. اكتبوا لا بارك الله لكم. اهـ. (١) انظر المجروحين (٢٠٠/١ - ٢٠١) وقد تقدم سياق القصة كاملًا في السؤال رقم (١٢٥). (٢) قال ابن القطان رحمه الله: فإذا روي المدلس حديثاً بصيغة محتملة ثم رواه بواسطة تبين انقطاع الأول عند الجميع. اهـ قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: وهذا بخلاف غير المدلس فإن غير المدلس يحمل غالب ما يقع منه من ذلك على أنه سمعه من الشيخ الأعلى وثبته فيه الواسطة. لكن في إطلاق ابن القطان نظر لأنه قد يدلس الصيغة فيرتكب المجاز. كما يقول - مثلاً - ثنا وينوي حدث قومنا أو أهل قريتنا ونحو ذلك اهـ. ثم سرد رحمه الله أمثلة تدل على ذلك فلتراجع انظر ((النكت)) (٦٢٥/٢ - ٦٢٦). ٣٣٢ يحدث بالمناكير عن المجاهيل، فرأيته يحدث بالمناكير عن الثقات فعلمت من أين أتي - يعني التدليس(١) - والله أعلم (٢). س ١٨١: الباحث في الحديث إذا رأى أن متنه يعارض حديثاً آخر، هل يضعف الحديث الذي بين يديه؟ ج ١٨١: هذا الكلام غير صحيح، وهذه طريقة الجوزقاني في كتابه: ((الأباطيل))، إلا أنه لا بد من الحكم على الحديث حسب قواعد هذا العلم الشريف، نعم العلماء عند الكلام على الحديث ينظرون إليه سنداً ومتناً، لكن ليس أي تعارض يلزم منه نكارة المتن التي يهتم العلماء بالبحث عنها عند الكلام على علل الأحاديث، فإذا صح السند ولم يكن هناك نكارة في المتن، فتعارض الحديث مع غيره لا يضر ولا يقدح في الصحة، لأنه من الممكن الجمع بين الحديثين على سبيل العام والخاص، أو المطلق والمقيد، أما إذا تعذر الجمع، وعلمنا تأخر التاريخ، حكمنا بالنسخ، وإلا لجأنا إلى الترجيح، ولو أخذنا بهذا القول لرددنا كثيراً من السنة، والعلماء لهم في ذلك فهم ثاقب، ونظر سديد، فتراهم يجمعون بين الأحاديث جمعاً (١) انظر ((ميزان الاعتدال)) (٣٤٨/٤) وقد سبق ذلك في السؤال رقم (١٦٧). ومثاله ما ذكره أبو محمد بن ابن حاتم في ((كتاب العلل)) قال: سمعت أبي وذكر الحديث الذي رواه إسحاق بن راهوية عن بقية قال: حدثني أبو وهب الأسدي عن نافع عن ابن عمر مرفوعاً ((لا تحمدوا إسلام المرء حتى تعرفوا عقدة رأيه)) فقال أبي أن هذا الحديث له أمر قلَّ من يفهمه روى هذا الحديث عبيدالله بن عمرو بن إسحاق بن أبي فروة عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: وعبيدالله بن عمرو كنيته أبو وهب وهو أسدي فكناه بقية ونسبه إلى بني أسد لكيلا يفطن له حتى إذا ترك إسحاق بن أبي فروة من الوسط لا يهتدي له، قال كان بقية من أفعل الناس لهذا. اهـ من ((التقييد والإيضاح)) (٩٧). (٢) انظر ((الميزان)) (٣٣٢/١)، ((التهذيب)) (٤٧٦/١). أقول: ومن الأمور التي يعرف بها تدليس الراوي كذلك. إخباره عن نفسه بذلك، كما وقع لهشيم بن بشير عندما سأل طلابه. هل دلست لكم شيئاً قالوا لا. قال: بلى. كل ما حدثتكم عن حصين فهو سماعي، ولم أسمع من مغيرة من ذلك شيئاً. اهـ ((معرفة علوم الحديث)) (١٠٥). ٣٣٣ مستقيماً، ومن هؤلاء ابن خزيمة وتلميذه ابن حبان في ((صحيحيهما))(١) والطحاوي في ((مشكل الآثار)) وانظر ما كتبه شيخنا الألباني - حفظه الله - رداً على القول الذي ورد في السؤال كما في [الإرواء] (٤٦٤/٥) والله أعلم . س ١٨٢: إذا قال أحد الأئمة في رجل: ((حديثه يشبه حديث الصالحين)) فهل يكون ثقة؟ ج ١٨٢: قد يتبادر لمن وقف على هذا اللفظ أنَّه لفظ تعديل، وليس الأمر كذلك، وسر المسألة أن تعلم أنَّ الصالحين - غير الأئمة الأثبات - اشتغلوا بالعبادة، وغفلوا عن ضبط الحديث، ومراجعته، وحضور مجالسه، حتى كثرت الأوهام بل الأكاذيب في حديثهم، بسبب غفلتهم وعدم اشتغالهم بهذا العلم، بل منهم من كان يحرق كتبه أو يغسلها أو يدفنها، ظاناً أنّ هذا يزكي نفسه، ويبعده عن الرياء وحظوظ النفس، وقد يحتاج إليه فيُسأل عن حديث، فيحدث به على التوهم، وليس معه أصول(٢)(٣)، فشاع عند العلماء أنَّ العُبّاد أصحاب غفلة في الحديث، وإن كانوا أهل أمانة وتقوى. وقد قال يحيى بن سعيد القطان: ما رأيت الصالحين في شيء أكذب (١) قال ابن حبان رحمه الله في ((المجروحين)) (٩٣/١) لم أرَ على أديم الأرض من كان يحسن صناعة السنن ويحفظ الصحاح بألفاظها ويقوم بزيادة كل لفظة تزاد في الخبر ثقةً حتى كأن السنن كلها نصب عينيه إلا محمد بن إسحاق بن خزيمة فقط. هذا وفي ((البحر المحيط)) للزركشي قال ابن خزيمة ((لا أعرف أنه روي عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم حديثان بإسنادين صحيحين متضادين ومن كان عنده فليأت به أؤلف بينهما)) اهـ. وهذا دليل على فقه ومعرفته الواسعة كما وصفه بذلك تلميذه رحمهما الله جميعاً. (٢) انظر ((تاريخ بغداد)) (٦٧/٧). (٣) في ((سير أعلام النبلاء)) (١٧١/٩) ترجمة يوسف بن أسباط. قال البخاري: دفن كتبه، فكان حديثه لا يجيء كما ينبغي. ٣٣٤ منهم في الحديث(١)، أي: أنَّ الكذب يجري على ألسنتهم، وهم لا يميزون، فإذا كان الراوي مغفلًا، وتكثر المناكير في حديثه، قالوا: ((حديثه يشبه حديث الصالحين)) وانظر ((الكامل)) لابن عدي (٢١٠٤/٦) والله أعلم. س ١٨٣: ما معنى قول أحد النقاد في راوٍ: ((روى عن فلان كأنَّه فلان آخر))؟ ج ١٨٣: لا نستطيع أن نعرف معنى هذا القول، إلّا إذا عرفنا حال الشيخ المروي عنه، فإن كان ثقة، فهذا القول يعد تجريحاً للراوي عنه، ويكون معناه أنَّ الشيخ معروف باستقامة حديثه، فإذا روى عنه هذا الراوي؛ أتى عنه بالمناكير التي لا تعرف في حديثه، ومن نظر في حديث هذا الشيخ من رواية هذا الراوي عنه؛ ظن أنَّ هذا الشيخ شيخ آخر، وأنَّه ليس ذاك الثقة المعروف (٢)، وإن كان الشيخ المروي عنه ضعيفاً، فهذا القول يعدُّ تعديلًا للراوي عنه، أي: أنَّه روى عنه أحاديث جيدة مستقيمة سالمة من العلّة، وذلك ناتج عن انتقاء لبعض أحاديث الشيخ، أو ملازمة التلميذ له، (١) رواه مسلم في مقدمة ((صحيحه)) (ص: ١٧ وما بعدها) من طريق محمد بن سعيد القطان عن أبيه قال: لن نرى الصالحين في شيء أكذب منهم في الحديث، قال: مسلم. يجري الكذب على ألسنتهم، ولا يتعمدون الكذب. اهـ وكذا رواه ابن حبان في ((المجروحين)) بسنده إلى يحيى بن سعيد (٦٧/١) وانظر ((شرح علل الترمذي)) (٣٨٧/١ - ٣٨٩) وانظر ((شفاء العليل)) للمؤلف (١١٩/١ - ١٢٠، ١٤٤ - ١٤٥، ٣٨٩)، والله أعلم. (٢) ومن الأمثلة على ذلك ما ذكره المؤلف - حفظه الله تعالى - في كتابه ((الشفاء)) (٣٩٣/١)، قال: جاء في ((الميزان)) (٢٣/١) ترجمة إبراهيم بن بشار الرمادي صاحب ابن عيينة: ((ليس بمتقن له مناكير)) قال أحمد: كان سفيان الذي يروي عنه إبراهيم بن بشار ليس بسفيان بن عيينة - يعني: مما يغرب عنه - وكان مكثراً عنه. اهـ. وجاء في ((تهذيب التهذيب)) ترجمة شعبة بن دينار الهاشمي مولى ابن عباس قال ابن حبان: روى عن ابن عباس ما لا أصل له حتى كأنَّه ابن عباس آخر (٣٤٧/٤). قلت: وانظره في ((المجروحين)) (٣٦١/١). ٣٣٥ ومعرفته بحديثه(١)، وممن يكثر من استعمال هذا اللفظ ابن حبان - رحمه الله تعالى - والله أعلم. س ١٨٤: ما حُكْم الراوي الذي يقال فيه: ((روى الحديث على أو جە)»؟ ج ١٨٤ : رواية الحديث على أوجه لها عدة أسباب: فقد يكون سبب ذلك سوء الحفظ، فيضطرب الراوي، ويروي الحديث على أوجه(٢). وقد يكون سبب ذلك كثرة الرحلة والاشتغال بهذا الفن، كما كان إبراهيم بن سعيد الجوهري يقول: الحديث إذا لم يكن عندي من مائة طريق فأنا فيه يتيم(٣)، والحفّاظ قد شُهر عنهم رواية الحديث على وجهين فأكثر، ولذلك تراهم في كتب العلل إذا اختلف الثقات على أحد الحفاظ أهل الرحلة والاجتهاد في الطلب يقولون: والحديث محمول على الوجهين. وقد يكون السبب في ذلك أنَّه يروي الحديث بالمعنى لا يلتزم لفظاً واحداً، كما في ((تاريخ بغداد)) (٣٦/٩) مع أنَّ الراوي ثقة (٤). (١) ومثاله أيضاً: ما جاء في ((الميزان)) (٢٦٢/٢) ترجمة شبيب بن سعيد بن حبيب الحبطي البصري، قال ابن عدي: ((كان شبيب لعله يغلط ويهم إذا حدث من حفظه وأرجو أنه لا يتعمده، فإذا حدث عنه ابنه أحمد بأحاديث يونس؛ فكأنه شبيب آخر - يعني: يجود -. اهـ. انظر تفاصيل ذلك في ((الشفاء)) (٣٩٣/١ - ٣٩٤)، والله أعلم. (٢) مثال ذلك ما ذكره المؤلف في ((الشفاء)) (ص: ٤٠٠) عن العقيلي في ((الضعفاء)) (٩٢/١)، قال: ثنا محمد، ثنا صالح، ثنا علي، قال: سمعت يحيى وسئل عن إسماعيل بن مسلم المكي قيل له: كيف كان في أول أمره؟ قال: لم يزل مختلطاً كان يحدّثنا بحديث الواحد على ثلاثة دروب)). (٣) انظر ((تهذيب التهذيب)) (١٢٤/١). (٤) في ((تاريخ بغداد)) (٣٦/٩) قال أبو داود: كان سليمان بن حرب يحدث بحديث ثم يحدث به كأنه ليس بذاك، قال الخطيب: قلت: كان سليمان يروي الحديث على المعنى فتتغير ألفاظه في روايته. اهـ. ٣٣٦ وقد يكون ذلك؛ لأنَّ الراوي يكذب في الحديث، فيتزيَّن في كل مجلس بما يليق به، فإذا كان بحضرة أحد النقاد، فإنَّه يروي الحديث بوجه مقبول، وإذا كان أمام أضرابه فإنه يروي الحديث بوجه آخر. وقد يكون في بلد بوجه، وفي أخرى بوجه آخر، والله المستعان(١). وقد يكون سبب ذلك التدليس: تعمية للأمر وتوعيراً للطريق أمام الباحث، وكل حالة من هذه الحالات لها حكم خاص، ويتّضح لك هذا أو ذاك بالقرائن، والله أعلم (٢) . س ١٨٥ : ثبت أنَّ مِنَ الرواة من يدفن كتبه، فما هي الأسباب التي تحملهم على ذلك؟ أليس ذلك من باب كتمان العلم وإضاعته؟ ج ١٨٥: سبق قبل قليل أنَّ العباد فعلوا ذلك خوفاً على أنفسهم من الشهرة(٣)، وقد يفعل ذلك بعض الأئمة خوفاً من أن تقع في يد إنسان واهٍ، فيزيد فيها أو يغيرها، كما ذكر الذهبي في ((النبلاء)) (٢١٣/٧) ترجمة شعبة (٤)، وقد فعله غير واحد من الأئمة ولعلهم لا يرون صحة التحمل بالوجادة، كما ذكر الذهبي في ترجمة ابن راهوية في ((النبلاء)) (٣١٧/١١)(٥)، وقد يظن بعضهم أنَّ في الكتب شيئاً ليس من حديثه، ولم (١) قال ابن رجب في ((شرح العلل)) (٤٢٤/١ - ٤٢٥): فاختلاف الرجل الواحد في الإسناد إن كان متهماً فإنّه ينسب به إلى الاضطراب، وإنّما يحتمل مثل ذلك ممن كثر حديثه وقوي حفظه كالزهري وشعبة، ونحوهما، وقد كان عكرمة يتهم في رواية الحديث عن رجل ثم يرويه عن آخر حتى ظهر لهم سعة علمه وكثرة حديثه ... إلخ. اهـ. (٢) انظر ذلك بتوسع في ((شفاء العليل)) (ص: ٤٠٠). (٣) انظر ذلك في السؤال رقم (١٨٢). (٤) قال سعد بن شعبة: ((أوصى أبي إذا مات أن أغسل كتبه فغسلتها)). قال الذهبي - رحمه الله - قلت: ((وهذا قد فعله غير واحد بالغسل، أو الحرق أو بالدفن، خوفاً من أن تقع في يد إنسان واهٍ فيزيد فيها أو يغيرها)). اهـ. (٥) قال أبو عبدالله الحاكم: ((إسحاق وابن المبارك ومحمد بن يحيى وهؤلاء دفنوا كتبهم)) قال الذهبي - رحمه الله -. ٣٣٧ = يستطع تمييزه، وهذا كله موجود بتوسع في ((شفاء العليل))، والعلماء حين فعلوا ذلك يرون أنَّ حديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قد اشتهر عند غيرهم وأنَّهم إن حرقوا هذه الأوراق أو دفنوها أو غسلوها؛ فإن ذلك لا يضر لوجود ذلك عن غيرهم من الثقات، وعلى ذلك فليس كتماناً للعلم، لكن لا شك أنه لو بقي إلينا لكان أولى، ومن المؤكد أننا نزداد حسرة؛ إذا علمنا أنَّ ممن فعل ذلك الثوري وشعبة وابن المبارك وابن راهويه ومحمد بن يحيى الذهلي، والله المستعان، ولا حول ولا قوة إلّا بالله . س ١٨٦ : لماذا يروي بعض الأئمة الحديث بنزول عن بعض الرواة، مع إمكان الأخذ عن شيخه الذي به يكون الإسناد عالياً؟ ج ١٨٦ : لا شك أنَّ علو الإسناد أمر مرغوب فيه لدى المحدثين، ولكن قد ينزل الراوي إذا كان ممن اشترطوا أنَّهم لا يروون إلّا عن ثقة، ((قلت: هذا فعله عدة من الأئمة وهو دال على أنَّهم لا يرون نقل العلم وجادة فإن الخط = قد يتصحف على الناقل وقد يمكن أن يزاد في الخط حرف فيغير المعنى ونحو ذلك، وأمّا اليوم فقد اتّسع الخرق وقلّ تحصيل العلم من أفواه الرجال بل ومن الكتب غير المغلوطة، وبعض النقلة للمسائل قد لا يحسن أن يتهجى)). اهـ، وانظر ((شفاء العليل)) (٤٠٤/١ - ٤٠٥). أقول: ومن الأسباب كذلك وجود المنقطعات والواهيات في كتابه الذي روى منه بالانتخاب فيخشى المحدث أن يأتي من بعده من يقف على ذلك فيحدث بها فيقوم بحرقها أو دفنها لذلك. ومثاله ما جاء في ((السير)) (٣٩٦/١١) ترجمة أبي كريب محمد بن علاء. قال مطيّن: أوصى أبو كريب بكتبه أن تدفن فدفنت. قال الذهبي: فعل هذا بكتبه من الدفن والغسل والإحراق عِدَّة من الحافظ خوفاً من أن يظفر بها محدث قليل الدين، فيغير فيها ويزيد فيها فينسب ذلك إلى الحافظ، أو أن أصوله كان فيها مقاطيع وواهيات ما حدَّث بها أبداً وإنّما انتخب من أصوله ما رواه، وما بقي فرغب عنه، وما وجدوا لذلك سوى الإعدام، فلهذا ونحوه دفن - رحمه الله - كتبه . اهـ. ٣٣٨ ورأى الحديث بعلو من طريق الضعيف، وبنزول من طريق الثقة، فأراد أن يوفِّي بشرطه فينزل، كما فعل ذلك مالك بن أنس - رحمه الله _(١). وقد يكون الشيخ المروي عنه ثقة فاضلًا، فيتتبع الرواة حديثه عالياً ونازلاً(٢)، وقد يكون التلميذ من العارفين بحديث شيخه وعلله، ولذلك فقد كان بعض الأئمة يأخذ الحديث عن التلميذ البصير بعلل حديث شيخه؛ لأنَّه يضمن له سلامة الحديث من العلل، ويكون هذا شفاءً لما في صدره(٣)، فعلى كل حال: فالنزول قد يكون توثيقاً للتلميذ الذي هو الشيخ المباشر للراوي، وقد يكون تجريحاً للشيخ الأعلى، وقد يكون توثيقاً للشيخ الأعلى، والله أعلم. س ١٨٧ : متى تضر الراويَ روايتُه للغرائب؟ ج ١٨٧ : يُنظر إلى راويها: فإن كان من الثقات المشهورين بالرحلة فلا تضره؛ لأنَّه من المعلوم أنَّ من رحل فسيقف على ما لم يقف عليه غيره، إمّا لحب المشايخ إياه، وإما لسماعه من مشايخ لم يسمع منهم غيره. هذا مع أنَّ العلماء كرهوا تتبع الغرائب؛ لأنَّ الرجل يتهم بسببها، وتُساء به الظنون، ويَفتح الباب للنقاد أو لأقرانه أن يتكلّموا فيه، فقبح الله الشره، وما يفرح بالغرائب إلّا من لم يعرف حقيقة هذا العلم (٤). (١) في (سير أعلام النبلاء)) (١٦٧/٥)، سئل أبو عبدالله أحمد بن حنبل عن عمرو بن شعيب فقال: ((ربّما احتجبنا به وربّما وجس في القلب عنه ومالك يروي عن رجل عنه)). اهـ. (٢) ومن ذلك قول أبي داود في إبراهيم بن سليمان بن رزين: ((ثقة ورأيت أحمد يكتب حدیثه بنزول)) (٨٨/٦) تاريخ بغداد. (٣) في ((تهذيب التهذيب)) (٢١٨/١١) قال ابن مهدي: ((لو كنت لقيت ابن أبي خالد لكتبت عن يحيى القطان عنه لأعرف صحيحها من سقيمها)) اهـ. وقد تكلّم المؤلف - حفظه الله - عن ذلك بتوسع في كتابه ((الشفاء)) (٤١٢/١ - ٤١٤) فليراجع، والله أعلم. (٤) قال عمرو بن خالد: سمعت زهير بن معاوية يقول لعيسى بن يونس: ينبغي للرجل أن يتوقى رواية غريب الحديث، فإني أعرف رجلا كان يصلي في اليوم مائتي ركعة ما = ٣٣٩ ورحم الله ابن المبارك حيث قال: العلم ما جاء من هنا وههنا وههنا، أي: ما كان مشهوراً ينقله الثقات والمعروفون(١)، ولذلك فإنَّ الغرائب تضر الراوي بشروط ذكرها ذهبي هذا العصر الشيخ المعلمي اليماني - رحمه الله تعالى - وخلاصة ما ذكر: أنَّ الراوي إذا روى منكراً، وكثر ذلك في حديثه، أو فحش، ولم يكن معروفاً بالرحلة، فيتهم، ويقال: أنت لم ترحل، فمن أين جاءتك الغرائب التي ليست عند محدثي بلدك؟ !! ويتهم بسرقتها، وأنَّه قد وثب عليها من حديث غيره، وادعاها لنفسه، والله المستعان(٢) . ولذلك قيل في أحدهم: كان أقلَّنا طلباً وأكثرنا غرائب، وتُكُلِّم في خليفة بن خياط وقيل: في دار خليفة شجر ينبت الحديث، وإن كان خليفة أعلى وأجل من ذلك(٣)، لكن هكذا يجر الشره وتشبع الرجل بما لم يعط، على صاحبه شراً، وحسبنا الله ونعم الوكيل. أفسده عند الناس إلا رواية غريب الحديث. = وذكر مسلم في ((مقدمة كتابه)) من طريق حماد بن زيد أن أيوب قال لرجل: لزمت عمراً؟ قال: نعم، إنّه يجيئنا باشياً غرائب، قال: يقول له أيوب: إنّما نفرّ أو نفرق من تلك الغرائب، وقال أحمد: شر الحديث الغرائب التي لا يعمل بها ولا يعتمد عليها. اهـ من ((شرح العلل)) (ص: ٢٣٤ - ٢٣٥). (١) خرجه البيهقي - رحمه الله - من طريق الترمذي عن أحمد بن عبده، عن ابن وهب، عنه، قال: ليس من العلم ما لا يعرف إنَّما العلم ما عرف وتواطأت عليه الألسن، من ((المصدر السابق)). (٢) انظر ((التنكيل)) (ص: ٢٩٣ - ٢٩٤) فقد قال - رحمه الله -: وكثرة الغرائب إنَّما تضر الراوي في أحد حالين : الأولى: أن تكون مع غرابتها منكرة عن شيوخ ثقات بأسانيد جيدة. الثانية: أن يكون مع كثرة غرائبه غير معروف بكثرة الطلب. ففي الحالة الأولى تكون تبعة النكارة على الروي نفسه لظهور براءة من فوقه منها، وفي الحالة الثانية يقال: من أين له هذه الغرائب الكثيرة مع قلة طلبه! فيتهم بسرقة الحديث كما قال ابن نمير في أبي هشام الرافعي: كان أضعفنا طلباً وأكثرنا غرائب. اهـ. (٣) في ((تهذيب التهذيب)) (٩٣٥/٣) ترجمة خليفة بن خياط: ((المقلب بشبابه)) قال فيه ابن المديني في دار عبدالرحمن بن عمرو بن جبلة وشباب بن خياط شجر يحمل الحديث. اهـ. ٣٤٠