النص المفهرس
صفحات 261-280
س١١٩: الراوي إذا قيل فيه: تكثر في أحاديثه المراسيل، فهل هي عبارة مدح أو قدح؟ ج ١١٩: معناها أنَّ الراوي لم يعتنِ بالأحاديث المسندة، وإنَّما يروي حكايات ومقطوعات ومراسيل، وهذا حال غالب العبّاد والقصَّاص أصحاب المواعظ، وأهل الرأي الذين لم يشتغلوا بالمسند من الأحاديث؛ فتكثر في أحاديثهم المراسيل، فهذا يدل على أنَّه لا حاجة لما معه من المقطوعات، ويدل هذا القول على ضعفه إذا أَسند، لا سيما إذا خالف، والله أعلم. س ١٢٠ : هل يأتي المرسل بمعنى المنقطع؟ ج ١٢٠: نعم، هذا تراه كثيراً في كتب العلل، يقولون: أخرجه فلان مرسلًا، ويعنون بذلك: أنَّه منقطع بين الراوي وشيخه، وليس مرسلًا بمعنى أنَّه ما أضافه التابعي إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم (١). وهنا أريد أن أنبه على أن تعريف المرسل المذكور في بعض كتب المصطلح، وأنَّه «قول التابعي: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، دون ذكر الصحابي)) غير دقيق؛ لأننا لو علمنا أنَّ الساقط هو (١) قال العلائي - رحمه الله تعالى - في ((جامعه)) (ص: ٩٦): تقدم الفرق بين المرسل والمنقطع والمعضل وأنّه اصطلاح حديثي واسم الإرسال شامل لكل ذلك عند أئمة الأصول وكذلك بعضُ أهل الحديث ... إلخ. وذكر ذلك أيضاً الحافظ ابن حجر - رحمه الله - في مواضع من كتبه؛ ففي ((النزهة)) (ص: ٨١ - ٨٢): وقريب من هذا: اختلافهم في المنقطع والمرسل: هل هما متغايران أو لا؟ . فأكثر المحدثين على التغاير لكنّه عند إطلاق الاسم وأما عند استعمال الفعل المشتق فيستعملون الإرسال فقط . فيقولون: أرسله فلان سواء كان ذلك مرسلًا أو منقطعاً ومن ثم أطلق غير واحد ممن لم يلاحظ مواضع استعماله على كثير من المحدثين أنّهم لا يغايرون بين المرسل والمنقطع وليس كذلك؛ لما حررناه، وقلَّ من نبَّه على النكتة في ذلك، والله أعلم. اهـ، وانظر كذلك ((النكت)) (٥٤٣/٢، ٥٧٣) و((فتح المغيث)) للسخاوي (١٣٧/١ - ١٣٨). ٢٦١ الصحابي فقط، لكان الحديث مقبولًا (١)، لأنَّ إبهام الصحابة لا يضر، ولكنَّنا نخاف أن يكون بين التابعي وبين الصحابي تابعي آخر، يحتاج إلى نظر في حاله، فالعبارة ليست دقيقة، ولكن ينبغي أن نقول: المرسل: ((هو ما أضافه التابعي إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم دون ذكر الواسطة أو دون ذكر من حدّثه))، فيشمل ذلك الصحابيَّ وغيرَه، ويدخل فيه: القول والفعل والتقرير، والتعريفات أو الحدود أو الرسوم - كما يسميها بعض أهل الأصول - يجب أن تكون جامعة مانعة: جامعة الأوصاف الشيء المعرف، ومانعة من دخول أي أمر غريب غيرِ مقصود في التعريف، والله أعلم. س ١٢١: ما الفرق بين قولهم: ((فلان عدل)) و((فلان عذَّله أصحاب الحدیث)»؟ ج ١٢١: للخطابي - رحمه الله - كلام حول هذا؛ كما نقله عنه السيوطي - رحمه الله - في أول كتاب ((تدريب الراوي))، وهو أنَّ قولهم: (عدَّله أصحاب الحديث)) يدل على أنَّهم عدّلوه في دينه وفي ضبطه. أما قولهم، ((عدل)) - فقط -: فالمتبادر منه أنَّه عدل في دينه، دون التعرض لضبطه وحفظه (٢)، مع أنَّهم قد يطلقون كلمة: ((عدل)) على من هو (١) وانظر في ذلك كلام ابن رجب - رحمه الله - في شرحه لـ((علل الترمذي)) (٥٥٧/١) وقد سبق الكلام عليه في السؤال رقم (٩). (٢) نقل السيوطي عن الخطابي أنّه حدّ الصحيح بأنّه: ما اتَّصل سنده وعدِّلت نقلَته. قال العراقي: فلم يشترط ضبط الراوي، والسلامة من الشذوذ، والعلّة. قال: ولا شك أنَّ ضبطه لا بدّ منه؛ لأنَّ من كثر الخطأ في حديثه، وفحش استحق الترك. قال السيوطي: والذي يظهر لي أنَّ ذلك داخل في عبارته، أنَّ بين قولنا: ((العدل)) و ((عدّلوه)) فرقاً؛ لأنَّ المغفل المستحق للترك لا يصح أن يقال في حقه عدّله أصحاب الحديث، وإن كان عدلًا في دينه فتأمل. اهـ ((تدريب الراوي)) (٦٤/١). (تنبيه): وفي أثناء مراجعتي مع المؤلّف - حفظه الله تعالى - استدرك فقال: إن ظاهر ما كتبت يدل على أنَّ التفرقة بين عدل وعدَّلوه من كلام الخطابي والواقع أنَّه من دفاع السيوطي عن الخطابي متعقباً للعراقي في تعقبه على الخطابي. اهـ. ٢٦٢ عدل في دينه وفي حفظه، بل قد يقولون كلمة: ((عدل)) على الإمام المشهور الكبير الذي له باع في هذا الفن، لكن - على كل حال - عند تجرد الأمر من القرائن؛ فقولهم: ((عدّلوه)) أو ((عدّله أصحاب الحديث)) أعلى من قولهم: ((عدل)) لأنَّ اللفظ الأول يدل على أنَّهم عدّلوه ديناً وضبطاً وحفظاً، إذ أن أصحاب الحديث لا يعدِّلون في الراوية من هو ضعيف في حفظه، واللفظ الثاني يدل على أنَّهم عدّلوه في دينه فقط . س ١٢٢ : الحديث إذا ضعفه أو صححه إمام متقدِّم، وخالفه عالم متأخر أو عصري؛ فبعض أهل العلم يقول: إنّنا نقدم كلام المتقدِّم، وإن كان مع المتأخّر أدلة؛ فما الصواب في ذلك؟ ج ١٢٢: هذه مسألة؛ كما علم في غيرها من المسائل؛ أنَّ العبرة بالدليل، والعبرة بالقواعد التي قعدها أهل العلم، فإذا اتفق أهل العلم على تصحيح حديث، فنحن نأخذ به - وإن كان ظاهره الضعف -، وإذا اتفق أهل العلم على ضعف حديث، فنحن نأخذ بكلامهم - وإن كان ظاهره الصحة -، ولكن إذا انفرد بالتصحيح أو التضعيف واحد من أهل العلم، مخالفة غيره، فنحن في هذه الحالة إذا لم يظهر لنا خلاف ما يقول أحدهم، فنحن نصحح أو نضعف الحديث، ثم نستشهد بمن سبقنا من الأئمة الذين ذهبوا إلى نفس الحكم الذي وصلنا إليه، لكن لو نظرنا إلى حديث صححه الدار قطني ورأينا فيه علة ظاهرة، وذلك أن الدارقطني قد يحكم في ((سننه)) على حديث بالصحة؛ لأنَّه يوثق رجال هذا السند، وغير الدارقطني يتكلّم في رجل من رجال هذا السند بالضعف، فإذا جمعنا أقوال الأئمة في رجل من رجال السند، من ((تهذيب التهذيب)) - مثلاً - ووجدنا الدارقطني يوثقه، وبناء على ذلك صحح حديثه - لأنَّ التصحيح فرع عن التوثيق -؛ ففي هذه الحالة لو رأينا لابن معين أو لابن المديني أو لأحمد بن حنبل جرحاً مفسراً في الرجل، هل نستطيع أن نقول: إن الرجل قد صحح له الدارقطني، فالحديث صحيح؟ هذا غير صحيح. وأيضاً لو أنَّ أحداً من المتقدمين ضعف الحديث، لوجود ضعيف في ٢٦٣ سنده، ثم وقف أحد المعاصرين على طريق أخرى سالمة من العلّة، تشهد للطريق الأولى، أو فيها ضعف خفيف؛ فلا يليق أن نقول - أو يقال -: نحن نأخذ بقول المتقدم؛ لأنَّ هذا يدخلنا في باب التقليد، وهو قبول قول الغير بدون حجة، مع ترك الدليل الجلي الذي وقف عليه المتأخر !! ثم يقال لمن قال ذلك: ما هو الحد الذي يقبل منه قول الإمام المتقدم، ولا يقبل قول من بعده؟ فإن سمى إماماً ذكرنا له تلميذه أو من بعده، فإن ألحقه في قوله، ذكرنا من بعده، وهكذا، إلى أن يرجع عن قوله أو يحد حداً ليس عليه دليل، والله أعلم. قلت: وقد فصلت ذلك في السؤال رقم (٢٠٤) فارجع إليه؛ فالمعتمد ما حررته هناك والله أعلم. س ١٢٣ : أهل العدالة والضبط يقبل حديثهم، لكنَّه أحياناً يردّهُ العلماء، نريد توضيح هذا؟ ج ١٢٣: الأصل أنَّ خبر العدل مقبول، إلّا إذا قام الدليل على أنَّه قد وهم في خبره، فيرد، مثل الحديث الشاذ الذي راويه مقبول وخالف من هو أوثق منه، وكذلك في الحديث المضطرب الذي يختلف فيه الحفّاظ على أحد الرواة الثقات، بوجوه متكافئة، ويتعذر الجمع بينها، وأحياناً يردون حديث أحد الحفّاظ، ويقولون: ليس هذا من حديثه، بل هو حديث فلان، وإنَّما دخل عليه أثناء مذاكرة فلان له، فعلق في ذهنه، وظنه من حديثه، وليس كذلك، كما بيّن ذلك الحافظ ابن رجب - رحمه الله - في شرحه ((علل الترمذي))(١) . (١) قال ابن رجب - رحمه الله - في ((شرح العلل)) (٥٣٤/١ - ٥٣٥): وقد أنكر مرة يحيى بن معين على عاصم حديثاً قال: ليس هو من حديثك، إنَّما ذوكرت به فوقع في قلبك فظننت أنّك سمعته، ولم تسمعه وليس هو من حديثك. وقال الحسين بن الحسن المروزي: سمعت عبدالرحمن بن مهدي يقول: كنت عند أبي عوانة فحدّث بحديث عن الأعمش، فقلت: ليس هذا من حديثك، قال: بلى، قلت : = ٢٦٤ وإذا أرسل أحد الحفاظ حديثاً، ولم يذكر اسم شيخه، فيخاف منه الأئمة، ويقولون: هو حافظ، ولو أراد أن يُسَمِّي لَسمَّى، فلماذا لا يُسَمِّي؟ إذاً فشيخه مجروح(١)، مع أنَّ في ذلك نظراً؛ لاحتمال أنَّه أرسل الحديث في مجلس وعظ أو في مناظرة واحتجاج على خصم له، أو غير ذلك من الأمور التي اعتذِر بها على إرسال من أرسل من الثقات، والله أعلم(٢). س ١٢٤ : بعض أهل العلم يقبل عنعنة المدلسين، إذا لم ينصَّ أحد من المتقدمين على نكارة ذلك الحديث بعينه، فما الصواب في ذلك؟ ج ١٢٤: التدليس علّة تقدح في صحة الحديث أو الإسناد؛ لأنَّها تطعن في العلم بالاتصال، والمدلسون لهم في ذلك دوافع كثيرة قد سبق الكلام عليها في سؤال سابق(٣)، فإذا كان العلماء قد نصوا على أنَّ المدلس الذي كثر تدليسه، فلا تقبل عنعنته، أو ما جرى مجراها، وإذا كان العلماء والمحققون من النقاد يدافعون عن عنعنة المدلسين في ((الصحيحين))، بأنَّها محمولة على الاتصال أو على السماع، لدقة نظر صاحبي ((الصحيح)) في باب العلل والجرح والتعديل(٤)، فقد دلَّ ذلك على أنَّ هناك وقفة في = لا، قال: يا سلامة! هات الدرج فأخرجت فنظرت فيه، فإذا ليس الحديث فيه، فقال: صدقت يا أبا سعيد، فمن أين أتيت؟ قلت: ذوكرت به وأنت شاب فظننت أنّك سمعته. اهـ. (١) قال الذهبي - رحمه الله تعالى - في ((السير)) (٣٣٨/٥ - ٣٣٩): قال يحيى القطان: مرسل الزهري شر من مرسل غيره؛ لأنّه حافظ، وكل ما قدر أن يسمي سمى، وإنَّما ترك من لا يحب أن يسميه . قلت - أي الذهبي -: مراسيل الزهري كالمعضل؛ لأنَّه يكون قد سقط منه اثنان ولا يسوغ أن نظن به أنَّه أسقط الصحابي فقط، ولو كان عنده عن صحابي لأوضحه ولما عجز عن وصله، ولو أنَّه يقول عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ومن عدّ مرسل الزهري كمرسل سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير ونحوهما؛ فإنّه لم يدر ما يقول، نعم، مرسله كمرسل قتادة، ونحوه. اهـ. (٢) انظر تفصيل ذلك في السؤال رقم (٢٧). (٣) انظره في السؤال رقم (٢٣). (٤) سبق ذلك مفصلًا في السؤال رقم (١٤). ٢٦٥ تدليس المدلسين، وإن - لم يرووا منكراً، ولو رووا منكراً لتأكدنا من روايته عن مجروح أو مجهول قد دلَّسه، لكن عند عدم التيقن من تدليسه، فنحن نقف في روايته للشبهة، والله أعلم. س ١٢٥ : ذكرتَ أيضاً أنَّ بعض المدلسين قد تردَّ روايتهم، وإن صرَّح بالتحديث، فكيف توضيح ذلك؟ ج ١٢٥: تفسير هذا أنَّ التصريح قد يكون من أوهام بعض تلامذة المدلس، كما ذكروا ذلك في تلامذة بقية بن الوليد(١)، أو أنَّه يدلس (١) قال ابن رجب - رحمه الله - في ((شرح العلل)) (ص: ٢١٨): ذكر أبو حاتم الرازي أن بقية بن الوليد كان يروي عن شيوخ ما لم يسمع فيظن أصحابه أنَّه سمعه فيروون عنه تلك الأحاديث ويصرحون بسماعه لها من شيوخه ولا يضبطون ذلك، وحينئذٍ ينبغي التفطن لهذه الأمورو لا يغتر بمجرد ذكر السماع والتحديث في الأسانيد، فقد ذكر ابن المديني أنَّ شعبة وجدوا له غير شيء يذكر فيه الأخبار عن شيوخه ويكون منقطعاً . فائدة : في ((فتح الباري)) للحافظ ابن رجب - رحمه الله تعالى (٥٤/٣): ذكر البخاري أثراً معلقاً فقال: وقال ابن أبي مريم: أخبرنا يحيى بن أيوب: ثنا حميد: ثنا أنس عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال ابن رجب: ومقصود البخاري بهذا تصحيح رواية حميد عن أنس المرفوعة، وقد نازعه في ذلك الإسماعيلي، وقال: إنَّما سمعه حميد من ميمون بن سياه عن أنس قال : ولا يحتج بيحيى بن أيوب في قوله: ثنا حميد: ثنا أنس؛ ((فإن عادة الشاميين والمصريين جرت على ذكر الخبر فما يروونه لا يطوونه طي أهل العراق، يشير إلى أنَّ الشاميين والمصريين يصرحون بالتحديث في رواياتهم، ولا يكون الإسناد متَّصلاً بالسماع وقد ذكر أبو حاتم الرازي عن أصحاب بقية بن الوليد أنَّهم يصنعون ذلك كثيراً». اهـ. وانظره كذلك في ((الفتح)) (ص: ٩٥، ١٠٦)، (٣٩٨/٤). هذا وقد سألت شيخنا أبا الحسن - حفظه الله - عن مدى صحة كلام الإسماعيلي - رحمه الله - فقال: في ذلك نظر، ولو عملنا بهذا الإطلاق ما قبلنا رواية مدلس شامي صرَّح فيها بالمساع أضف إلى ذلك أنَّ يحيى بن أيوب الغافقي له بعض الأوهام فلعل تصرحيه بالسماع في الموضع الذي ذكره الإسماعيلي على أسوأ تقدير أنّه من أوهامه فكيف لو نوزع الإسماعيلي دعواه عدم السماع من الأصل؟! اهـ. ٢٦٦ = تدليس التسوية، فمثلًا: الوليد بن مسلم يقول: حدّثنا الأوزاعي، وفوق الأوزاعي عنعنة بين الأوزاعي وشيخه، فبعض الطلبة يغتر ويقول: الوليد بن مسلم مدلس، وقد صرَّح بالسماع، فزالت العلة، مع أنَّ العلة موجودة فيما بين الأوزاعي وشيخه وأيضاً الذي يدلس تدليس السكوت، أو الحذف، أو القطع، مثل عمر بن علي المقدمي يقول: حدّثنا، ويسكت، ويقول: فلان؛ فلا يحتج به - وإن صرح بالسماع - أي: نحن نعتبره مدلساً وإن صرَّح بالسماع(١)، وكذلك تدليس فطر بن خليفة، في غير قوله: ((سمعت)) والله أعلم(٢). أقول: وقد كان في نفسي شيء من هذا الجواب، لإقرار ابن رجب - رحمه الله - كلام = الإسماعيلي حتى وفقني الله - عزّ وجلّ - بالوقوف على نحو جواب شيخي من كلام الحافظ ابن حجر - رحمه الله - وذلك في ((الفتح)) (٥٩٣/١ رقم ٣٩٣). قال الحافظ: قال الإسماعيلي: وحديث يحيى بن أيوب لا يحتج به - يعني: التصريح بالتحديث -، قال: لأنَّ عادة الشاميين والمصريين ذكر الخبر فيما يروونه، قلت - أي: الحافظ -: هذا التعليل مردود، ولو فتح هذا الباب لم يوثق برواية مدلس أصلًا ولو صرَّح بالسماع، والعمل على خلافه ... إلخ. فذهب ما كان في نفسي والحمد لله على توفيقه. (١) قال ابن سعد في عمر بن علي المقدمي: كان ثقة، وكان يدلس تدليساً شديداً، وكان يقول: سمعت وحدّثنا ثم يسكت، ثم يقول: هشام بن عروة، أنَّ الأعمش، ((الطبقات)) (٢٩/١). قال الحافظ في ((طبقات المدلسين)): وهذا ينبغي أن يسمى تدليس القطع. اهـ. هذا وقد ذكره - رحمه الله - كذلك في (مقدمة الفتح)) (ص: ٤٥٢) عمر بن علي بن عطاء بن مقدم المقدمي البصري، أثنى عليه أحمد، وابن معين، وغيرهما، وعابوه بكثرة التدليس، وأما أبو حاتم فقال: لا يحتجُّ به وأورده ابن عدي في ((الكامل)) ولم أرَ له في الصحيح إلّا ما توبع عليه واحتجَّ به الباقون)) وقد نقل هذه العبارة الشيخ الألباني - حفظه الله - في ((تمام المنة)) (ص: ٧٠)، ثم قال: ولم يوثقه في ((التقريب))؛ فإنَّه اقتصر على قوله فيه: وكان يدلس تدليساً شديداً)) اهـ. فمثله لا يحتجُّ به ولو صرَّح بالتحديث إلّا إذا توبع فكيف إذا خولف؟! اهـ. (٢) في ((سير أعلام النبلاء)) (٣٢/٧) ترجمة فطر بن خليفة. العقيلي: ثنا محمد بن عيسى: ثنا عمرو بن علي: سمعت يحيى بن سعيد يقول: حدّثنا فطر، عن عطاء، قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ... ؛ الحديث، فقلت = ٢٦٧ س ١٢٦: هل قول التابعي: ((حدثني رجل من الأنصار)) يلزم منه أن يكون ذلك الرجل صحابياً؟ ج ١٢٦: لا يلزم من ذلك أن يكون صحابياً، فقد يكون أنصارياً، وهو تابعي، وقد يكون أنصارياً بالولاء، وقد وقفت على رجل هذا حاله، في تحقيقي لـ((فتح الباري)) في ((سنن الدارقطني)) قال التابعي فيه: ثني رجل من الأنصار، ولم يكن هذا الرجل صحابياً، وكذا في كتاب ((العلل)) للدار قطني، انظر السؤال السابع، فلا يلزم من ذلك الصحبة؛ لأنّنا لو جعلناه صحابياً لقلنا: إنَّ الحديث صحيح؛ لأنَّ إبهام الصحابي لا يضرُّ، والله أعلم . س ١٢٧ : متى يُضَعّف الحديث بالاضطراب، ومتى لا يُضَغَّف؟ ج ١٢٧ : الاضطراب منه ما هو قادح، ومنه ما هو غير قادح، فغير القادح: مطلق الاختلاف بين الرواة، ولكي يكون قادحاً، فلا بد من توفر شرطين : ١ - تكافؤ الطرق، وهذا معناه: أن يكون المختلفون على أحد الرواة بمنزلة واحدة، فلا تستطيع أن ترجح أحد الجانبين على الآخر. ٢ - تعذر الجمع بين أقوال المختلفين، وذلك يكون إذا روى أحد الجانبين ليحيى بن سعيد: أقال: حدّثنا عطاء؟ قال: وما ينتفع، بقول: حدّثنا عطاء ولم يسمع = منه! سمعته يقول: ثنا: أبو خالد الوالبي، قال الفلاس، ثم قدم علينا يزيد بن هارون فحدّثنا عن فطر عن أبي خالد الوالبي نفسه، ثم قال العقيلي ثنا محمد: ثنا صالح: ثنا علي، قال: قلت: ليحيى في حديث فطر خرَجَ علي وهم قيام فقال يحيى: إنَّما هو، فقال لي: ثنا أبو خالد الوالبي، قلت ليحيى: إنّهم يدخلون بينهما زائدة، وابن نشيط، قال يحيى: فإنَّه أيضاً قد قال لي: ثنا أبو الطفيل في حصى الجمار، ثم أدخل بعد ذلك بينهما رجلًا فيما بلغني، قلت ليحيى: فتعتمد على قوله: حدّثنا فلان ... قال: ثنا فلان موصول؟ قال: لا، قلت: كانت منه سجيّة؟ قال: نعم. اهـ. وفي ((فتح المغيث)) قال ابن عمار: كان فطر صاحب ذي سمعت: سمعت - يعني: أنّه يدلُّس فيما عداها - اهـ (١٨٢/١ - ١٨٣). ٢٦٨ الحديث سالماً من العلّة، بخلاف الآخر، أمّا إذا كان كل منهما قد سمى شيخاً ثقة؛ فيقال في مثل ذلك: حيثما دار الإسناد دار على ثقة(١). ويمكن الجمع أيضاً إذا كان الاختلاف على شيخ مشهور بالرحلة وكثرة الحديث والمشايخ، فيقال في الاختلاف على مثل هذا: له شيخان، أو رواه على الوجهين، أو كسل فأرسل أو وقف، ونشط فأسند أو رفع، وهكذا(٢). وأمَّا الاختلاف على سيِّىء الحفظ؛ فالعهدة عليه، وينبغي ألّا يُمَثل بذلك في هذا الباب؛ لأنَّ الحديث لو سلم من الاضطراب لم يصح بسبب سوء حفظ راويه، والمقصود التمثيل بحديث لولا علة الاضطراب لكان صحيحاً، والله أعلم(٣) . (١) في ((النكت)) لابن حجر (٧٧٣/٢): لأنَّ الاضطراب هو الاختلاف الذي يؤثر قدحاً. واختلاف الرواة في اسم رجل لا يؤثر، ذلك لأنَّه إن كان ذلك الرجل ثقة فلا ضير، وإن كان غير ثقة فضعف الحديث إنما هو من قبل ضعفه لا من قبل اختلاف الثقات في اسمه فتأمل ذلك. هذا وقد ذكر الحافظ ابن حجر - رحمه الله تعالى - شروط الاضطراب فقال في ((هدي الساري)) (ص: ٣٦٧) :... وإذا تقرر ذلك كانت دعوى الاضطراب في هذا الحديث منتفية؛ لأنَّ الاختلاف على الحفاظ لا يوجب أن يكون مضطرباً إلّا بشرطين: أحدهما: استواء وجوه الاختلاف فمتى رجح أحد الأقوال قدم ولا يعل الصحيح بالمرجوح . ثانيهما: مع الاستواء أن يتعذّر الجمع على قواعد المحدثين ويغلب على الظن أنَّ ذلك الحافظ لم يضبط ذلك الحديث بعينه فحينئذ يحكم على تلك الراوية وحدها بالاضطراب ويتوقف عن الحكم بصحة ذلك الحديث ... إلخ اهـ. وانظر ((تدريب الراوي)) (٢٦٧/١) و((تمام المنة)) (ص: ١٧). (٢) انظر ما أثبتناه في تعليقنا على السؤال رقم (١٦). وانظر كذلك ما قاله الحافظ في ((هدي الساري)) (٣٤٨) والله أعلم. (٣) انظر بعض الأمثلة على ذلك في صفحات ((النكت)) على ابن الصلاح للحافظ ابن حجر (٧٧٣/٢، ٧٧٩، ٧٨٥، ٨١٠). ٢٦٩ س ١٢٨: ماذا تحكم على حديث عائشة في الذي يخرج من الخلاء ويقول: ((غفرانك))؟ ج ١٢٨: الحديث كل طرقه تدور على يوسف بن أبي بردة حسب علمي، ويوسف بن أبي بردة لم يوثقه معتبر، إنَّما وثقه ابن حبان والعجلي (١)، وهما متساهلان، وروى عنه جماعة فالذين يضعفونه يقولون: روى عنه أكثر من واحد، ولم يوثق من معتبر، أي: ولم يوثقه إلَّا متساهل، فهذا توثيق لا يُعْتَدُّ به، ويكون مستوراً، والذين يرون أنَّه صحيح على اختلاف وجهات نظرهم في هذا: فمن قائل: الرجل إذا روى عنه جماعة، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، فبهذا يكون صدوقاً، أو حسن الحديث، والذي أراه في هذا الأمر: أنَّ حال يوسف بن أبي بردة لا يحتج به، لكن وقد صحح هذا الحديث جماعة من العلماء، ذكرهم شيخنا الألباني - حفظه الله - في ((إرواء الغليل))(٢)، ولم أعلم أحداً من أهل العلم ضعف هذا الحديث، فالنفس تطمئن إلى قبول هذا الحديث، لأن تصحيح الإمام من الأئمة لحديث ما، يكون تقوية منه لحال رواته في الجملة؟ فلماذا لا يقال: إن هؤلاء الأئمة الذين صححوا هذا الحديث، قد حسنوا من حال يوسف بن أبي بردة في هذا الحديث؟ لا سيما وأن الحديث يدور عليه؟ ومن قال: لعلَّهم صححوه لمتابعات له، قلنا: هذا أقوى، فإن وقف الأئمة على متابعات له، ونحن لم نقف عليها، وصححوا الحديث، أخذنا بقولهم، والله أعلم. ـم ۵ س ١٢٩: ما معنى قولهم في حديث: ((لا أصل له))؟ ج ١٢٩: أحياناً يقولون في بعض الأحاديث: ((لا أصل له)) بمعنى: أنَّه لا إسناد له يُرفع إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقد يكون موقوفاً (١) انظر (تهذيب التهذيب)) (٣٥٧/١١). (٢) برقم (٥٢) فقد عزا تصحيحه إلى أبي حاتم الرازي وابن خزيمة وابن حبان وابن الجارود والحاكم والنووي والذهبي، وعزا غيره تصحيحه للسخاوي المؤلف. ٢٧٠ أو مقطوعاً أو حكاية، وقد يكون بمعنى لا إسناد له أصلاً (١)، إنَّما عرف في الكتب، واشتهر على ألسنة الأطباء، أو ألسنة القصاصين، أو على ألسنة العباد والوغَّاظ(٢)، وقد يكون بمعنى لا أصل له ــ أي: ليس له سند صحيح -، وإن كان له أسانيد ضعيفة، لكن لا تتقوى، والذي يقرأ في الكتب التي اعتنت بالأحاديث الضعيفة، يجد هذا بكثرة، على أنَّه يجب أن يعلم أنَّهم يطلقون قولهم: ((لا يصح)) بمعنى: أنَّ الحديث موضوع(٣)، وليراجع في ذلك ((الموضوعات)) لابن الجوزي و((الضعيفة)) لشيخنا الألباني - حفظه الله -. س ١٣٠: هل الاختلاف في اسم الراوي يشعر بأن الراوي غير معروف؟ ج ١٣٠ : قد يكون الاختلاف في اسم الراوي من وهم التلميذ الذي (١) مثال ذلك قولهم: ((الحديث في المسجد يأكل الحسنات كما تأكل البهائم الحشيش)). قال الشيخ الألباني في ((الضعيفة)) (١٨/١ رقم ٤): ((لا أصل له)) أورده الغزالي في ((الإحياء)) (١٣٦/١)، فقال: مخرجه الحافظ العراقي: لم أقف له على أصل، وقال عبدالوهاب بن تقي الدين السبكي في ((طبقات الشافعية)) (١٤٥ - ١٤٧): لم أجد له إسناداً . (٢) مثال ذلك حديث: ((البطنة أصل الداء، والحمية أصل الدواء ... )) إلخ، قال الشيخ الألباني - حفظه الله - في ((الضعيفة)) رقم (٢٥٢): لا أصل له، وقد أورده الغزالي في ((الأحياء)) مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقال الحافظ العراقي في تخريجه: لم أجد له أصلًا، وأقره الحافظ السخاوي في ((المقاصد الحسنة)) (١٠٣٥)، وقال ابن القيم في ((زاد المعاد)) (٩٧/٣): ((وأمّا الحديث الدائر على ألسنة كثير من الناس: ((الحمية رأس الدواء والمعدة بيت الداء ... )) إلخ فهذا الحديث إنَّما هو من كلام الحارث بن كلدة طبيب العرب، ولا يصح رفعه إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قاله غير واحد من أئمة الحديث ... إلخ اهـ. والحمية: اتّخاذ نظام معين في الغذاء أوقاتاً، وأنواعاً ومقادير، كما هو مبسوط في كتب الطب النبوي، والله أعلم. (٣) نقل ذلك الشيخ الألباني - حفظه الله تعالى - عن الشيخ ملّا علي القاري، انظر ((الضعيفة)) (١ /ص: ١٣٩ رقم ١٠٤) وانظر مثالًا على ذلك في نفس المصدر برقم (٧٨). ٢٧١ روى عنه، بل وقد يكون الراوي عنه ثقة ضابطاً، ويخالف في اسمه، كما عُلِم ذلك عن شعبة - رحمه الله تعالى - مع كونه إماماً حافظاً، بل وهو أمير المؤمنين في الحديث، إلّا أنَّه كان يهم في الأسماء(١)، وقد يكون أيضاً لقلة روايته، ولعدم اشتهاره، أو لأنَّه لم يرو عنه تلامذة أثبات، فوهموا واختلفوا، وقد يكون ذلك لكونه غير معروف(٢). س ١٣١: ما الفرق بين رجل صدوق ساء حفظه بأخرة، وبين رجل مختلط؟ ج ١٣١: الاختلاط يكون بعد استقامة، وكذلك التغير يكون بعد استقامة، فإذا كان كذلك فالذي تغير بأخرة، والذي اختلط في آخر عمره وساء حفظه بآخره، كلها كلمات مترادفة، بمعنى: أنَّ الرجل حديثه بأخره لا يحتج به، لكن هناك فرق بين التغير والاختلاط، فالتغير أخف من الاختلاط، فالتغير كأن يهم في رجل واسم أبيه، وأمَّا الاختلاط فربّما أنَّه يذكر إسناداً مكان إسناد آخر، أو يذكر متناً مكان آخر عن وهم أو عن غفلة(٣)، وعلى كل حال: فهذه الألفاظ كلها لا يحتج بأهلها، وكل هذا (١) قال الحافظ ابن حجر - رحمه الله تعالى - في ((التهذيب)): قيل لأبي داود وقد سئل عن شعبة: هو أحسن حديثاً من سفيان، قال ليس في الدنيا أحسن حديثاً من شعبة، ومالك على قلَّته، والزهري أحسن الناس حديثاً، وشعبة يخطىء فيما لا يضره ولا يعاب عليه، يعني: في الأسماء، (٣٤٥/٤)، وفي ((سير أعلام النبلاء)) قال أحمد بن حنبل: كان غلط شعبة في الأسماء، اهـ من (٢١٥/٧)، وانظر (شرح العلل)) لابن رجب - رحمه الله تعالى - (ص: ١٢٢ - ١٢٤). (٢) وقد سبق أنَّ هذا قد يكون لضعف الراوي فيتصرّف الرواة في اسمه حتى لا يعرف ومثاله ما قاله الخطيب في كتابه ((الموضح)) وقد ساق فصلاً في ابن زنبور فذكر أنَّ الرواة عنه غيّروا اسمه على سبعة أوجه، قال المعلمي - رحمه الله - في ((تنكيله)) (ص: ٤٣٢)، وهذا يشعر بأنَّ الناس كانوا يستضعفونه، لذلك كان الرواة عنه يدلسونه اهـ، والله أعلم. (٣) ذكر المعلِّمي - رحمه الله - في ((تنكيله)) (ص: ٤٣٥، ٦٨٩) أنَّ التغيّر أعم من الاختلاط وقد سبق معنا في السؤال رقم (١٠). ٢٧٢ يدل على أنَّ حديث هؤلاء لا يحتج به في هذه الفترة، ويحتج به فيما قبل هذه الفترة - على تفاصيل في ذلك -، لكن قولهم: ((فلان سيِّىء الحفظ)) يدل على أنَّه من أول أمره هكذا، فحديثه كله لا يحتج به إذا انفرد، إلّا أن يروي من كتبه، أو ينتقي من حديثه إمام، ونحو ذلك، والله أعلم (١). س ١٣٢: قول أحد الأئمة: ((فلان وسط)) و((فلان حسن الحديث)) و((فلان جيد الحديث)) و((فلان صالح الحديث)) فبعض أهل العلم يحسن لمن قيل فيه ذلك، فما هو الصواب؟ ج ١٣٢: قولهم: ((فلان وسط)) معناه: أنَّه وسط في سلم الجرح والتعديل، بمعنى: أنَّه ليس من أهل الاحتجاج، ولا من أهل الرد والترك، فيكون من أهل الشواهد؛ لأنَّك لو نظرت إلى سلم الجرح والتعديل، لرأيته ينقسم إلى ثلاثة أقسام، وفي كل قسم تفاصيل(٢) . القسم الأول: درجة الاحتجاج، والاحتجاج في داخل هذا القسم على نوعين: احتجاج من أعلى الدرجات، واحتجاج دونه؛ فالأول هو الصحيح، والثاني هو الحسن. القسم الثاني: درجة الاستشهاد، وهي مرتبتان في أواخر التعديل، وثلاث مراتب في أوائل التجريح، ويستشهد بأهل هذه المراتب، ولا يحتج بهم. (١) قال الخطيب في ((الكفاية)) (٣٣٢): الأصل في سيء الحفظ الضعف إلّا إذا حدَّث من كتابه المتقن أو عن شيخ مُدح فيه بالحفظ فقد قال يزيد بن زريع وقد سئل عن همام؟ فقال: كتابه صالح وحفظه لا يسوى شيئاً. هذا وقد فرّق الحافظ ابن حجر في ((النزهة)) (ص: ١٣٨ - ١٣٩) فقال: ثم سوء الحفظ وهو السبب العاشر من أسباب الطعن، والمراد به: من لم يرجح جانب إصابته على جانب خطئه وعلى على قسمين: · إن كان لازماً للراوي في جميع حالاته، فهو الشاذ على رأي بعض أهل الحديث. ● أو كان سوء الحفظ طارئاً على الراوي إما لكبره، أو لذهاب بصره، أو الاحتراق كتبه أو عدمها، بأن كان يعتمدها، فرجع إلى حفظه فساء فهو المختلط ... إلخ. (٢) انظر ((شفاء العليل)) (ص: ٣٨٢). ٢٧٣ القسم الثالث: درجة الرد والترك، وينقسم إلى قسمين: قسم الرد، والثاني قسم الترك، هذا سلم الجرح والتعديل بإيجاز، فإذا قالوا: ((فلان وسط)) فبعض أهل العلم يتبادر له أنَّه ((وسط)) بمعنى: أنَّه ليس بصحيح ولا بضعيف، فهو حسن، وهذا كلام خطأ؛ لأنَّهم لا يقصدون أنَّه ((وسط)) بين الصحيح والضعيف، إنَّما يقصدون أنَّه ((وسط)) بين الاحتجاج وبين الرد، فلا هو بالذي يُحتج به، ولا بالذي تُرد روايته وتُترك، فعلى هذا، فإذا قالوا: ((فلان وسط))، فهو من ألفاظ الشواهد والمتابعات(١)، ويُكثر من استعمال هذا اللفظ الإمام أبو الحسن علي بن المديني - رحمه الله تعالى -. وأما الكلمة الثانية: ((جيد الحديث)) و((حسن الحديث)) ففرق بين قول إمام من الأئمة: ((فلان حسن الحديث)) وبين قوله: ((هذا الحدیث حسن))، فإذا حكم على حديث ما بأنَّه حسن، فهي المرتبة التي بين الصحيح والضعيف، وهي من مراتب الاحتجاج عند جمهور أهل العلم، خلافاً لأبي حاتم في بعض المواضع، ولمن نحا نحوه في ذلك(٢)، وأما قولهم: ((فلان حسن الحديث)) فإنّهم يعنون بذلك أنَّ حديثه يُشْتَهَى، وأن حديثه مرغوب فيه، وذلك إما لعلو إسناده، أو لغرابته وأنَّه ليس موجوداً عند غيره، ولا يلزم من ذلك أن يكون الحديث حسناً، في منزلة الحُسْن التي بين الصحة والضعف، ولكن حُسن الحديث - هنا -؛ أي: علو الإسناد، وقد يكون عالي الإسناد، وهو ضعيف، وقد يكون حديث الراوي مرغوباً فيه؛ لأنَّ فيه فوائد وغرائب ليست عند المحدثين، وهو ضعيف(٣)، وهذا يعتبر من جهل (١) المصدر السابق (ص: ١٤١). (٢) قال السيوطي في (تدريبه)) (١٥٤/١) كما روى عن ابن أبي حاتم أنَّه قال: سألت أبي عن حديث، فقال: إسناده حسن، فقلت: يحتج به؟ فقال: لا. اهـ. هذا وفي ((العلل)) له مواضع ذكر فيها بعض الأحاديث على وجه الاعتماد ووصفها بالحسن، مما يدل على أنَّ الحسن عندهم له اعتبارات أخرى والله أعلم. (٣) أطلق جماعة من المحدثين على بعض الأحاديث ((الحسن)) وأرادوا به الحسن اللغوي دون الاصطلاحي. قال السيوطي في ((التدريب)) (١٦٢/١ - ١٦٣): كما وقع لابن عبدالبر، حيث روى في = ٢٧٤ بعض المحدثين الذين يرغبون في الأسانيد - العالية وإن كانت ضعيفة - فالعبرة بما صح وثبت. فالمحدثون قد يطلقون حُسْن الحديث على الحديث الضعيف، كما قال أبو زرعة الرازي؛ وقد سئل عن عبدالله بن صالح الجهني كاتب الليث: ((لم يكن ممن يتعمد الكذب، ولكنَّه كان يغلط، وهو عندي حسن الحديث))، انظر ((النكت)) (٣٩٢/١) فتأمل كيف وصفه بالغلط، وأن الأخطاء تجري على لسانه بدون تعمد، ولكن على سبيل الوهم، ومع ذلك وصفه بحسن الحديث، مما يؤيد ما ذكرته. وقد ذكر ابن رجب في ((شرح علل الترمذي)» مقالة نقلها عن الإمام أحمد - رحمه الله - قال - رحمه الله -: إذا رأيت المحدثين يقولون في حديث: لا شيء، فاعلم أنَّه صحيح، وإذا رأيتهم يقولون: هو فوائد، فاعلم أنَّه ضعيف. اهـ بمعناه (١). كتاب العلم حديث معاذ بن جبل مرفوعاً: ((تعلموا العلم؛ فإنَّ تعلمه الله خشية وطلبه = عبادة)) الحديث بطوله، وقال هذا حديث حسن جداً، ولكن ليس له إسناد قوي فأراد بالحسن حسن اللفظ؛ لأنّه من رواية موسى البلقاوي وهو كذاب نسب إلى الوضع عن عبدالرحيم العمي وهو متروك. وروينا عن أمية بن خالد قال: قلت لشعبة تحدث عن محمد بن عبيدالله العرزمي وتدع عبدالملك بن سليمان وقد كان حسن الحديث فقال: من حسنها فررت، يعني: أنَّها منكرة. وقال النخعي: كانوا يكرهون إذا اجتمعوا أن يخرج الرجل أحسن ما عنده، قال السمعاني عني بالأحسن الغريب. اهـ. أقول: وفي ((بحر الدم)) (ص: ١٨٥ رقم ٣٩٠): وقد سئل الإمام أحمد - رحمه الله - عن ابني بريدة، فقال: سليمان أحلا في القلب وكان أصحهما حديثاً وعبدالله له أشياء إنا ننكرها من حسنها وهو جائز الحديث. اهـ. (١) في ((شرح العلل)) لابن رجب (ص: ٢٣٥): (( ... ونقل محمد بن سهل بن عسكر عن أحمد، قال: إذا سمعت أصحاب الحديث يقولون: هذا الحديث غريب أو فائدة، فاعلم أنّه خطأ، أو دخل حديث في حديث، أو خطأ من المحدث، أو ليس له إسناد وإن كان قد روى شعبة وسفيان، وإذا سمعتهم يقولون: هذا لا شيء فاعلم أنّه حديث صحيح. اهـ. ٢٧٥ تفسير ذلك أن المحدث يُؤْتَى بحديث مذكور بالأسانيد النازلة، وهو مشهور عند المحدثين، بل قد يكون في الصحاح، فيقول: هذا لا شيء، ليس بمعنى أنَّه ضعيف، ولكن بمعنى أنَّه موجود، وقد سبق له حفظ هذا الحديث أو كتابته، أو أن هذا الحديث عند أهل بلده مشهور، فيقول: إذا رحلتُ الآن، ورجعت إليهم بنفس الحديث الذي عندهم، أيش يجعلهم يرغبون في حديثي؟ فمن هنا يقول: لا شيء، وإذا رأيته يرغب في حديث ويمدحه، ويقول: فوائد أو فائدة فاعلم أنَّه ضعيف؛ لأنَّ بعض جهلة المحدثين يسعى إلى الأسانيد التي فيها أشياء وألفاظ غريبة، من أجل أن يقف عند المذاكرة، ويقول: عندي ما ليس عندك، ماذا عندك في الباب الفلاني؟ فيقال له: عندي كذا وكذا، فيقول: وأنا عندي أحاديث ليست عندك، فخذها عني بعلو، ثم يسوقها (١)، ففرق بين قولهم: ((فلان حسن (١) قال الخطيب البغدادي في ((الكفاية)) (ص: ٢٢٤): وأكثر طالبي الحديث في هذا الزمان يغلب على إرادتهم كتب الغريب دون المشهور، وسماع المنكر دون المعروف، والاشتغال بما وقع فيه السهو والخطأ من روايات المجروحين والضعفاء، حتى لقد صار الصحيح عند أكثرهم مجتنباً، والثابت مصروفاً عنه مطرحاً، وذلك كله لعدم معرفتهم بأحوال الرواة، ومحلهم، ونقصان علمهم، بالتمييز وزهدهم في تعلمه، وهذا خلاف ما كان عليه الأئمة من المحدثين والأعلام من أسلافنا الماضين، وفي ((سير أعلام النبلاء)) (٦٠١/٢) ترجمة الصحابي الجليل أبي هريرة - رضي الله عنه - ذكر الإمام الذهبي رحمه الله تعالى عن يحيى بن أيوب عن ابن عجلان أنَّ أبا هريرة كان يقول إني لأحدث أحاديث لو تكلّمت بها في زمن عمر لشج رأسي، قال الذهبي: هكذا هو كان عمر - رضي الله عنه - يقول: أقلوا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وزجر غير واحد من الصحابة عن بث الحديث وهذا مذهب لعمر وغيره. فبالله عليك؛ إذا كان الإكثار من الحديث في دولة عمر كانوا يمنعون منه مع صدقهم وعدالتهم وعدم الأسانيد بل هو غض لم يشب فما ظنّك بالإكثار من رواية الغرائب والمناكير في زماننا مع طول الأسانيد وكثرة الوهم والغلط فبالحري أن نزجر القوم عنه، فيا ليتهم يقصرون على رواية الغريب والضعيف بل يروون والله الموضوعات والأباطيل والمستحيل في الأصول والفروع والملاحم والزهد، نسأل الله العافية، فمن روى ذلك مع علمه ببطلانه، وغرّ المؤمنين فهذا ظالم لنفسه جانٍ على السنن والآثار، يستتاب من ذلك فإن أناب وأقصر وإلّا فهو فاسق كفى به إثماً أن يحدث بكل ما سمع وإن هو لم يعلم فليتورع وليستعن بمن يعينه على تنقية مروياته، نسأل الله العافية فلقد عمّ البلاء = ٢٧٦ الحديث))، وبين قولهم في حديث ما: ((هذا حديث حسن)) بنحو هذا فُرِّق بين قولهم: ((فلان منكر الحديث))، وبين قولهم في حديث ما: ((إنَّه حديث منكر))، ((ففلان منكر الحديث)) أي: أنّه يقع في حديثه مناكير، أو يروي أحاديث مناكير، وهو الذي يتحمل عهدتها، لأنَّ الخطأ منه، لكن هذا لم يكثر في حديثه، ولذلك كان الراجح أنَّ قولهم: ((فلان منكر الحديث)) من ألفاظ الجرح الخفيفة، وليست من ألفاظ الجرح الشديدة، إلّا في بعض المواضع التي جاءت عن أبي حاتم، كما نقله عنه ابنه في ((الجرح والتعديل)) فأحياناً يقول: ((منكر الحديث، يترك حديثه)) بالرغم من أنَّه أحياناً يقول: ((منكر الحديث جداً، يكتب حديثه ولا يترك))، فعلى كل حال إنَّ قولهم: (منكر الحديث)) الراجح فيه أنَّه من ألفاظ الشواهد والمتابعات(١)، إلا أن تظهر قرنية تدل على خلاف ذلك، فيعمل بها في موضعها، ويدلك على هذا - أيضاً - أنَّ العلماء لما تكلّموا عن قول البخاري: ((فلان منكر الحديث)) قالوا: معناه عند البخاري: أنَّه لا تحل الراوية عن هذا الرجل، ولكن البخاري لطيف العبارة في التجريح، وهذه الكلمة عنده من الجرح شدید . وهنا وقفة؛ ما معنى قولهم: إنَّ البخاري لطيف العبارة في التجريح، وشملت الغفلة ودخل الداخل على المحدثين الذين يركن إليهم المسلمون فلا عتبى على = الفقهاء وأهل الكلام. أقول: كيف لو شاهد الإمامان ما حل في عصرنا مما عمَّ وطمَّ، ورحم الله أبا نعيم الأصبهاني يوم أن قال: كنت أتعجب من قول عائشة: ذهب الذين يعاش في أكنافهم وبقيت في خلف كجلد الأجرب لكنّي أقول: في أراذل الناس النسناس ذهب الناس فاستقلوا وصرنا خلفاً في أناسٍ نعدهم من عديد فإذا فتشوا فليسوا بناس ولكن نعزي أنفسنا ببقايا الخير في هذا الزمان من علمائنا الكبار الذين نفع الله بهم البلاد والعباد فهم مصابيح الهدى وأنوار الدجا، نسأل الله أن يزيدهم رفعة وعلواً في الدارين وأن يجعلنا من أتباعهم ومن المجددين لآثارهم إنّه ولي ذلك والقادر عليه. (١) سبق ذلك مفصلًا في السؤال رقم (١٩) فليراجع. ٢٧٧ ولكن هذا اللفظ عنده جرح شديد؟ هذا يدل على أنَّه أتى بهذا اللفظ الذي غيره يستعمله في الجرح الخفيف، وتكلّم به في الجرح الشديد، ولو كانت لفظة ((منكر الحديث)) عند غيره بمعنى: لا تحل الراوية عنه، فما معنى قولهم: إنَّ البخاري لطيف العبارة في التجريح؟ لكن قول العالم: ((هذا الحديث منكر)) لا يقوله إلّا إذا جمع الطرق، ورأى أن أحد رواته الذي لا يُقْبل تفرده، روى الحديث على وجه يخالف الثقات، أو يخالف من هو أوثق منه، وحكمه عليه بأنَّه حديث منكر؛ معناه: أنَّه لا يستشهد به بعد ذلك، وقد تطلق النكارة على غير هذا، فالرجل الذي يقال فيه: ((منكر الحديث)) - بالمعنى السابق - يستشهد به، والحديث الذي يقال فيه: ((حديث منكر)) لا يصلح في الشواهد والمتابعات(١)، وما قيل في ((حسن الحديث)) يقال في ((جيد الحديث))(٢)، وقولهم: ((صالح)) من ألفاظ الشواهد أيضاً، كما صرح بذلك بعض العلماء الذين صنفوا في علوم الحديث، والله (٣) أعلم(٣). (١) نصَّ على ذلك الإمام أحمد - رحمه الله تعالى - كما في مسائل ابن هانىء (١٩٧/٢ رقم ١٩٢٥)؛ فقد سأله إسحاق بن إبراهيم، ترى أن نكتب الحديث المنكر، قال: المنكر أبداً منكر، قيل له: فالضعفاء؟ قال: قد يحتاج إليهم في وقت كأنه لم ير بالكتابة عنهم بأساً، وانظر ((شرح علل الترمذي)) (٣٨٥/١). (٢) قال المؤلف في كتابه ((الشفاء)) (١٤١/١): ((فلان جيد الحديث)) إن كان بمعنى: أنّه ينتقي، وحديثه سالم من العلل فمكانه في الثانية من مراتب التعديل وإن كان بمعنى أنَّ سماعه صحيح من مشايخه، فليس فيه إشارة إلى قوة أو ضعف من حيث الراوية، وإن كان بمعنى: أنَّه عالي الإسناد ورجاله قد اشتهروا ومتونهم مشهورة، وغير ذلك من أسباب جودة الحديث ومن الأمور التي يتنافس فيها المحدثون فهذا ليس فيه تقوية لحاله في الراوية، أو توهين ونحو ذلك قولهم: ((فلان حسن الحديث)). إلخ اهـ. (٣) انظر ((التقييد والإيضاح)) (ص: ١٦١ - ١٦٢) و((فتح المغيث)) (٣٦٥/١) وقد ذكر السخاوي أنَّ قولهم: ((صدوق))، وقولهم: ((صالح الحديث)) عند ابن مهدي بمعنى، لكن اعترض عليه الصنعاني بأن ابن مهدي جعل القول الثاني منحطاً عن رتبة ليس به بأس، قال ابن الصلاح: وقد جاء عن أبي جعفر محمد بن سنان أنّه قال: كان عبدالرحمن بن مهدي ربّما جرى ذكر حديث الرجل فيه ضعف وهو رجل صدوق، فيقول: رجل صالح الحديث. اهـ وانظر ((الكفاية)) للخطيب (٦٠). ٢٧٨ س ١٣٣ : ذُكِرَ عن الترمذي في تعريفه للحديث الحسن لغيره، أنَّه قال فيه: ((أن لا يكون في إسناده من يتهم بالكذب ... إلخ))، فكيف هذا الشرط (١)؟ ج ١٣٣: اشتراط ألا يكون راويه متهماً بالكذب، فيه توسع غير مقصود، وذلك أنَّ بعض الرواة لم يصلوا إلى منزلة التهمة بالكذب، ومع ذلك لا يستشهد بهم، مثل أهل المرتبة الرابعة من مراتب الجرح، كقولهم: (ليس بشيء)) و((ارم به)) وغير ذلك، فلا بد من التقييد في ذلك بمن ضعفهم ينجبر بالشواهد والمتابعات، والله أعلم(٢) . س ١٣٤: ما حال محمد بن حميد الرازي شيخ الطبري؟ ج ١٣٤: محمد بن حميد الرازي اختلف فيه أهل العلم: فأصحاب بلده اتهموه وكذبوه، وهم أبو حاتم وأبو زرعة ومحمد بن مسلم بن وارة، تكلّموا فيه بجرح شديد، وغيرهم وثقوه، ومعلوم أنَّ أهل بلد الرجل أعلم به، وأنا أميل إلى أنَّه مجروح جرحاً شديداً، ولا يستشهد بحديثه؛ لأنَّ بلدي الرجل أعلم به، وإن قيل: إنَّ أبا حاتم متشدد، فأبو زرعة معتدل، لكن إذا كان الراوي قد اختلف أهل بلده فيه، ووثقه أو ضعفه الغرباء، ففي هذه الحالة نرجع إلى قاعدة الجرح مقدم على التعديل إذا كان مفسراً، أما وأهل بلده يضعفونه ويتهمونه، ويقولون فيه هذه المقالات الشنيعة، ومع ذلك نأخذ كلام الغرباء؟! كلا، فلعله تزين للغرباء بأحاديث صحيحة، مما (١) قال الإمام محمد بن عيسى في كتاب ((العلل من جامعه)) (٧٥٨/٥): وما ذكرنا في هذا الكتاب: ((حديث حسن)) فإنَّما أردنا به حسن إسناده، عندنا كل حديث يروى لا يكون في إسناده من يتهم بالكذب ولا يكون الحديث شاذاً، أو يروى من غير وجه نحو ذلك، فهو عندنا حديث حسن. (٢) قال السخاوي - رحمه الله تعالى - في ((فتح المغيث)): ما اتّهم بكذب، فيشمل ما كان بعض رواته سيء الحفظ ممن وصف بالغلط، أو الخطأ، أو مستور لم ينقل فيه جرح ولا تعديل، وكذا إذا نقلا ولم يترجح أحدهما على الآخر أو مدلساً بالعنعنة أو مختلط بشرطه لعدم منافاتها اشتراط نفي الاتهام بالكذب (٨٠/١). ٢٧٩ جعلهم يحسنون الظن به، أما أهل بلده الذين يعرفونه، وليس بينه وبينهم عداوة، فهم أعلم به، والله أعلم(١). (١) محمد بن حميد بن حيان التميمي الحافظ أبو عبدالله الرازي. قال أبو نعيم بن عدي: سمعت أبا حاتم الرازي في منزله وعنده ابن خراش وجماعة من مشايخ أهل الري وحفاظهم فذكروا ابن حميد فأجمعوا على أنّه ضعيف في الحديث جداً، وأنّه يحدث بما لم يسمعه، وأنّه يأخذ أحاديث أهل البصرة والكوفة فيحدث بها عن الرازيين، ونقل عمرو البرذعي عن أبي حاتم أنّه قال فيه: هذا كذّاب لا يحسن أن یكذب . وقال أبو القاسم ابن أخي أبي زرعة: سألت أبا زرعة عن محمد بن حميد فأومى بإصبعه إلى فمه، فقلت له: كان يكذب، فقال برأسه: نعم، فقلت له: كان قد شاخ لعله كان يعمل عليه ويدلس عليه، فقال: لا بني، كان يتعمّد، وقال ابن وارة: كذاب، وقال فضلك الرازي - وهو الفضل بن عباس الرازي - الإمام الحافظ صاحب ((التصانيف)): عندي عن ابن حميد خمسون ألف لا أحدث عنه بحرف ... قلت: وهذا كلام الرازيين فيه وأمّا الغرباء فمنهم من ضعّفه، ومنهم من وثّقه فمن الذين ضعفوه الإمام البخاري - رحمه الله تعالى - فقد قال فيه: ((في حديثه نظر))، وهذا اللفظ يدل على الغفلة الشديدة . وقال النسائي: ليس بثقة، وقال الجوزجاني: رديء المذهب غير ثقة، وقال صالح بن محمد الأسدي: كان كلّما بلغه عن سفيان يحيله على مهران وما بلغه عن منصور يحيله على عمرو بن أبي قيس ثم قال: كل شيء كان يحدّثنا ابن حميد كنّا نتّهمه فيه، وقال في موضع آخر كانت أحاديثه تزيد وما رأيت أحداً أجرأ على الله منه كان يأخذ أحاديث الناس فيقلب بعضه على بعض، وقال: ما رأيت أحداً أحذق بالكذب من رجلين سليمان الشاذكوني، ومحمد بن حميد كان يحفظ حديثه كله، وقال ابن خراش: ثنا ابن حميد، وكان والله يكذب، وروى غنجار في ((تاريخه)) أن أبا زرعة سئل عنه فقال: تركه محمد بن إسماعيل فلما بلغ ذلك البخاري، قال: بره لنا قديم، وقال البيهقي: كان إمام الأئمة يعني: ابن خزيمة لا يروي عنه، وقال النسائي: ابن حميد كذاب ... إلخ ما قاله المجرحون . أمّا عن أقوال من وثّقه: فقد قال ابن خيثمة: سئل ابن معين فقال: ثقة لا بأس به رازي كيس، وجاء عنه أنَّ هذه الأحاديث التي يحدث بها ليس هو من قبله إنَّما هو من قبل الشيوخ الذين يحدث عنهم، وقال جعفر بن أبي عثمان الطيالسي: ابن حميد ثقة كتب عنه يحيى ويروى عنه ... ، وقال عبدالله بن أحمد عن أبيه: لا يزال بالري علم ما دام محمد بن حميد حياً، وقال الخليلي: كان حافظاً عالماً بهذا الشأن رضيه أحمد ويحيى. ٢٨٠ =