النص المفهرس
صفحات 241-260
روايته، كما صرَّح بذلك شعبة - رحمه الله - حين سئل: من نقبل روايته، ومن نرد روايته؟ فقال: تقبل رواية ... إلَّا مبتدعاً، فصرَّح بأن لا تقبل رواية المبتدع الذي يدعو إلى بدعته، أو من يصر على خطئه، أو يكذب في حديث النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، إلى غير ذلك(١)، ولكن المهم التفرقة بين من هو إمام من الأئمة، حصلت له ثقته بحفظه وبكتابه، وبَيْن آخر يُحْكَم عليه بأنّه من المتوسطين، وينبغي أن ينظر أيضاً في نوع الخطأ، هل هو خطأ فاحش خفيف؟ كل هذا ينبغي أن يراعى عند الحكم على الراوي، حتى يحكم عليه بالعدل الذي ليس فيه بخس ولا شطط. س ١٠٤ : الراوي إذا قال فيه أبو حاتم: ((يعد في الرازيين))، ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً، فهل هذه العبارة تفيده شيئاً؟ ج ١٠٤: لا تفيد رفع الجهالة، إلّا بعد النظر في عدد الرواة عنه ونوعية هؤلاء الرواة. تلك الشهادة، فلا يرجع عنها، ولأنّه إذا كثر ذلك منه لم يطمأن إلى حديثه وإن رجع = عنه لما يخاف أن يكون مما يثبت عليه من الحديث مثل ما رجع عنه وليس هكذا الرجل يغلط في الشيء فيقال له فيه فيرجع ولا يكون معروفاً بكثرة الغلط . وفي (ص: ٢٣٢) قال الخطيب: قال السهمي: سألت أبا الحسن الدارقطني عمن يكون كثير الخطأ؟ قال: إن نبهوه عليه، ورجع عنه فلا يسقط، وإن لم يرجع سقط. اهـ. (١) بوب الخطيب - رحمه الله - في ((الكفاية)) (ص: ٢٢٩) باب: ((فيمن رجع عن حديث غلط فيه وكان الغالب على روايته الصحة أن ذلك لا يضره)) ثم قال: قد ذكرنا في الباب الذي قبل هذا، عن عبدالله بن المبارك، وأحمد بن حنبل، وعبدالله بن الزبير الحميدي الحكم في من غلط في رواية حديث، وبين له غلطه فلم يرجع عنه وأقام على رواية ذلك الحديث أنّه لا يكتب عنه، وإن هو رجع قبل منه وجازت روايته، وهذا القول مذهب شعبة بن الحجاج أيضاً. ثم ساق سنده إلى نعيم بن حماد قال: حدثني عبدالرحمن بن مهدي قال: كنّا عند شعبة فسئل: يا أبا بسطام! حديث من يترك؟ قال: من يكذب في الحديث، ومن يكثر الغلط، ومن يخطىء في حديث مجتمع عليه فيقيم على غلطه فلا يرجع، ومن روى عن المعروفين ما لا يعرفه المعروفون اهـ وفي سنده نعيم بن حماد الخزاعي ((ضعيف)) إلّا أن ذلك من الأقوال المشهورة عن شعبة وعن غيره كما سبق، والله أعلم. ٢٤١ س ١٠٥ : كيف قُبِلَت رواية المبتدعة، مع أن هذا ينافي العدالة التي هي شرط في صحة الحديث؟ ج ١٠٥: العلماء قد اشترطوا في قبول الراوية، أن يكون الراوي عدلًا، والمتأمل في كلامهم وفي صنيعهم في قبول رواية أهل البدع والأهواء على تفاصيل في ذلك - المتأمل في هذا كله يرى أنَّ العدالة عندهم أن يكون الرجل مسلماً لا يجاهر بكبيرة من جهة الشهوات، ولا يصر على صغيرة(١)؛ لأنَّ المعاصي قسمان: معاص من جهة الشهوة، ومعاص من جهة الشبهة، مثل المقالات التي اعتنقها أهل الأهواء المخالفون لأهل السنة والجماعة، وهؤلاء ما تعمدوا المعصية، إنّما هم فساق التأويل، فلو رُدَّ حديث أهل البدع لرددنا حديث كثير من الرواة(٢) وقد سبق إلى هذا (١) قال الحافظ ابن حجر - رحمه الله - في ((النزهة)) (ص: ٨٣): والمراد بالعدل، من له ملكة تحمله على ملازمة التقوى والمروءة، والمراد بالتقوى اجتناب الأعمال السيئة من شرك أو فسق أو بدعة. وانظر الكفاية (ص: ١٣٦) باب ((الكلام في العدالة وأحكامَها)). اهـ. (٢) يدل على ذلك قول الحافظ الذهبي - رحمه الله تعالى - في ((الميزان)) (١١٨/١) ترجمة أبان بن تغلب الكوفي، قال فيه الذهبي: شيعي جلد، لكنّه صدوق، فلنا صدقه وعليه بدعته، وقد وثّقه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين، وأبو حاتم، وأورده ابن عدي، وقال السعدي: زائغ مجاهر، فلقائل أن يقول: كيف ساغ توثيق مبتدع وحدّ الثقة العدالة والإتقان؟ فكيف يكون عدلًا من هو صاحب بدعة؟ وجوابه: أنَّ البدعة على ضربين: فبدعة صغرى كغلو التشيع، أو كالتشيع بلا غلو، ولا تحرف فهذا كثير في التابعين وتابعيهم مع الدين والورع والصدق، فلو ردَّ حديث هؤلاء لذهب جملة من الآثار النبوية، وهذه مفسدة بيِّنة. ثم بدعة كبرى، كالرفض الكامل والغلو فيه، والحط على أبي بكر، وعمر - رضي الله عنهما - والدعاء إلى ذلك، فهذا النوع لا يحتج بهم ولا كرامة، وأيضاً فما استحضر الآن في هذا الضرب رجلاً صادقاً ولا مأموناً، بل الكذب شعارهم والتقية والنفاق دثارهم فكيف يُقبل نقل من هذا حاله! حاشا وكلا. فالشيعي الغالي في زمان السلف وعرفهم هو من تكلّم في عثمان، والزبير، وطلحة، ومعاوية، وطائفة ممن حارب علياً - رضي الله عنه -، وتعرّض لسبهم، والغالي في زماننا وعرفنا هو الذي يكفر هؤلاء السادة ويتبرأ من الشيخين أيضاً فهذا ضال مغتر، ولم يكن أبان بن تغلب يعرض للشيخين أصلًا بل قد يعتقد علياً أفضل منهما. اهـ. ٢٤٢ الاعتراض الصنعاني - رحمه الله - في ((توضيح الأفكار)) وقال: إما أن يتنازلوا عن شرط العدالة لقبولهم رواية المبتدعة، وإمَّا أن يردوا رواية المبتدعة(١)، ولكن الحقيقة أن المتأمل في صنيع العلماء وكلامهم يستطيع أن يقول: العدل هنا هو الذي لا يجاهر بكبيرة من جهة الشهوة لا من جهة الشبهة، ولا يصر على صغيرة، وتجد أن هذا التقسيم له وجه: فالراوي إذا كان عنده بدعة وهذه البدعة ناتجة عن تأويل، ويظن أنَّ هذا هو الأتقى لله عز وجل، وأنه الأقرب إليه سبحانه، وأنّه يتعبد بهذه المقالة، أو بهذه العقيدة، وقد يكون من جملة بدعته؛ أنَّ الذي يكذب يكون كافراً، كالخوارج مثلًا، فمثل هؤلاء نأمن من تعمدهم الكذب على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وفي نفس الوقت فهم أهل ضبط، فَرَدُّ روايات هؤلاء في الحقيقة، يكون رداً لبعض السنة، وإن رددنا روايات المبتدعة، رددنا كثيراً من السنة، لكن لا نغفل عن أنَّ بعض أهل البدع يستجيز الكذب على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، نصرة لباطلهم، أو لأسباب أخرى، فهؤلاء لا يقبل حديثهم ولا كرامة، وللعلماء تفصيل في رواية المبتدعة فيرجع إليه(٢)، ومن تعريف العلماء للعدالة أن يكون سالماً من (١) انظر ((توضيح الأفكار)) (٢٣٣/٢ - ٢٣٤). (٢) في ((شرح علل الترمذي)) للحافظ ابن رجب - رحمه الله تعالى - (ص: ٦٤) قال: وهذه المسألة قد اختلف فيها قديماً وحديثاً وهي الراوية عن أهل الأهواء والبدع، فمنعت طائفة من الراوية عنهم، كما ذكره ابن سيرين، وحكى نحوه عن مالك وابن عيينة والحميدي، ويونس بن إسحاق، وعلي بن حرب، ورخصت طائفة في الراوية عنهم إذا لم يتهموا بالكذب منهم أبو حنيفة والشافعي ويحيى بن سعيد، وعلي بن المديني. وفرقت طائفة أخرى بين الدّاعية وغيره فمنعوا الراوية عن الدّاعية إلى البدعة دون غيره، منهم ابن المبارك، وابن مهدي، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وروى أيضاً عن مالك ... إلخ، وهناك أقوال أخرى. وقد رجح المؤلف - حفظه الله -: من ذلك قول من قال بجواز الراوية عن المبتدع إذا كان ممن لا يستجيز الكذب على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم سواء كان داعية إلى بدعته أو لم يكن داعية إليها على تفاصيل في ذلك، وهناك أدلة كثيرة تدل على ذلك منها : ٢٤٣ = قول الحافظ الذهبي - رحمه الله تعالى - في ((الميزان)) (٥/١) ترجمة أبان بن تغلب = الكوفي: شيعي جلد لكنّه صدوق فلنا صدقه وعليه بدعته، وقد وثّقه أحمد بن حنبل، وابن معين، وأبو حاتم وأورده ابن عدي، وقال: كان غالباً في التشيع، وقال السعدي: زائغ مجاهر، فلقائل أن يقول: كيف ساغ توثيق مبتدع وحد الثقة العدالة والإتقان، فكيف يكون عدلاً من هو صاحب بدعة؟ وجوابه: أنَّ البدعة على ضربين: فبدعة صغرى كغلو التشيع، أو كالتشيع بلا غلو، ولا تحرق، فهذا كثير في التابعين وتابعيهم مع الدين والورع والصدق، فلو ردّ حديث هؤلاء لذهب جملة من الآثار النبوية، وهذه مفسدة بيِّنة. اهـ، وقد سبق ذلك بكامله. وقد دلَّ على ذلك أيضاً كلام كثير من السلف ففي ((السير)) (٢٧٨/٥)، (٣٨٧/٦)، قال علي بن المديني: قلت ليحيى القطان: أنَّ عبدالرحمن قال: أنا أترك من أهل الحديث كل رأسٍ في بدعة فضحك يحيى وقال: كيف تصنع بقتادة؟ كيف تصنع بعمر بن ذرّ؟ كيف تصنع بابن أبي رواد؟! وعد يحيى قوماً أمسكت عن ذكرهم ثم قال يحيى: إن ترك هذا الضرب ترك حديثاً كثيراً)). وفي المصدر نفسه (١٨٦/٤) قال الجوزجاني: كان قوم يتكلمون في القدر، احتمل الناس حديثهم لما عرفوا من اجتهادهم في الدِّين والصدق، والأمانة، ولم يتوهم عليهم الكذب، وإن بلوا بسوء رأيهم، منهم معبد الجهني، وقتادة، ومعبد رأسهم. وفي ((الكفاية)) (ص: ٢٠٦ - ٢٠٩) قال ابن المديني: لو تركت أهل البصرة لحال القدر، ولو تركت أهل الكوفة، لذلك الرأي، يعني: التشيع، خربت الكتب. قال الخطيب قوله: خربت الكتب، يعني: لذهب الحديث، وفيها كذلك عن الحسين بن إدريس قال: سألت محمد بن عبدالله الموصلي عن علي بن غراب، فقال: كان صاحب حديث بصيراً به، قلت: أليس هو ضعيف؟ !! قال: إنّه كان يتشيع، ولست أنا بتارك الراوية عن رجل صاحب حديث ويبصر الحديث بعد ألا يكون كذوباً للتشيع، أو القدر ولست براوٍ عن رجل لا يبصر الحديث ولا يعقله، ولو كان أفضل من فتح، يعني: الموصل، وذكره كذلك ابن رجب في ((شرح العلل)) (ص: ٢٠٦). وفي ((الكفاية)) عن يحيى بن معين قيل له: إن أحمد بن حنبل قال: إنَّ عبيدالله بن موسى يرد حديثه للتشيع، قال: كان والله الذي لا إله إلا هو عبدالرزاق أغلى في ذلك منه مائة ضعف، ولقد سمعت من عبدالرزاق أضعاف أضعاف ما سمعت من عبيدالله ... إلخ ما أورد الخطيب - رحمه الله -. وأمَّا مذهب من ردها على الإطلاق فقد رده كثير من المحققين، قال ابن الصلاح - رحمه الله - والقول بالمنع مطلقاً بعيد، مباعد للشائع عن أئمة الحديث، فإن كتبهم = ٢٤٤ طافحة بالرواية عن المبتدعة غير الدعاة، ففي ((الصحيحين)) من حديثهم في الشواهد = والأصول كثير والله أعلم. وما ذهب إليه - رحمه الله - في التفرقة بين الداعية وغير الداعية معترض عليه كذلك فقد تعقبه الحافظ ابن كثير كما في ((علوم الحديث)) (ص: ٧٥) فقال: قلت: وقد قال الشافعي: أقبل شهادة أهل الأهواء، إلّ الخطابية من الرافضة؛ لأنّهم يرون الشهادة، بالزور لموافقيهم. فلم يفرق الشافعي في هذا النص بين الداعية وغيره، ثم ما الفرق في المعنى بينهما؟ وهذا البخاري قد خرج لعمران بن حطان الخارجي مادح عبدالرحمن بن ملجم قاتل علي، وهذا من الدعاة إلى البدعة، والله أعلم. وقد علق على ذلك العلّامة أحمد شاكر في الحاشية بتعليق ماتع ثم قال: والعبرة في الراوية بصدق الراوي وأمانته والثقة بدينه وخلقه، والمتتبع لأحوال الرواة يرى كثيراً من أهل البدع موضعاً للثقة والاطمئنان، وإن رووا ما يوافق رأيهم، ثم نقل - رحمه الله - كلام الذهبي في أبان بن تغلب وقد سبق ذكره. أقول: وقول العلّامة أحمد شاكر: ((وإن رووا ما يوافق رأيهم)) يرد به على قول من فرق بين رواية المبتدع فيما وافق المذهب - أي في الظاهر - أو لم يوافقه. وقد فصل العلّامة محدث العصر الشيخ محمد ناصر الدين الألباني في هذه المسألة بتفصيل طيب فقال: ((ما دام أن الراوي ثقة فروايته صحيحة سواء كان فيما يؤيد مذهبه أو لا لأنَّ مذهبه ينقسم إلى قسمين: مذهب قد لا ينافي مذهب أهل السنة، ومذهب قد ينافي مذهب أهل السنة في الحالة الأولى ينبغي أن نأخذ روايته على القيد المشهور فيما إذا ما روى شيئاً لا يخالف مذهب أهل السنة كالمثال الذي ذكرته في حبيب بن أبي ثابت، يأتي الإشكال بالنسبة للذين يشترطون ألا يروى ما يؤيد مذهبه؛ لأنّه في هذا المثال لا يخالف ما عليه أهل السنة، وفضائل علي كثيرة وكثيرة جداً، فيما إذا افترضنا أنَّ هذا الثقة روى حديثاً يؤيد فيه مذهبه الذي يخالف ما عليه أهل السنة حينذاك فمجال الغمز في هذه الراوية لا ينحصر فقط في كونه مبتدعاً هناك باب النكارة، والشذوذ. اهـ. من أسئلة شيخنا أبي الحسن - حفظه الله - للشيخ الألباني. اهـ. والمثال الذي عناه الشيخ في كلامه هو ما ذكره في حاشية ((التنكيل)) (ص٢٣٧) وهو ما رواه مسلم من طريق الأعمش عن عدي بن ثابت عن زر قال: قال علي: ((والذي خلق الحبة وبرأ النسمة إنّه لعهد النبي الأمي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إليَّ أنَّه لا يحبّني إلّا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق))، عدي، قال فيه ابن معين: شيعي مفرط، وقال أبو حاتم: صدوق وكان إمام مسجد الشيعة وقاصهم وعن الإمام أحمد: (ثقة إلّا أنّه كان يتشيع)) وعن الدارقطني ثقة إلّا أنّه كان غالياً في التشيع، وثّقه آخرون، ويقابل هذا رواية = ٢٤٥ أسباب الفسق، وخوارم المروءة (١)، وقد بان لنا أنَّ المقصود بالفسق الراجع قيس بن أبي حازم عن عمرو بن العاص، عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم جهاراً = غير سر يقول: ((ألا إن آل أبي طالب ليسوا لي بأولياء، إنّما وليي الله وصالح المؤمنين إن لهم رحماً سأبلها ببلاها)) ورواه غندر عن شعبة، بلفظ: ((إن آل أبي ... )) ترك بياضاً، وهكذا أخرجه الشيخان وقيس ناصبي منحرف عن علي - رضي الله عنه - اهـ. هذا وقد سبق أنَّ هذا القول هو قول الإمام الشافعي - رحمه الله - كما عزاه الخطيب إليه وحكاه كذلك عن ابن أبي ليلى وسفيان الثوري، وأبي حنيفة. بل حكاه الحاكم في ((المدخل)) عن أكثر أئمة الحديث، وقال الفخر الرازي في ((المحصول)) إنّه الحق ورجَّحه ابن دقيق العيد، انظر ((توضيح الأفكار)) للصنعاني (ص: ١٤٥). وغالب ما ذكرته من أدلة في هذه المسألة هو مما استفدته من شيخي الفاضل أبي الحسن مصطفى بن إسماعيل السليماني - حفظه الله تعالى - ورعاه وأمدَّ في عمره ونفع به الإسلام والمسلمين وجزاه الله عني وعن طلبة العلم خير الجزاء -. وانظر في هذا المبحث ((مقدمة صحيح مسلم)) و((الكفاية)) (١٩٤ - ٢١٠) و((شرح العلل)) لابن رجب (٣٥٦/١ - ٣٥٨) و((الموقظة)) للذهبي (ص: ٨٥ - ٨٧)، و((الميزان)) (٥/١)، و((السير)) المواضع السابقة، و(النزهة))، للحافظ ابن حجر (ص: ١٣٦ - ١٣٨)، و((هدي الساري)) (ص: ٣٨٥) و((تدريب الراوي)) (٣٢٤/١ - ٣٢٩) و((البحر المحيط)) للزركشي (٢٦٩/٤ - ٢٧٢) و(توضيح الأفكار)) (٢٣٣/٢ - ٢٣٥) و((التنكيل)) للمعلمي (ص: ٢٢٨ - ٢٢٩)، والله أعلم . (١) قال الصنعاني - رحمه الله - في ((توضيحه)) (١١٨/٢): المروءة ضبطها ملا علي قاري في حاشيته بقوله: والمروءة بضم الميم والراء بعدها واو ساكنة ثم همزة، وقد تبدل وتدغم وهو كمال الإنسان من صدق اللسان واحتمال عثرات الإخوان، وبذل الإحسان إلى أهل الزمان، وكف الأذى عن الجيران. وقيل: المروءة: التخلق بأخلاق أمثاله وأقرانه، في لبسه ومشيه، وحركاته وسكناته وسائر صفاته. وفي المفاتيح: خوارم المروءة كالدباغة والحياكة والحجامة ممن لا يليق به من غير ضرورة، وكالبول في الطريق وصحبة الأرذال، واللعب بالحمام، ونحو ذلك ومجملها الاحتراز عما يذم به عرفاً. اهـ. وفي ((الكفاية)) للخطيب (١٨٢) وقد قال كثير من الناس، يجب أن يكون المحدث والشاهد مجتنبين لكثير من المباحات نحو: التبذل، والجلوس للتنزه في الطرقات والأكل في الأسواق، وصحبة العامة الأرذال، والبول في قوارع الطرقات، والبول قائماً، والانبساط إلى الخرقة في المداعبة والمزاح، وكل ما قد اتفق على أنّه ناقص القدر والمروءة ورأوا أنَّ فعل هذه الأمور يسقط العدالة، ويجب رد الشهادة ... إلخ اهـ. ٢٤٦ للشهوة وكذا خوارم المروءة التي يكون مآلها إلى الاستهانة بالراوية، واستجازة الكذب في الراوية، لأي سبب من الأسباب، أمَّا إذا كنّا في بلد نعد شيئاً ما خارماً للمروءة، وهذا عند أهل بلد أخرى ليس كذلك، فلا تخرم مروءة ذاك الآخر، بفعل ذلك الشيء، والمتأمل في هذا يجد أنَّ العلماء يدورون مع وجود الثقة والاطمئنان وغلبة الظن؛ على أنَّ الراوي لم يستهن بالراوية، ولم يتعمد القول على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ما لم يقل، فإن جمع مع ذلك الضبط، فالنفس تطمئن إلى روايته، والله أعلم. س ١٠٦ : الشيعي الثقة إذا روى حديثاً في فضل علي بن أبي طالب هل يُقبل منه؟ ج ١٠٦: هذه مسألة تتعلق بقولهم: إذا روى المبتدع حديثاً يشد بدعته؛ لم يُقْبل منه، وقد تكلّم الشيخ المعلمي - رحمه الله تعالى - في كتابه ((التنكيل)) على ذلك، وذكر أنَّهم قبلوا بعض الأحاديث التي ظاهرها أنَّها تقوي قول أهل البدع(١)، لكن هناك فرق بين قولهم: ((فلان الشيعي روى ما يشد بدعته))، وبين قولهم: ((فلان الشيعي روى حديثاً في فضل علي))؛ لأنَّ فضل علي رضي الله عنه ثابت عند أهل السنة والجماعة، بالأحاديث الثابتة الصحيحة، لكن الأحاديث التي رواها أهل السنة في فضل علي، ليس فيها ما ينقص من الشيخين، وليس فيها علو في فضل (١) ((التنكيل)) (ص: ٢٣٧ - ٢٣٨) قال المعلمي - رحمه الله تعالى -: (( ... هذا وقد وثق أئمة الحديث جماعة من المبتدعة واحتجوا بأحاديثهم وأخرجوها في الصحاح، وممن تتبع رواياتهم وجد فيها كثيراً مما يوافق ظاهره بدعهم وأهل العلم يتأولون تلك الأحاديث غير طاعنين فيها ببدعة راويها، ولا في راويها بروايته لها، بل في رواية جماعة منهم أحاديث ظاهرة جداً في موافقة بدعهم أو صريحة في ذلك إلّا أن لها عللا أخرى ... إلخ. وقد مثل لذلك الشيخ الألباني - حفظه الله تعالى - في الحاشية بما سبق نقله عنه في (ص: ٢٣٩). ٢٤٧ أمير المؤمنين علي رضي الله عنه، وليس فيها ركة في الألفاظ، ولا ضعف في المعاني، أمَّا أحاديث الشيعة في فضل علي: فهي في الغالب تدل على الغلو في فضله مع التنقص من كثير من الصحابة، وقد تكون ركيكة الألفاظ، ضعيفة المعاني، فالمتشيعة الذين رووا أحاديث صحيحة في فضل علي، قبلها أهل السنة منهم؛ لأنّها موافقة للقواعد التي عليها أهل السنة، وذلك أنَّ لعلي فضلاً عظيماً، دون أي تنقص من غيره، فإذا جاء المتشيعة والروافض، وأتوا بخلاف هذا، قلنا: ((إنهم رووا ما يشد بدعتهم))، أمَّا إذا جاءوا لنا بما يوافق هذا الأصل مع الشروط الأخرى للرواية، قبلنا حديثهم، ولا نقول في هذه الحالة: إنَّهم رووا ما يؤيد بدعتهم؛ لأنَّ اعتقاد فضائل علي - رضي الله عنه - ليس ببدعة، والله أعلم(١) . س ١٠٧ : هل هناك فرق بين المردود والمتروك؟ ج ١٠٧: كلاهما من ألفاظ الجرح الشديد، ولا يستشهد بأهلهما، لكن المردود أخف في الجرح من المتروك(٢). س ١٠٨: إذا تعارض حديثان صحيحان؛ هل نجعل صيغ الأداء من المرجحات، كأن يكون الأول بصيغة: ((سمعت)) والثاني (بالعنعنة))؟ ج ١٠٨: لا شك أنّه إذا انتفت كل معاني الترجيح، وأصبحت كل المرجحات ومعاني القوة في الراوية سواءً في النصين، والنصان متعارضان لا يجتمعان، وأحدهما بالعنعنة - وإن كان رواته غير مدلسين - والآخر بالتصريح بالسماع، ففي مثل هذه الحالة تطمئن النفس إلى ما صُرِّح فيه (١) سبق هذا التفصيل عن الشيخ الألباني - حفظه الله تعالى - كما في (ص: ٢٣٩). (٢) ذكر ابن الوزير - رحمه الله تعالى - كما في ((توضيح الأفكار)) (٢٧٣/٢): أنّه لا فرق بينهما في اللغة، ولكن أهل العرف من المحدثين جعلوا بينهما فرقاً فالمتروك يطلق على من ترك لجرح في دينه أو تهمة بالكذب، والمردود يطلق على من لم يتعمد ذلك ولا يتهم به ولكن كثر خطؤه حتى لم يقبل حديثه ولا يعتبر به. أهـ. ٢٤٨ بالسماع، لكن ذلك بالشروط السابقة، وأن يكون التعارض بينهما؛ بمعنى أن الأخذ بأحدهما يترتب عليه ترك الآخر، أمَّا إن أمكن الجمع؛ فهو أولى، والله أعلم. س ١٠٩: الذهبي - رحمه الله تعالى - يقول في بعض التراجم: ((فلان وإن كان قد وثّق ففيه جهالة)) فما معنى هذا؟ ج ١٠٩: الظاهر أنَّه يقصد بذلك توثيق ابن حبان، لكنّه يرى أنَّ الراوي في حيز الجهالة - وإن وثقه ابن حبان - وذلك لما عُرِف به ابن حبان من التساهل في توثيق المجاهيل، والله أعلم(١). س ١١٠: قولهم: ((فلان لا يُعرف))، هل هو دليل على جهالة من قيل فيه؟ ج ١١٠: إذا قال هذه المقالة أحد الأئمة النقاد، دلَّ ذلك على جهالة الراوي؛ لأنَّ قول أحدهم: ((لا يعرف)) أشد في الجهالة من كلمة: ((لا أعرفه»، ويدل على التثبت في الحكم بالجهالة، ومثله قولهم: ((ولا يُدرى من هو))(٢)، إلّا أن تقوم قرينة تدل على أنَّ هذا الإمام لا يعرفه كمعرفة غيره من الثقات المشاهير الأثبات، الذين قد اشتهروا بالاجتهاد في هذا (١) وكذا إذا قال الذهبي: ((وثق)) فقط فالظاهر أنّه اعتمد على قول ابن حبان أو توثيق العجلي ذكر ذلك شيخنا مقبل بن هادي - حفظه الله تعالى - في ((المقترح)) (ص: ٣٧ رقم ٣١). قال المؤلف: وكثيراً ما ينبه شيخنا الألباني - حفظه الله - على ذلك في مواضع من کتبه . (٢) وذلك لأنَّ كلمة لا أعرفه غير صرحية في تجهيل من قيلت فيه وقد نبه على ذلك العلامة المعلمي اليماني - رحمه الله - في ((التنكيل)) (ص: ٣١٧). قال: ((ولا يلزم من عدم معرفته له أن يجزم بأنّه مجهول فإن المتحري مثل الخطيب لا يطلق كلمة مجهول إلّا فيمن يئس من أن يعرفه هو أو غيره من أهل العلم في عصره، وإذا لم ييأس فإنّما يقول: ((لا أعرفه)) ... إلخ اهـ. وأمَّا قولهم: ((فلان لا يدرى من هو)) فانظر تفصيله في ((شفاء العليل)) (ص: ٤٩٠). ٢٤٩ الشأن، وأنَّهم قضوا أعمارهم في هذا الفن، ففي مثل هذه الحالة، لا يحكم عليه بأنَّه ((مجهول)) إنَّما يحكم عليه بما يستحق، فكم من راو لم يصل إلى منزلة ابن معين وابن المديني والقطان وأضرابهم، ولكنه ثقة، إلا أن هذا لا يعتمد عليه إلا عند ظهور قرينة لذلك، والله أعلم. س ١١١: هل هناك فرق بين قولهم في الراوي: ((حجة)) وبين قولهم (يحتج به))؟ ج ١١١: سبق الجواب على هذا السؤال، وانظره في ((شفاء العليل))(١)، وخلاصته أنَّ قولهم: ((حجة)) من ألفاظ التعديل الرفيعة، أي: أنَّ الرجل حجة في روايته وفي حديثه، وفي هديه وفي سلوكه، ويكون فيه أسوة لغيره، وأمَّا كلمة: ((يحتج به)) فممكن أن تكون بمعنى (ثقة))، وممكن أن تكون بمعنى ((صدوق)) أي: المرتبة الثانية أو الثالثة من مراتب التعديل(٢)، وقد بيَّن ذلك الذهبي في ((النبلاء))(٣)، وكذلك المعلمي - رحمهما الله تعالى -. س ١١٢ : ابن عدي - رحمه الله تعالى - يقول في بعض الرواة: ((فلان ليس حديثه بالكثير)) هل يقصد به توهين الراوي؟ ج ١١٢: قول أحد النقاد في الراوي: ((إنَّه قليل الحديث))، أو ((ليس بكثير الحديث)) كل هذا يدل على أنَّ الراوي ليس من المشتغلين بهذا العلم (١) ((شفاء العليل)) (٣١/١، ٤٧٧). (٢) فبهذا يتبين لنا أنَّ قولهم في الراوي: ((ثقة)) أعلى من قولهم: ((يحتج به))؛ لأنّه يحتج بمن هو دون الثقة كمن قيل فيه: ((صدوق)) أو ((لا بأس به)) وعلى ذلك فيكون قولهم حجة أعلى من قولهم يحتج به من باب أولى وقد بين ذلك الإمام السخاوي - رحمه الله - في ((فتح المغيث)) (٣٣٧/١ - ٣٣٨) وجعل المنذري ذلك خاصاً بيحيى بن معين كما في رسالة ((الجرح والتعديل)) (ص: ٣١) والله أعلم. (٣) انظر ((تذكرة الحفاظ)) للذهبي (٩٧٩/٣) ترجمة المفيد أبي بكر محمد بن أحمد بن يعقوب . ٢٥٠ كاشتغال غيره من الثقات، والراوي إذا لم يكن في ترجمته أي تعديل ولا تجريح إلّا مثل هذه الكلمة؛ فإنَّها تدل على أنَّه لين، وقد سبق أن ذكرت أنَّ من أسباب الحكم بالجهالة على الراوي؛ قلة روايته، فإذا كان كذلك، فحينئذٍ يُحكم عليه بالجهالة إذا لم يُوثَّق ولم يُجرَّح، وقد سبق أيضاً قول ابن عدي في ((الكامل)): ((فلان في مقدار ما يرويه لم يتبين لي صدقه من كذبه))(١)، أي: أنَّ حديثه قليل، ولا أستطيع أن أحكم عليه بأنَّه ثقة أو ضعيف، لأنّي لو قارنت حديثه بحديث غيره من الثقات، فربّما يكون كذاباً سرق هذا الحديث، فوافق حديث الثقات، فأوثقه، وليس الأمر كذلك، وربّما أن يكون ثقة ووهم في هذا الحديث، فأضعفه، أي وليس الأمر كذلك، المهم أنَّ الراوي إذا كان مقلًا في الراوية، فلا يتأتى للناقد أن يحكم عليه بما يستحق - غالباً - فلذا يحكم عليه بالجهالة، وقلة الراوية قد تكون سبباً في الحكم بالجهالة على الراوي، كما ذكر ذلك الحافظ ابن حجر وغيره، وذكر أيضاً أن تصرف المدلسين في اسم الرجل، وكنيته، ولقبه، أو ما يعرف به قد يؤدي هذا كله في النهاية إلى تعمية أمر الرجل، فيظن الظانُّ أو الواقف على رواية هذا الرجل، أنَّهم عدة رجال، فيحكم على كل رجل بعينه بأنَّه مجهول(٢)، ولو تنبه وعلم أنَّ هذه أسماء وكنى وألقاب لرجل واحد، لجمع عدد الرواة الذين رووا عنه، ولرفعه من جهالة العين على الأقل إلى جهالة الحال، أو عرف عين الرجل وحاله من مواضع (١) ومما يدل على ما سبق أيضاً ما جاء في ((الميزان)) (٣٤٣/٢) ترجمة الحكم بن عتبة بن نهاس، قال الذهبي: وقال ابن الجوزي: إنّما قال أبو حاتم: هو مجهول؛ لأنّه ليس يروي الحديث وإنّما كان قاضياً بـ(الكوفة)) ... إلخ اهـ. فانظر كيف كان عدم الاشتغال بالحديث سبباً في جهالة الراوي عند المحدثين وإن كان مشهوراً من جهة أخرى، والله أعلم. وانظر ذلك موسعاً في السؤال رقم (٧). (٢) بل قد يشعر هذا التصرف بضعف الراوي فقد ذكر المعلمي - رحمه الله - في ((تنكيله)) (ص: ٤٣٢) ترجمة الحارث بن عمير، قال: وساق الخطيب في ((الموضح)) فصلًا في ابن زنبور فذكر أنَّ الرواة عنه غيروا اسمه على سبعة أوجه، وهذا يشعر بأن الناس كانوا يستضعفونه لذلك كان الرواة عنه يدلسونه. اهـ. ٢٥١ أخرى، فالحكم على الرجل بأنَّه قليل الحديث يدل على تليينه أو جهالته، ما لم يكن قد وثّقه أحد، والحكم بقلة الحديث أو الراوية، دليل على قلة اشتغال الراوي بهذا العلم، وقلة الاشتغال بهذا العلم، دليل على قلة الضبط والإتقان لهذا الأمر، لكن المهم أن النظر في الترجمة من جميع جوانبها، والنظر في المراد من قولهم: ((ليس بمكثر)) هل المراد بذلك القلة؟ أم أنَّه ليس بمكثر بالنسبة لغيره من المكثرين، أو ليس بكثير الراوية كابن المديني وابن معين وفلان وفلان، أمَّا إذا كان ذكر القلة هنا أمراً نسبياً، أي: بالنسبة إلى غيره من الأئمة، فقد يكون ثقة، بل قد يكون ثقة ثبتاً، لكنَّه مقل بالنسبة لغيره من هؤلاء، والله أعلم. س ١١٣: إذا تعارض جرح مفسر مع تعديل، فقد قالوا: الجرح مقدم على التعديل، فهل إذا كان الجرح مجملاً يقدم التوثيق؟ ج ١١٣: هناك من يقول: إنَّ الرجل إذا ثبتت له منزلة الثقة فلا يزحزح عنها إلَّا بأمر جلي (١)، وهو تفسير الجرح، وهذا يحمل على من (١) عرفت هذه القاعدة عن جماعة من الأئمة، منهم الإمام أحمد - رحمه الله تعالى -؛ فقد نقل عنه الحافظ ابن حجر - رحمه الله تعالى - في ((التهذيب)) (٢٧٣/٧) ترجمة عكرمة البربري، مولى ابن عباس؛ أنّه قال: ((وكل رجل ثبتت عدالته لم يقبل فيه تجريح أحد حتى يبين ذلك عليه بأمر لا يحتمل غير جرحه))، ونقله كذلك الحاظ السخاوي عن محمد بن نصر المروزي كما في ((فتح المغيث)) (٣٠٨/١). قال السخاوي: وترجم به البيهقي باب لا يقبل الجرح فيمن ثبتت عدالته إلّا بأن نقف على ما يجرح به، وكذا قال ابن عبدالبر من صحة عدالته، وثبت في العلم إمامته وبانت همته فيه وعنايته لم يلتفت فيه إلى قول أحد إلا أن يأتي الجارح في جرحه ببينة عادلة يصح بها جرحه على طريق الشهادات والعمل بما فيها من المشاهدة، لذلك بما يوجب قبوله. اهـ. وليس المراد إقامة بينة على جرحه، بل المعنى أنّه يستند في جرحه لما يستند إليه الشاهد في شهادته وهو المشاهدة ونحوها وأوضح منه في المراد ما سبقه به محمد بن نصر المروزي فإنّه قال: وكل رجل ثبتت عدالته لم يقبل فيه تجريح أحد، حتى يبين ذلك بأمر لا يحتمل أن يكون غير جرحه. اهـ من كلام السخاوي. وانظر كلام الشيخ عبدالرحمن بن يحيى المعلمي - رحمه الله - حول هذه القاعدة، في ((التنكيل)) (ص: ٢٦٥ - ٢٦٨). ٢٥٢ اشتهر توثيقه، فمن تكلّم فيه بعد ذلك، فلا يسلم له إلّا بأمر جلي واضح، أمَّا من اختُلِف في توثيقه وتضعيفه، كان يقول ابن معين: ثقة، ويقول أحمد: ضعيف، فلا تتنزل عليه هذه القاعدة، وكون العلماء يقدمون الجرح على التعديل، إذا كان مفسراً، لِمَا مع الجارح من زيادة علم، فلا يلزم من ذلك أن يقدموا التعديل، ويهدروا الجرح؛ لأَنَّه مجمل(١)، والظاهر من صنيع الحافظ في ((التقريب)) أنّه يجمع بين هذين القولين السابقين، بقوله: ((صدوق))، وبين قول أحدهم: ثقة، والآخر يقول: متروك، بقوله: ضعيف، وانظر جوابي على السؤال رقم (٧٧). (١) أقول: وهذا هو صنيع العلماء، فإنّه لا مناص من أخذ تلك الجروح المبهمة بالاعتبار لئلا يتعطل النقد، وقد ذهب إلى ذلك القاضي أبو بكر الباقلاني ونقله عن الجمهور، وذلك فيما نقله الخطيب البغدادي - رحمه الله - في ((الكفاية)) (ص: ١٧٨) قال: حدّثني محمد بن عبيدالله المالكي قال: قرأت على القاضي أبي بكر محمد بن الطيب قال الجمهور من أهل العلم: إذا جرح من لا يعرف الجرح، يجب الكشف عن ذلك، ولم يوجبوا ذلك على أهل العلم بهذا الشأن. والذي يقوى عندنا ترك الكشف عن ذلك إذا كان الجارح عالماً والدليل عليه نفس ما دللنا به على أنّه لا يجب استفسار العدل عما به صار عنده المزكى عدلًا؛ لأنّنا متى استفسرنا الجارح لغيره فإنّما يجب علينا بسوء الظن والاتهام له بالجهل بما يصير به المجروح مجروحاً، وذلك ينقض جملة ما بنينا عليه أمره من الرضا به والرجوع إليه ... فأمّا إذا كان الجارح عامياً وجب لا محالة استفساره. قال السخاوي في ((فتح المغيث)) (٣٠٧/١) وهو المعروف عن القاضي كما رواه الخطيب عنه في ((الكفاية) بإسناده الصحيح واختاره الخطيب أيضاً، وذلك أنّه بعد تقرير القول الأول الذي صوبه، قال: على إنّا نقول أيضاً: إن كان الذي يرجع إليه في الجرح عدلًا مرضياً في اعتقاده وأفعاله، عارفاً بصفة العدالة والجرح وأسبابهما عالماً باختلاف الفقهاء في أحكام ذلك قبل قوله، فيمن جرحه مجملاً ولا يسأل عن سببه. اهـ. وفي ((طبقات الشافعية)) (٢١/٢ - ٢٢) قال السبكي: (( ... إنا لا نطلب التفسير من كل أحد، بل إنَّما نطلبه حيث يحتمل المجال شكاً، إما لاختلاف في الاجتهاد أو لتهمة يسيرة في الجارح أو نحو ذلك مما لا يوجب سقوط قول الجارح ولا ينتهي إلى الاعتبار به على الإطلاق، بل يكون بين النقاد فلا نتلعثم عن جرحه، ولا نحوج الجارح إلى تفسير ... إلخ اهـ. ٢٥٣ س ١١٤ : قد يقول قائل: وجدنا بعض العلماء يجرِّح، فإذا سئل عن سبب تجريحه، يبين أموراً ليست مجرّحة، فإذا كان الأمر كذلك، وتعارض جرح مجمل وتعديل، فيجب أن نقدم التعديل، ونهدر الجرح تماماً، فما صحة ذلك؟ ج ١١٤: هذا كلام غير صحيح: من جهة النظر ومن جهة الاستعمال، فقد سبق أن أشرت إلى صنيع الحافظ ابن حجر - رحمه الله تعالى -. وأما من جهة النظر، فيقال لقائل هذا القول: الراوي إذا اختلف فيه إمامان أحدهما قال: (ثقة)) والآخر قال: ((ضعيف)) فإهمالك الجرح تماماً وقولك في الراوي: ((ثقة)) غير صحيح؛ لأنَّك سويت بين الترجمة التي اختُلِف فيها على هذا الوصف، وبين التي يُخْتَلَف فيها أصلًا، وليس فيها إلّا قول أحدهم: ((ثقة)) !! وفوق ذلك كله، فما ذكرتَهُ فيه نظر من وجوه: ١ - أن ما ذكرته عن تجريح بعضهم بما لا يجرح، نادر جداً، والنادر لا يُقعَّدُ عليه(١) . (١) ومن لك ما ذكره الخطيب البغدادي - رحمه الله - في ((كفايته)) (ص: ١٨٣) بإسناده قال: قيل لشعبة: لمَ تركت حديث فلان؟ قال: رأيته يركض على برذون فتركت حديثه، ونحوه قول وهب بن جرير عن شعبة: أنّه أتى منزل المنهال بن عمرو فسمع صوت الطنبور فرجع، قال وهب: فهلا سألت؟ عسى ألّا يعلم هو. ومنها أنَّ شعبة قال: قلت للحكم بن عتيبة: لمَ لم ترو عن زاذان؟ قال: كان كثير الكلام ومنها قول جرير بن عبدالحميد: أتيت سماك بن حرب فرأيته يبول قائماً فلم أسأله عن حرف، قلت: قد خرف ... إلخ ما ذكره الخطيب وغيره في هذا الباب. أقول: ويجاب على ذلك أيضاً بما ذكره المؤلف - حفظه الله - أن مثل ذلك نادر والنادر لا يقعد عليه ويقال أيضاً أنَّ ما ذكره الخطيب وغيره في هذا الباب يحتاج إلى نظر في إسناده، وإن سُلم بصحة أسانيده فلا يسلم من التأويل، فقد أجاب على ذلك الحافظ السخاوي - رحمه الله تعالى - كما في ((فتح المغيث)) (٣٠٢/١ - ٣٠٤)، فقال على أثر شعبة الأول: فماذا يلزم من ركضه اللهم إلّا أن يكون في موضع أو على وجه لا يليق ولا ضرورة تدعو لذلك. = ٢٥٤ ٢ - أن الأصل في الأئمة الذين يتكلمون في الرواة، أنَّهم أهل علم بأسباب الجرح والطعن في الرواة، وإعمال قولهم - إذا لم يكن هناك ما يدفعه - أولى من إهماله(١). ٣ - أن ما عبته على بعضهم في جانب التجريح، موجود عند بعضهم في جانب التوثيق(٢)، بل هو أكثر وأشهر، وما ((ثقات ابن حبان)) و(ثقات ابن شاهين)) وأقوال الحاكم وغيرهم عنا ببعيدة، فلو قَلَب عليك وأجاب على الثاني: وقد حكى ابن أبي حاتم عن أبيه أن السماع يكره ممن يقرأ = بالألحان ونص الإمام مالك في المدونة على أنَّ القراءة في الصلاة بالألحان الموضوعة والترجيع ترد به الشهادة ... إلخ. وأجاب عن الثالث: وهو الكلام في زاذان قال السخاوي: وممن تكلّم في زاذان الحاكم أبو أحمد فقال: إنّه ليس بالمتين عندهم، وقال ابن حبان كان يخطىء كثيراً ... إلخ وأجاب كذلك عن قصة جرير بن عبدالحميد بقوله: ولعله كان بحيث يرى الناس عورته، والله أعلم. (١) في ((الكفاية)) للخطيب - رحمه الله - (ص: ١٧٨) قال: وقد ذكر أنَّ الشافعي إنّما أوجب الكشف عن ذلك؛ لأنّه بلغه أنَّ إنساناً جرح رجلًا فسئل: عما جرحه به؟ فقال: رأيته يبول قائماً، فقيل له: وما في ذلك ما يوجب جرحه؟ فقال: لأنّه يقع الرشش عليه وعلى ثوبه، ثم يصلي، فقيل له: رأيته يصلي كذلك؟ فقال: لا، قال الخطيب: فهذا ونحوه جرح بالتأويل، والعالم لا يجرح أحداً بهذا وأمثاله، فوجب بذلك ما قلناه. اهـ. أي: قبول الجرح مجملًا إذا صدر من العالم بهذا الشأن وقد سبق نقل ذلك عن القاضي أبي بكر الباقلاني في (ص: ٢٤٦) وانظر كذلك ((فتح المغيث)) للسخاوي - رحمه الله - (٣٠٧/١ - ٣٠٨)، والله أعلم. (٢) وذلك بأن يغتر المعدل بحال الراوي فيسارع إلى الثناء عليه اغتراراً بظاهر الحال، ومن الأمثلة على ذلك ما ساقه الخطيب في ((الكفاية)) (ص: ١٦٥) بسنده عن يعقوب الفسوي أنّه قال في ((تاريخه)): سمعت إنساناً يقول لأحمد بن يونس: عبدالله العمري ضعيف؟ قال: إنّما يضعفه رافضي مبغض لآبائه، ولو رأيت لحيته وخضابه وهيئته لعرفت أنّه ثقة. قال الخطيب: ما احتج أحمد بن يونس على أنَّ عبدالله العمري ثقة بما ليس بحجة؛ لأنّه حسن الهيئة مما يشترك فيه العدل المجروح. اهـ. وفي ((فتح المغيث)) قال السخاوي: وهذا الإمام مالك مع شدة نقله وتحريه قيل له في الراوية عن عبدالكريم بن أبي المخارق فقال: غرني بكثرة جلوسه في المسجد، يعني لما ورد من كونه بيت كل تقي. اهـ (٣٠٤/١). ٢٥٥ مخالفُك قولَكَ لكان أولى من قولك، لكن يرد على ذلك: أنَّ التعديل لا يكون إلّا مجملًا، ويشق تفسيره. ٤ - ونظراً لعلمنا بهذه الاحتمالات، قلنا: يمزج الحكم بالتعديل والتجريح، وإلّا فلو كان التجريح خالياً من هذه الاحتمالات، لقدمناه على التعديل - وإن كان مجملًا - والعلم عند الله تعالى. س ١١٥: متى تشترط العدالة للراوي: هل في أثناء التحمل أو في الأداء؟ ج ١١٥ : يشترط في راوي الحديث الصحيح أو الحسن أن يكون عدلًا سالماً من أسباب الفسق وخوارم المروءة، لكن ذلك إنَّما يكون حال الأداء؛ لأنَّه قد يكون حال التحمل كافراً كتابياً أو وثنياً، مثل أبي سفيان حين كان بأرض الروم، وجاء كتاب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى هرقل عظيم الروم، فأرسل إليه هرقل، وسأله أسئلة يعرف بها صدق هذا النبي(١)، كان ذلك حال كفره، وحدث بها حال إسلامه، فقبلت، ولو أنَّ رجلاً كان مسلماً وسمع أشياء ثم ارتدَّ - والعياذ بالله - وحدّث بها لا تقبل منه، إنَّما يشترط العدالة في حال الأداء، لا في خال التحمل؛ لأنَّهم يقولون: إنَّ الرجل وإن كان كافراً فاجراً قبْل إسلامه، لكن دينه وأمانته وورعه، كل هذا يمنعه أن يكذب على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأن يحكي شيئاً ما رآه ولا سمعه، والأمر كذلك، والله أعلم(٢). (١) القصة في ((صحيح البخاري))، ((فتح الباري)) (٣١/١ رقم ٧). (٢) ذكر الخطيب في ((كفايته)) (١٣٤): أنَّ مذهب مالك وابن أبي ذئب رد شهادة النصراني حتى يسلم وأن الشهادة لا تقبل منه ما دام كافراً حتى يسلم. قال الخطيب وإذا كان هذا جائزاً في الشهادة فهو في الراوية أولى، لأنَّ الراوية أوسع في الحكم من الشهادة مع أنّه قد ثبتت روايات كثيرة لغير واحد من الصحابة كانوا حفظوها قبل إسلامهم، وأدوها بعده. اهـ. أقول: ومن هذه الراويات ما أخرجه البخاري (٢٤٧/٢ رقم ٧٦٥) عن جبير بن مطعم قال: ((سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قرأ في المغرب بالطور))، قال = ٢٥٦ س ١١٦: إذا قيل: ((فلان هو في عداد ابن أبي شيبة)) وما ذكروه بجرح ولا تعديل فما حاله؟ ج ١١٦: قولهم: فلان في عداد فلان أو في مسلاخ(١) فلان، أو من بابة فلان، أو يُنَظَّر بفلان، أو يُشبَّه بفلان، كل هذا يدل على أنَّه في منزلة المشبّه به(٢)، فهذا الرجل الذي قيل عنه: إنَّه في عداد ابن أبي شيبة، فمعنى ذلك أنَّه في منزلة ابن أبي شيبة في هذا الشأن. فإذا مثلوا الراوي أو شبهوه برجل مشهور بالعبادة، فيكون حاله كحال المشبَّه به في العبادة، ولا يلزم من علو الشأن في العبادة، علوُّ الشأن في الحديث، بل أكثر العباد - إن لم يكونوا من الأئمة المتقنين المعروفين بالخير، كالإمام أحمد، والإمام البخاري، والإمام علي بن المديني، وابن عيينة، والثوري وغيرهم -؛ فأكثر العباد مطعون في حديثهم، حتى قال يحيى بن سعيد القطان: ما رأيت الصالحين أكذب منهم في الحديث، وقال آخر: إذا رأيت في إسناد حديثك رجلاً من العُبَّاد، فاغسل يديك منه، والله المستعان(٣). الحافظ ابن حجر في ((الفتح)) زاد الإسماعيلي: ((وهو يومئذ مشرك)) والمصنف في = المغازي من طريق معمر أيضاً: ((وذلك أول ما وقر الإيمان في قلبي)). قال الحافظ واستدل به على صحة أداء ما تحمله الراوي في حال الكفر، وكذا الفاسق إذا أداه في حاله العدالة. اهـ وقال ابن الملقن في ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) (٢٠٢/٣) وهذا النوع من الأحاديث قليل ولا خلاف فيه. اهـ. (١) المسلاخ هو الجلد وكذلك يطلق على الهدي والطريقة كما في ((اللسان)) (٢٥/٣). (٢) وقد ذكر المؤلف في ((شفائه)): (٤٦/١) ألفاظاً أخرى تدل على هذا المعنى كقول أحدهم: كان فلان في قياس شعبة مثلًا أو نزاحم به شعبة أو نظير شعبة أو إذا ذكرت شعبة فاذكره أولا يتأخر عن شعبة أو ليس بدون شعبة أو يقوم مقام أحمد أو كاف عن أحمد كما قال أبو داود في عبدالملك بن سليمان: ((كاف عن أحمد)) (٣٩٧/٦) ((تهذيب التهذيب)) أو قول أحدهم: ((فلان في منوال شعبة، والقوم إذا استوت أخلاقهم قيل هم على منوال واحد)) انظر ((اللسان)) (٦٨٤/١١). (٣) روى مسلم في مقدمة كتابه من طريق محمد بن يحيى بن سعيد القطان عن أبيه قال: لن نرى الصالحين في شيء أكذب منهم في الحديث، قال مسلم: يجري الكذب على = ٢٥٧ (تنبيه) : يُنظر ما ورد في السؤال: هل هناك ترجمة تدل على وجوده أم أنَّه أمر نظري فقط؟ والله أعلم. س ١١٧ : هل تنجبر الجهالة بالجمع؟ ج ١١٧: في أسانيد كثيرة تجد - أو ترى - بعض الرواة يقول: حدّثني أصحاب فلان، أو حدثني جماعة عن فلان، ونحن نعلم أنَّ الجهالة والإبهام علة في صحة الإسناد؛ لأنَّه يشترط في الحديث أن يكون راويه معروفاً بالعدالة، وعدمُ العلم بالجرح؛ لا يدل على إثبات العدالة، فالجهالة تنافي إثبات العدالة، لكن لو جاء عن جمع كثيرين، لا سيَّما إن كان هذا الرجل ممن يتحرى في الراوية وينتقي، ولا يروي عن كل أحد؛ فلا بأس؛ لأنَّ من الرواة من يروي عن كل أحد، فيروي عمَّن دب ودرج، ويروي عن هذا وعن ذاك، وفي مثلهم يقول العلماء: فلان يبيع اللحم مع العظام، فالذي ينتقي ويروي عن جماعة وهم مجهولون؛ فالظاهر أنَّ جمعهم يجبر الجهالة، بل الذي يظهر لي أنَّه إذا كان ثقة غير معروف بالراوية الكثيرة عن الهلكى، وروى عن جماعة مجهولين، فالجمع يَجْبر الجهالة، وهذا صنيع بعض العلماء قديماً وحديثاً، بل قد أخرج البخاري في ((صحيحه)) حديثاً من هذا القبيل، انظر الكلام عليه في ((الإرواء)) (١٢٨/٥)، وسيأتي - إن شاء الله تعالى - تفصيل القول في ذلك في السؤال رقم (٢٢٦)، وما فصلته هناك هو المعتمد، والله أعلم. س ١١٨: نرى في بعض التراجم قولهم: ((فلان يصل المرسل)) و((فلان يرسل المتّصل)) فما معنى ذلك؟ وهل بينهما فرق أم لا؟ ألسنتهم ولا يتعمدون الكذب (ص: ١٧) وفي ((شرح العلل)) لابن رجب قال: ويروي = عن أبي عبدالله بن منده قال: إذا رأيت في حديث: حدّثنا فلان الزاهد؛ فاغسل يدك منه، (٣٨٧/١ - ٣٨٩). ٢٥٨ ج ١١٨: الراوي الذي يوصف بأنَّه يصل المراسيل، يكون مضعفاً؛ لأنَّ هذا معناه: أنَّ الثقات يروون الحديث مرسلًا، أمّا هو فلضعف في حفظه، يروي الحديث مسنداً، ومن كثر هذا في حديثه، ضعفه العلماء بلا شك، بل وقد يترك (١). وأمَّا قولهم: ((فلان يرسل المتصل)) فالظاهر من التراجم والمواضع التي يُذْكر فيها هذا اللفظ أو ما في معناه: أنَّ الراوي ورع وعنده خوف من الله، فإذا شك في الحديث: هل هو متصل أو مرسل؛ فإنَّه يرسله احتياطاً، وممن شهر بذلك ابن سيرين ومالك وحماد بن زيد(٢)، ويضاف إليهم: مسعر (١) في ((سير أعلام النبلاء)) (١٢٩/٦ - ١٣٠) ترجمة يزيد بن أبي زياد قال فيه شعبة: كان رفاعاً، قال: الذهبي يعني: الآثار التي هي من أقوال الصحابة؛ يرفعها . أقول: ويقال فيمن يسند ((المراسيل)) و((يرفع الموقوفات)): فلان ((يوصل الحديث)) أو فلان: ((كان رفّاعاً)) أو: ((كان من الرفاعين)) وهذه الألفاظ تطلق على الرجل إذا كان ((وصل المرسلات)) و((رفع الموقوفات)) منه على سبيل الوهم ويكون محلها في الشواهد إلا إذا غلب ذلك أو فحش في حديثه. أمّا إذا كانت على سبيل العمد؛ فلا، انظر ذلك في ترجمة يعقوب بن حميد بن كاسب (٣٨٣/١١) (تهذيب التهذيب)) وانظر الألفاظ السابقة في ((شفاء العليل)) (ج١٦٤/١، ١٧٨، ٢٠٤) وقد سبق شيء من ذلك أيضاً في السؤال رقم (٤٣). (تنبيه): قد يقع مثل هذا من بعض الحفاظ الكبار ويكون سببه كثرة الحفظ فمثل هذا لا يضر بحاله، مثاله: ما جاء في ترجمة سليمان بن داود الطيالسي - كما في ((تهذيب التهذيب)) (١٨٤/٤) - قال عمرو بن علي: ((ثقة)) وإذا جاورت في أصحاب شعبة معاذ بن معاذ، وخالد بن الحارث ويحيى القطان وغندر؛ فأبو داود خامسهم وله أحاديث يرفعها، وليس يعجب من يحدث بأربعين ألف حديث من حفظه أن يخطىء في أحاديث منها يرفع أحاديث يوقفها غيره، ويوصل أحاديث يرسلها غيره، وإنَّما أتى ذلك من حفظه وما أبو داود - عندي وعند غيري - إلّا متيقظاً ثبتاً. اهـ. (٢) قلت: وقد نص الدارقطني - رحمه الله تعالى - في ((علله)) أنَّ من عادة ابن سيرين التوقف عن رفع الحديث توقياً، انظره في (١٦٠/٩ برقم ١٦٩)، و(١٧/١٠ برقم ١٨٢٠) وفيه (ص: ٢٥ رقم ١٨٢٧) وكذا (ص: ٢٧ / برقم ١٨٢٩). ونص كذلك على أنَّ من عادة الإمام مالك، إرسال الأحاديث وإسقاط رجل، المصدر = ٢٥٩ وعفان بن مسلم الصفار، ويضاف إليهم أيضاً كل من وُصف بأنَّه شكاك في الراوية، وقد تكلمت على ذلك في ((شفاء العليل))؛ فليرجع إليه (١). ونحن نستفيد فائدة من ذلك، وهي: أنَّ من وصف بالقول الثاني، وروى حديثاً مرسلًا، وخالفه ثقة آخر - وإن لم يكن في منزلته الرفيعة - فمن الممكن أن نقبل الزيادة في الإسناد من ذلك الثقة؛ لما علم من حال هذا الإمام، وليس هذا على إطلاقه، والله أعلم. السابق (٦ / برقم ٩٨٠) أمّا عن حماد بن زيد فقد صرَّح الحافظ ابن حجر - رحمه الله = تعالى - في ((تهذيبه)) (١١/٣) قال: وقال يعقوب بن شيبة: حماد بن زيد أثبت من ابن سلمة وكل ثقة غير أن ابن زيد معروف بأنّه يقصر الأسانيد ويوقف المرفوع كثير الشك بتوقيه، وكان جليلًا لم يكن له كتاب يرجع إليه فكان أحياناً يذكر فيرفع الحديث وأحياناً يهاب الحديث ولا يرفعه ... إلخ. اهـ. (١) انظر ((شفاء العليل)) (٣٧٩/١ - ٣٨٠). هذا وقد زاد الحافظ ابن رجب - رحمه الله تعالى - مجاهداً في شرحه لـ((علل الترمذي)) (٤٣٠/١) وقد ذكر الحاكم نحو ذلك عن يحيى بن يحيى جاء ذلك في ((النبلاء)) (٥١٥/١٠) قال الحاكم: سمعت محمد بن يعقوب الحافظ يقول: سمعت مشايخنا يقولون: لو عاش يحيى بن يحيى سنتين لذهب حديثه فإنَّه إذا سئل في حديثه أرسله، هذا في بدء الأمر ثم صار إذا شك في حديث تركه ثم صار يضرب عليه من كتابه. اهـ. ومن هؤلاء أيضاً أبو هلال الراسبي كما جاء في ((العلل)) للدارقطني (١١٦/٨). قال الدارقطني: كان أبو هلال كثيراً ما يتوقى رفع الحديث. اهـ. وكذا جاء عن محمد بن النوشجان السويدي كما في ((تاريخ بغداد)) (٣٢٦/٣) قال فيه أبو داود: ثقة حدثنا عنه أحمد كان صاحب شكوك رجع الناس من عند عبدالرزاق بثلاثين ألفاً ورجع بأربعة آلاف، وكذلك ما جاء في ترجمة علي بن الحسن بن شقيق من متقدّمي أصحاب أبي حمزة كما في ((تهذيب التهذيب)) (٢٩٩/٧) قال: أبو عمار الحسين بن حريث، قلت له - أي: لعلي بن الحسين -: هل سمعت كتاب الصلاة من أبي حمزة السكري؟ فقال: نعم، سمعت، ولكن نهق حمار يوماً فاشتبه علي حديث فلا أدري أيَّ حديث هو؟ فتركت الكتاب كله اهـ. ونقل عن ابن عون كذلك أنه كثير التوقي كما ذكر ذلك أبو بكر البزار في ((التهذيب)) (٣٤٨/٥) وفيه قول شعبة: لأن أسمع من ابن عون حديثاً يقول فيه أظن أني سمعته أحب إلي أن أسمع غيره يقول: قد سمعت، ويضم شعبة إليهم كذلك. ففي ((تاريخ بغداد)) (٢٦٥/٩). قال سفيان الثوري ما رأيت أحداً أورع في الحديث من شعبة، يشك في الحديث الجيد فيتركه. اهـ. والله أعلم. ٢٦٠