النص المفهرس
صفحات 201-220
س ٧١: إذا كان الأمر كذلك؛ فلماذا نقبل مراسيل الصحابة؟ ج ٧١: مرسل الصحابي الذي ثبت أخذه عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أخذاً واضحاً، غالباً أنه أخذه عن صحابي آخر، ولو علمنا أنه أخذه عن تابعي، لوقفنا فيه، لكن إنما قبل العلماء مراسيل الصحابة؛ لأن جُلَّ روايتهم عن الصحابة، وبعضهم لم يروٍ إلَّا عن الصحابة، وإن كنا نعلم أن من الأكابر من يروي عن الأصاغر، لكن هذا نادر جداً، فمثل هؤلاء لا يقال فيهم: إنهم أخذوه عن التابعين، إما لأنهم لم يرووا عنهم أصلًا، وإما لندرة هذا النوع، والصحابة كلهم عدول(١). س ٧٢: ما الفرق بين قولهم: ((فلان خولف)) و((فلان يخالف في حدیثه))؟ ج ٧٢: كلا اللفظين يدل على أنَّ الراوي في حفظه ضعف، وأنّه يروي أحاديث يخالف فيها أحاديث الثقات، ولا يأتي بها على الوجه الذي يأتي به الثقات الأثبات، وأيضاً كلا اللفظين من ألفاظ التليين والشواهد (١) قال الحافظ ابن حجر في ((النكت)) (٥٧٠/٢): (قول الصحابي: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ظاهر في أنّه سمعه منه أو من صحابي آخر، فالاحتمال أن يكون سمعه من تابعي ضعيف نادر جداً لا يؤثر في الظاهر، بل حيث رووا عن من هذا سبيله بيَّنوه وأوضحوه. وقد تتبعت روايات الصحابة - رضي الله عنهم - عن التابعين وليس فيها من رواية صحابي عن تابعي ضعيف في الأحكام شيء يثبت فهذا يدل على ندور أخذهم عن من يضعف من التابعين، وفي (٥٤٨/٢): فيتلخص من هذا أنَّ الأستاذ أبا إسحاق لم ينفرد برد مراسيل الصحابة - رضي الله عنهم - وأن مأخذه في ذلك احتمال كون الصحابي - رضي الله عنه - أخذه عن تابعي. وجوابه: أنَّ الظاهر فيما رووه أنّهم سمعوه من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أو من صحابي سمعه من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وأمّا روايتهم عن التابعين فقليلة نادرة، فقد تتبعت وجمعت لقلتها، قلت: وقد سردها شيخنا - رحمه الله - في ((النكت)) فأفاد وأجاد. اهـ. وانظر (فتح الباري)) (١٤٤/١) و((تدريب الراوي)) (٢٠٧/١)، و((المقنع)) (١٣٨/١). ٢٠١ والمتابعات(١)، والفرق بينهما أن قولهم: ((يخالف)) أشد جرحاً من قولهم: (خولف))؛ لأنَّ صيغة المضارعة تقتضي الاستمرار، والله أعلم. س ٧٣: كيف نعرف أنَّ هذه اللفظة جرح مجمل وتلك اللفظة جرح مفسّر؟ ج ٧٣: شاع عند كثير من طلبة العلم، أنَّ الكلمة إذا كانت شديدة الجرح فهي جرح مفسر، وإذا كانت خفيفة الجرح فهي جرح مجمل، والأمر ليس كذلك، كما بينته في ((شفاء العليل))(٢)، ففي كل من القسمين عبارات مفسرة وأخرى مجملة، وسر ذلك أن تعلم أنَّ الراوي المجرَّح، يتكلّم فيه من جهتين، أو إحداهما: جهة العدالة وجهة الضبط، فإذا علمت من الكلمة أن الطعن موجه إلى الراوي في إحدى الجهتين أو كلتيهما، فإنَّه جرح مفسر وإلّا فمجمل، فقولهم في أحد الرواة: ضعيف، أو ليس بشيء، أو متروك، أو ساقط ... إلخ ما كان من هذا السبيل، هذه العبارات لو سألنا أنفسنا: هل المقصود بها الجرح في العدالة أم في الضبط؟ لما ظهر لنا شيء، ولذلك فهي جرح مجمل، لكن لو رأينا قولهم في أحد الرواة: ((سيء الحفظ)) أو ((له أوهام)) أو ((فاحش الغلط)) أو ((فاسق)) أو ((كذّاب)) ... إلخ ما كان من هذا السبيل، وسألنا أنفسنا السؤال السابق، لوجدنا للسؤال جواباً في كل لفظة، فمن هنا قلنا: إنَّه جرح مفسّر، وقد سأل بعضهم عن لفظة: (فلان منكر الحديث))، فمن طلبة العلم من قال: هي مجملة؛ لأنَّ ((منكر الحديث)): هو ضعيف وقد خالف، ولفظة ((ضعيف)) مجملة، فما بُني عليها يكون له حكمها، وقال بعضهم : - وهو الصواب - هي مفسرة، لأنَّ المخالفة تدل على قلة في الضبط، فتعين سبب الجرح، إلّا أنَّ قول البخاري: ((فلان منكر الحديث)) مجمل؛ لأنَّه عنده بمعنى أنَّ الراوي لا تحل (١) انظر ((شفاء العليل)) للمؤلف - حفظه الله تعالى - (١٥٣/١) المرتبة الأولى من مراتب التجريح . (٢) المصدر السابق (٢٥٣/١) وما بعدها من الباب الحادي عشر ذكر ألفاظ الجرح المجمل والمفسر . ٢٠٢ الراوية عنه، وهذا مجمل لعدم معرفة سبب هذا الترك، وإن كان البعض يعدها مفسرة، فالعمدة على ما قررته، والله أعلم. س ٧٤: الراوي إذا روى عنه جماعة، فهل يعتبر هذا توثيقاً له أم لا؟ ج ٧٤: في هذا الأمر تفصيل راجع إلى صفة هؤلاء التلاميذ، فإن كانوا من مشاهير الثقات، وممن عُلم تحرِّيهم في الراوية وانتقاؤهم للمشايخ، فهذا يُعَدِّل المرويّ عنه، ولعل في كلام أبي زرعة حين سأله ابن أبي حاتم - رحمهما الله - ما يشير إلى هذا، حين سأله عن رواية الثقات عن الرجل هل تنفعه؟ فقال: نعم، وسأله عن روايته عن الثقات هل تنفعه؟ فقال: لا(١) والأمر كذلك؛ لأنَّ الكذاب قد يدّعي لقاء المشاهير والسماع من الأئمة (٢)، أمَّا رواية المشاهير والأئمة عن الرجل فهي التي تنفعه حقاً، والظاهر من النفع في كلام أبي زرعة التعديل؛ لأنَّ رواية الضعيفين عن (١) الذي وقفت عليه في ((الجرح والتعديل)) هو: سؤال ابن أبي حاتم، عن رواية الثقات عن الراوي هل تنفعه أو لا؟ أمّا رواية الراوي عن الثقات فلم أقف على سؤاله في ذلك، وإليك نص كلامه - رحمه الله - قال: سألت أبي عن رواية الثقات عن رجل غير ثقة مما يقويه؟ قال: إن كان معروفاً بالضعف لم تقوه روايتهم عنه، وإذا كان مجهولًا نفعه رواية الثقة عنه . قال: وسألت أبا زرعة عن رواية الثقات عن رجل مما يقوي حديثه؟ قال: أي لعمري. قلت: الكلبي روى عنه الثوري، قال: إنَّما ذلك إذا لم يتكلّم فيه العلماء، وكان الكلبي یتکلّم فیه. قلت: ((والكلام لعبدالرحمن)): فما معنى رواية الثوري عنه، وهو غير ثقة عنده؟ قال: كان الثوري يذكر الراوية عن الرجل على الإنكار والتعجب فيعلقون عنه روايته عنه ولم تكن روايته عن الكلبي قبوله. اهـ (٣٦/٢). (٢) وانظر في ذلك السؤال رقم (٩٦). وممن ذهب إلى هذا الشيخ عبدالرحمن بن يحيى المعلمي - رحمه الله تعالى - في رده على أباطيل الكوثري، قال - رحمه الله تعالى - في ((تنكيله)) وقد حاول الأستاذ أن يجعل ابن أبي العوام من الثقات الأثبات؛ لأنّه روى عن النسائي مع أنَّ الراوية عن مثل النسائي أو من هو خير منه لا تدل على إسلام الراوي فكيف عدالته؟ فكيف أن يكون من الثقات الأثبات؟ ... إلخ (ص: ٥٣٢). ٢٠٣ الراوي ترفعه من جهالة العين إلى جهالة الحال، فلا يصح مساواة رواية الحفّاظ برواية هذين، فيقال: ((إنَّ رواية جماعة من المشاهير الذين ينتقون في الراوية، لا ترفع جهالة الحال)) !! على أنَّ هذا ليس عاماً في كل الثقات، فمِنَ الثقات من يروي عن كل أحد، فهؤلاء لا يُفْرح بروايتهم عن الراوي، وشيخنا الألباني - حفظه الله تعالى - كثيراً ما يحسّن لمن روى عنه جماعة، وذكره ابن حبان في ((الثقات)) كما يراه الناظر في ((الإرواء))، و((الصحيحة))(١) بخلاف ((الضعيفة)) في كثير من المواضع، وكتب الشيخ - حفظه الله - حافلة بالفوائد التي لا يزهد فيها إلّا محروم جائر، ولا يطعن في علمه إلّا زائغ خاسر، وكم نفع الله العلماء وطلاب العلم والمسلمين بهذا الشيخ وبمؤلفاته - وإن حاول كثير من المبتدعة وتجار الكتب والساعين للشهرة، أن ينالوا من علمه وشخصه -، فأسأل الله أن يبقيه مُعافى مباركاً، ويبارك له فيما بقي من عمره، إنّه جواد كريم. س ٧٥: إذا قال إمام في راوٍ: له نسخة موضوعة، ولم نجد له ترجمة إلاّ تلك المقالة، فما حال ذلك الراوي؟ ج ٧٥: ظاهر هذه العبارة إذا ذكرت في ترجمته، أنَّها مما عملت يداه، ويكون شديد الضعف، والله أعلم. س ٧٦: هناك عبارات نريد أن نعرف هل هي جرح مجمل أو مفسر، مثل قولهم: ((فلان يتكلمون فيه)»؟ ج ٧٦: هذا جرح مجمل، لأننا ما نعلم هل يتكلمون فيه من قبل العدالة، أم من قبل الحفظ؟ وهي عبارة جرح خفيفة، من عبارات الشواهد والمتابعات (٢)، لكن يطلقها الإمام البخاري - رحمه الله - خاصة على الجرح (١) سبق الكلام عن نحو من ذلك في السؤال رقم (٤١) فليراجع والله أعلم، وقيده المؤلف هناك بالتابعين فليراجع . (٢) قال المعلمي - رحمه الله تعالى -: فكلمة: ((تكلّموا فيه)) ليست بجرح إذ لا يدري من = ٢٠٤ الشديد، كما ذكرته في المصطلحات الخاصة من ((شفاء العليل)) (١). وقولهم: ((لم يكن بالقوي في حديثه))؟ جرح مجمل لعدم معرفة سبب نفي القوة. وقولهم: ((قليل الحديث))؟ لا يلزم منه الجرح أصلًا، حتى نحتاج أن نعرف هل هو جرح مجمل أو مفسر؟ فالراوي قد يكون قليل الحديث، ومع ذلك يكون ثبتاً، وقد يكون قليل الحديث، وهو ضعيف، لكن أهل القلة غالباً يكونون ضعفاء، وأعني بالضعف هنا أنَّ حديثهم لا يُقبل؛ لأنَّ هذا يدل على أنَّهم ليسوا من أهل هذا الشأن، ولا يشتغلون بطلب الحديث، ولو اشتغلوا بطلب الحديث لكثر حديثهم، فأمثال هؤلاء غالباً يُحكم عليهم بالجهالة، وقد سبق أن ذكرت قول ابن عدي - رحمه الله - في ((الكامل)): ((فلان في مقدار ما يرويه لم يتبين لي صدقه من كذبه))، فيكون بهذا في عداد المجهولين(٢)، والجهالة أيضاً ليست جرحاً، إنَّما هي وقفة في عين أو حال الراوي، ولو كان مُجَرَّحاً لما كان مجهولًا. وقولهم: ((يُستضعف))؟ جرح مجمل، وهو أخف ضعفاً من قولهم: ((ضعيف)) . وقولهم: ((ليس بذاك))؟ - أيضاً - جرح مجمل. المتكلّم وما الكلام؟ ((التنكيل)) (ص: ٤٠٦)، والظاهر أنّها عبارة جرح خفيف كما نص = على ذلك المؤلف. (١) ((شفاء العليل)) (ص: ٣١٦): ومن التراجم التي استشهد بها الؤلف - حفظه الله تعالى - ترجمة نفيع بن الحارث، أبي داود الأعمى الهمداني، قاضي يتكلمون فيه ((التاريخ الكبير)» (١١٢/٨) والكلام فيه شديد جداً بالجرح حتى ترجم له الحافظ في ((تقريبه)) بقوله: ((متروك)) وقد كذبه ابن معين. وفي ترجمة يحيى بن عبدالحميد الحماني الكوفي قال فيه البخاري: ((كان أحمد ويحيى يتكلمان فيه)) اهـ قال المؤلف - حفظه الله تعالى - وقول أحمد فيه ظاهر جداً حتى إنّه قال فيه: ((كان يكذب جهاراً)) انظر ((الميزان)) (٣٩٢/٤). (٢) سبق ذلك في السؤال رقم (٧). ٢٠٥ وقولهم: ((متروك)) جرح مجمل كذلك. (تنبيه): ذكرت فصلًا كاملًا في ((شفاء العليل)) للجرح المجمل والمفسر فارجع إليه(١). س ٧٧: العبارات التي ذكرتَ أنها ليست جرحاً مفسراً، إذا تعارضت مع تعديل، فما العمل؟ ج ٧٧: إذا تعارض جرح مجمل مع تعديل، فيُرجع إلى المجرِّح والمعدِّل، وما هي منزلة كل منهما علماً وإتقاناً ورسوخاً في هذا الشأن، وما حال كل واحد منهما من ناحية القرب من الراوي أو البُعْد، هل هو من بلدته أم لا، وهل هو معاصر له أم بعده؟ وغير ذلك من هذه الأمور، لكن لو فرضنا أن الأمر سواء من كل ناحية، وأن المعدّل والمجرِّح سواء، فلا نستطيع أن نرجح واحداً عن الآخر، فمنهم من يجمع بين اللفظين، فيجمع بين قولهم: ((فلان ثقة)) و((فلان ضعيف)) فيقول: ((صدوق)) أي: يأتي به في الوسط، وهذا صنيع الحافظ - رحمه الله - في ((التقريب)) وقد سبق هذا من قبل في الجواب على السؤال رقم (٥١)، وهو قول تطمئن إليه النفس، وسيأتي تفصيل لذلك - إن شاء الله تعالى -. س ٧٨: هل هناك فرق بين قول أحدهم: ((قال فلان)) و((قال لنا فلان)»؟ ج ٧٨: قول أحدهم: ((قال فلان)) و((قال لنا فلان)) بينهما فرق؛ إذا كان القائل لهذه الكلمة مدلساً؛ لأنَّ ((قال فلان)) صيغة محتملة من المدلس، محتملة للسماع، ومحتملة لعدم السماع، أمّا ((قال لنا)) فجزمٌ وتصريح بالسماع، وأمّا غير المدلس؛ فليس بينهما فرق ينبني عليه قبول أو رد للرواية، لكن لا شك أن ((قال لنا)) أقوى من: ((قال))؛ لأنَّهم يقولون: العنعنة (١) ((شفاء العليل)) (٥٢٣/١) باب ((ذكر ألفاظ الجرح المجمل والمفسر)). ٢٠٦ محمولة على السماع من غير المدلس، فالذي يصرح بالسماع، قد خرج من هذا الخلاف، والإمام البخاري - رحمه الله - يكثر من كلمة ((قال لنا فلان)) لا سيما في ((التاريخ الكبير)) له، وذلك عن مشايخه، وهو ليس مدلساً في ذلك، وقد ذكر الحافظ - رحمه الله - في ((الفتح)) في ك/ العلم أنَّه يستعمل هذه الصيغة للتفريق بين ما يبلغ شرطه وما لا يبلغ شرطه، انظر ((الفتح)) ك/ العلم ب/ ما يذكر في المناولة، ومقدمة ((تغليق التعليق))، المؤلف والله أعلم(١). س ٧٩: هل هناك فرق بين الحديث الحسن والحديث الجيد؟ (١) قال الحافظ في ((النكت)) (٦٠١/٢) قلت: لم يصب هذا المغربي في التسوية بين قوله: قال فلان، وبين قوله: قال لي فلان، فإن الفرق بينهما ظاهر لا يحتاج إلى دليل فإن قال لي مثل التصريح في السماع، وقال: المجردة ليست صريحة أصلًا. وأمَّا ما حكاه عن أبي جعفر ابن حمدان وأقره أن البخاري إنَّما يقول: قال لي في العرض والمناولة ففيه نظر، فقد رأيت في الصحيح عدة أحاديث قال فيها: قال لنا فلان، وأوردها في تصانيفه خارج الجامع بلفظ حدّثنا، ووجدت في الصحيح عكس ذلك . وفيه دليل على أنّهما مترادفان والذي تبين لي بالاستقراء من صنيعه أنّه لا يعير في الصحيح بذلك إلّا في الأحاديث الموقوفة أو المستشهد بها فيخرج ذلك حيث يحتاج إليه عن أصل مساق الكتاب، ومن تأمل ذلك في كتابه وجده كذلك والله الموفق. قال: وقوله أي: العراقي والبخاري ليس مدلساً. أقول: لا يلزم من كونه يفرق في مسموعاته بين صيغ الأداء من أجل مقاصد تصنيفه أن يكون مدلساً، ومن هذا الذي صرح أن استعمال ((قال)) إذا عبر بها المحدث عما رواه أحد مشايخه مستعملاً لها فيما لم يسمعه منه يكون تدليساً لم نرهم صرحوا بذلك إلّا في العنعنة، وكأن ابن الصلاح أخذ ذلك عن عموم قولهم: إن حكم عن وأن وقال وذكر واحد، وهذا على تقدير تسليمه لا يستلزم التسوية بينهما من كل جهة كيف وقد نقل ابن الصلاح عن الخطيب أنَّ كثيراً من أهل الحديث لا يسوون بين قال وعن في الحكم فمن أين يلزم أن يكون حكمهما عند البخاري واحد، وقد بينا الأسباب الحاملة للبخاري على التعاليق فإذا تقرر ذلك لم يستلزم التدليس لما وصفنا، وأما قول ابن مندة: ((أخرج البخاري)) قال: ((وهو تدليس)) فإنّما يعني به: أنَّ حكم، ذلك عنده هو حكم التدليس ولا يلزم أن يكون كذلك حكمه عند البخاري. اهـ. ٢٠٧ ج ٧٩: نعم، بينهما فرق، فالجيد والقوي أعلى من الحسن، ودون الصحيح(١)، ومن المعلوم أنَّ العلماء اختلفوا في تحديد الحديث الحسن، بين الحديث الصحيح والحديث الضعيف، كما ذكر ذلك الحافظ ابن كثير - رحمه الله تعالى - في مختصره لعلوم الحديث(٢)، فما ظنكم برتبة أخرى بين الحسن والصحيح !! وعلى كل حال فهذا لا يخفى على المشتغلين بهذا الفن، والله أعلم. س ٨٠: هل التدليس جرح في الراوي؟ ج ٨٠: التدليس ليس جرحاً مستقراً، لكنّه يورث الوقفة في رواية الراوي إذا عنعن، أو أتى بلفظ فيه احتمال، وليس فيه تصريح، فالتدليس ليس جرحاً، بدليل أنّه قد وقع من الأئمة، ولم يجرَّحوا بذلك، ولم يُنْزِل من رتبتهم المنيفة، لكن إذا كثر التدليس في رواية الراوي، ضُعِّف بسبب ذلك، كما قال الحافظ في أبي جناب الكلبي، ولو رجعت إلى جوابي على السؤال رقم (٢٤) لرأيت الكلام فيه مفصّلًا، والله أعلم. س ٨١: لو قال قائل: التدليس ليس جرحاً، بدليل أنَّ المدلس لو صرّح بالسماع قبل منه، فما صحة ذلك؟ (١) قال السيوطي - رحمه الله تعالى - في ((تدريبه)) (١٧٧/١ - ١٧٨): ومن الألفاظ المستعملة عند أهل الحديث في المقبول: الجيد، والقوي، الصالح، والمعروف والمحفوظ، والمجود والثابت، فأما الجيد فقال شيخ الإسلام في الكلام على أصح الأسانيد لما حكى ابن الصلاح عن أحمد بن حنبل أنَّ أصحّها الزهري عن سالم عن أبيه، عبارة أحمد أجود الأسانيد كذا أخرجه الحاكم، قال: هذا يدل على أن ابن الصلاح يرى التسوية بين الجيد والصحيح، ولذا قال البلقيني بعد أن نقل ذلك من ذلك يعلم أن الجودة يعبر بها عن الصحة، وفي ((جامع الترمذي)) في ((الطب)): هذا حديث ((جيد حسن)) وكذا قال غيره لا مغايرة بين جيد وصحيح عندهم، إلّا أن الجهبذ منهم لا يعدل عن صحيح إلى جيد إلّا لنكتة كأن يرتقي الحديث عنده عن الحسن لذاته ويتردد في. بلوغه الصحيح، فالوصف به أنزل رتبة من الوصف بصحيح وكذا القوي ... اهـ. (٢) انظر ((الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث)) (ص: ٣٥). ٢٠٨ ج ٨١: الذي يظهر لي أنَّ هذا الجواب ليس متيناً؛ لأنَّ سيء الحفظ لو حدّث من كتابه قُبِلَ منه، ومع ذلك فسوء الحفظ جرح، وإن كان خفيفاً، فكون الراوي يقبل منه بشروط، ولا يقبل منه عند عدمها، هذا لا ينفي أنَّ به نوع جرح، والله أعلم. س ٨٢: ما الفرق بين تدليس التسوية وتدليس الإسناد؟ ج ٨٢: التدليس عامة: هو إيهام وتعمية وتغطية من المدلِّس على السامع(١)، والعلماء قسَّموه إلى أقسام، منها القسمان اللذان ذكرتهما في السؤال: تدليس الإسناد، وتدليس التسوية. فتدليس الإسناد: أن يأتي الراوي المدلس بعبارة توهم أنَّه سمع من شيخه، وليست صريحة بالسماع، كأن يقول: ((قال، أو عن، أو ذكر فلان))، ولا يقول: ((قال لنا»، ولا ((ذكر لنا»، أو «سمعت)) أو ((حدّثني))، فهذا يعتبر إيهاماً منه وتغطية، فيؤدي هذا إلى توقفنا في روايته، حتى نتأكد هل سمع أم لم يسمع؟ وهذا النوع اشتهر عند علماء الحديث بتدليس الإسناد(٢). وأريد أن أذكر هنا نكتة لطيفة في هذا الأمر، فلطالما قال كثير من طلبة العلم: العلماء يقسمون التدليس إلى قسمين: تدليس الإسناد، وتدليس الشيوخ، وتدليس الشيوخ واقع في الإسناد، فلماذا خصوا الأول باسم الإسناد؟ مع أن المتبادر لفهم السامع أنَّ تدليس الإسناد يدخل فيه الشيوخ والرجال جميعاً، والآخر يكون في المتن؟ والصواب: أنَّ تدليس الإسناد هنا معناه تدليس السماع، وبعضهم يعبر عنه بتدليس الصيغة، أي: صيغة التحمل، (١) قال الحافظ: هو مشتق من الدلس وهو الظلام. قال ابن السيد وكأنه أظلم أمره على الناظر لتغطية وجه الصواب فيه، انظر ((النكت)) للحافظ ابن حجر (٦١٤/٢) و((توضيح الأفكار)) (٣٤٦/١ - ٣٤٧). (٢) وممّن نص على ذلك الخطيب - رحمه الله - في ((الكفاية)) حيث قال: تدليس الحديث الذي لم يسمعه الراوي ممن دلسه عنه بروايته إياه على وجه يوهم أنّه سمعه منه، ويعدل عن البيان لذلك ولو بيَّن أنَّه لم يسمعه من الشيخ الذي دلّسه عنه فكشف ذلك لصار ببيانه مرسلا للحديث غير مدلس. اهـ من (ص ٥١٠). ٢٠٩ وألفاظ التحمل، ولذلك تجدهم في كتب الجرح والتعديل يقولون: ((فلان عن فلان إسناد))، و((فلان عن فلان مرسل))، أي: فلان عن فلان سماع صحيح، وفلان عن فلان مرسل لم يسمع منه، أو لم يدركه، أو لم يلقه، فتدليس الإسناد هنا أي: تدليس السماع، وتدليس التسوية: هو إسقاط ضعيف أو صغير بين ثقتين أو مقبولين من السند، وقد ثبت سماع التلميذ فيه من شيخه في الجملة، فإذا جاء مدلس، كالوليد بن مسلم، وصرّح بالسماع من الأوزاعي مثلًا، ولكن بين الأوزاعي ومن فوقه كالزهري عنعنة، فلا زال الحديث فيه تدليس، ولا نقبله، إلّا إذا كان التصريح بالسماع بين الأوزاعي والزهري مثلًا، فإذا كان أحد الثقتين أو المقبولين الذي سقط بينهما الضعيف أو الصغير، لم يسمع من شيخه، فهنا لا يقال: تدليس تسوية، إنّما يكون تسوية، وبذلك يتضح لنا الفرق بين تدليس التسوية والتسوية. ((فتدليس التسوية)): إسقاط ضعيف أو صغير بين مقبولين ثبت سماع الراوي من شیخه. والتسوية: إسقاط ضعيف أو صغير بين مقبولين لم يثبت سماع الراوي من شيخه، ومن هنا عاب الأئمة التدليس، ولم يعيبوا الإرسال؛ لأنّه إذا أرسل علم السامعون أن الإسناد فيه انقطاع، وأن الإسناد ليس بمتصل، ولكن عابوا التدليس؛ لأنّه يقول: ((قال فلان))، وفلان هذا؛ هو شيخه في غير هذا الحديث، فيوهم السامعين أنّه سمع هذا الحديث منه، ولم يسمعه في واقع الأمر، والله أعلم. س ٨٣: هل هناك فرق بين قولهم: ((سوّاه فلان)) و((جوّده فلان))؟ ج ٨٣: نعم، هناك فرق بينهما، وذلك أنَّ قولهم: ((سوّاه فلان)) لا يكون إلّا ذمّاً، وأمّا قولهم: ((جوَّده فلان)) فيأتي على وجهين: أحدهما بالذم كقولهم: ((سّاه فلان))(١)، وذلك إذا أسقط الضعيف أو (١) قال الحافظ - رحمه الله -: والتحقيق أن يقال: متى قيل: تدليس التسوية فلا بدّ أن = ٢١٠ الصغير من السند ليظهره مستوياً بالثقات، أو يروي الحديث سالماً من العلة، مع أنَّ الصواب من رواية الثقات، أن الحديث به علّة، ومن رواه سالماً منها، فقد وهم، فمعنى: ((جوَّده)) هنا أي: رواه جيداً سالماً من العلة، ولكن بجمع الطرق يتضح أن الصواب وجود العلة وإعلال الحديث بها، وزوال العلّة كأن يصرح الراوي بسماع مدلس، أو تسمية مبهم، أو ثبوت واسطة بها يتصل السند، أو يقرن بين ضعيفين كل منهما يتابع الآخر، أو غير ذلك، فإن كان المجوِّد واهماً في ذلك قالوا: ((جوده فلان)) على سبيل القدح فيه . والوجه الثاني لهذا اللفظ: أنَّه يأتي على سبيل المدح والقبول من الراوي، وذلك إذا روى الحديث سالماً من العلّة بخلاف غيره، لكن مع من جوّد قرينة تجعلنا نقبل منه، كأن يكون ملازماً للشيخ المُختلَف عليه، أو كون التلميذ من الحفّاظ الذين يوثق بروايتهم، أو غير ذلك(١)، فالتسوية لا تكون إلّا بنقص في السند، لكن التجويد أحياناً يكون بنقص في السند وأحياناً بزيادة في السند، سواء كان مدحاً أو ذمّاً، والله أعلم. = يكون كل من الثقات الذين حذفت بينهم الوسائط في ذلك الإسناد قد اجتمع الشخص منهم بشيخ شيخه في ذلك الحديث، وإن قيل: تسوية بدون لفظ التدليس لم يحتج إلى اجتماع أحد منهم بمن فوقه كما فعل مالك فإنّه لم يقع في التدليس أصلًا ووقع في هذا؛ فإنّه يروي عن ثور، عن ابن عباس، وثور لم يلقه، وإنّما روى عن عكرمة عنه فأسقط عكرمة لأنّه غير حجة عنده، وعلى هذا يفارق المنقطع بأن شرط الساقط هنا أن يكون ضعيفاً فهو منقطع خاص ذكره السيوطي في ((تدريب الراوي)) (٢٢٦/١)، وقال الحافظ في ((نكته)) على ابن الصلاح: فهذا مالك قد سوى الإسناد (بإبقاء) من هو عنده ثقة وحذف من ليس عنده بثقة، فالتسوية قد تكون بلا تدليس، وقد تكون بالإرسال فهذا تحرير القول فيها. (٦١٨/٢) من ((النكت)). قلت: وقد سبق هذا مفصّلًا في السؤال رقم (٢٥)، والله أعلم. (١) كثيراً ما يأتي هذا اللّفظ على سبيل المدح، انظر بعض الأمثلة على ذلك في ((علل الدار قطني)) (ج٣ ص: ١٠١ سؤال ٣٠٣) حيث قال في رواية حجّاج بن محمد: ((فجود إسناده ووصله وضبطه)) اهـ وكذا في (ج٣ ص ١٠٥ سؤال رقم ٣٠٧) وفي ((علل الحديث للرازي)) (ج١ ص٣٢٩ برقم ٩٨٠)، (١٣١/٢ رقم ١٨٨٥) وكذا في رقم (٢٦٥٥). ٢١١ س ٨٤: معلوم أنَّ المدلس لا يقبل منه إذا عنعن، فلماذا قسّم الحافظ ابن حجر المدلسين في ((طبقات المدلسين)) إلى طبقات، وذكر أنَّ أهل الأولى والثانية تقبل عنعنتهم؟ ج ٨٤: اعلم أنَّ من وُصِفوا بالتدليس ليسوا سواءً، فمنهم المقل من التدليس، والمكثر من الراويات، ومنهم المقل في التدليس والراويات، ومنهم المكثر من التدليس، وإن كان مكثراً في الراويات، ومنهم من لا يروي إلا عن ثقة، ولما فتش ما دلسه عُلم أنّه لا يدلس إلّا عن ثقة، ومنهم الذي هو مضعَّف، ومع ذلك يدلس، فجَمْعُ هؤلاء جميعاً في حكم واحد ليس من الإنصاف، ومخالف للاعتدال الذي قامت عليه قواعد هذا العلم المبارك، فليس من الإنصاف أن نقف في حديث الثوري، أو ابن عيينة، أو يحيى بن سعيد الأنصاري، من أجل بعض المواضع النادرة التي تنغمر في سعة ما رووا، والحافظ ابن حجر - رحمه الله - من أهل الاستقراء التّام والباع الطويل في هذا الفن، نعم من الممكن إذا ظهرت نكارة في بعض روايات أهل الطبقة الأولى والثانية، أُعلَّت هذه الراويات حسب ما ظهر منها بتدليس الراوي، والأمر أولًا وأخيراً اجتهاد من الحافظ - رحمه الله -، ولما كان أهلًا لهذا الاجتهاد قبلناه منه، ما لم يظهر أقوى منه فيعمل به، وقد يُخالَف في بعض مَنْ ذَكَرِه، والله أعلم(١) . س ٨٥: في بعض الأسانيد نرى بعض الرواة يقول: ((حدثني فلان، وثبّتني فيه فلان)) فما حكم هذه الراوية؟ ج ٨٥: بعض الرواة - وإن كان ثقة - قد يطرأ عليه شك في الراوية، فيسأل زميله عن الحديث فيُثَبِّته فيه، فالحكم في ذلك أن ينظر في المثبِّت والمثبَّت، فإن كان كل منهما يحتج به، قُبِلَ الحديث، كما ذكر الحافظ العلائي في ((جامع التحصيل)) في ترجمة حميد الطويل، وأنّه ما سمع من أنس إلّا بعض الأحاديث، لكن البقية ثبَّته فيها ثابت، قال: فلما علمنا ثقة (١) وانظر ذلك مفصلًا في السؤال رقم (١٥). ٢١٢ الواسطة قبلنا حديثه (١)، اهـ بمعناه، لكن إذا كان المثبِّت ضعيفاً فلا يحتَّج به، إلّا إذا تذكر الراوي الرواية بعدما ثبته زميله، وجزم بالروية، فعند ذلك يحكم عليه بما يستحق، والله أعلم. س ٨٦: هل كل من خرَّج له البخاري أو مسلم في الأصول، يكون معدلاً في الراوية؟ وكيف لو رأينا غيرهما يتكلّم فيه؟ ج ٨٦: ليس كل من خرج له البخاري أو مسلم في الأصول يكون معدلًا في الراوية مطلقاً، فمثلًا إسماعيل بن عبدالله بن أويس؛ أخرج له البخاري احتجاجاً في داخل ((الصحيح))(٢)، وفليح بن سليمان العدوي؛ أخرج له البخاري ومسلم - رحمهما الله - احتجاجاً، وكلاهما لا يحتج به خارج ((الصحيح))، لكن كيف أخرج صاحب ((الصحيح)) في الأصول لرجل لا يحتج به؟ الجواب: أنَّ صاحب ((الصحيح)) أخرج له انتقاء من حديثه، أو (١) قال العلائي - رحمه الله تعالى -: حميد بن أبي حميد الطويل تقدم أنَّه كان يدلس، وقال: مؤمل بن إسماعيل عامة ما يرويه حميد عن أنس سمعه من ثابت، يعني: البناني عنه، وقال: أبو عبيدة الحداد عن شعبة لم يسمع حميد من أنس إلّا أربعة وعشرين حديثاً والباقي سمعها من ثابت أو ثبته فيها ثابت. قلت: أي ((العلائي)) فعلى تقدير أن يكون مراسيل قد تبين الواسطة فيها وهو ثقة محتج به، اهـ. ((جامع التحصيل)) (ص: ١٦٨ رقم ١٤٤). وقال الحافظ ابن حجر في الفتح (٥٩٣/١ رقم ٣٩٣): ((ورواية معاذ لا دليل فيها على أنَّ حميد لم يسمعه من أنس؛ لأنّه لا مانع أن يسمعه من أنس ثم يستثبت فيه من ميمون - لعلمه بأنّه كان السائل من ذلك فكان حقيقاً بضبطه فكان حميد تارة يحدِّث به عن أنس لأجل العلو، وتارة عن ميمون لكونه ثبته فيه وقد جرت عادة حميد بهذا، يقول : ((حدّثني أنس، وثبتني فيه ثابت)) وكذا وقع لغير حميد. اهـ. (٢) قال الحافظ ابن حجر - رحمه الله تعالى - في ((هدي الساري)) (ص: ٣٩١): وروينا في مناقب البخاري بسند صحيح أنَّ إسماعيل أخرج له أصوله وأذن له أن ينتقي منها وأن يعلم له على ما يحدث به ليحدث به ويعرض عما سواه، وهو مشعر بأن ما أخرجه البخاري عنه هو صحيح الحديث؛ لأنَّه كتب من أصوله وعلى هذا لا يحتج بشيء من حديثه غير ما في ((الصحيح)) من أجل ما قدح فيه النسائي وغيره، إلّا أن يشاركه فيه غيره فيعتبر به. اهـ. ٢١٣ أنّه أخرج من حديثه ما علم أنَّ له أصلًا، أو ما توبع عليه، أو أنَّه أخرج مثلًا الحديث الذي من كتابه، وإن كان سيىء الحفظ، هذه أشياء يعتذر بها لصاحب ((الصحيح))(١) . أمّا أن يقال: إن كل من أخرج له البخاري أو مسلم احتجاجاً يكون ثقة مطلقاً، فلا(٢)، وفي المقابل أنَّهما لم يخرجا عن كل الثقات، وإذا كنّا (١) جاء في التوضيح أنَّ النووي ذكر فصلا مستقلاً فيما انتقد على مسلم فقال: عاب عائبون مسلماً بروايته في ((صحيحه)) عن جماعة من الضعفاء، المتوسطين، الواقعين في الطبقة الثانية الذين ليسوا من شروط الصحيح، ولا عيب عليه في ذلك بل جوابه من أوجه ذكرها ابن الصلاح : أحدها: أن يكون ذلك فيمن هو ضعيف عند غيره ثقة عنده، بل نقل عن الخطيب وغيره أنَّه قال ما احتجّ به البخاري ومسلم وأبو داود من جماعة علم الطعن فيهم من غيرهم محمول على أنّه لم يثبت المؤثر مفسراً. قلت ــ أي الصنعاني -: وهذا هو الذي أشار المصنف آنفاً . الثاني: أن يكون واقعاً في المتابعات والشواهد لا في الأصول. الثالث: أن يكون ضعف الضعيف الذي احتج به طرأ بعد أخذه باختلاطه وذلك غير قادح فيما رواه من قبل في زمن الاستقامة. الرابع: أن يعلو بالشخص الضعيف إسناده وهو عنده من رواية الثقات نازل فيقتصر على العالي ولا يطول بإضافة النازل إليه مكتفياً بمعرفة أهل الشأن في ذلك، وهذا القدر قد رويناه تنصيصاً. اهـ. قال الصنعاني: ولا يخفى على الناقد ما في هذه الوجوه. اهـ (ص: ١٣٢ - ١٣٣). وفي التدريب: ذكر أمثلة لبعض هذه الأعذار فمثلًا عند الكلام على الراوية قبل الاختلاط قال كأحمد بن عبدالرحمن بن أخي عبدالله بن وهب اختلط بعد الخمسين ومائتين بعد خروج مسلم من مصر وعن عذر العلو قال - أي: ابن الصلاح -: فقد روينا أنّ أبا زرعة أنكر عليه روايته عن أسباط بن نصر وقطن وأحمد بن عيسى المصري، فقال: إنّما أدخلت من حديثهم ما رواه الثقات عن شيوخهم إلّا أنّه ربّما وقع إلي عنهم بارتفاع ويكون عندي من رواية أوثق منه بنزول فاقتصر على ذلك ولامه أيضاً على التخريج عن سويد، فقال: من أين كنت آتي بنسخة حفص عن ميسرة بعلو. اهـ (ص: ٩٧ - ٩٨). (٢) ارجع إلى كلام المؤلف - حفظه الله تعالى - في كتابه ((شفاء العليل)) (٣٦٦/١ - ٣٦٧): (تنبيه): ٢١٤ = نجمع بين قول البخاري في الراوي: ((ثقة)) وبين قول غيره إذا ضَعَّف نفس الراوي، فكيف لا نلتفت إلى كلام من جرح لإخراج البخاري أو مسلم عن الراوي، مع أنَّ الإخراج ليس توثيقاً صريحاً، فقد يكون توثيقاً للراوي في شيخ معين، وهو الذي أخرج له صاحب ((الصحيح)) في روايته عنه، وقد يكون في حديث معين أو أحاديث، أما القول بأنه ثقة، فهو أصرح وأشمل في التعديل من مجرد إخراج حديث الراوي، والله أعلم. س ٨٧: الحديث إذا كان على شرط البخاري أو مسلم هل يكون صحيحاً؟ ج ٨٧: هذا يذكرني بحال بعض المحققين في هذا العصر، فتراهم إذا ذكروا الحديث يقولون: هذا حديث صحيح على شرط البخاري، أو على شرط البخاري ومسلم، أو رجاله رجال الصحيح، وتعريفهم لشرط البخاري الرواة الذين احتج بهم صاحبا ((الصحيحين))، أو أحدهما يكتسبون التوثيق الضمني بذلك = وإن لم ينص أحدهم على توثيقهم وينفعهم ذلك في رفع الجهالة عنهم، ويوضح ذلك قول الحافظ الذهبي بعد نقله لقول ابن القطان في حفص بن بغيل: لا يعرف له حال. قال ابن القطان: يتكلّم في كل من لم يقل فيه إمام عاصر ذلك الرجل أو أخذ عمن عاصره ما يدل على عدالته وهذا شيء كثير، ففي ((الصحيحين)) من هذا النمط خلق كثير مستورون ما ضعفهم أحد ولا هم بمجاهيل ((ميزان الاعتدال)) (٥٥٦/١). وكذا قوله في نفس المصدر: بعد نقله لقول ابن القطان في مالك بن الخير: هو ممن لم تثبت عدالته يريد أنّه ما نصّ أحد على أنّه ثقة، وفي رواة ((الصحيحين)) عدد كثير ما علمنا أنَّ أحداً نص على توثيقهم (٤٢٦/٣). والناظر في الكلام السابق يجد الحافظ الذهبي يحتج على ابن القطان الذي يحكم بالجهالة على كل من لم يقل فيه إمام عاصر ذاك الرجل أو أخذ عمن عاصره ما يدل على عدالته، احتج عليه برجال ينطبق عليهم وصف ابن القطان ومع ذلك ليسوا بمجاهيل، وذلك لاكتسابهم التوثيق الضمني وهو إخراج الشيخين لهما في ((صحيحيهما)) وقد صرح الذهبي بذلك في ((موقظته)) (ص: ٧٨) حيث قال: الثقة من وثقه كثير ولم يضعف ودونه من لم يوثق ولا ضُعِّف فإن خُرِّج حديث هذا في ((الصحيحين)) فهو موثق بذلك. اهـ والله أعلم. ٢١٥ بأنّه رجال البخاري، هذه مسألة فيها توسع غير مرضي، وفيها ذهول عن النقد العلمي الصحيح، فالبخاري يخرج أحاديث الثقات، ويخرج أحاديث أهل المرتبة الوسطى من التوثيق الذين هم ((لا بأس بهم)) وفي مرتبة ((صدوق))، والذين هم أحاديثهم حسنة، ويخرج أحاديث الضعفاء الذين فيهم كلام، وإن كانت هذه نسبة قليلة في ((الصحيح)) كما صرّح بذلك الحافظ - رحمه الله - في ((هدي الساري)) إلّا أنَّها موجودة، إذاً فالذي يقول: هذا حديث صحيح لأنَّ رجاله رجال البخاري، لا يخلو عن توسع غير مرضي. وذلك لأنَّ المطلوب منه أن يثبت أنَّ هذا السند أخرج به البخاري حديثاً في كتابه بهذا النسق، وبهذا السياق: ((فلان عن فلان عن فلان)) إلى منتهاه، فإن لم يكن إلّا مجرد الرجال، فلا، ومن هنا دخل الوهم كما بينوا في كتب علوم الحديث على الحاكم النيسابوري - رحمه الله - أنَّه كان يلفق بين الأسانيد، كما في هشيم عن الزهري، فهشيم والزهري لهما روايات عند البخاري وعند مسلم، فيقول الحاكم: ((على شرط الشيخين)) بالرغم من أنَّ البخاري ومسلماً لم يخرج أحدهما حديثاً من طريق هشيم عن الزهري، فمجرد وجود الرجل في ((الصحيح)) لا يكفي، بل لا بد أن يكون على نسق كامل من أول السند إلى آخره في أحد ((الصحيحين)) أو في كتاب من يعزو إلى شرطه(١)، ومع ذلك فمع وجود هذا النسق التام، لا يلزم من ذلك (١) قال الحافظ ابن حجر - رحمه الله تعالى -: ووراء ذلك كله أن يروى إسناد ملفق ممن رجالهما كسماك عن عكرمة عن ابن عباس، فسماك على شرط مسلم فقط، وعكرمة انفرد به البخاري، والحق أنّ هذا ليس على شرط واحد منهما . وأدق من هذا أن يرويا عن أناسٍ ثقات ضعفوا في أناس مخصوصين من غير حديث الذين ضعفوا فيهم، فيجيء عنهم حديث من طريق من ضعفوا فيه، برجال كلهم في الكتابين وأحدهما فنسبته أنّه على شرط من خرج له غلط، كأن يقال في هشيم عن الزهري: وكل من هشيم والزهري أخرجا له، فهو على شرطهما، فيقال: بل ليس على شرط واحد منهما؛ لأنّهما إنّما أخرجا لهشيم من غير حديث الزهري، فإنّه ضعف فيه؛ لأنّه كان دخل إليه فأخذ منه عشرين حديثاً فلقيه صاحب له وهو راجع فسأله روايته وكان ثم ريح شديدة فذهبت بالأوراق من الرجل فصار هشيم يحدث بما علق منها بذهنه، ولم يكن أتقن حفظها فوهم في أشياء منها، ضعف في الزهري بسببها، وكذا = ٢١٦ الصحة، لأنّنا بعد ذلك نريد أن نعرف: كيف أخرج له البخاري مثلًا: احتجاجاً أو استشهاداً؟ ولو فرضنا أنَّه أخرج له احتجاجاً، فمع ذلك لا يلزم من ذلك الصحة، لماذا؟ لأنَّ البخاري قد ينتقي بعض أحاديث هذا الراوي، وهذا أمر موجود في النسخ التي أخرجها البخاري وأخرجها مسلم، فيتفق هو ومسلم في إخراج بعض أحاديثها، وينفرد هو بأحاديث، ومسلم بأحاديث أخرى، ثم تبقى أحاديث أخرى لا يخرجها أحدهما(١). = همام ضعيف في ابن جريج مع أنَّ كلّ منهما أخرجا له، لكن لم يخرجا له عن ابن جريج شيئاً، فعلى من يعزو إلى شرطهما أو شرط واحد منهما أن يسوق ذلك السند بنسق رواية من نسب إلى شرطه، ولو في موضع من كتابه وكذا قال ابن الصلاح في شرح مسلم: من حكم لشخص بمجرد رواية مسلم عنه في ((صحيحه)) بأنّه من شرط الصحيح فقد غفل وأخطأ بل ذلك متوقف على النظر في كيفية رواية مسلم عنه، وعلى أي وجه اعتمد عليه ... اهـ، من نقل السيوطي عنه، كما في ((التدريب)) (١٢٩/١). وفي ((النكت)) (٣١٤/١ - ٣١٥) قال الحافظ - رحمه الله -، وقد قسم ((المستدرك)) إلى أقسام : أن يكون إسناد الحديث الذي يخرجه محتجاً برواته في ((الصحيحين)) أو أحدهما على صورة الاجتماع سالماً من العلل، واحترزنا بقولنا على صورة الاجتماع عما احتجا برواته على صورة الانفراد كسفيان بن حسين عن الزهري، فإنّهما احتجا بكل منهما على الانفراد، ولم يحتجا برواية سفيان بن حسين عن الزهري؛ لأنّ سماعه من الزهري ضعيف دون بقية مشايخه. فإذا وجد حديث من روايته عن الزهري لا يقال على شرط الشيخين لأنّهما احتجا بكل منهما بل لا يكون على شرطهما إلّا إذا احتجا بكل منهما على صورة الاجتماع، وكذا إذا كان الإسناد قد احتج كل منهما برجل منه ولم يحتج بآخر منه كالحديث الذي يروى عن طريق شعبة مثلًا عن سماك بن حرب عن عكرمة عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - فإنَّ مسلماً احتج بحديث سماك، إذا كان من رواية الثقات عنه ولم يحتج بعكرمة واحتج البخاري بعكرمة دون سماك - فلا يكون الإسناد والحالة هذه على شرطهما حتى يجتمع فيه صورة اللاجتماع، وقد صرَّح بذلك الإمام أبو الفتح القشيري وغيره. اهـ. (١) قال الحافظ ابن حجر - رحمه الله - في ((النكت)) (٣١٥/١ - ٣١٦): (واحترزت بقولي أن يكون سالماً من العلل بما إذا احتجا بجميع رواته على صورة الاجتماع إلّا أنَّ فيهم من وصف بالتدليس أو اختلط في آخر عمره فإنّا نعلم في الجملة أن الشيخين لم يخرجا من رواية المدلسين بالعنعنة إلّا ما تحققا أنّه مسموع لهم من جهة أخرى، وكذا لم = ٢١٧ نعم، هناك تفسيرات من العلماء لذلك، لكن نفهم من ذلك أنَّ صنيع صاحبي ((الصحيح)) ليس مجرد الوقوف على رجال السند، بل يكون بالنظر إلى المتن وشهرته، وعدم مخالفته للأصول، مع قرائن أخرى لا تخفى على العاملين في هذا الميدان، ولذلك كان علماء الحديث يحكمون على الحديث بالضعف، وإن كان سنده ظاهره الصحة، لما يرونه في المتن مما يوجب ضعفه، فالمقصود أن صاحب ((الصحيح)) قد يخرج عن الرجل احتجاجاً، ويخرج بعض أحاديثه، لا كل أحاديثه، فلا يلزم من وجود هذا الإسناد بكامله في ((صحيح البخاري)) مثلً، في باب الاحتجاج والأصول لا في الشواهد والمتابعات أن يحتج برواته مطلقاً، كما سبق من أنَّ البخاري قد ينتقي من حديثه ما يعلم أنَّ له أصلًا، أو أنَّه توبع عليه، أو روى عنه من أصل كتابه، أو غير ذلك من القرائن، وقد تكون هذه القرائن غير متوفرة في الحديث الذي هو خارج ((الصحيح))، فعلى هذا أقول: إنَّ صنيع بعض المحققين في هذا العصر، لا سيما الذين هم ليسوا متخصصين في هذا الشأن، لا تطمئن له النفس غالباً، وعلى هذا فمن يصحح الحديث لمجرد أنَّه على شرط البخاري، أو على شرط مسلم، أو على شرط الشيخين، دون مراعاة لهذه الضوابط، فقد خالف أسلوب النقد العلمي، فإخراج البخاري يخرجا من حديث المختلطين عمن سمع منهم بعد الاختلاط إلّا ما تحققا أنّه من صحيح = حديثهم قبل الاختلاط فإذا كان كذلك لم يجز الحكم للحديث الذي فيه مدلس قد عنعنه أو شيخ سمع ممن اختلط بعد اختلاطه؛ بأنّه على شرطهما وإن كانا قد أخرجا ذلك الإسناد بعينه إلّا إذا صرح المدلس من جهة أخرى بالسماع وصح أن الراوي سمع من شيخه قبل اختلاطه فهذا القسم يوصف بكونه على شرطهما أو على شرط أحدهما. الثاني ــ أي من الأقسام في (المستدرك)): أن يكون إسناد الحديث قد أخرجا لجميع رواته لا على سبيل الاحتجاج بل في الشواهد والمتابعات والتعاليق أو مقروناً بغيره، ويلتحق بذلك ما إذا أخرجا لرجل وتجنبا ما تفرد به أو ما خالف فيه كما أخرج مسلم من نسخة العلاء بن عبدالرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - ما لم يتفرد به . فلا يحسن أن يقال: إنَّ باقي النسخة على شرط مسلم؛ لأنَّه ما خرج بعضها إلّا بعد أن تبين أنَّ ذلك مما لم ينفرد به، فما كان بهذه المثابة لا يلتحق إفراده بشرطهما. اهـ. ٢١٨ - رحمه الله - لرجل في ((صحيحه)) ليس كقوله إذا سئل عنه فقال: (ثقة)) (١)، أمَّا الحديث الذي أخرجه له، فلا شك أنَّه يحتج به في ذلك الموضع، إلا أنَّ إخراجه في ((الصحيح)) رافع للجهالة، فإذا لم يكن في الرجل جرح، وهو في رجال الصحيح قُبِلَ حديثه في ((الصحيح))، ومن نظر في (التقريب)) علم أنَّ الحافظ - رحمه الله - أحياناً يترجم بقوله: ((مقبول)) لمن أخرج له مسلم - رحمه الله - وأحياناً يزيد على ذلك. س ٨٨: الحافظ ابن حجر يقول: إنَّ الطرق إذا كثرت وتباينت مخارجها، دل ذلك على أنَّ للحديث أصلاً، فهل هذه العبارة على إطلاقها، حتى وإن كانت الطرق كلها لا تسلم من كذاب أو ساقط أو متروك ونحو ذلك ممن اشتدّ ضعفهم(٢)؟ ج ٨٨: لا شك؛ أننا نحمل كلام الحافظ - رحمه الله - على ما إذا كانت الطرق ليست شديدة الضعف، لأنّها لو كانت شديدة الضعف، فلا يمكن أن يقال: إنَّ كثرة الطرق تدل على أنَّ للحديث أصلًا، ويحتج به، بل قد يقال: إذا انفرد الكذابون والمتروكون بحديث، أو تداوله الكذابون، هذا يرجح عندنا أنّه موضوع(٣)؛ لأنَّه قد يقال: لماذا لم يروه أحد من الثقات، (١) سبق عن ابن الصلاح - رحمه الله - قوله في ((شرح مسلم)): من حكم لشخص بمجرد رواية مسلم عنه في ((صحيحه)) بأنّه من شرط الصحيح فقد غفل وأخطأ بل ذلك يتوقف على النظر في كيفية رواية مسلم عنه وعلى أي وجه اعتمد عليه اهـ من ((التدريب)) (١٢٩/١)، وفي ((نصب الراية)) للزيلعي (٣٤١/١ - ٣٤٢) قال رحمه الله إن صاحبي ((الصحيح)) قد يخرجان لرجل عن شيخ معين؛ لضبطه حديثه، وخصوصيته به. ولم يخرجا حديثه عن غيره؛ لضعفه فيه، أو لعدم ضبطه حديثه، أو لكونه غير مشهور بالرواية عنه، أو لغير ذلك. كما أخرجا حديث خالد بن مخلد القطواني عن سليمان بن بلال، وغيره ولم يخرجا له عن عبدالله بن المثنى؛ لكونه غير معروف بالرواية عنه. إلخ. اهـ. (٢) ذكر ذلك الحافظ ابن حجر - رحمه الله - في ((الفتح)) (٤٢٩/٨) تفسير سورة الحج. (٣) قال الزيلعي في ((نصب الراية)) (٣٥٩/١ - ٣٦٠): وأحاديث الجهر بالبسملة وإن كثرت رواتها لكنها ضعيفة، وكم من حديث كثرت رواته، وتعددت طرقه، وهو حديث ضعيف = ٢١٩ إنّما هو مشهور بين الكذابين فقط؟ هذا مما يؤكد لنا أنّه موضوع ومفترى على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فعلى هذا يُحمل كلام الحافظ - رحمه الله -، لكن هنا مسألة لا بدّ أن نتنبه لها: فمن المحتمل؛ أنّنا نحكم على الرجل بأنّه ((متروك))، لكن الحافظ - رحمه الله - لا يرى أنّه ((متروك))، فيرى أنَّ كثرة الطرق حينئذٍ تنفع؛ لأنَّه يرى أنَّ الرجل ضعيف، وكذلك الاختلاف في مسألة الاستشهاد بالمنقطع، والمعضل، والمرسل، ومجهول العين له أثر في ذلك، فقد يكون المخالف ممن يقول: ((لا يستشهد بمثل هذه الأشياء))، ولكن الحافظ يستشهد بها إذا كثرت الطرق وتباينت مخارجها، فينبغي أن تقيد هذه الكلمة المسؤول عنها بالحديث الذي كان الحافظ بصدده، ويجب أن ننظر هل سلّم الحافظ بأنّ مفردات هذه الأسانيد شديدة الجرح؟ إن كان كذلك - ولا أراه يكون - ففي هذه الحالة لنا أن ننتقد أو نعترض على الحافظ(١)، أمَّا أنا فأحسن الظن بالحافظ ابن كحديث ((الطير))، وحديث ((الحاجم والمحجوم))، وحديث: ((من كنت مولاه فعلي = مولاه))، بل قد لا يزيد الحديث كثرة الطرق إلا ضعفاً؟ اهـ. وانظر نحو هذا الكلام في ((الباعث الحثيث)) (ص: ٣٨) للشيخ أحمد شاكر - رحمه الله تعالى -. (١) ومن الأمثلة على ذلك: ما ذكره الحافظ - رحمه الله تعالى - في ((الفتح)) (٤٢٩/٨) تفسير سورة الحج في الكلام على قصة الغرانيق، فقد ذكر - رحمه الله - طرق هذه القصة . ثم قال: وكلها سوى طريق سعيد بن جبير إمّا ضعيف أو منقطع، لكن كثرة الطرق تدل على أنَّ للقصة أصلًا مع أنَّ لها طريقين آخرين مرسلين رجالهما على شرط الصحيحين أحدهما ما أخرجه الطبري من طريق يونس بن يزيد عن ابن شهاب حدثني أبو بكر بن عبدالرحمن بن الحارث بن هشام فذكر نحوه والثاني ما أخرجه أيضاً من طريق المعتمر بن سليمان، وحماد بن سلمة فرقهما عن داود بن أبي هند، عن أبي العالية، وقد تجرأ أبو بكر بن العربي كعادته فقال: ذكر الطبري في ذلك روايات كثيرة، باطلة لا أصل لها، وهو إطلاق مردود عليه وكذا قول عياض هذا الحديث لم يخرجه أحد من أهل الصحة ولا رواه ثقة بسند سليم متصل مع ضعف نقلته واضطراب رواياته، وانقطاع إسناده، وكذا قوله: ومن حملت عنه هذه القصة من التابعين والمفسرين لم يسندها أحد منهم ولا رفعها إلى صاحب، وأكثر الطرق عنهم في ذلك ضعيفة واهية. ثم قال الحافظ: وجميع ذلك لا يتمشى على القواعد فإنَّ الطرق إذا كثرت وتباينت = ٢٢٠