النص المفهرس
صفحات 161-180
كتبه، أو في كثير من المواضع من ((السلسلة الصحيحة)) يصرح بأن الرجل إذا روى عنه جماعة أو اثنان فأكثر، فإنّه يحسِّن حديثه، ويقبله، إذا ذكره ابن حبان في ((الثقات)) (١) وتتبعت هذه المواضع فرأيته يفعل ذلك إذا كان من التابعين، لكن الذي تطمئن إليه النفس - في الجملة - أن الراوي لا يخرج عن كونه مجهول حال، لأنّ ابن حبان مشهور بتساهله في توثيق المجاهل، فانفراده بإدخال الرجل في ((الثقات)) أمر مريب، ويجعل طالب العلم يتوقف في هذا التوثيق، ولا يعتمد عليه، وفي ((الضعيفة)) رأيت صنيع شيخنا الألباني - حفظه الله - قد يخالف هذا في بعض المواضع، وهذا من الشيخ - عافاه الله من كل سوء - ليس معناه الاضطراب كما يظن بعض أهل الأهواء، بل لعله قد ظهرت له قرائن، ولم تظهر للناظر في كتبه والله أعلم. س ٤٢: ثقة في حفظه شيءٌ، أو ((صدوق في حفظه شيءٌ)) في أي المراتب هما من سُلَّم الجرح والتعديل؟ ج ٤٢: بين العبارتين فرق واضح، فقولهم: ((ثقة في حفظه شيء)) أقل أحواله أن يكون حسن الحديث، ويحتمل أن يكون صحيح الحديث، حتى يثبت أن هذا الحديث من أوهامه(٢)، ما لم تظهر قرنية تدل على أن = كل منهما أن يقال: ((مجهول)) حال أو مستور كما رجّحه المؤلف، والله أعلم. (١) ذكر ذلك الشيخ الألباني - حفظه الله تعالى - مفصلًا في كتابه ((تمام المنة)) في (ص: ٢٠٥ - ٢٠٦) ومن صنيعه في ((الصحيحة)) ما قاله - حفظه الله تعالى - تعليقاً على حديث: ((عليكم بالإثمد فإنه منبتة للشعر ... ))، قال: وإسناد رجاله كلهم ثقات معروفون غير عون هذا فأورده ابن حبان في ((الثقات)) (١٢٨/٢)، وقال: يروي عن أبيه، عن جده، روى عنه عبدالملك بن أبي عياش، قلت : - والكلام له حفظه الله - فقد روى عنه يونس بن راشد أيضاً وزاد في ((الجرح والتعديل)) (٣٨٦/١/٣): محمد بن موسى فالسند حسن، كما قال المنذري في ((الترغيب)) (١١٥/٣). (٢) قال الشيخ المعلمي - رحمه الله تعالى - في ترجمة مسلم بن أبي مسلم المجرمي: وقد قدمنا في ترجمة ابن حبان أن توثيقه لمن قد عرفه من أثبت التوثيق، وقوله: ((ربّما = ١٦١ ثقة في دينه، ليِّن في حفظه، فذاك أمر آخر. وأمّا قولهم: ((صدوق في حفظه شيء)) فهو عبارة عن قولهم: صدوق في حفظه لين، فلا يرتقي للحسن، ويكون من ألفاظ الشواهد والمتابعات(١). فالعبارة الأولى تتردد بين الدرجة الثانية والثالثة، من سلَّم الجرح والتعديل، مرتبة ((ثقة)) أو مرتبة ((صدوق))، إلّا أن تظهر قرينة تدل على أنّه ثقة في دينه، أمّا في ضبطه ففي حفظه شيء، فلا فرق بينهما حينئذٍ، والله أعلم. س ٤٣: ((فلان يرفع الموقوفات)) هل إذا كثر ذلك منه يُعتبر دليلاً على اختلاطه؟ ج ٤٣: لا يلزم من ذلك الاختلاط، إنّما يدل على ضعف في حفظه. ورفع الموقوفات معناه: أن غيره من الثقات يروي الحديث موقوفاً، أمّا هو فيرفعه، وذلك بسبب سوء الحفظ، أو الاختلاط، أو قبوله للتلقين، أو التهمة بالكذب، وقد يكون كذاباً يرفع الموقوفات، أي: يرفعها عمداً لا عن وهم أو اشتباه، فيكون في هذه الحالة كذاباً، وقد يكون عن سوء حفظ، أو للاختلاط الذي طرأ عليه، وتطلق هذه العبارة ونحوها كقولهم: ((فلان من الرفّاعين)» غالباً على من في حفظه كلام، ويهم لا عن عمد، وإذا أخطأ)) لا ينافي التوثيق وإنّما يظهر أثر ذلك إذا خالف من هو أثبت منه. اهـ ((التنكيل)) = (ص / ٧١٢ رقم ٢٤٤). قلت: وقد نبه على ذلك ابن حبان - رحمه الله تعالى - في ((ثقاته))، فقال في ترجمة أبي بكر بن عياش: (( ... كان يخطئ ولم يغلب خطؤه على صوابه ... ))، ثم قال: والصواب في أمره مجانبة ما عُلِم أنّه أخطأ فيه والاحتجاج بما يرويه سواء وافق الثقات أو خالفهم؛ لأنّه داخل في جملة أهل العدالة ومن صحت عدالته لم يستحق القدح ولا الجرح، إلّا بعد زوال العدالة عنه بأحد أسباب الجرح، وهكذا حكم كل محدث ثقة صحت عدالته وتبين خطؤه. اهـ (٦٦٩/٧ - ٦٧٠). (١) انظر ما قاله الشيخ - حفظه الله تعالى - في ((الجزء الثاني)). ١٦٢ أرادوا أن يقولوها في الكذاب، قالوا: يزيد في الأسانيد، والله أعلم (١). س ٤٤: هل المختلط يختلق في الحديث؟ ج ٤٤: المختلط إذا كان من أهل الشواهد والمتابعات فهو لا يختلق، لكن إذا فَحش اختلاطه، وأصبح من مراتب الرد والترك، فمن المحتمل أن يختلق هذه الأحاديث لا عن قصد، ولكن عن وهم، وعدم شعور، بأنّه يكذب على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والرجل إذا بلغ هذه المنزلة من الضعف، يأتيه الكذّابون، ويلقنونه هذه الأحاديث، لا سيما إذا كان ذاك الرجل شيعياً، أو صاحب بدعة أو مقالة من مقالات أهل الأهواء، وكان عاميّاً، فيأتيه دعاة البدعة، ويلقنونه هذه الأحاديث، والله المستعان(٢). (١) انظر كلام الشيخ - حفظه الله تعالى - في ((شفاء العليل)) عند قولهم: ((فلان يوصل الحديث)) (ج١، ص: ١٦٤)، وعند قولهم: فلان كان رفّاعاً، أو ((كان من الرفّاعين)) (ج١، ص: ١٧٨) وعند قولهم: ((كان فلان يرفع أشياء لا ترفع))، (ج١ ص: ٢٠٤). فائدة : قال الذهبي - رحمه الله - في ((سير أعلام النبلاء)) (٥١٣/١٣) ترجمة الحسن بن علي بن شبيب البغدادي المعمري: قال أبو أحمد بن عدي: كان المعمري كثير الحديث صاحب حديث بحقه، كما قال عبدان: إنّه لم يرَ مثله، وما ذكر عنه أنّه رفع أحاديث وزاد في متنون، قال: هذا شيء موجود في البغداديين خاصة وفي حديث ثقاتهم، وأنّهم يرفعون الموقوف، ويصلون المرسل، ويزيدون في الإسناد، قال الذهبي: بثست الخصال هذه، وبمثلها ينحط الثقة عن رتبة الاحتجاج به، فلو وقف المحدث المرفوع، أو أرسل المتصل لساغ له كما قيل أنقص من الحديث ولا تزيد فيه. اهـ، وسيأتي إن شاء الله تفصيل ذلك في السؤال رقم (١١٨). (٢) ومثال ذلك: ما روي أنَّ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم سمع صوت غناء فقال انظروا ما هذا؟ قال أبو برزة: فصعدت فنظرت فإذا معاوية وعمرو بن العاص يتغنيان، فجئت فأخبرت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقال: ((اللهم اركسهما في الفتنة ركساً ودعهما إلى النار دعا))، قال الشوكاني في ((الفوائد المجموعة)) ذكره ابن الجوزي، وقال: لا يصح، يزيد بن أبي زياد كان يتلقن، قال في ((اللآلئ)): هذا لا يقتضي الوضع اهـ. قلت: وعلق عليه المعلمي - رحمه الله - فقال: لكنّه مظنة رواية الموضوع فإن معنى قبول التلقين؛ أنّه قد يقال له: أحدثك فلان عن فلان، بكيت، وكيت؟ فيقول: نعم، = ١٦٣ س ٤٥: إذا قال إمام في راوٍ: مجهول، وقال آخر: ثقة، فهل يعتبر جواباً على تجهيله؟ ج ٤٥: لا شك أنَّه إذا كان الموثّق ليس من المتساهلين في توثيق المجاهيل، فالمثبت مقدم على النافي، ومن علم حجة على من لم يعلم، ومع المثبت زيادة علم ليست مع النافي، هذا كله إذا لم يكن الموثق معروفاً بالتساهل، لكن الرجوع إلى القرائن أمر مهم جداً، فقول إمام من الأئمة على أحد الرواة: ((مجهول))، وهو من قبيلته، ومن أهل بلده، ومن طبقته، كقول أحمد أو ابن معين في رجل بغدادي أو شيباني: بأنَّه مجهول، ثم نقف على توثيق الحاكم أو الترمذي أو ابن حبان له، فإننا نزداد تأكيداً بأن قول من جهَّله أولى من قول من وثّقه(١) . وهذا بخلاف قول أحمد في راوٍ مصري: مجهول، ثم نقف على كلام إمام مثل أبي سعيد بن يونس، الذي ألّف ((تاريخ مصر)) والذي بلغ المنتهى في رجال الغرب مصر وإفريقيا، فيوثق الرجل، فهنا نقول: من علم حجة على من لم يعلم، فالرجوع للقرائن أمر مهم، والقول في هذه الحالة قول ابن يونس كما صرح بذلك الحافظ ابن حجر(٢)، والمسألة ترجع إلى حدثني فلان بن فلان بكيت وكيت، مع أنّه ليس لذلك أصل وإنّما تلقنه وتوهم أنّه من = حديثه، وبهذا يتمكن الوضّاعون أن يضعوا ما شاءوا، ويأتوا إلى هذا المسكين فيلقنونه فيتلقن ويروي ما وضعوه ... ولا أرى البلاء إلّا من يزيد فإنّه من أئمة الشيعة الكبار والراوي عنه لهذا الخبر شيعي وله عنه خبر باطل، وإذا كان من أئمة الشيعة فلا (بدع) أن يستحوذ عليه بعض دجاجلتهم فيلقنه الموضوعات ... اهـ ((تحقيق الفوائد المجموعة)) (ص: ٤٠٨ رقم ٥٨). (١) جاء في ((الميزان)) (٢٧/٢) ترجمة دغفل بن حنظلة النسابة ... قال فيه أحمد: ((ما أعرفه)) قال الحافظ الذهبي - رحمه الله -: يكفي في جهالته كون أحمد ما عرفه وهو ذهلي شيباني. قلت: وساق بعده قول ابن سيرين: كان دغفل رجلًا عالماً، ولكن اغتلبه النسب، ومع هذا حكم عليه الذهبي - رحمه الله - بالجهالة معتداً بقول أحمد، والله أعلم. (٢) قال الحافظ ابن حجر - رحمه الله - في ((التهذيب)) (٢١٨/٦) ترجمة عبدالرحمن بن عبدالله الغافقي وابن يونس إليه المرجع في ((معرفة أهل مصر والمغرب)). اهـ. = ١٦٤ بلديّ الرجل، ورسوخه في النقد، وهل هو في زمانه أم لا، وهل هو متساهل، أو متشدد؟ هذه كلها أشياء يحتاج إليها طلبة العلم عند الترجيح بين كلام الأئمة، الذي ظاهره التعارض في تراجم الرواة، والله أعلم. س ٤٦: الراوي إذا كان ضعيفاً في حديث أهل بلد، وروى عن غير أهل هذه البلد، فما حال حديثه؟ ج ٤٦: يكون حديثه قوياً في غير أهل هذه البلدة، وإذا نصوا على أنَّ الراوي قوي في أهل بلده، دل على أنّه ضعيف في غير أهل تلك البلدة، لكن إذا ذكروا أنَّ الراوي حدّث ببلدة كذا بأحاديث، ووهم فيها، مثلما قالوا في معمر، وذكروا أنّه حدث بالبصرة أحاديث فوهم فيها (١)، فائدة : = وقد يوثق الإمام أحد المجهولين لاشتباه اسمه باسم أحد الرواة المشهورين، مثاله ما جاء في ((الميزان)) (٣٤٣/٢) ترجمة الحكم بن عتيبة بن نهاس كوفي. قال الذهبي: ذكره ابن أبي حاتم وبيض له: ((مجهول))، وقال ابن الجوزي: إنّما قال أبو حاتم: هو مجهول لأنّه ليس يروي الحديث وإنّما كان قاضياً بالكوفة وقد جعل البخاري هذا والحكم بن عتيبة الإمام المشهور واحداً فعُدّ من أوهام البخاري. اهـ. (١) في رواية الأثرم، قال أحمد: حديث عبدالرزاق عن معمر أحب إلي من حديث هؤلاء البصريين، كان يتعاهد كتبه وينظر - يعني باليمن - وكان يحدثهم بخطأ بالبصرة، وقال يعقوب بن شيبة سماع أهل البصرة من معمر حين قدم عليهم فيه اضطراب؛ لأنّ كتبه لم تکن معه. اهـ. من ((شرح العلل لابن رجب)) (٧٦٧/٢). هذا وقد ذهب الحافظ ابن حجر - رحمه الله - كما في ((التلخيص الحبير)) (١٩٢/٣ - ١٩٣) إلى تضعيف حديث معمر الذي حدث به في غير اليمن على الإطلاق، فقال: ((وحكى الحاكم عن مسلم أنّ هذا الحديث مما وهم فيه معمر بالبصرة، قال فإن رواه ثقة خارج البصرة حكمنا له بالصحة، وقد أخذ ابن حبان والحاكم، والبيهقي بظاهر هذا الحكم فأخرجوه من طريق معمر من حديث أهل الكوفة وأهل خراسان، وأهل اليمامة عنه، قال الحافظ: قلت: ولا يفيد ذلك شيئاً فإن هؤلاء كلهم إنّما سمعوا منه بغيرها، فحديثه الذي حدث به في غير بلده مضطرب لأنّه كان يحدث في بلده من كتبه على = ١٦٥ فليست كل رواية فيها تلميذ بصري عن معمر تكون مضعفة - وإن كان ذلك هو الأصل - لاحتمال أنّ هذا البصري أخذ من معمر خارج البصرة، لكن إذا لم تقم قرينة تدل على ذلك، ضُعِّفت رواية هذا البصري عن معمر، لا سيما إذا كان فيها مخالفة من معمر لرواية الثقات، والله أعلم(١). س ٤٧: ابن حبان يدخل الراوي في كتابه ((الثقات)) ويقول: ((يغرب))، فهل هذا تضعيف منه؟ فإن كان كذلك؛ فما وجه إدخاله في كتاب ((الثقات)) دون ((المجروحین)»؟ ج ٤٧: قول ابن حبان في ((الثقات)) في الراوي: يخطىء، أو يغرب، أو ربّما أغرب، أو ربّما أخطأ، هذه الكلمات ليست تضعيفاً صريحاً منه حتى نقول: إذا كان كذلك، فلماذا لا يدخله في ((المجروحين)). ولكن يُنظر ما عدد أحاديث هذا الراوي؟ فإذا كان مكثراً، فلا تضره الغرائب، وإذا كان مقلا، وليس معه إلّا حديث واحد مثلًا، وأغرب فيه، فيكون متروكاً، وقد رد بهذا أو نحوه الحافظ ابن حجر - رحمه الله تعالى - على ابن حبان، في ترجمة بعض الزواة، الذي قال فيه ابن حبان هذه المقالة، مع إدخاله إياه في ((الثقات))، وليس له إلّا حديث واحد، وعلى كل حال فهذه الكلمة ليست جرحاً صريحاً من ابن حبان، حتى نقول: يلزمه أن الصحة، وأمّا إذا رحل فحدث من حفظه بأشياء وهم فيها اتفق على ذلك أهل العلم = كابن المديني والبخاري وأبي حاتم ويعقوب بن أبي شيبة وغيرهم. اهـ. (١) أقول: وقد يرد سؤال آخر وهو: ما حال رواية الراوي المضعف في روايته عن أهل بلد معين إذا روى عنهم؟ والجواب: أنَّ روايته صالحة في الشواهد والمتابعات إلّا أن يكون جرحه شديداً في أهل هذه البلد. ومثال من يستشهد بروايته إسماعيل بن عياش في روايته عن المدنيين والمصريين كلام، فإذا روى عنهم، فروايته صالحة للاستشهاد، وقد أجاب بمثل ذلك شيخنا مقبل بن هادي الوادعي - حفظه الله - في كتابه ((المقترح)) (السؤال رقم ٢٨) والله أعلم. ١٦٦ ينقل هذه الترجمة من كتاب ((الثقات)) إلى كتاب ((المجروحين)) (١)، فإن كتاب ((المجروحين)) لمن كان الجرح فيهم ظاهراً، والعكس في كتاب ((الثقات))، وإن كان ابن حبان قد يخرج عن ذلك في بعض التراجم، ولذلك عده بعضهم بأنه صاحب تهاويل. وكما أن هذه العبارات ليست جرحاً صريحاً من ابن حبان، فكذلك ليست جرحاً صريحاً من غيره، وليست كقولهم: ((ضعيف))، وإن كان فيها تليين للراوي، وكذا قوله: ((فلان صدوق يغرب))، أو ((صدوق يهم)) ليس كقولهم: ((فلان ضعيف))، فإن القول الأخير أظهر في الضعف من القول الأول، والله أعلم. س ٤٨: رجل قيل فيه: ((مصري مشهور))، وقال ابن القطان: ((لا يُعرف))، وروى عنه جماعة، ووثقه ابن حبان، فما حاله؟ ج ٤٨: أولًا الشهرة لا يلزم منها التوثيق، فقد يكون مشهوراً بالكذب، وقد يكون مشهوراً بالغزو، وقد يكون مشهوراً بالعبادة، وقد يكون مشهوراً في غير الحديث، كما أنّه قد يكون مشهوراً في الحديث، فقولهم: ((مشهور)) ليس فيه إثبات تعديل بمجرده. وأمّا ابن القطان الفاسي فقد شهر عنه أنّه يطلق الجهالة وعدم المعرفة على أناس مشهورين، وقد صرح بذلك الحافظ الذهبي - رحمه الله تعالى - في كتابه («الميزان)) وغيره(٢)، فإنه كثيراً ما يقول: ((مجهول العدالة)) أو (١) قال المعلمي - رحمه الله تعالى - في ((التنكيل)) (ص: ٥٤٠) ترجمة عبدالرحمن بن الحكم بن بشير بن سلمان: وأمّا الغرائب فمن كثر حديثه كثرت غرائبه، وليس ذلك بقدح ما لم تكن مناكير، الحمل فيها عليه. اهـ. (٢) قال الذهبي - رحمه الله -: وابن القطان يتكلّم في كل من لم يقل فيه إمام عاصر ذلك الرجل، أو أخذ عمن عاصره مما يدل على عدالته، وهذا شيء كثير، ففي ((الصحيحين)) من هذا النمط خلق كثير مستورون ما ضعفهم أحد ولا هم بمجاهيل ((الميزان)) (٥٥٦/١). ١٦٧ (مجهول الحال)) أو ((لا نعرف حاله)) على من قد ثبتت عدالته، وقد فضَّلْت ذلك بشواهده في ((شفاء العليل))، فارجع إليه (١). س ٤٩: كيف يعرف أنّ فلاناً متساهل، أو متشدد في الجرح والتعديل؟ ج ٤٩: الناقد من النقاد يُعرف هل هو متشدد أو متساهل أو معتدل إما بنص العلماء الحفاظ المتأخرين عنه، أو المعاصرين له، بأنّه متشدد، أو متساهل، أو معتدل، وإما بالاستقراء، والاستقراء: عبارة عن جمع أقوال هذا الإمام في الرواة، وتقارن هذه الأقوال بأقوال غيره من الأئمة الذين ثبتت شهرتهم وعدالتهم في هذا الشأن، وثبت اعتدالهم في الأحكام، ويُنظر هل يوافقهم، أو يخالفهم، فإما أن تكثر منه الموافقة، وإما أن تكثر منه المخالفة. فإذا كان يكثر من الموافقة للحفّاظ المعتدلين، حكموا فيما انفرد به بأنّه معتدل فيه، وإن كان يكثر من المخالفة، سواء كانت المخالفة بالتساهل، أو بالتشدد، حكموا على ما انفرد فيه بأنه متشدد، أو بأنه متساهل، حسب نوع المخالفة، وأيضاً يُعرف هذا من تصريح الإمام منهم بالتزامه قاعدة معينة، فإذا نظرنا في القاعدة بميزان النقد العلمي، علمنا أنّ فيها تساهلًا، كقاعدة ابن حبان في التوثيق، أو علمنا أنّ فيها تشدداً، كتصريح الإمام مالك - رحمه الله - بأن العلم لا يؤخذ إلّا عمن اشتهر بطلب الحديث، وطال اشتغاله به، وقد رد ذلك الحافظ في ((لسان الميزان))، ونسب القائلين بهذه القاعدة إلى التعنت (٢)، على أن هذه الطرق (١) ((الشفاء)) (٢٩٤ - ٢٩٥): وبالنسبة إلى ما ورد في السؤال فقول ابن القطان في الرجل: لا يعرف، مقدم على ذكر ابن حبان له في ((الثقات)) ويكون الراوي مجهول حال في الحديث، والله أعلم. وقد نبه على ذلك الشيخ العلامة عبدالرحمن بن يحيى المعلمي - رحمه الله - في ((الأنوار الكاشفة)). فليراجع في (ص: ٢٦٩). (٢) قال الحافظ في ((لسانه)) (٨٦/١) ترجمة إبراهيم بن عمر القصار: حدث عن ابن أبي نصر قال الكتاني لم يكن الحديث من صنعته، وقال أبو بكر بن موسى الحداد ثقة. انتهى. ١٦٨ = قد كفيناها بكلام الحفّاظ في الرواة، بقولهم: فلان معتدل، أو متساهل، أو متشدد، إلّا أنّه لا يمنع أيضاً أن يكون هناك اجتهاد في هذه المسألة، حول الأئمة الذين لم نقف على كلام فيهم، أو عند اختلاف الأئمة فيهم. وقد يكون للإمام نفسه في الراوي الواحد عدة أقوال، فلا بد من معرفة ما السبب في ذلك؟ هل هو تغير اجتهاد، أم هو تغير في كيفية السؤال؟ فقد يُسأل بهيئة، فيجيب بجواب، ويسأل بهيئة أخرى، فيجيب بجوابٍ آخر، والراوي المسؤول عنه واحد. فأحياناً يسأله السائل، ويقول: ماذا تقول في فلان وفلان؟ ويقرنه برجل ثقة، فيقول: هذا ضعيف أي: بالنسبة إلى ذاك الثقة، فإنّه يعتبر ضعيفاً، فيسأله عنه مرة ثانية، ويقرنه برجل ضعيف، فيقول: ماذا تقول في فلان وفلان؟ فيقول: هذا ثقة، أي: هو أحسن حالاً من هذا الضعيف، فالتوثيق أو التجريح هنا أمر نسبي في تلك الحالتين، فهذا لا يكون كافياً في الحكم على الرجل كحكم عام، فلا بد من معرفة كيفية السؤال الذي وجه إلى المسؤول، ومعرفة جوابه على من سئل عنه، هل أجاب عليه جواباً واحداً، أو اختلفت أقواله، وما السبب في تغير أقواله، هل هو تغير الاجتهاد، وهل كان يضعفه، ثم بان له أنّه ثقة، أم العكس؟ أم أنّ الرجل سئل سؤالًا محتفاً بقرائن معينة، ولما سئل بموضع آخر خالٍ من هذه القرائن خالف حكمه الأول؟ كما بيّن ذلك الحافظ ابن حجر - رحمه الله تعالى - في مقدمة (لسان الميزان)) فقد ذكر طرفاً من ذلك(١)، وقد ذكر الشيخ المعلمي - رحمه الله قال الحافظ: والقدح بهذا إنّما يجيء على مذهب أهل التشديد ممن يشترط فيمن يقبل = حديثه أن يكون من أهل الفن وقد جاء ذلك عن الإمام مالك وعن قليل ولم يشترط ذلك الجمهور فإن كان الراوي ضابطاً لما سمعه، ولا سيما إن كان قديماً لم يقدح ذلك في مرويه، ثم إن تعاطى ما لا يعرفه في الكلام على الحديث لم يقبل منه، وبالله التوفيق اهـ. وانظر في ذلك أيضاً ((تدريب الراوي)) (ج٦٩/١ - ٧٠). (١) قال الحافظ ابن حجر: وينبغي أن يتأمل أيضاً أقوال المزكين ومخارجها فقد يقول العدل = ١٦٩ - شيئاً من ذلك، والشاهد من ذكر ما قاله الحافظ والمعلمي: أن الاجتهاد المطلق لأحد الأئمة هو المعتبر عنه، وهو الذي يعرف به كون قائله متساهلًا أو متشدداً أو معتدلاً، بخلاف الاجتهاد المقيّد بحديث معين، أو مقيد بحال الراوي بالنسبة لمن هو دونه أو فوقه، والله أعلم(١). فلان ثقة ولا يريد به أنّه ممن يحتج بحديثه وإنما ذلك على حسب ما هو فيه ووجه = السؤال له فقد يسأل عن الرجل الفاضل المتوسط في حديثه فيقرن بالضعفاء فيقال: ما تقول في فلان وفلان وفلان، فيقول: فلان ثقة، يريد: أنّه ليس من نمط من قرن به، فإذا سئل عنه بمفرده بين حاله في التوسط فمن ذلك أن الدوري قال عن ابن معين: أنّه سئل عن محمد بن إسحاق، فقال: ثقة، فحكى غيره عن ابن معين أنّه سئل عن ابن إسحاق، وموسى بن عبيدة الربذي، أيُّهما أحب إليك؟ فقال: ابن إسحاق ثقة، وسئل عن محمد بن إسحاق بمفرده، فقال: صدوق وليس بحجة، ومثله أن أبا حاتم قيل له : أيّهما أحب إليك يونس أو عقيل؟ فقال: عقيل لا بأس به، وهو يريد تفضيله على يونس، وسئل عن عُقيل، وزمعة بن صالح، فقال: عقيل ثقة متقن، وهذا حكم على اختلاف السؤال، وعلى هذا يحمل أكثر ما ورد من اختلاف كلام أئمة أهل الجرح والتعديل ممن وثق رجلًا في وقت وجرحه في وقت آخر، وقد يحكمون على الرجل الكبير في الجرح، يعني لو وجد فيمن هو دونه لم يجرح به، فيتعين لهذا حكاية أقوال أهل الجرح والتعديل بنصها ليتبين منها، فالعلّة تخفى على كثير من الناس إذا عرض على ما أصلناه، والله الموفق. اهـ (١٧/١). (١) قال - رحمه الله - في ((التنكيل)) (ص: ٢٥٤ - ٢٥٥): ومما يدخل في هذا أنّهم قد يضعفون الرجل بالنسبة إلى بعض شيوخه أو إلى بعض الرواة عنه أو بالنسبة إلى ما رواه من حفظه أو بالنسبة إلى ما رواه بعد اختلاطه، وهو عندهم ثقة فيما عدا ذلك، فإسماعيل بن عياش ضعفوهم فيما روى عن غير الشاميين، وزهير بن محمد ضعفوه فيما رواه عنه الشاميون، وجماعة آخرون ضعفوهم في بعض شيوخهم أو فيما رووه بعد الاختلاط ثم قد يُحكى التضعيف مطلقاً فيتوهم أنّهم ضعفوا ذلك الرجل في كل شيء، ويقع نحو هذا في لتوثيق راجع ترجمة عبدالرحمن بن عبدالله بن عتبة بن عبدالله بن مسعود، قال أحمد: مرة ثقة، وكذا قال ابن معين، ثم بين كل منهما مرة أنّه اختلط، وزاد ابن معين فبين أنّه كان كثير الغلط عن بعض شيوخه غير صحيح الحديث عنهم. ومن ذلك أنَّ المحدث قد يسأل عن رجل فيحكم عليه بحسب ما عرف من مجموع حاله ثم قد يسمع له حديثاً فيحكم عليه حكماً يميل فيه إلى حاله في ذاك الحديث، ثم قد يسمع له حديثاً آخر فيحكم عليه حكماً يميل فيه إلى حاله في هذا الحديث الثاني، فيظهر بين كلامه في هذه المواضع بعض الاختلاف، وقع مثل هذا للدّارقطني في ((سننه)) = ١٧٠ س ٥٠: إذا لم نجد للراوي في ترجمته: إلاّ تجريح متشددٍ أو توثيق متساهلِ، فما الحكم؟ ج ٥٠: إذا نظر الطالب في الترجمة فلم يجد - مثلًا - إلّا قول القطان وغيرها وترى بعض الأمثلة في ترجمة الدارقطني من قسم التراجم، وقد ينقل الحكم = الثاني أو الثالث وحده فيتوهم أنّه حكم مطلق. أقول: وفي قسم لتراجم (ص: ٥٨٨ - ٥٨٩) قال - رحمه الله -: ينبغي أن تعلم أن كلام المحدث في الراوي يكون على وجهين: الأول: أن يسأل عنه فيحيل فكره في حاله في نفسه وروايته ثم يستخلص من مجموع ذلك معنی یحکم فيه. الثاني: أن يستقر في نفسه هذا المعنى ثم يتكلّم في ذاك الراوي في صدد النظر في حديث خاص من روايته، فالأول هو الحكم المطلق الذي لا يخالفه حكم آخر مثله إلا لتغير الاجتهاد، وأما الثاني فإنّه كثيراً ما ينحى به نحو حال الراوي في ذاك الحديث؛ فإذا كان المحدث يرى أنَّ الحكم المطلق في الراوي أنّه صدوق كثير الوهم ثم تكلّم فيه في صدد حديث من روايته ثم في صدد حديث آخر وهكذا، فإنّه كثيراً ما يتراءى اختلاف ما بين كلماته فمن هذا: أنَّ الحجاج بن أرطأة عند الدارقطني صدوق يخطئ فلا يحتج بما ينفرد به واختلفت كلماته فيه في ((السنن)) فذكره (ص ٣٥) في صدد حديث وافق فيه جماعة من الثقات فعده الدارقطني في جملة ((الحفاظ الثقات)) كما مر، وذكره (ص: ٥٣١) في صدد حديث أخطأ فيه، وخالف مسعراً وشريكاً، فقال الدارقطني: ((حجاج ضعيف)) وذكره في مواضع أخرى فأكثر ما يقول: ((لا يحتج به)) وعلى هذا ينزل كلامه في ابن أبي ليلى فإنّه عنده صدوق سيء الحفظ ففي (ص: ٤٦) ذكر حديثاً رواه إسحاق الأزرق عن شريك عن ابن أبي ليلى عن عطاء عن ابن عباس مرفوعاً في طهارة المني، وذكر أنَّ وكيعاً رواه عن ابن أبي ليلى عن عطاء، عن ابن عباس، من قوله، وقد رواه الشافعي عن ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، وابن جريج كلاهما عن عطاء، عن ابن عباس من قوله، فالحديث صحيح عن ابن عباس من قوله، وقد رواه وكيع وهو من الثقات الأثبات عن ابن أبي ليلى كذلك، ورواه شريك عن ابن أبي ليلى فرفعه، فحال ابن أبي ليلى في هذا الحديث جيدة؛ لأنّه في أثبت الراويتين عنه وافق الأثبات، وفي رواية الأزرق عن شريك عنه رفعه وقد يحتمل أن يكون الخطأ من الأزرق، أو من شريك فإن الأزرق ربّما غلط وشريكاً كثير الخطأ - أيضاً -، وقد رواه وكيع، عن ابن أبي ليلى على الصواب، فلهذا اقتصر الدارقطني على قوله: ((لم يرفعه غير إسحاق الأزرق عن شريك، محمد بن عبدالرحمن هو ابن أبي ليلى ثقة في حفظه شيء ... إلخ)). وانظر كذلك (ص: ٥٨٦ - ٥٨٧) من ((التنكيل)) والله أعلم. ١٧١ بأن الراوي ضعيف، ووجد توثيق ابن حبان للراوي، أو توثيق الحاكم، فيقدم كلام القطان؛ لأنّنا لو فرضنا أن ابن حبان أو الحاكم قد تفرد أحدهما بهذا القول، ولم يكن له معارض، فنحن لا نعتمد كلامه كاملًا، وهذا ما لمسته من صنيع الحافظ في ((التقريب)) عند تعليقي على أحكامه في ((التقريب))، فتراه يترجم لمن انفرد بتوثيقه أحد المتساهلين مرة بالجهالة، ومرة بقوله: ((مقبول)) ونادراً ما يقول: ((صدوق)) - وتفصيل ذلك له موضع آخر -. هذا إذا انفرد المتساهل، فكيف إذا قوبل بالمخالف له من المتشددين، لا سيما إذا فسّر جرحه، بكون الراوي سيىء الحفظ، مع العلم بأن سوء الحفظ لا ينافي العدالة، فمن الممكن أن يُحمل توثيق منْ وثق مِنَ المتساهلين على العدالة في الدين، وبهذا فلا تكون هناك معارضة، ولا يقال: إنَّ الرجل إذا ثبتت له منزلة الثقة، فلا يزحزح عنها إلّا بأمر جليٍّ مفسر؛ لأنّنا نقول: بأن مرتبة الثقة لم تثبت بَعْدُ بقول المتساهل، وقولهم: الراوي إذا ثبتت له منزلة الثقة، فلا يزحزح عنها إلّا بأمر جلي، محله إذا ثبتت منزلة الثقة له بالشهرة، أو بقول أهل الاعتدال، أو بقول جمهور الأئمة، لا ما إذا اختلف إمامان فيه بين موثّق ومضعف(١)، أمَّا إذا انفرد متشدد بالجرح، ولم يخالف، فالظاهر اعتماده، بخلاف انفراد المتساهل، والله أعلم. س ٥١: قاعدة: ((الجرح المفسر مقدم على التعديل))، فلو جاء جرح غير مفسر، وجاء تعديل، هل تقلب القاعدة، ويقال: التعديل مقدم على التجريح؟ ج ٥١: إن كان المراد بذلك أن يأتي في الترجمة قولان، أحدهما لابن معين، يقول: (ثقة))، والآخر لأحمد، يقول: ((ضعيف))، فالحافظ في هذا يجمع بين القولين، ويقول: (صدوق))، ولا يهمل الجرح، وإذا قال أحدهم: متروك، وقال الآخر: ثقة. (١) سيأتي - إن شاء الله تعالى - الكلام على هذه القاعدة مفصلًا في السؤال رقم (١١٣). ١٧٢ فالبعض يميل إلى قول من قال: ((متروك))؛ لأنَّه وقف على جرح شديد، وإن لم يفسره، فهو عالم ومدرك لما يقول، و((متروك)) جرح شديد، ولا تطمئن النفس إلى التوثيق، مع قول أحدهم: ((متروك)»، إلّا أن يُحمل على التوثيق في الدين، وقد يقال في مثل ذلك: ضعيف(١). لكن بقي السؤال: هل هذه المسألة موجودة، أم أنّها مسألة نظرية؟ الظاهر أنّها مسألة نادرة؛ لأنَّ الغالب أن أقوال الأئمة متقاربة من بعضها البعض؛ لأنَّهم ما يتكلمون بهوى، إنّما يتكلمون بقواعد، والقواعد قريبة من بعضها البعض، والله أعلم. س ٥٢: قول أحدهم في راوٍ: ((مشهور بالطلب))، هل هو مدح، أو قدح؟ وإذا لم نجد في الترجمة إلاّ هذه العبارة، فما حال صاحب الترجمة؟ (١) قال المعلمي - رحمه الله تعالى - في ((تنكيله)) (ص: ٢٦٣): وقد يكون الجرح متعلقاً بالعدالة مثل ((هو فاسق)) فالتعديل مطلق والمعدل غير خبير بحال الراوي إنّما اعتمد على سبر ما بلغه من أحاديثه، وذلك كما لو قال مالك في مدني: ((هو فاسق))، ثم جاء ابن معين فقال: هو ثقة، وقد يكون المعدل إنَّما اجتمع بالراوي مدة يسيرة فعدّله بناء على أنه رأى أحاديثه مستقيمة والجارح من أهل بلد الراوي، وذلك كما لو حج رازي فاجتمع به ابن معين ببغداد فسمع منه مجلساً فوثّقه، ويكون أبو زرعة وأبو حاتم الرازيان قد قالا فيه: ((ليس بثقة ولا مأمون)) ففي هذه الأمثلة لا يخفى أنَّ الجرح أولى أن يؤخذ به. فالتحقيق أنّ كلّا من التعديل والجرح الذي لم يبين سببه يحتمل وقوع الخلل فيه والذي ينبغي أن يؤخذ منهما هو ما كان احتمال الخلل فيه أبعد من احتماله في الآخر، وهذا يختلف ويتفاوت باختلاف الوقائع والناظر في زماننا لا يكاد يتبين له الفصل في ذلك إلّا بالاستدلال بصنيع الأئمة، كما إذا وجدنا البخاري ومسلماً قد احتجا أو أحدهما براوٍ سبق ممن قبلهما فيه جرح غير مفسر، فإنّه يظهر لنا رجحان التعديل غالباً وقس على ذلك، وهذا تفصيل ما تقدم في القاعدة الخامسة عن ابن الصلاح وغيره، لكن ينبغي النظر في كيفية رواية الشيخين عن الرجل فقد يحتجان أو أحدهما بالراوي في شيء دون شيء وقد لا يحتجان به، وإنّما يخرجان له ما توبع عليه، ومن تتبع ذلك وأنعم فيه النظر علم أنّهما في الغالب لا يهملان الجرح البتة بل يحملانه على أمر خاص، أو على لين في الراوي لا يحطه عن الصلاحية به فيما ليس مظنة الخطأ أو فيما توبع عليه ونحو ذلك، راجع الفصل التاسع من ((مقدمة فتح الباري)) اهـ. ١٧٣ ج ٥٢: نص كثير من علماء الحديث على أن من قيل، فيه: مشهور بالطلب، فالأصل في حديثه الصحة؛ لأنَّ الكلام في الرواة جرحاً، أو تعديلًا، ناتج عن كون الأئمة تتبعوا الرواة، وحكموا عليهم حسب ما بلغهم من العلم بأحوالهم، والرجل المشهور بالطلب؛ معروف بسبب شهرته ورحلته، فلماذا لم يتكلّموا فيه بالجرح؟ فإذا رأينا المحدثين لم يجرِّحُوه، مع شهرته، دلَّ ذلك على توثيقه، وكثير من العلماء أو من الرواة عُدِلوا من قبيل الشهرة، وكثرة الثناء عليهم، وإن كانت الشهرة وحدها ليست كاجتماع الشهرة مع الثناء، والمشهور بالطلب يحمل حديثه على الصحة حتى يثبت خلاف ذلك. ذكر ذلك ابن الصلاح والحافظ الذهبي والمزي، وابن حجر، والسخاوي - رحمهم الله - وممكن أن تراجع هذه المسألة في ((فتح المغيث)) للسخاوي(١). (١) قال الخطيب - رحمه الله تعالى -: حدثني محمد بن عبيدالله المالكي أنّه قرأ على القاضي أبي بكر محمد بن الطيب قال: ((والشاهد والمخبر إنَّما يحتاجان إلى التزكية)) متى لم يكونا مشهوري العدالة والرضا، وكان أمرهما مشكلًا ملتبساً، ومجوزاً فيه العدالة وغيرها . قال الخطيب: والدليل على ذلك أن العلم بظهور سترهما، واشتهار عدالتهما أقوى في النفوس من تعديل واحد واثنين يجوز عليهما الكذب والمحاباة في تعديله وأغراض داعية لهما إلى وصفه بغير صفته وبالرجوع إلى النفوس يعلم أن ظهور ذلك من حالة أقوى في النفس من تزكية المعدل لهما فصح بذلك ما قلناه، ويدل على ذلك أيضاً أنّ نهاية حال تزكية المعدّل أن يبلغ طهور ستره، وهي لا تبلغ ذلك أبداً، فإذا ظهر ذلك فما الحاجة إلى التعديل، أخبرنا عبدالرحمن بن عثمان الدمشقي في كتابه إلينا قال أنا أبو الميمون البجلي قال: ثنا أبو زرعة عبدالرحمن بن عمرو، قال: أخبرني عبدالرحمن بن إبراهيم، عن الوليد بن مسلم، قال ابن جابر: لا يؤخذ العلم إلّا عمن شهد له بالطلب، قال أبو زرعة: فسمعت أبا مسهر يقول: إلّا جليس العالم، فإن ذلك طلبه. قال الخطيب: أراد أبو مسهر بهذا القول: أن من عرفت مجالسته للعلماء وأخذه عنهم أغنى ظهور ذلك من أمره أن يسأل عن حاله - والله أعلم - ((الكفاية)) (ص: ١٤٨ - ١٤٩). = هذا وقد يحمل كلام الخطيب - رحمه الله - على من استفاضت عدالته والله أعلم. ١٧٤ واعلم أن الاشتهار بالطلب، أو كثرة الاشتغال بجمع الحديث، يؤدي ذلك بدوره إلى الضبط والإتقان، فمن هنا عُدِّل من كان هذا حاله، لكن يخشى أن تكون هذه مسألة نظرية، ليس لها واقع عملي، فينظر هل هناك مشهور بالطلب، ولم يوثق، ولم يجرح؟ وإن وجد فهو نادر، وهم الذين يقال فيهم: ((رحال أو محدث)) ونحو ذلك، والله أعلم. س ٥٣: هل يستخدم أهل الحديث العلة في غير معناها الاصطلاحي؟ ج ٥٣: بعض أهل الحديث يستخدمها في غير المعنى الاصطلاحي، كالإمام الترمذي يقول في بعض الأحاديث: فيه علّة، والعلة عنده النسخ، أي: أنّها عّة تمنع من العمل به، والالتزام بما فيه من أحكام(١). وقال السخاوي - رحمه الله - في ((فتح المغيث)) (٣٢٢/١ - ٣٢٨): وقال الذهبي = - رحمه الله -: أنَّه حق ولا يدخل في ذلك المستور فإنه غير مشهور بالعناية بالعلم فكل من اشتهر بين الحفاظ بأنّه من أصحاب الحديث وأنّه معروف بالعناية بهذا الشأن، ثم كشفوا عن أخباره فما وجدوا فيه تبيناً، ولا اتفق لهم علمٌ بأن أحداً وثقه فهذا الذي عناه الحافظ، وأنّه يكون مقبول الحديث إلى أن يلوح فيه جرح ... إلخ اهـ. وانظر في ذلك أيضاً السؤال رقم (١٤٣). (١) في (سنن الترمذي)) كتاب العلل (٧٣٦/٥): قال أبو عيسى: جميع ما في هذا الكتاب من الحديث فهو معمول به وقد أخذ به بعض أهل الحديث ما خلا حديثين: حديث ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم جمع بين الظهر والعصر بالمدنية ... الحديث، وحديث النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنّه قال: ((إذا شرب الخمر فاجلدوه فإن عاد في الرابعة فاقتلوه))، وقد بينا علة الحديثين جميعاً في الكتاب. اهـ. قال ابن رجب - رحمه الله - في ((شرح العلل)) (ص: ٣٦). كأن مراد الترمذي - رحمه الله - لغير أحاديث الأحكام، وقد سبق الكلام على هذين الحديثين اللذين أشار إليهما ههنا في موضعهما من الكتاب، وذكرنا مسالك العلماء فيهما من النسخ وغيره، وذكرنا أيضاً عن بعضهم العمل بكل واحد منهما، وقوله قد بيّنا علة الحديثين جميعاً في الكتاب فإنَّما بين ما قد يستدل به للنسخ لا أنّه بين ضعف إسنادهما. اهـ. وفي ((التدريب)) (٣٥٨/١) قال السيوطي - رحمه الله - وسمى الترمذي النسخ علة، قال العراقي: فإن أراد به علة في العمل بالحديث فصحيح، أو في صحته فلا لأنّ في ((الصحيح)) أحاديث كثيرة، منسوخة. اهـ وانظر ((فتح المغيث)) للسخاوي (٢٣٥/١) والله أعلم. ١٧٥ وغيره يقول: هذا حديث فيه علّة، فيه فلان كذاب، أو فيه انقطاع (١). وأما المعنى الاصطلاحي للعلة، فهي سبب خفي يقدح في صحة الحديث، مع أنَّ الظاهر السلامة منه(٢)، وميدان العلل هو أحاديث الثقات، فإنَّ العلماء يبحثون في أحاديث الثقات التي تبدو للناظر بأنَّها صحيحة، ويظهرون فيها علّة(٣) أمّا العلل الظاهرة كالانقطاع، والإعضال، وتهمة الراوي، وجهالة حاله، أو جهالة عينه، والطعن في حفظه، أو عدالته، أو غير ذلك من العلل الظاهرة، فليست من العلل الخفية التي صنف أهل العلم من أجلها. إنَّما صنف أهل العلم كتب العلل حول أحاديث الثقات التي يظهر أنَّها صحيحة، ثم مع جمع الطرق، وتتبع مخارج هذا الحديث، عُلِمَ أنَّ فيه علّة. (١) في ((مقدمة ابن الصلاح)) (ص: ٧٣) قال - رحمه الله -، ثم اعلم أنّه قد يطلق اسم العلّة على غير ما ذكرناه من باقي الأسباب القادمة، في الحديث المخرجة له من حال الصحة إلى حال الضعف، المانعة من العمل به على ما هو مقتضى لفظ العلّة في الأصل، ولذلك نجد في كتب علل الحديث الكثير من الجرح بالكذب، والغفلة وسوء الحفظ، ونحو ذلك من أنواع الجرح ... إلخ اهـ. وانظر ((التقييد والإيضاح)) (ص: ١٢٢) و((تدريب الراوي)) (٢٥٧/١) و ((توضيح الأفكار)) (٣٣/٢). (٢) انظر ((معرفة علوم الحديث)) (١١٢ - ١١٣)، و((مقدمة علوم الحديث)) (ص: ٨١) و((التقييد والإيضاح)) (ص: ١١٦) و(فتح المغيث)) (٢١٠/١)، و((تدريب الراوي)) (٢٥٢/١) و((توضيح الأفكار)) (٢٦/٢) و((الباعث الحثيث)) (ص: ٦٥). (٣) كذا قال أبو عبدالله الحاكم - رحمه الله تعالى - في كتابه ((المعرفة)) حيث قال: وإنَّما يعلل الحديث من أوجه ليس للجرح فيها مدخل فإن حديث المجروح ساقط واه وعلّة الحديث تكثر في أحاديث الثقات أن يحدثوا بحديث له علة فتخفى عليهم علته فيصير الحديث معلولًا والحجة فيه عندنا الحفظ، والفهم، والمعرفة لا غير (ص: ١١٣). وقد قال الحافظ ابن حجر في ((النكت)) (٧١٠/٢): بعد نقله لكلام الحاكم - رحمه الله - فعلى هذا لا يسمى الحديث المنقطع مثلًا معلولًا ولا الحديث الذي راويه مجهول، أو مضعف معلولًا؛ وإنّما يسمى معلولًا إذا آل أمره إلى شيء من ذلك، مع كونه ظاهر السلامة من ذلك، وفي هذا رد على من زعم أنَّ المعلول يشمل كل مردود. اهـ. ١٧٦ وكما قال الإمام علي بن المديني - رحمه الله -: ((الباب الذي لم تُجْمع طرقه لم تعرف علته، أو لم يتبين خطؤه)) فمعرفة العلة تكون بجمع الطرق(١)، ترى الحديث ظاهره الاتصال، فتجمع طرقه، فيظهر لك أنَّ أكثر الرواة، أو أنَّ الحفاظ رووا الحديث مرسلًا، فلولا جمعك الطرق، لحكمت على الحديث بالصحة، وقد سبق أن قررت: أنَّ هذه المسألة مسألة الشذوذ، تنافي باب الشواهد والمتابعات التي يرتقي بها الحديث إلى الصحة، أو الحُسن، فيكون الحديث ضعيفاً، فإذا جمعنا طرقه ارتقى من الضعف إلى الحُسن، لكن هنا فالحديث يكون ظاهره الصحة أو الحسن، فإذا جمعنا طرقه، نزل من الصحة أو الحسن إلى الضعف، فالذي أنصح به طلبة العلم في هذا المقام: أن يفرقوا بين باب الشواهد والمتابعات اللذين بهما يرتقي الحديث من درجة الضعف إلى درجة الحُسْن، أو الصحة، وبين جمع الطرق الذي به ينزل الحديث من درجة الصحة أو الحسن إلى درجة الضعف . لأننا بعض طلبة العلم بل بعض المشاهير يذكرون الحديث، ويكون فيه مخالفة، ويقولون: هذا شاهد لهذا، مع أنَّ الجميع يدور على رجل واحد، أو مخرجه واحد، وفيه زيادة أو نقص في السند، أو في المتن، فتراه إذا جمع الطرق قال: وهذا يشهد لهذا، والصواب أنَّ هذا يُعِلُّ ذاك، (٢) والله أعلم(٢). (١) قال النووي: والطريق إلى معرفته جمع الحديث والنظر في اختلاف رواته وضبطهم وإتقانهم، قال السيوطي: قال ابن المديني: الباب إذا لم تجمع طرقه لم يتبين خطؤه ((تدريب الراوي)) (٢٥٣/١) وقال الخطيب: ((السبيل إلى معرفة علة الحديث أن تجمع طرقه وينظر في اختلاف رواته ويعتبر بمكانهم من الحفظ ومنزلته في الإتقان)) ((مقدمة ابن الصلاح)) (ص: ١٩٥). (٢) ومن أمثلة هذه المتابعات الصورية: ما ذكره الإمام ابن رجب - رحمه الله - في ((فتح الباري)) (٤٦٤/٩ - ٤٦٥): ((قال: وخرجه الإمام أحمد أيضاً من رواية إسماعيل بن مسلم عن الزهري، عن عبيدالله بن عبدالله، عن ابن عباس، عن عبدالرحمن بن عوف، عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وإسماعيل هو المكي ضعيف جداً، وقد قيل: إِنَّه توبع عليه ولا يصحُّ؛ وإنَّما مرجعه إلى إسماعيل، ذكره الدار قطني. اهـ. ١٧٧ س ٥٤: الاختلاف في مسألة السماع، هل هو من العلل الخفية، أم من العلل الظاهرة؟ ج ٥٤: إذا كان المختلفون في درجة واحدة من الفهم والإتقان لهذا الشأن، فالمثبت مقدم على النافي، وعند ذاك فلا تبقى العلة، لكن قد يكون الذي أثبت السماع ليس بتلك المنزلة، ويتبادر للناس أنَّ هذا أثبت السماع، ومع جمع الطرق أقوال العلماء، يظهر لنا بدليل قوي أنَّ هذا الرجل ما سمع، وأن التصريح بالسماع لا يثبت، كما سبق(١)، فهنا يكون من العلل الخفية التي لولا جمع الطرق وجمع أقوال العلماء ما وقفنا عليها. س ٥٥: ذكرت أن ميدان علماء العلل أحاديث الثقات، وأمّا أحاديث الضعفاء والمتروكين والمجهولين والمتهمين، فعلتها واضحة يعرفها غير العلماء، وأن الذي في كتب العلل الشذوذ والاضطراب، والإدراج، وزيادة الثقة، وفلان انفرد بكذا، وفلان خالف فلاناً، فلماذا نرى أحاديث علتها ظاهرة في كتب العلل؟ ج ٥٥: على سبيل المثال قد يذكرون حديث إبراهيم بن أبي يحيى الأسلمي شيخ الإمام الشافعي، وحديث عبدالكريم بن أبي المخارق وهو شيخ الإمام مالك بن أنس، وقد يذكرون حديث عامر بن صالح وهو شيخ الإمام أحمد، وقد يذكرون أيضاً من مشايخ شعبة الضعفاء، أو من مشايخ عبدالرحمن بن مهدي كما في روايته عن جابر الجعفي، وكان يروي عنه فترة من الزمن، ثم تراجع عن ذلك(٢). فلو تأملت: لماذا يذكرون حديث هؤلاء المشهورين بالضعف في كتب العلل؟ لوجدت أنّ ذلك يرجع أيضاً إلى حديث الثقات؛ لأنَّ رواية هؤلاء (١) انظر كلام المؤلف على ذلك في السؤال رقم (٣٨). (٢) قال أحمد: كان عبدالرحمن بن مهدي أولًا يتساهل في الراوية عن غير واحد ثم تشدد بعد وكان يروي عن جابر ثم تركه - انظر ((شرح علل الترمذي)) لابن رجب (١ / ص: ٣٧٧) . ١٧٨ الأئمة المشاهير عن أولئك، قد يتبادر منها للمبتدئين من الطلبة، أو لدى غير المحققين لهذا الشأن، أنّ رواية هؤلاء الأئمة عنهم تنفعهم، وترفع من حالهم، وتحسن من أمرهم، فمن أجل أن لا يقع هذا اللبس، أدخلوا حديث هؤلاء الضعفاء المشهورين في كتب العلل، وقد يكون هذا الثقة قد روى عنه اغتراراً بحاله، كما قال الجوزجاني في كتابه ((أحوال الرجال)) بخصوص رواية مالك عن ابن أبي المخارق قال: ((رحم الله مالكاً غاص فوقع على خزفة منكسرة))(١). ومنهم من يقول: مثلًا إنّه اغتر بهيئته، أو بلبسه، أو سَمْته، فممكن من هذا الباب أن الثقة نفسه يلبس عليه حال الرجل، ويغتر بحاله. فكلام أهل المعرفة بالعلل في مثل هذه المسألة كأنهم يقولون: احذروا من حديث فلان عن فلان، ولا تظنوا أنَّ رواية فلان ترفع من حال فلان، فإنّه قد اغتر به، ولربّما روى عنه من باب البيان فاحذروا؛ لأنّ من المعلوم أن رواية الحديث تكون على ثلاثة أحوال كما يقول سفيان الثوري - رحمه الله -: إني لأكتب الحديث على ثلاثة أحوال: حديث أدين الله به، وهو الصحيح أو الحسن، وحديث أعتبر به، أي: أنظر هل له شواهد، أم لا؟ وحديث أكتبه للمعرفة(٢)، وكان الأئمة (١) انظر ((أحوال الرجال)) الجوزجاني (ص: ٩٧). (٢) ذكره العقيلي في ((الضعفاء)) (١٥/١) وساق سنده إلى الثوري أنّه قال: (إني أحب أن أكتب الحديث على ثلاثة أوجه: حديث أكتبه أريد أن أتّخذه ديناً، وحديث رجل أكتبه فأوقفه لا أطرحه ولا أدين به، وحديث رجل ضعيف أحب أن أعرفه ولا أعبأ به)). وكذا في ((جامع بيان العلم وفضله)) (ص: ٧٦) وإسناد العقيلي وابن عبدالبر يدوران على نعيم بن حماد الخزاعي والراجح فيه والله أعلم عدم الاحتجاج بروايته . قلت: ويغني عنه في الاستدلال إذْ لم أقف على شاهد له ما ذكره ابن رجب - رحمه الله - عن الإمام أحمد في رواية القاسم عنه قال: وابن لهيعة ما كان حديثه بذاك، وما أكتب حديثه إلّا للاعتبار والاستدلال؛ إنّما أكتب حديث الرجل كأني أستدل به مع حديث غيره يشدّه لا أنه حجة إذا انفرد. انظر ((شرح العلل)) لابن رجب (٩١/١). ١٧٩ الحفاظ يكتبون أحاديث الضعفاء، أو يكتبون النسخ الموضوعة المكذوبة على الوجه، من أجل التنبيه والتحذير، كما كان ابن معين يكتب صحيفة معمر عن أبان عن أنس، وهي صحيفة مكذوبة بسبب أبان، وكتبها على الوجه أي: ما ترك منها شيئاً، فقال له أحمد: تكتبها على الوجه، وأنت تعرف حال أبان؟ !! قال أكتبها كي لا يأتي رجل فيضع مكان أبان ثابتاً، فيكون: معمر عن ثابت عن أنس(١)، وكان الواحد من العلماء إذا سمع الحديث قال: هذا يشبه حديث فلان، ولا يشبه حديث فلان، هذا ما ظهر لي من الجواب ومن الممكن أن يقال: حديث هؤلاء المجروحين وإن وجد في كتب العلل، فهو نادر ولا التفات إلى النادر، وقد يضاف في الجواب أن الإمام من الأئمة قد يوجه له سؤال عن حديث الضعيف، فيجيب عليه، أو قد يكون الضعيف عندنا، ليس ضعيفاً عند السائل أو المسؤول، وقد يكون إدخاله في كتب العلل لمجرد الاختلاف عليه - وإن كان ضعيفاً - ليُبَيِّن أن الاضطراب في الحديث من جهة ضعف راويه، وقد يكون ذلك لبيان أن الحديث وإن جاء من طريق الضعيف، فله طريق أخرى تشهد له، أو لبيان أن هذا الضعيف قد انفرد بهذا الحديث مع الاختلاف عليه، مما يزيده ضعفاً، والله أعلم. (١) في (تهذيب التهذيب)) (٩١/١) ترجمة أبان بن أبي عياش. قال الحافظ ابن حجر - رحمه الله -: وحكى الخليلي في ((الإرشاد)) بسند صحيح: أنّ أحمد قال ليحيى بن معين - وهو يكتب عن عبدالرزاق عن معمر عن أبان نسخة تكتب هذه وأنت تعلم أن أبان كذاب؟ فقال: يرحمك الله يا أبا عبدالله! أكتبها وأحفظها حتى إذا جاء كذاب يرويها عن معمر عن ثابت عن أنس أقول له: كذبت، إنَّما هو أبان. اهـ. وفي ((العلل)) لابن رجب (ص: ٨٤): خرج العقيلي من طريق أبي غسان قال: جاءني علي بن المديني فكتب عني عن عبدالسلام بن حرب أحاديث إسحاق بن أبي فروة فقلت: أي شيء تصنع بها؟ قال: أعرفها حتى لا تقلب. قال ابن رجب: فرق بين كتابة حديث الضعيف وبين روايته، فإن الأئمة كتبوا أحاديث الضعفاء لمعرفتها، ولم يرووها كما قال يحيى، سجرنا بها التنور ... إلخ. وكلامه هذا محمول على أهل الجرح الشديد، والله أعلم. ١٨٠