النص المفهرس
صفحات 121-140
وينشطون له، فيأتي السارق، ويجد الرواة والمحدثين يجتهدون، ويرحلون لهذا الراوي، فتغار نفسه، ويدخلها والعياذ بالله من حظوظ الشيطان، وحظوظ النفس الأمّارة بالسوء، فيقفز أو يثب على هذا الحديث، ويدَّعيه لنفسه، ويدَّعي أنَّه لقي شيخ هذا الرجل، وأنَّه وهذا الشيخ الذي يروي هذا الحديث سواء في المنزلة، أو في الطبقة، بل قد يعلو في الإسناد من أجل أن يثير فى الناس رغبة الرحلة إليه . فالسّارق: كذّاب، لكن من نوع خاص، وهو أنَّه يسرق الأحاديث الغريبة(١) . (١) ذكر العلامة المعلمي - رحمه الله تعالى - في ((تنكيله)) (ص: ٦٠١): ذكر في ترجمة فهد بن عوف أبي ربيعة، وهو ممن رمي بالسرقة: ذكر عنه قصّة يرويها أبو زرعة - قال المعلمي -: حاصلها أنَّ أبا إسحاق الطالقاني ورد البصرة فحدّث من حديث ابن المبارك بحديثين غريبين، أحدهما عن وهيب بسنده، والآخر عن حمّاد بن سلمة بسنده، فبعد مدّة يسيرة حدّث فيها - أي: فهد بن عوف - بالحديث الأول، عن وهيب بن خالد بذاك السند، والثاني عن حماد بن سلمة بسنده فرموا فهداً بسرقة الحديثين، وأنّه إنّما سمعهما من الطالقاني عن ابن المبارك عن وهيب وعن حمّاد فحدّث بها عن وهيب وعن حماد، وغلط مع ذلك فروى الأول عن وهيب بن خالد، وإنّما وهيب شيخ ابن المبارك وهيب بن الورد، والحجة في رميه بسرقة الحديث الثاني؛ أنّه حديث غريب لم يكن في كتب حماد بن سلمة، ولا رواه عن غير ابن المبارك، حتى حدث به الطالقاني، عن ابن المبارك فوثب عليه فهد ... إلخ، وقد ذكر - رحمه الله - في (ص: ٤٨٦) أن من أسباب السرقة الغرام بدعوى العلو. اهـ. وانظر في ذلك أيضاً صنيع وتصريح الحافظ ابن عدي - رحمه الله تعالى - في ((كامله)) (٥٧٦/٢ - ٥٧٧) ترجمة جعفر بن عبدالواحد الهاشمي، (١٧٢٢/٥) ترجمة عمرو بن إسماعيل بن مجالد الكوفي، (٢٤٩٣/٧) ترجمة النضر بن طاهر، وفيها وفي غيرها من التراجم التي لم أذكرها دلالة إلى ما ذهب إليه الشيخ - حفظه الله تعالى - من أنَّ السارق هو الذي يسرق الأحاديث الغريبة التي تفرّد بها أحد الثقات عن شيخه فيرويها عن ذلك الشيخ ويدْعيها لنفسه، هذا وقد تطلق السرقة كذلك على من ركب الأسانيد على المتون. قال الذهبي في ((سير أعلام النبلاء)) (٥٠٤/١١): قال أبو أحمد العسال: سمعت فضلك، يقول: دخلت على ابن حميد وهو يركب الأسانيد على المتون، قال الذهبي: قلت: آفته هذا الفعل، وإلّا فما اعتقد فيه أنّه يضع متناً، وهذا معنى قولهم ((فلان سرق الحديث)). اهـ . = ١٢١ وأمّا الكذّاب: فإنّه لا يبالي أحدّث بأحاديث سواء سمعها، أو لم يسمعها، سواء كانت مشهورة، أو غريبة فلا يبالي. وأمّا الوضَّاع: فهو الذي يفتري على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ما لم يقل، عياذاً بالله من الخذلان، والله المستعان . س ٢٢ : ما الفرق بين الإرسال الخفي والجلي والتدليس؟ ج ٢٢: الإرسال الجلي: رواية الراوي عن من لم يلقه، والتعبير بهذه العبارة ((عن من لم يلقه)) أدق لشموله حال الراوي سواء أدرك شيخه، أو لم يدركه، عاصره أو لم يعاصره، أمّا قولهم: ((روايته عن مَنْ لم يُعاصره)) كلام غير دقيق؛ لأنَّه قد يعاصره، ولا يلقاه، فلا زال الإرسال موجوداً (١). فالصواب أن نقول: رواية الراوي عن من لم يلقه، سواء عاصره، أو أدركه، وسواء لم یعاصره، أو لم يدركه. وأمّا الإرسال الخفي: فهو رواية الراوي عن الشيخ الذي لقيه، ولكنّه لم يسمع منه شيئاً(٢)، فمن الممكن أن يلقى الراوي شيخه، لكن شيخه ليس وفي ((التدريب)) (٢٩١/١) المقلوب هو قسمان: = الأول: أن يكون الحديث مشهوراً براوٍ فيجعل مكانه آخر في طبقته نحو حديث مشهور عن سالم جعل عن نافع ليرغب فيه لغرابته، أو عن مالك جعل عن عبيدالله بن عمر وممن كان يفعل ذلك من الوضّاعين حمّاد بن عمرو النصيبي، وأبو إسماعيل إبراهيم بن أبي دحيّة اليسع، وبهلول بن عبيد الكندي، قال ابن دقيق العيد: وهذا هو الذي يطلق على راويه أنّه يسرق الحديث. اهـ وانظر ((الموقظة للذهبي)) (ص: ٦٠). (١) قلت: ومثال ذلك رواية المخضرمين عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كأبي عثمان النهدي وقيس بن أبي حازم فهما وإن عاصرا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فروايتهما عنه مرسلة إرسالًا جليّاً وذلك لعدم تحقق اللقاء والله أعلم. (٢) هكذا عرفه الحافظ ابن حجر - رحمه الله تعالى - في ((طبقات المدلسين)) (ص: ٢) قال: وإذا روى عمن عاصره ولم يثبت لقياه له شيئاً بصيغة محتملة فهو الإرسال الخفي، ومنهم من ألحقه بالتدليس والأولى التفرقة لتتميز الأنواع. وقلت: وإذا روى من هذه حالته عن شيخه مباشرة بصيغة محتملة فإنّا نحكم على حديثه بالإرسال وذلك لأمرين: ١٢٢ = مستعداً لتحديثه، أو به شُغل يحول دون عقدِه لمجلس من مجالس الحديث كالإملاء أو العرض، أو غير ذلك، فهذا اللقاء لا يفيد شيئاً، وهذا الإرسال مع اللقاء يكون خفيّاً (١)، واعلم أن من العلماء من يعبر باللقاء على السماع فيقولون: ((فلان لقي فلاناً)) أي: سمعه(٢). وإذا قرأت في كتاب ((تهذيب التهذيب)) - مثلاً - فإنَّه يأتي للمترجَم له، ويقول: روى عن فلان، وفلان، وروى عنه فلان وفلان، ويذكر تلامذته وشيوخه، والأصل في ذلك أنّه إذا لم ينص الحافظ ابن حجر - رحمه الله - أو أحد الأئمة على أنَّ الراوي المترجم له لم يسمع من الشيخ الفلاني، أو تلميذه الفلاني لم يسمع منه. فالأصل في الراوية اللقاء، والسماع، والاتّصال. = الأول: عدم ثبوت سماعه منه. الثاني: عدم تحقق إيهام السماع لمن يسمعه، وقد قطع هذا الإيهام جزم الحافظ باشتراط عدم السماع في قوله: ((ولم يثبت لقياه له شيئاً)). ويخرج من ذلك من رأى الشيخ وأمكن لقاءه له ولم ينقل ما ينفي سماعه منه فروايته عنه متّصلة (في قول) وذلك من الثقة غير المدلس. ويخرج كذلك من لقي الشيخ وسمع منه، وروى عنه ما لم يسمع موهماً السماع منه فروايته مدلسة لتحقق الإيهام بالسماع والله أعلم. وانظر ((النكت)) للحافظ ابن حجر (٦١٤/٢ - ٦١٥). (١) مثال ذلك ما جاء في ((جامع التحصيل)) ترجمة سليمان بن مهران الأعمش، وقد روى عن أنس وابن أبي أوفى وقال علي بن المديني لم يسمع من أنس إنّما رآه رؤيا بمكة يصلي خلف المقام فإنما طرق الأعمش عن أنس فإنّما يرويها عن يزيد الرقاشي عن أنس، وقال ابن معين كل ما روى الأعمش عن أنس فهو مرسل ... إلخ ((جامع التحصیل)) (١٨٨ رقم ٢٥٨). ومثله ما جاء في ((العلل)) لابن رجب، قال: قوال أبو حاتم الرازي الزهري لا يصح سماعه من ابن عمر رآه ولم يسمع منه ورأى عبدالله بن جعفر ولم يسمع منه، وأثبت أيضاً دخول مكحول على واثلة بن الأسقع ورؤيته له ومشافهته، وأنكر سماعه منه، وقال: لم يصح له منه سماع وجعل رواياته عنه مرسلة ((العلل لابن رجب)) (ص: ٢١٥). (٢) انظر المصدر السابق (ص: ٢١٦ - ٢١٧). ١٢٣ الشاهد من هذا: أنَّ الإرسال الخفي هو رواية الراوي عن الشيخ الذي لقيه ولكنّه لم يسمع منه شيئاً. وبهذا نأتي إلى تعريف التدليس: وهو رواية الراوي عمن سمع منه بعض الأحاديث سماعاً صحيحاً، لكنّه سمع بعض الأحاديث الأخرى عنه بواسطة، وروى الحديث مسقِطاً للواسطة بصيغة توهم السماع(١)، ولذلك نجد كثيراً من العلماء قد عابوا التدليس، ولم يعيبوا الإرسال، فبينما نجد شعبة يقول: ((لأن أزني أحبُّ إليَّ من أن أدلس)) (٢). ونجد عبدالرزّاق يأتي عند أستار الكعبة، لما وجد أن المحدثين لا يأتون إليه، ثم يتضرّع إلى الله - عزّ وجل - فيقول: يا رب! لماذا هذا؟ هل أنا مُدَلِّس، هل أنا كذا، هل أنا كذا؟(٣) ووكيع الذي روى حديثاً فقيل له: من الذي حدّثك به؟ قال: يا هذا إنّا لا نستجيز التدليس في الثوب، فكيف نستجيزه في الدين(٤)؟ وغير ذلك (١) قال أبو بكر البزار: هو أن يرويه عمن قد سمع منه ما لم يسمع منه من غير أن يذكر أنّه سمعه منه، انظر ((التقييد والإيضاح)) (ص: ٩٧) وبمثله عرفه أبو الحسن ابن القطان. انظر ((النكت)) (٦١٤/٢). (٢) انظر ((الكفاية)) (٥٠٨) والسؤال رقم (٢٨) من هذا الكتاب. (٣) القصة في ((تاريخ ابن معين)) (ص: ٣٦٣) عباس: ثنا يحيى، قال بشر بن السَّري: قال عبدالرزاق: قدمت مكة مرة فأتاني أصحاب الحديث يومين، ثم انقطوا عني يومين أو ثلاثة، فقلت: يا رب! ما شأني؟ أكذّاب أنا؟ أي شيء أنا؟ قال: فجاءوني بعد ذلك. اهـ، وانظرها أيضاً في ((السير)) (٥٦٧/٩) والقصة في الموضعين بدون الشاهد. وفي ((الكفاية)) للخطيب (ص: ٥١٠) بإسناده إلى الدوري، قال: حدّثني بعض أصحابنا، قال: قال عبدالرزاق: قدمت مكة فمكثت ثلاثة أيام لا يجيئني أصحاب الحديث فمضيت وطفت وتعلقت بأستار الكعبة، وقلت: يا رب! ما لي أكذّابٌ أنا؟ ... أمدلّسٌ أنا؟ ... قال فرجعت إلى البيت فجاءوني. اهـ. وفيها الشاهد على ذم التدليس فإما أن يحمل المبهم في هذه الراوية على المصرح باسمه في الراوية السابقة، وإلّا فيأخذ بالراوية التي ليس فيها إبهام ويكون الشاهد ليس ثابتاً، والله أعلم. (٤) ذكر الخطيب بسنده قال: كان وكيع ربّما قال في الحديث: حدّثنا وربَّما لم يقل، قال : = ١٢٤ من النصوص التي جاءت عن علماء الحديث في التشنيع على المدلسين، فوجدناهم يشنعون على المدلسين، ولم نجدهم يشنعون على الذين أرسلوا، بل يقولون: فلان عن فلان روايته مرسلة، وفلان مراسيله من مراسيل الصحابة، إلى غير ذلك. فما وجدناهم يذمون الذين يرسلون، نعم، لأنَّ الذين يدلسون يُلبُسون على غيرهم، والتدليس ضربٌ من الإيهام، أي فيه إيهام للسامع، فلمّا كان المستمع يعلم أنَّ هذا الشيخ قد لقي الذي يروي عنه، وسمع منه، فإنّه يحمل هذه العنعنة أو ما في معناها على السماع، أمَّا التلميذ إذا كان يعلم أنَّ هذا الشيخ لم يدرك أو لم يلق الشيخ الذي يروي عنه؛ فلا إيهام ولا تضليل عليه. فمن قال الآن: قال ابن عباس - رضي الله عنهما - قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كذا وكذا، هل يدخل في خاطر أحد أنه يدلس عن ابن عباس؟! فمن المؤكد أنه لم يلق ابن عباس، ولا سمع، فالإيهام والتضليل والغش منفي هنا، فلا يستحق في هذه الحالة الذم، أمّا إذا أتي إلى شيخ قد عُلِم سماعه منه، ورحلته إليه، ثم يقول: قال الشيخ كذا، وكذا، فيستنكر أحد من الجالسين، ويقول: هل أنت سمعت منه؟ ونظراً للعدالة والأمانة، فإنه يقول: لا، لكن حدّثني فلان، فمن هنا يبدأ الطالب، فيخاف من الكلمة التي فيها إيهام، وليس فيها تصريح بالسماع. فحري بأن يُذم المدلسون، وأن لا يُعامل الذي أرسل بما يُعَامل به المدلسون، والله أعلم. س ٢٣: ما هي الأسباب التي تجعل الرواة يدلسون، أو ما هي الأسباب التي تحمل المدلسين على التدليس؟ فقلنا لجارٍ لنا يقال له: أبو الوفاء: كان لا يحسن شيئاً، سله لما يقول في بعض حدّثنا = ولا يقول في بعض؟ قال: فتقدم إليه فسأله، قال: فقال له وكيع أما وجد القوم خطيباً غيرك، نحن لا نستحل التدليس في الثياب، فكيف في الحديث اهـ (ص: ٥٠٩). ١٢٥ ج ٢٣: قد رأينا بعض العلماء المشاهير والأئمة الجهابذة قد وصِمُوا بهذه التهمة، تهمة التدليس، مثل سفيان الثوري، وقتادة، وابن جريج والحسن البصري والأعمش، ومثل هؤلاء الذين تدور عليهم أحاديث سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فالعلماء لهم اعتذارات عن الأئمة، وهذا الأمر الذي أريد أن أوصي به إخواني جميعاً، أننا إذا رأينا أحد الأئمة قد أخطأ في مسألة، فلا نتسرع في توهيمه وتخطئته؛ بل الواجب علينا أن نلتمس له ما استطعنا من الأعذار والمخارج، وليس معنى ذلك أن نتكلّف تكلُّفاً يخرج عن حد العقل والإنصاف، لا، ولكن قبل أن نُوهّم هذا الإمام ينبغي علينا أن نبحث عن سبب، وفي (العلل)) للإمام الدّارقطني، مسألة تؤيد هذا الكلام في الاعتذار عن الأئمة، فالإمام الدّارقطني في (ج٥) من ((العلل)) ذكر حديثاً، وقد تكلّم بسبب هذا الحديث في الإمام سفيان الثوري، فهذا الحديث رواه الثوري، عن الأعمش، وخالف جمهور الأصحاب من أصحاب الأعمش، فقد رووه عن رجل، ورواه هو عن رجل آخر، فقال يحيى بن سعيد القطان: وقع في نفسي على الثوري. انظروا، فليس من السهل تخطئة الأئمة، والتهجّم على العلماء الكبار، وليس من السهل أن أقول: أخطأ الثوري، أخطأ أحمد بن حنبل، أخطأ علي بن المديني. ينبغي التريث في إطلاق هذه الكلمة، قال: فوقع في نفسي أنّ الثوري قد وهم إلى أن جاء مؤمل بن إسماعيل، وهو صدوق سيء الحفظ، وحدّثني أنَّ الثوري رواه عن الأعمش بوجه آخر يوافق فيه جمهور أصحاب الأعمش، قال فسُرَّ يحيى بذلك(١)، أي: لمّا وجد المخرج للإمام الثوري، ووجد العُذر الذي يدافع به عنه. (١) جاء ذلك في السؤال رقم (٨٢٥) (ص: ٢١٠ - ٢١١): سئل الدّار قطني فيه عن حديث ابن مسعود قال: ((أتى علينا زمان ولسنا نقضي ولسنا هنالك ثم إنَّ الله - عزّ وجلّ - قدر أن بلغنا من الأمر ما ترون ... )) الحديث. فقال: يرويه الأعمش واختلف عنه فرواه أبو معاوية، وحفص بن غياث وأصحاب = ١٢٦ فالشاهد من هذا: أنَّه ليس من الهيِّن أن نقول: الإمام الفلاني أخطأ، وإنَّما ينبغي بقدر الإمكان أن يبحث الطالب، وأن يلتمس المخارج، وأن يجمع الطرق، وأن ينظر مَن مِن العلماء قد تجرأ بتخطئة هذا الإمام الكبير؟ فليس من المقبول أن يكون طالب العلم في حالة ابتداء الطلب، وعدم الأهلية الكاملة، وتراه يطلق لسانه على الأئمة الكبار، فيحيى بن سعيد القطان قد ذُكر أنّه من المتشددين في الجرح، ومع ذلك قال: وقع في نفسي على الثوري، فلما علم الطريق الأخرى التي تبرىء الثوري قيل: فسُرَّ يحيى بذلك، مع أن هناك مواضع وهموا فيها بعض الأئمة. أرجع إلى الكلام عن الأسباب التي تحمل الرواة على التدليس، فمن ناحية الأئمة الكبار مثل سفيان الثوري، وغيره من الأئمة، ذكروا: أنّه كان يرى نشر الأخبار في الأمصار، وقد يدلس لسبب من الأسباب الآتية بعد، وهو مع ذلك مُقِلّ في التدليس. ومثل الحسن البصري: قد يكون عنده الحديث مثلًا عن رجل من أهل البيت في زمن بني أمية، فيخاف أن يحدث به؛ لأنَّه عن رجل من أهل البيت، أو عن رجل يحاربه السلطان في ذاك الزمان، فيخاف أن يصرح باسمه، فيُؤذي بسبب ذلك، أو تُردَّ الراوية، فيُسقطه، فلو أننا التمسنا مثل هذه الأشياء للأئمة الكبار لكان مخرجاً حسناً(١)، وليس معنى ذلك أن نحتج بما دلّسوه، بل نقف في تدليسهم، أو فيما ظهر لنا أنّهم دلّسوه ـ على تفاصيل في ذلك -. الأعمش عن الأعمش عن عمارة عن عبدالرحمن بن يزيد عن عبدالله . = وخالفهم الثوري فرواه عن الأعمش، عن عمارة، عن حريث بن ظهير، عن عبدالله، قال يحيى القطان: كنّا نرى أن سفيان وهم فيه ورواية أخرى عنه فكنا نظن أنَّ الثوري وهم فيه لكثرة من خالفه ثم قال يحيى: سمعت مؤملًا يحدّث في هذا بشيء لست أحفظه، قال عباس - أي: ابن يزيد - فقلت: ثنا مؤمل: عن سفيان، عن الأعمش، عن عمارة، عن حريث بن ظهير وعبدالرحمن بن يزيد، عن عبدالله فسر بذلك يحيى. اهـ. (١) قال ابن الوزير في ((تنقيحه)) إذا كان يعتقد أن ضعف من دلّسه ضعف يسير يحتمل وعرفه = ١٢٧ ٠ وأيضاً من الأسباب التي تحمل الأئمة أو العلماء على ذلك: ضعف الشيخ، فإذا كان الشيخ ضعيفاً أسقطه المدلس، ويروي الحديث عن الشيخ الثقة؛ من أجل ألَّا يُرَدَّ الحديث؛ لأنَّه يعلم أن المتن جاء من طرق أخرى صحيحة، وقد يفعله بعضهم، وإن لم يعلم صحة المتن من طرق أخرى(١). وأيضاً قد يكون الشيخ صغيراً، والراوي عنه كبير، فالراوي إذا كان كبيراً لكن شيخه صغير، فهو يستحيي ويستنكف أن يقول: حدّثني فلان، فيكون هذا الكبير تلميذاً لهذا الشاب الصغير، فهذا معناه أنّه لم يرحل، ويقال: ما الذي جعلك وأنت كبير، لا ترحل حتى تلقى الشيخ الذي حدّث عنه هذا الشاب، ما الذي جعلك تجلس ولا ترحل إليه (٢)؟ بالصدق والأمانة، واعتقد وجوب العمل بخبره لما له من التوابع والشواهد وخاف من = إظهار الراوية عنه وقوع فتنة من غال مقبول عند الناس (ينهى عن حديث هذا المدلس، ويترتب على ذلك سقوط جملة من السنن النبوية، فله أن يفعل مثل هذا، ولا حرج عليه)؛ لأنّه إنّما قصد بتدليسه نصح المسلمين في الحقيقة وإيثار المصلحة على المفسدة (وقد دلَّس عن الضعفاء إمام أهل الراوية والدراية ومن لا يتهم في نصحه للأئمة، سفيان بن سعيد الثوري فمن مثل سفيان في منقبة واحدة من مناقبه، أو من يبلغ من الرواة إلى أدنى) مرتبة من (مراتبه؟ ولولا هذا العذر ونحوه من) الأعذار الضروريّات، ما دلّس الحديث أكابر الثقات من أهل الديانة والأمانة، والنصيحة لله ولرسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولجميع أهل الإسلام، وقد روي أن رواة الحديث وأهل العلم في بعض أيّام بني أمية، وهي أيام عبدالملك وولاته الحجّاج (وبعض بلدانهم كانوا لا يقدرون على إظهار الراوية عن علي - عليه السلام -) لشدة عداوتهم له، ولمن ذكره. اهـ. ار قلت: وكلام ابن الوزير - رحمه الله - هو المشار إليه بالأقواس، وما خرج عن الأقواس من كلام الصنعاني - رحمه الله - انظر التوضيح (٣٦٨/١ - ٣٦٩). (١) انظر ((الكفاية)) (٥١١) ((التوضيح)) (٣٦٩/١). (٢) قال الخطيب - رحمه الله تعالى - في ((كفايته)): وذلك خلاف موجب العدالة ومقتضى الديانة من التواضع في طلب العلم، وترك الحمية في الإخبار بأخذ العلم عمن أخذه، والمرسل المبين بريء من جميع ذلك. اهـ (ص: ٥١١). وكما قال الخطيب - رحمه الله تعالى -: فإن ذلك خلاف موجب العدالة ومقتضى الديانة، وفي ((النبلاء)) (١٥٩/٩) قال علي بن خشرم: سمعت وكيعاً يقول: ((لا يكمل الرجل حتى يكتب عمن هو فوقه وعمن هو مثله وعمن هو دونه)) والله أعلم. ١٢٨ أيضاً قد يكون الراوي مكثراً عن هذا الشيخ، وكلما تكلّم يقول: ((حدّثني فلان، حدّثني فلان، حدّثني فلان)) فيقع في نفسه أنّه لا يريد أن يصرح باسمه كثيراً أمام المحدّثين، كي لا يقولوا في أنفسهم: إنّ هذا الشيخ ليس له إلّا شيخ واحد، أو ليس له من المشايخ إلّا القليل فحينئذٍ يسقطه(١) . فلا تظن أنَّ كل من دلَّس فلا يدلّس إلّا إذا كان شيخه ضعيفاً، لا، هناك أسباب كثيرة تحمل المدلسين على التدليس غير ضعف الشيخ، فقد يكون التدليس لضعف الشيخ، وقد يكون لصِغَره، وقد يكون لكثرة الراوية عن هذا الشيخ، وقد يكون هذا الشيخ لو صرَّح به لأوذي بسببه، وقصْدُ العلماء الكبار نَشرُ الأخبار في الأمصار وانتشار الراويات عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولا يصرِّح باسم هذا الرجل من أجل أن لا يُرَدَّ الحديث(٢)، هذا أحسن ما نعتذر به عنهم، ولذلك تجد كثيراً من الأئمة (١) قال ابن الوزير - رحمه الله -: (وهذا مفصلًا يلوح على صاحبه بمحبته الثناء وشوب الإخلاص) إذ إيهام كثرة الشيوخ دال على محبته لمدحه بكثرة ملاقاة من أخذ عنه وهمته، ورغبته (مع أنَّ له محملاً صالحاً إذا تؤمل، وهو أن يكون كثير الشيوخ أجل قدراً مع من لا يميز وهم الأكثرون فيكون ذلك داعياً لهم إلى الأخذ عن الراوي وذلك) أي: الإيهام بكثرة الشيوخ ليأخذ عنه الناس: (يشمل على قربة عظيمة، وهي إشاعة الأخبار النبوية). اهـ ((التوضيح)) (ص: ٣٦٩). قلت: وهذه قربة عظيمة إذا لم يترتب عليها من المفاسد ما هو أعظم: فمن مفسدته كما ذكر الحافظ ابن حجر - رحمه الله تعالى -: أن يوافق ما يدلس به شهرة راوٍ ضعيف يمكن ذلك الراوي الأخذ عنه فيصير الحديث من أجل ذلك ضعيفاً وهو في نفس الأمر صحيح، وعكس هذا في حق من يدلس الضعيف ليخفي أمره، فينتقل عن رتبة من يرد خبره مطلقاً إلى رتبة من يتوقف فيه؛ فإن صادف شهرة راوٍ ثقة يمكن ذلك الراوي الأخذ عنه فمفسدته أشد، كما وقع لعطية العوفي - تكنيته: محمد بن السائب الكلبي أبا سعيد -، فكان إذا حدّث عنه يقول: حدّثني أبو سعيد فيوهم أنّه أبو سعيد الخدري الصحابي - رضي الله عنه -؛ لأنَّ عطية كان لقيه وروى عنه، وهذا أشد ما بلغنا من مفسدة تدليس الشيوخ اهـ (٦٢٨/٢) وسيأتي في الجزء الثاني الكلام عن هذه القصة - إن شاء الله تعالى - والله أعلم. (٢) قلت: ويلحق بهذه الأسباب أيضاً ما إذا دلّس الراوي اسم الشيخ تفنناً في الراوية. = ١٢٩ الكبار الذين دلسوا إذا جمعنا الطرق؛ بان لنا كثيراً أنَّهم دلّسوا عن رجل ثقة، وأنت عند جمعك لطرق الحديث تستطيع أن تعرف الرجل المدلس، إذا روى حديثاً بالعنعنة، وجاء من طريق أخرى، فصرّح بالسماع، وأظهر شيخاً آخر بينه وبين شيخه الأول، فنحن نتأكد أو على الأقل نرجح أنّه دلَّس في الأول، لا سيَّما إذا كان مَنْ أظهره ضعيفاً. الشاهد من هذا: بيان الفرق بين الإرسال الجلي، والإرسال الخفي، وبين التدليس، ومعرفة الأسباب التي تحمل بعض العلماء، أو بعض الرواة على التدليس، وكتاب الحافظ ابن حجر - رحمه الله - ((طبقات المدلسين))، كتاب حافل بالمعلومات الوافية في هذا الباب، وفيه الجواب على بعض هذه الأسئلة، وأنصح بمطالعته، وبالاطلاع على ((جامع التحصيل)) للعلائي، ففيه قسط وافر عن مسألة التدليس، وفيه فوائد في الفرق بين الإرسال الجلي، والإرسال الخفي. ومقدمة ((طبقات المدلسين)) فيها التفرقة الواضحة بين الإرسال الخفي، والتدليس، وذكر الحافظ ابن حجر الفروق التي ذكرتها، وبيَّن أنَّ هذا لا بدّ منه، من أجل أن لا تتداخل الأنواع، أو من أجل تمييزها (١). ومن ذلك فعل الخطيب - رحمه الله تعالى - في بعض شيوخه كما صرّح بذلك ابن = الصلاح في ((مقدمته)) (ص: ١٧٢) وقد اعتذر له الصنعاني - رحمه الله -: ((بأنّه إنّما يفعل ذلك تفنناً في العبارة))، قال في ((توضيحه)) (٣٦٩/١) ولم يكن الخطيب يفعل ذلك إيهاماً للكثرة؛ فإنَّه مكثر من الشيوخ والمرويات، والناس بعده عيال عليه، وإنّما يفعل ذلك تفنناً في العبارة. اهـ. ويلحق بها أيضاً تدليس اسم الراوي بقصد امتحان أذهان الطلاب في استخراج التدليسات، قال الحافظ في ((نكته)) (٦٢٧/٢) وقد بلغنا أن كثيراً من الأئمة الحفّاظ امتحنوا طلبتهم المهرة بمثل ذلك فشهد لهم بالحفظ لما يسرعوا بالجواب عن ذلك. اهـ. قلت: ومثال ذلك سؤال ابن دقيق العيد للذهبي من أبو محمد الهلالي؟ فقال سفيان بن عيينة فأعجبه استحضاره ((طبقات المدلسين)) (ص: ٦٥). (١) في ((تعريف أهل التقديس)) (ص: ٦٩): قال الحافظ ابن حجر - رحمه الله - وإذا روى عمن عاصره، ولم يثبت لقيه له شيئاً بصيغة محتملة، فهو كالإرسال الخفي، ومنهم من ألحقه بالتدليس، والأولى التفرقة، لتتميز الأنواع. اهـ. ١٣٠ فعرَّف الإرسال الخفي: برواية الراوي عن مَنْ لقيه، ولم يسمع منه شيئاً وعرف التدليس: برواية الراوي عن من لقيه، وسمع منه بعض الأحاديث، لكن البعض الآخر سمعه بواسطة، ولم يظهرها، وأتى بصيغة محتملة . وينبغي أن يراعي أيضاً؛ أنَّ من العلماء مَنْ استثنى سفيان بن عيينة، وقالوا: إنَّه لا يدلِّس إلَّا عن ثقة (١)، وأمّا غيره فالمدلِّسون غالباً لا ينتقون في الراوية بل يروون عن كل أحد. س ٢٤: هل التدليس جرح؟ ج ٢٤: التدليس إذا كان الراوي ثقة في نفسه، فلا يعدّ التدليس فيه جرحاً، إنَّما يكون ريبة منه تجعلنا نتوقف في حديثه إذا لم يصرضح بالسماع (٢)، لكن الراوي الذي أَكَثَرُ رواياتِّهِ مدلَّسة، ولا يصرِّح بالسماع عن (١) قال ابن حبان في (صحيحه)) (١٦١/١): وأمّا المدلسون الذين هم ثقات وعدول، فإنّا لا نحتجُ بأخبارهم إلّا ما بيَّنوا السماع فيما رووا مثل الثوري والأعمش، وأبي إسحاق، وأضرابهم من الأئمة المتقِين وأهل الورع في الدين، لأنَّا متى قبلنا خبر مدلّس لم يبيّن السماع فيهِ، وإن كان ثقة لزمنا قبول المقاطيع والمراسيل كلّها؛ لأنَّه لا يدرى لعل هذا المدلس دلَّس هذا الخبر عن ضعيف يهي الخبر بذكره إذا عرف، اللهم إلّا أن يكون المدلس يعلم أنّه ما دلْس قط إلّا عن ثقة، فإذا كان كذلك قبلت روايته وإن لم يبيَّن السماع، وهذا ليس في الدنيا إلّا لسفيان بن عيينة وحده، فإنّه كان يدلّس، ولا يدلس إلا عن ثقة متقن، ولا يكاد يوجد لسفيان بن عيينة خبر دلَّس فيه إلّا وجد ذلك الخبر بعينه قد بيَّن سماعه عن ثقة مثل نفسه، والحكم في قبول روايته لهذه العلّة، وإن لم يبين السماع فيها كالحكم في رواية ابن عباس إذا روى عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ما لم يسمع منه. اهـ. (٢) قال أبو الحسن بن القطان: ((إذا صرح المدلس قُبل بلا خلاف وإذا لم يصرِّح فقد قبله قوم ما لم يتبين في حديث بعينه أنّه لم يسمعه، وردّ آخرون ما لم يتبيّن أنّه سمعه» ((النكت)) (٦٢٥/٢) قال العلائي: ((والصحيح الذي عليه جمهور أئمة الحديث والفقه والأصول الاحتجاج بما رواه المدلس الثقة مما صرّح فيه بالسماع دون ما رواه بلفظ محتمل)) ((جامع التحصيل)) (ص: ٩٨). قلت: وعلى هذا فإذا صرّح المدلس بالاتصال قبل منه وإلّا فلا، وهذا هو القول = ١٣١ مشايخه، فلم يظهر للعلماء مَنْ هذا الضعيف، حتى يلصقوا به عهدة النكارة؟ فلما لم يتيسر هذا، وكثر هذا في حديثه، ألصقوا العهدة به، وحملوه نكارة هذه الأحاديث، وضعَّفُوه كما في أبي جناب يحيى بن أبي حية الكلبي، فقد قال الحافظ ابن حجر: ضعفوه لكثرة تدليسه(١)، وهناك من أطلق فيه الجرح، ولهذا محل آخر. وهناك رجل آخر لا أذكره الآن أيضاً ضُعِّف بكثرة روايته الأحاديث المدلسة(٢)، أمّا الرجل الثقة إذا كان يصرح بالسماع عن مشايخه، ويروي الصحيح كما ذكر الخطيب البغدادي - رحمه الله - في ((كفايته)) (ص: ٥١٥)، وأمّا قول = أبي الحسن بن القطان ونفيه للخلاف في هذه المسألة فمعترض عليه وذلك لوجود المخالف والصواب أنّه قول الأكثرين كما سبق بيانه والله أعلم. وقد ذكر العلّامة المعلمي - رحمه الله تعالى - في مواضع كثيرة من ((تنكيله)) أنَّ التدليس ليس بجرح في الراوي فمن ذلك ما جاء في (ص: ٣١١) قال - رحمه الله - وقد علمنا أنّ قول من صحب أنساً: ((قال أنس ... )) موهم بل مفهم إفهاماً تقوم به الحجة أنّه سمع ذلك من أنس إلّا أن يكون مدلساً معروفاً بالتدليس فإذا كان معروفاً بالتدليس لم يكن ظاهر حاله أن لا يقول: ((قال أنس ... )) إلّا فيما سمعه من أنس وبذلك زال الإفهام والإيهام فزال الكذب، فهكذا ... إلخ اهـ وفي (ص: ٦٠٢) قال - رحمه الله - والمدلس إنّما يسلم من الجرح بالتدليس إذا كان قد عرف عنه أنّه يدلس فإنّ ذلك يكون قرينة تخلصه من أن يكون تدليسه كذباً ... إلخ اهـ. وانظر كذلك كلام الحافظ ابن حجر - رحمه الله - في ((النكت)) على ابن الصلاح (٦٣٢/٢ - ٦٣٤)، والنزهة (ص: ١١٣) والله أعلم. (١) كذا في ((التقريب)) للحافظ ابن حجر (ص: ٥٨٩) وفي ((التهذيب)) له قال: قال فيه أبو زرعة صدوق غير أنّه كان يدلس، وقال ابن معين: ليس به بأس إلّا أنّه كان يدلّس، وقال ابن نمير: صدوق كان صاحب تدليس أفسد حديثه بالتدليس، كان يحدث بما لم يسمع، وقال النسائي: ليس بالثقة يدلس ... إلخ (٢٠٢/١١) كل هذا يدل على أنّ أبا جناب لم يكن به بأس، إلّا أنّه كان يدلس على الثقات ما سمع من الضعفاء، فالتزقت به المناكير التي يرويها عن المشاهير، فوهّاه يحيى بن سعيد القطّان، وحمل عليه أحمد حملاً شديداً، كما نصّ على ذلك ابن حبان - رحمه الله - في ((المجروحين)) (١١١/٣). (٢) وممن ضعف - أيضاً - لكثرة تدليسه عطية بن سعد بن جنادة العوفي قال فيه الحافظ ابن حجر - رحمه الله - في ((نتائج الأفكار)) (٢٧١/١): ضعف عطيّة إنّما جاء من قبل = ١٣٢ أحاديث قوية مستقيمة، ثم بعد ذلك يعنعن عن مشايخه، ويروي أحاديث فيها ضعف، علمنا أنَّه أتي من قبل التدليس، كما صرّح بذلك ابن حبّان في ترجمة بقية في كتاب ((المجروحين)) لما اعتبر حديثه، وقارنه بالراويات الأخرى للثقات، وكما قال الإمام أحمد أيضاً في بقية، والله أعلم(١). س ٢٥: المدلِّس الذي يدلّس تدليس التسوية ما حكم روايته؟ ج ٢٥: تدليس التسوية أن يأتي الراوي المدلِّس إلى الأدنياء الضعفاء في السند أو الصغار فيسقطهم، ويظهر السند متصلًا بالأجواد الرفعاء(٢). والظاهر أنَّ الذي يفعل هذا لا يقبل منه التصريح بالسماع في روايته التشيع ومن قبل التدليس وهو في نفسه صدوق ... إلخ. = وكذا أبو سعد البقال، قال فيه الحافظ في ((المصدر السابق)) (٣٥٢/٢): نعم ضعّفه الجمهور لأنّه کان یدلّس وتغير بآخره. اهـ. (١) جاء في ((المجروحين)) لابن حبان (٢٠٠/١ - ٢٠١)، قال أحمد بن حنبل: توهّمت أنَّ بقية لا يحدّث المناكير إلّا عن المجاهيل، فإذا هو يحدث المناكير عن المشاهير، فعلمت من أين أتي، قال ابن حبان معقِباً على ذلك: لم يَسَبْره أبو عبدالله؛ وإنّما نظر إلى أحاديث موضوعة رويت عنه عن أقوام ثقات فأنكرها، ولعمري إنّه موضع الإنكار، وفي دون هذا ما يُسقط عدالة الإنسان في الحديث، ولقد دخلت حمص وأكثر همي شأن بقية فتتبّعت حديثه، وكتبت النسخ على الوجه، وتتبّعت ما لم أجد بعلو من رواية القدماء عنه، فرأيته ثقة مأموناً، ولكنّه كان مدلّساً سمع من عُبيدالله بن عمر وشعبة، ومالك أحاديث يسيرة مستقيمة ثم سمع عن أقوام كذابين ضعفاء متروكين عن عبيدالله بن عمر، وشعبة ومالك مثل المجاشع بن عمرو والسري بن عبدالحميد وعمر بن موسى المثيمي، وأشباههم وأقوام لا يعرفون إلّا بالكنى، فروى عن أولئك الثقات الذين رآهم بالتدليس ما سمع من هؤلاء الضعفاء وكان يقول: قال عبيدالله بن عمر عن نافع، وقال مالك عن نافع - كذا - فحملوا عن بقية عن عبيدالله وبقية عن مالك وأسقط الواهي بينهما، فالتزق الموضوع ببقية وتخلص الواضع من الوسط، وإنّما امتحن بقية بتلاميذ له كانوا يسقطون الضعفاء من حديثه ويسوونه فالتزق. اهـ. (٢) قال الخطيب البغدادي - رحمه الله - في ((الكفاية)) (ص: ٥١٨): وربّما لم يسقط المدلس اسم شيخه الذي حدّثه لكنّه يسقط ممن بعده في الإسناد رجلاً ضعيفاً في الراوية أو صغير السن ويحسن الحديث بذلك. اهـ. ١٣٣ عن شيخه فقط، بل لا بدّ أن يقول: حدّثني فلان، قال: حدّثني فلان: قال: حدّثني فلان ... ، إلى أن يصل به إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أو الصحابي. لأننا لا نخاف منه فيما بينه وبين شيخه، إنّما نخاف منه أيضاً فيمن فوق شيخه، فإنّه يسقط كل ضعيف أو صغير في السند حتى يظهر السند قوياً متماسكاً، ولا بدّ أن نعلم أيضاً أنَّ قولنا: ((إنّ فلاناً يدلس تدليس التسوية))، معناه أنّه ثابت السماع عن شيخِه، وشيخُه ثابت السماع عن شيخِه، وشيخُ شيخِه ثابت السماع عن شيخه، وهكذا، فإذا جاء في طبقة من الطبقات، وأسقط الرجل الضعيف، أو الصغير، بين ثقتين أو مقبولين - بعبارة أدق -، وكل ثقة ما سمع من الثقة الآخر؛ فيكون إرسالًا أو تسوية، فلا بدّ أن يسقط الضعيف أو الصغير الذي بين الثقتين، أو المقبولين والتلميذ قد ثبت سماعه من شيخه من قبل، حتى يصحّ أن يقال: إنّه تدليس تسوية، لأننا كما نظهر من التفرقة بين التدليس والإرسال - قبل قليل -. ولذلك فلا بد أن يفرق طالب العلم بين قولهم: ((فلان يسوي في السند))، و((فلان يدلس تدليس التسوية))، فرق بين التسوية، وبين تدليس التسوية(١) . (١) فرّق الحافظ - رحمه الله تعالى - بينهما، فقال - رحمه الله -: إنّ التسوية أعم من التدليس فقد يوصف الراوي بالتسوية ولا يوصف بالتدليس ومثاله ما ذكره ابن عبدالبر وغيره أن مالكاً سمع من ثور بن يزيد أحاديث عن عكرمة عن ابن عباس - رضي الله عنهما -، ثم حدّث بها عن ثور، عن ابن عباس، وحذف عكرمة؛ لأنّه كان لا يرى الاحتجاج بحديثه، فهذا مالك قد سوّى الإسناد بإبقاء من هو عنده ثقة وحذف من ليس عنده بثقة فالتسوية قد تكون بلا تدليس، وقد تكون بالإرسال فهذا تحرير القول فيها ((النكت)) (٦١٧/٢ - ٦١٨). ونقل السيوطي في ((تدريبه)) (٢٢٦/١): أنّه متى قيل تدليس التسوية لا بد أن يكون كل من الثقات الذين حذفت بينهم الوسائط في ذلك الإسناد قد اجتمع الشخص منهم بشيخ شيخه في ذلك الحديث وإن قيل ((تسوية)) بدون لفظ التدليس لم يحتج إلى اجتماع أحد منهم بمن فوقه كما فعل مالك فإنّه لم يقع في التدليس أصلًا، ووقع في هذا ... إلخ. = ثم عرف الحافظ التسوية مستنبطاً من تعريفها فرقاً بينها وبين التدليس، فقال: ١٣٤ فالتسوية: هي إسقاط الضعفاء غالباً بين ثقات أو مقبولين لم يسمع بعضهم من بعض إلّا بواسطة هذا الضعيف أو الصغير، أمّا إذا كان تدليس تسوية فلا بدّ أن يكون كل ثقة قد سمع من شيخه في الجملة بدون هذه الواسطة، ليصح أن يقال: إنّه تدليس أو نوع من الإيهام، والإيهام ناتج عن شهرة رواية هذا التلميذ عن هذا الشيخ؛ فبهذا يصح أن يكون مدلساً، والله أعلم. (استدراك): وقد تراجعت عن اشتراط التصريح بالسماع في جميع الطبقات، وإنّما يجزىء من ذلك تصريح المدلس بينه وبين شيخه، وبين شيخه وشيخ شيخه، وسيأتي هذا إن شاء الله تعالى مفصّلًا في الجزء الثاني، فليتأمل. كما سيأتي إن شاء الله تعالى في السؤال (١٦٧) نحو هذا، فليصحّح هناك أيضاً، والله أعلم. س ٢٦: ما معنى قول بعض العلماء: ((مراسيل فلان أضعف المراسيل)»؟ ج ٢٦: معناه أنّ حديثه الذي أرسله ما سمعه إلّا عن مجروح ضعيف، فمثلًا الزهري، منهم من يقول: إنّه يروي عن كل أحد، ومنهم من يقول: إنَّه حافظ يستطيع أن يسمي الذي حدّثه بهذا لو شاء، فما يسكت عن تسميته إلّا لعلة، فيكون مرسله من أضعف المراسيل(١)؛ ومعنى هذا القول أيضاً: أنَّه لا ينتقي في مشايخه، بل يروي عن كل أحد، ولا يبالي أن تعريف التسوية: أن يجيء الراوي ليشمل المدلس وغيره إلى حديث قد سمعه من = شيخ وسمعه ذلك الشيخ من آخر عن آخر فيسقط الواسطة بصيغة محتملة فيصير الإسناد عالياً وهو في الحقيقة نازل ((النكت)) (٦٢١/٢). (١) قال الذهبي - رحمه الله تعالى - في ((سيره)) (٣٣٨/٥ - ٣٣٩): قال يحيى بن سعيد القطان: مرسل الزهري شر من مرسل غيره لأنّه حافظ وكل ما قدر أن يسمي سمى، وإنما يترك من لا يحب أن يسميه . قلت - أي الذهبي -: مراسيل الزهري كالمعضل لأنّه يكون قد سقط منه اثنان، ولا يسوغ أن نظن به أنّه أسقط الصحابي فقط، ولو كان عنده عن صحابي لأوضحه ولما عجز عن وصله، ولو أنَّه يقول عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ومن عدّ مرسل الزهري كمرسل سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير، ونحوهما فإنّه لم يدرِ ما يقول نعم مرسله كمرسل قتادة ونحوه. اهـ. ١٣٥ عمّن أخذ، ومن العلماء من قال: لا يستشهد بمرسلهم، وفيه تفصيل سيأتي - إن شاء الله تعالى - في الجزء الثاني(١)، والله أعلم. س ٢٧: لماذا يرسل الأئمة في حديثهم؟ ج ٢٧: قد ينشط الراوي فيسند، وقد يكسل الراوي فيرسل، وقد يكون المقام مقام تذكير ووعظ وإرشاد، ليس مقام إسناد وإملاء، أو يكون الراوي في مقام احتجاج على خصم في مسألة من المسائل، وليس في حاجة إلى أن يسوق الإسناد كاملًا، كما يحدث في المناظرات، وعند المذاكرة بين أهل العلم، فالعلماء يتساهلون - عند ذلك - في مسألة الإسناد، فلا يذكرون الحديث بكامل سنده(٢)، والإرسال قد وقع من كثير من العلماء؛ وما عيب عليهم ذلك، إمّا لهذا، وإمّا لأنّه ليس فيه إيهام وتلبيس على السامع، والله أعلم. (١) وانظره كذلك في السؤال رقم (٩). (٢) ذكر العلائي - رحمه الله - كلاماً طيباً حول أسباب الإرسال كما في ((جامع التحصيل)) (ص: ٨٧ - ٨٨)، فقد قال - رحمه الله -: إرسال الحديث من الثقة وعدوله عن تسمية شيخه وهو مشهور بالثقة؟ قلنا لأسباب منها : أن يكون سمع ذلك الحديث من جماعة ثقات وصحّ عنده ووقر في نفسه مرسله علماً بصحته كما تقدم في إبراهيم النخعي إذا قال: قال ابن مسعود فإنّه يكون سمع ذلك من جماعة من أصحابه عنه كما ثبت عنه ذلك. ومنها: أن يكون المرسل للحديث نسي من حدّثه به وعرف المتن جيداً فذكره مرسلًا لأنّ طريقته أنّه لا يأخذ إلّا عن ثقة كمالك وشعبة فلا يضره الإرسال. ومنها: أن يكون روايته الحديث مذاكرة فربّما ثقل معها ذكر الإسناد وخفّ الإرسال إمّا لمعرفة المخاطبين بذلك الحديث واشتهاره عندهم أو للإشارة إلى مخرجه الأعلى لأنّه المقصود حينئذ دون ذكر شيخه أو غير ذلك. وهذا كلّه في حق من لا يرسل إلّا عن ثقة وأمّا من يرسل عن كل ضرب فربّما كان الباعث له على الإرسال ضعف شيخه ولا يصير المرسل بذلك مجروحاً لأنّه لم يخرج ذلك على وجه قيام الحجة به. اهـ. ١٣٦ س ٢٨: هل صحّ عن شعبة أن قال: لأن أزني أحب إليَّ من أن أدلس؟ ج ٢٨: نعم، هذا القول مشهور عنه، ولا أعلم فيه طعناً(١)، وجاء في بعض الراويات لأن أربي بالراء المهملة، والباء الموحدة، أي: لأن أقع في الربا أحب إلي من أن أدلس، والظاهر أنّه تصحيف، فإن ذاك هو القول المشهور عنه، ولعلّ البعض يسأل ويقول: كيف يقول هذه المقالة والزنا كبيرة من الكبائر، والتدليس ما وصل إلى هذا الحد؟ والجواب: أنَّ الظاهر أنَّه خرج مخرج الذم والتنفير وإظهار مدى عيب التدليس، والكلمة ليست مقصودة في حقيقتها، ولكن المقصود منها: التنفير وبيان قبح التدليس في نظر السامعين(٢) والله أعلم(٣). (١) جاء في ((الكفاية)) للخطيب - رحمه الله - (ص: ٥٠٨) ((باب الكلام في التدليس وأحكامه)): أخبرنا أبو بكر البرقاني قال أنا محمد بن عبدالله بن حمرويه الهروي، قال: أنا الحسين بن إدريس، قال: ثنا ابن عمار، قال: سمعت المعافى يقول: سمعت شعبة يقول: ((لأن أزني أحب إلي من أن أدلس، فقلت له: يا أبا مسعر! ما تقول أنت في التدليس؟ قال: أدنى ما فيه التزين. اهـ وإسناده: صحيح. وجاء في ((المجروحين)) لابن حبان (٩٢/١): أخبرنا محمد بن إسحاق الثقفي، قال: سمعت محمد بن منصور قال: سمعت عفان يقول: سأل رجل شعبة عن حديث فقال: لأن أخر من السماء أحبُّ إلي من أن أدلس. اهـ وإسناده صحيح. وانظر ((سير أعلام النبلاء)) (٢١٠/٧) والله أعلم. (٢) قال ابن الصلاح - رحمه الله تعالى - في ((مقدمته)) (ص: ١٧٠): وهذا من شعبة إفراط محمول على المبالغة في الزجر عنه والتنفير، وتعقبه البلقيني فقال: والذي قاله شعبة ظاهر فإنَّ آفة التّدليس لها ضرر كبير في الدين وهي أضر من أكل الربا، وقد جاءت أحاديث محتج بها تدل على أنَّ أكل درهم ربا أشر من الزنا على وجوه مروية ... إلخ. أقول: والصواب ما قاله ابن الصلاح - رحمه الله - لأنَّ التدليس قد فعله أئمة كبار وأكثروا منه ولم يزحزحهم ذلك عن مكانتهم فضلًا عن تجريحهم أو تفسيقهم، إلّا أن يحمل كلام البلقيني على نوع خاص من التدليس من بعض الرواة المجروحين أصلًا أو يحمل على تصرف بعض المدلسين الذين يعرفون ضعف مشايخهم ومع ذلك يسقطونهم ليروجوا روايتهم الضعيفة والساقطة والله أعلم. (٣) هذا ومع ذم شعبة الشديد للتدليس إلّا أنّه لم يسلم من التهمة بذلك وقد دافع عنه الحافظ ابن حجر - رحمه الله - حيث قال في ((النكت)) (٦٢٨/٢ - ٦٣٠): ١٣٧ = س ٢٩: ما الفرق بين: ((حدّثنا))، و((حدّثني))، و((سمعت))، و((أخبرنا))؟ ج ٢٩: هذه من صيغ التحمل، وبعض علماء الجرح والتعديل يسميها الألفاظ، وتجد الواحد منهم يمدح الراوي من الرواة ويقول: فلان يفرق بين الألفاظ، وكثير من الطلبة حين يسمعون هذه الكلمة، فأول ما يتبادر إليهم: مسألة المتن، والألفاظ في المتن والزيادات، مع أنَّ الحقيقة أنّهم يقصدون بذلك أنّه يفرق بين («حدّثنا))، و((حدّثني))، و((أخبرنا))، و((أخبرني))، وبعضهم يمدح الراوي، فيقول: فلان يفرق بين الواو والفاء، وفلان يفرق بين الواو وثم، فهذا يدل على مدى تحري الراوي في ألفاظ المتون، وفي ألفاظ التحمل(١)، وعما ورد في السؤال: فالراوي إذا حدّثه الشيخ في وسط قال القاضي أبو الفرج المعافي النهرواني في ((كتاب الجليس والأنيس)) - له - في = المجلس الثالث والخمسين منه: كان شعبة ينكر التدليس ويقول فيه ما يتجاوز الحد مع كثرة روايته عن المدلسين ومشاهدته من كان مدلّساً من الأعلام، كالأعمش، والثوري وغيرهما إلى أن قال: ومع ذلك فقد وجدنا لشعبة مع قوله في التدليس تدليساً في عدة أحاديث رواها وجمعنا ذلك في موضع آخر. اهـ. قال الحافظ: وما زلت متعجّباً من هذه الحكاية شديد التلفت إلى الوقوف على ذلك ولا أزداد إلّا استغراباً لها واستبعاداً إلى أن رأيت في فوائد أبي عمرو بن أبي عبيد بن مندة وذلك فيما قرأت على أم الحسن بنت المنجا - ثم ساق السند - إلى شعبة قال: سألت عمرو بن دينار عن رفع الأيدي عند رؤية البيت فقال: أبو قزعة حدّثني مهاجر المكي أنّه سأل جابر بن عبدالله - الحديث -. قال الأصفر: ألقيته على أحمد بن حنبل فاستعادني فأعدته عليه، فقال: ما كنت أظن أنَّ شعبة يدلس . ثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن أبي قزعة بأربعة أحاديث هذا أحدها يعني ليس فيه عمرو بن دينار، قال الحافظ قلت: هذا الذي قاله أحمد على سبيل الظن وإلّا فلا يلزم من مجرد هذا أن يكون شعبة دلس في هذا الحديث لجواز أن يكون سمعه من أبي قزعة بعد أن حدّثه عمرو عنه، ثم وجدته في ((السنن)) لأبي داود عن يحيى بن معين عن غندر عن شعبة، قال: سمعت أبا قزعة :... فذكره فثبت أنّه ما دلّسه، والظاهر الذي زعم المعافي أنّه جمعه كله من هذا القبيل وفي ((طبقات المدلّسين)) وكيف يظن بشعبة التدليس وهو القائل: لأن أخر من السماء أحب إلي من أن أقول: عن فلان ولم أسمعه منه، وهو القائل: لأن أزني أحب إليّ من أن أدلّس. اهـ (ص: ١٨٥). (١) انظر ((شفاء العليل)) للمؤلف (٣٣/١). ١٣٨ مجموعة - كما هو ظاهر - يقول: حدّثنا، وإذا حدّثه وحده قال: حدثني(١). (١) قال ابن الأثير في ((جامع الأصول)): ولأئمة الحديث فرق بين ((حدثنا))، و((أخبرنا))، و((أنبأنا))، قال عبدالله بن وهب: ما قلت: حدّثنا فهو ما سمعت مع الناس، وما قلت: ((حدثني)) فهو ما سمعت وحدي، وما قلت: ((أخبرنا)) فهو ما قرىء على العالم وأنا أشاهد، وما قلت: ((أخبرني)) فهو ما قرأت على العالم وكذلك قال الحاكم أبو عبد الله النيسابوري . وقال يحيى بن سعيد: ((أخبرنا وحدّثنا)) واحد وهو الصحيح من حيث اللغة، وأمّا أنبأنا : فإنّ أصحاب الحديث يطلقونها على الإجازة والمناولة دون القراءة، والسماع اصطلاحاً، وإلّا فلا فرق بين الإنباء والإخبار لأنّهما بمعنى واحد، وقال الحاكم: ((أنبأنا)» إنّما يكون فيما يجيزه المحدث للراوي شفاهاً دون المكاتبة اهـ (٧٨/١ - ٧٩). وفي ((فتح الباري)) للحافظ ابن حجر - رحمه الله - (١٤٥/١) باب قول الحدث (حدّثنا))، أو ((أخبرنا))، أو ((أنبأنا)). قال: فدلَّ ذلك على أن التحديث والإخبار والإنباء عندهم سواء، وهذا لا خلاف فيه عند أهل اللغة: (عند إرادة الإعلام بالشيء). (@)﴾ [فهي بمعنى: ومن أصرح الأدلة فيه قوله - تعالى -: ﴿يَوْمَيِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَاْ تخبر أخبارها]. وقوله - تعالى -: ﴿وَلَا يُنَبِّتُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فهو بمعنى: ولا يخبرك مثل خبير]. وأمّا بالنسبة إلى الاصطلاح ففيه الخلاف: فمنهم من استمر على أصل اللغة، وهذا رأي الزهري ومالك وابن عيينة ويحيى القطان وأكثر الحجازيين والكوفيين، وعليه استمر عمل المغاربة، ورجّحه ابن الحاجب في مختصره، ونقل عن الحاكم أنّه مذهب الأئمة الأربعة . ومنهم من رأى إطلاق ذلك حيث يقرأ الشيخ من لفظه وتقييده حيث يقرأ عليه، وهو مذهب إسحاق بن راهويه والنسائي وابن حبان، وابن مندة، وغيرهم، ومنهم من رأى التفرقة بين الصيغ بحسب افتراق التحمل: فيخصون التحديث بما يلفظ به الشيخ، والإخبار بما يقرأ عليه، وهذا مذهب ابن جريج، والأوزاعي، والشافعي، وابن وهب، وجمهور أهل المشرق، ثم أحدث أتباعهم تفصيلًا آخر فمن سمع وحده من لفظ الشيخ أفرد فقال: ((حدثني)) ومن سمع من غيره جمع، ومن قرأ بنفسه على الشيخ أفرد، فقال: أخبرني، ومن سمع بقراءة غيره جمع. وكذا خصصوا الإنباء بالإجازة التي يشافه بها الشيخ من يجيزه، وكل هذا مستحسن وليس بواجب عندهم، وإنّما أرادوا التمييز بين أحوال التحمل، وظن بعضهم أنّ ذلك على سبيل الوجوب، فتكلّفوا في الاحتجاج له وعليه بما لا طائل تحته، نعم يحتاج = ١٣٩ وجاء عن الحسن البصري أنّه قال: حدّثنا أبو هريرة، ويعني بذلك: أنّه حدّث قومه أهل البصرة، فينبغي أن يتنبّه لهذا (١)، وكما جاء عن فطر بن خليفة، أنّه يقول: حدّثنا ويسكت، ويدلس تدليس السكوت، أو تدليس الحذف أو القطع، ولذلك قال بعض العلماء: فإذا قال: ((سمعت)) يقبل منه، وإذا قال: ((حدّثني)) أو ((أخبرني))، أو غير ذلك، فلا يقبل منه؛ لأنّه يدلس في صيغ التحمل إلّ في كلمة ((سمعت))، فإذا قال: سمعت؛ فكأنّه مدلس صرّح بالسماع، أمّا إذا قال: حدّثنا، وأخبرنا، وحدّثني، وأخبرني؛ فما زال مدلساً(٢)، وعمر بن علي المقدمي يدلس تدليس السكوت أيضاً(٣). فقولهم: ((أخبرنا)) و((أخبرني)) يطلقه كثير من أهل العلم على العرض، والعرض أن يقرأ الطالب والشيخ يسمع، بخلاف الإملاء والتحديث الذي من الشيخ، فالشيخ يقرأ الحديث أو يُمليه، والطالب يسمع، فإذا كان التحمل عن طريق العرض، فإنّهم يعبرون عنه بـ((أخبرنا)) إذا كان في مجموعة، وبعضهم يدقق في العبارة ويقول: ((أخبرنا فلان بقراءة فلان عليه)) أو قرأ فلان على الشيخ الفلاني وأنا أسمع، وأبو نعيم الأصبهاني قد عرف عنه أنّه المتأخرون إلى مراعاة الاصطلاح المذكور لئلا يختلط؛ لأنّه صار حقيقة عرفية عندهم، = فمن تجوز عنها احتاج إلى الإتيان بقرينة تدل على مراده، وإلّا فلا يؤمن اختلاط المسموع بالمجاز بعد تقرير الاصطلاح، فيحمل ما يرد من ألفاظ المتقدمين على محمل واحد بخلاف المتأخرين اهـ، وما بين الأقواس زيادات للحافظ من ((انتقاض الاعتراض)) (١١٤/١). (١) قال البزار: كان يروي عن جماعة لم يسمع منهم فيتجوز ويقول: حدّثنا، وخطبنا، يعني: قومه الذين حدّثوا وخطبوا بالبصرة. ((التهذيب (((٢٦٩/٢). وقال العراقي في ((التقييد)) (ص: ١٦٦): وروى عن الحسن أنّه كان يقول: حدّثنا أبو هريرة ويتأوّل أنّه حدّث أهل المدينة، وكان الحسن إذ ذاك بها، إلّا أنّه لم يسمع منه شيئاً اهـ. (٢) انظر ((فتح المغيث)) (٣٤٥/١). (٣) قال ابن سعد في ((الطبقات)) (٢٩١/٧): وكان ثقة وكان يدلس تدليساً شديداً وكان يقول: سمعت وحدّثنا، ثم يسكت ثم يقول هشام بن عروة الأعمش ... اهـ قال الحافظ في ((طبقاته)) للمدلسين: وهذا ينبغي أن يسمّى تدليس القطع (١٣٠ - ١٣١). ١٤٠