النص المفهرس
صفحات 41-60
أن يقال: وخبر الآحاد الذي تحفه قرينة(١)، هل يفيد اليقين؟ وقد مثّلوا لذلك بآحاد ((الصحيحين)) التي حفتها قرائن كثيرة: مثل علو قدر الشیخین، ورسوخ قدمهما في هذا الفن، وتلقي الأمة للكتابين بالقبول ... إلخ ما ذكره العلماء في ذلك، فمنهم من جزم بإفادتها العلم اليقيني النظري فقال: بما أنَّ الأمة تلقت الكتابين بالقبول، وبما أنَّ الأمة لا تجتمع على باطل، إذاً فالكتابان بما فيهما من متواتر وآحاد قطعيّاً الثبوت للنبي صلى الله عليه انظر ((روضة الناظر)) (٢٠٣/٢ - ٢٠٤) و (شرح مختصر الروضة)) للطوفي (١٠٥/٢ = - ١٠٧) و((التبصر للشيرازي)) (ص: ٢٩٩) و((إتحاف ذوي البصائر بشرح روضة الناظر)) (١٢٣/٣ - ١٣٥) وهذا القول وهو أن خبر الواحد المجرد لا يفيد العلم بل يفيد الظن وهو مذهب جمهور العلماء من فقهاء وأصوليين، انظر ((المسودة)) (ص: ٢٤٤) و((إجابة السائل)) للصنعاني (ص: ١٠٢ - ١٠٣) هذا وقد يقول قائل: إنّكم بذلك وافقتم أهل الكلام من المعتزلة وغيرهم في القول بأن خبر الواحد يفيد الظن والجواب على ذلك أن أهل السنة وافقوهم على هذه الجزئية لمّا دل الدليل على ذلك وخالفوهم في جزئيات كثيرة في خبر الآحاد منها: أنّ أهل السنة يثبتون بخبر الواحد الصحيح صفات الرب - تعالى - والعقائد الأخرى دون نظر إلى قضية القطع والظن قال ابن القيم - رحمه الله - في ((مختصر الصواعق المرسلة)) (ص: ٥٠٩): المقام الخامس: أن هذه الأخبار لو لم تفد اليقين فإنّ الظن الغالب حاصل منها، ولا يمتنع إثبات الأسماء والصفات بها كما لا يمتنع إثبات الأحكام الطلبية بها فما الفرق بين باب الطلب وباب الخبر ... إلخ. وقد انتصر ابن القيم - رحمه الله - لمن قال بإفادته اليقين فليراجع في ((مختصر الصواعق المرسلة)) ومن الفوارق كذلك بين أهل السنة وأهل الكلام في هذه القضية أن أهل السنة يعملون بخبر الواحد في جميع المسائل دون النظر إلى قضية القطع والظن فخبر الآحاد الثابت حجة مطلقة يجب العمل بها دون قيد أو شرط. وأنَّ خبر الواحد عند أهل لسنة يحصل به العلم إذا احتفّت به القرائن كما سينبه عليه المؤلف - حفظه الله - اهـ بتصرف من كتاب معالم أصول الفقه عند أهل السنة والجماعة (١٥٧ - ١٥٩)، والله أعلم. (١) قال الزركشي في تعريف القرائن: أنَّ العلماء لم يتعرضوا لضابط القرائن ونقل عن المازري قوله: لا يمكن أن يشار إليها بعبارة تضبطها، قلت: والكلام للزركشي يمكن أن يقال هي ما لا يبقى معها احتمال وتسكن النفس عنده مثل سكونها إلى خبر المتواتر أو قريباً منها ((البحر المحيط)» (٢٦٦/٤) و((شرح الكوكب المنير)) (٣٤٩/٢). ٤١ وعلى آله وسلم، ومنهم من خالف ولم يسلم بالمقدمتين أو بإحداهما، وعلى إثر ذلك فلم يسلم بالنتيجة، وعندي أنَّ في الأمر تفصيلاً - بخلاف الأحرف المنتقدة عليهما - فمن أحاديث الشيخين - وإن كان آحاداً - ما يقطع السامع له بصحته إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ومنها ما لا يبلغ هذه المنزلة، وذلك راجع إلى قرائن أخرى تَحُف بعض آحاد ((الصحيحين)) خلاف ما سبق ذكره من قرائن، فإنّ ما ذكروه من القرائن المشار إليها آنفاً، لا يلزم منه القطع بخبر الآحاد، وليس هناك ما يمنع من إفادة الخبر الواحد اليقين إذا حفته قرائن (١)، ومثّلوا لذلك بما لو أخبر (١) قال الحافظ في ((نزهته)): والخبر المحتف بالقرائن أنواع ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما مما لم يبلغ حد التواتر، فإنّه احتفت به قرائن : منها: جلالتهما في هذا الشأن وتقدمهما في تمييز الصحيح على غيرهما، وتلقي العلماء لكتابيهما بالقبول، وهذا التلقي وحده أقوى في إفادة العلم من مجرد كثرة الطرق القاصرة عن التواتر إلّا أنَّ هذا يختص بما لم ينقُذْه أحد من الحفاظ مما في الكتابين، وبما لم يقع التجاذب بين مدلولية مما وقع في الكتابين حيث لا ترجيح لاستحالة أن يفيد المتناقضان العلم بصدقهما من غير ترجيح لأحدهما على الآخر وما عدا ذلك فالإجماع حاصل على تسليم صحته، فإن قيل: إنَّما اتّفقوا على وجوب العمل به لا على صحته منعناه وسند المنع أنَّهم متفقون على وجوب العمل بكل ما صحَّ ولو لم يخرجه الشيخان فلم يبق للصحيحين في هذا مزية والإجماع حاصل على أنّ لهما مزية فيما يرجع إلى نفس الصحة، وممن صرح بإفادة ما خرجه الشيخان العلم النظري الأستاذ أبو إسحاق الإسفرائيني ومن أئمة الحديث أبو عبدالله الحميدي، وأبو الفضل بن طاهر، وغيرهما ويحتمل أن يقال: المزية المذكورة كون أحاديثهما أصح الصحيح. ومنها: المشهور إذا كانت له طرق متباينة سالمة من ضعف الرواة، والعلل، وممن صرح بإفادته العلم النظري الأستاذ أبو منصور البغدادي والأستاذ أبو بكر بن فورك وغيرهما . ومنها: ((المسلسل)) بالأئمة الحفّاظ المتقنين حيث لا يكون غريباً كالحديث الذي يرويه أحمد بن حنبل مثلًا ويشاركه فيه غيره عن الشافعي، ويشاركه فيه غيره عن مالك بن أنس، فإنّه يفيد العلم عند سامعه بالاستدلال عن جمعه جلالة رواته، وأن فيهم من الصفات اللائقة الموجبة للقبول مما يقوم مقام العدد الكثير من غيرهم، ولا يتشكك من له أدنى ممارسة بالعلم وأخبار الناس أن مالكاً مثلًا لو شافهه بخبر أنّه صادق فيه فإذا انضاف إليه من هو في تلك الدرجة ازداد قوة وبَعُدَ عمّا يخشى عليه من السهو وهذه الأنواع التي ذكرناها لا يحصل العلم بصدق الخبر منها إلّا للعالم بالحديث، المتبحر = ٤٢ رجل بموت رجل، ثم رأينا ابنه يجري في الطريق على هيئة غير عادته أشعث أغبر، وسمعنا صياحاً من بيت الذي ذُكر لنا أنّه قد مات، ورأينا بعض الناس يضع خشبة النعش أمام داره، ورأينا آخرين يحفرون قبراً، مع علمنا السابق بأن المذكور كان في حالة مرض شديدة، فلا شك أنَّ هذه القرائن تفيد اليقين، والله أعلم. ومما ينبغي التنبيه عليه: أنَّ أحاديث الآحاد وإن كانت - في الأصل - لا تفيد اليقين إلَّا أنَّه يجب العمل بها، ولم يخالف في ذلك إلّا الروافض ومن جرى مجراهم، واستدلوا على عدم العمل بخبر آحاد، بأخبار آحاد، وهذا من تناقضهم، وقد ذكر ابن حزم رحمه الله فصلاً ممتعاً في أدلة العمل بخبر الآحاد في كتابه («الإحكام في أصول الأحكام)) فراجعه (١٢١/١ - ١٣٢) فقد أفاد فيه وأجاد، وذكر بعضه الشيرازي في ((التبصرة)) (ص ٣٠١ - ٣١١)(١) وكما أنَّه يجب العمل بخبر الآحاد وإن لم يتابع، خلافاً لأبي فيه، العارف بأحوال الرواة، المطلع على العلل، وكون غيره لا يحصل له العلم بصدق = ذلك لقصوره عن الأوصاف المذكورة لا ينفي حصول العلم للمتبحر المذكور. ومحصل الأنواع الثلاثة التي ذكرناها: أن الأول يختص بالصحيحين، والثاني بما له طرق متعددة، والثالث بما رواه الأئمة، ويمكن اجتماع الثلاثة في حديث واحد، فلا يبعد حينئذ القطع بصدقه والله أعلم ((النزهة)) (ص: ٧٤ - ٧٦). وانظر كذلك كلام شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - ((في الفتاوى)) (٤٠/١٨ - ٤١) وفي (٣٥١/١٣) قال: ولهذا كان جمهور أهل العلم من جميع الطوائف على أن ((خبر الواحد)) إذا تلقته الأمة بالقبول تصديقاً له أو عملًا به أنّه يوجب العلم وهذا هو الذي ذكره المصنفون في أصول الفقه، من أصحاب أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد إلّا فرقة قليلة من المتأخرين اتبعوا في ذلك طائفة من أهل الكلام أنكروا ذلك، ولكن كثيراً من أهل الكلام أو أكثرهم يوافقون الفقهاء وأهل الحديث والسلف على ذلك ... إلخ اهـ وانظر ((مختصر الصواعق)) (ص: ٤٧٧ - ٤٨٣). (١) وانظر كذلك بحثاً في ذلك للخطيب البغدادي - رحمه الله - في كتابه ((الكفاية)) (ص: ٦٦ - ٧٢) وقال في آخره: ((وعلى العمل بخبر الواحد كان كافة التابعين ومن بعدهم من الفقهاء الخالفين في سائر أمصار المسلمين إلى وقتنا هذا ولم يبلغنا عن أحد منهم إنكار لذلك، ولا اعتراض عليه، فثبت أنَّ من دين جميعهم وجوبَه إذ لو كان فيهم من كان لا يرى العمل به لنقل إلينا الخبر عنه بمذهبه فيه))، والله أعلم. ٤٣ علي الجُبّائي(١)، وكذا يجب العمل به وإن كان في أمر تعم به البلوى، وقد فرّق بعض الأصوليين بين الخبر الذي تعم به البلوى، فيقبل فيه خبر الواحد، وبين الخبر الذي تتوفر الدواعي على نقله(٢)، كقتل خطيب على منبر أو ملك في سوق، فلا يقبل فيه خبر الواحد، هذا وخبر الآحاد ينقسم إلى مستفيض أو مشهور وعزيز وغريب(٣)، هذا ما يسر الله به من الجواب على هذا السؤال، وإن كنت قد استطردت في الجواب، وتكلّمت على (١) أبو علي الجبائي محمد بن عبدالوهاب بن سلام بن زيد بن أبي السكن الجبائي، رأس المعتزلة وكبيرهم ومن انتهت إليه رياستهم، كذا قال الحافظ في ((لسان الميزان)) (٢٧١/٥)، وانظر ((سير أعلام النبلاء)) (١٨٣/١٤ - ١٨٤)، وانظر شرطه في الصحيح في ((النزهة)) (٦٥ - ٦٦) والله أعلم. (٢) خبر الواحد فيما تعم به البلوى يراد به: الخبر الذي يتعلق بأمر من الأمور التي تقع كثير بين المسلمين ويحتاجون إلى الاستفسار عن حكمها أو يكون الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم يعلم كثرة وقوعه فيهم ببيانها كنقض الوضوء من لمس الذكر وعدم الإفطار من الأكل ناسياً ونحو ذلك فإذا لم ينقل الأخبار المبينة لأحكام هذه الحوادث إلّا آحاد لم يقبل عند بعض الحنفية لأنّ هذه الأشياء مما يبتلى بها الناس ولا يحل للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يخص بتعليمها الآحاد، فلا أن يكون قد بين حكمها الكثير من الصحابة فتشتهر وتتوفر الدواعي على نقلها، فانفراد هذا الراوي بها دليل على خطئه، والصحيح - إن شاء الله تعالى - قبولها كما تقبل في سائر الأحكام فإنَّ هذه الأشياء وإن كانت تقع كثيراً لكن لا يلزم أن يحتاج كل فرد إلى معرفة حكمها قبل أن تحدث عليه وقد لا يجري عليه شيء منها طوال عمره، ومن عرف حكمها فقد لا يجد مناسبة للتحديث بها وقد يعتقد معرفة الناس لمثلها وقد يكتفي للتحديث بحكمها ... إلخ انتهى من رسالة الشيخ عبدالله بن جبرين ((أخبار الآحاد في الحديث النبوي)) (ص: ١٣٧) وانظر كذلك ((إجابة السائل شرح بغية الآمل)) (ص: ١٠٨ - ١٠٩). هذا وقد نُسب هذا القول إلى أبي حنيفة وصاحبيه وكذب ذلك ابن القيم - رحمه الله - حيث قال في ((مختصر الصواعق)) (٥٢٦) وطائفة عاشرة روته فيما تعم به البلوى وقبلته فيما عداه، وحكوه عن أبي حنيفة، وهو كذب عليه، وعلى أبي يوسف ومحمد فلم يقل ذلك أحد منهم البتة، وإنّما هذا قول متأخريهم، وأقدم من قال به عيسى بن أبان وتبعه أبو الحسن الكرخي وغيره. اهـ. (٣) انظر ذلك مفصلًا في ((النزهة)) للحافظ ابن حجر - رحمه الله - (٦٢ - ٧٠). ٤٤ مسائل لم ترد في السؤال، وما ذلك إلّا لمسيس الحاجة إليها، ولكثرة الاختلاف بين بعض طلبة العلم، ولا حول ولا قوة إلا بالله، والله المستعان . س ٢: ما هو التعريف الصحيح للحديث الشاذ؟ وما هو انتقاد أهل العلم لهذا التعريف القائل: ((الشاذ: مخالفة الثقة للثقات))؟ ج: الحديث الشاذ من جملة الحديث الضعيف، والقول المقبول فيه : هو مخالفة المقبول لمن هو أوثق منه، ولكننا نجد في بعض كتب المصطلح قول بعضهم: ((هو مخالفة الثقة للنقات)) (١)، وهذا التعريف فيه خلل في موضعين : أولًا: قولهم: ((مخالفة الثقة)» يرد على ذلك رجال الحديث الحسن الذين يقال في أحدهم: ((صدوق، أو لا بأس به))، وهم ليسوا ممن يصح أن يطلق عليهم كلمة: ((ثقة))، مع أنهم مقصودون في التعريف وكما قالوا: إنَّ التعريفات لا بد أن تكون جامعة مانعة، جامعة لجميع أوصاف الشيء المراد تعريفه، ومانعة من دخول أي وصف غريب مع هذه الأوصاف، وإلّا فلا فائدة من التعريف. ثانياً: أنَّ قولهم ((الثقات)) جمع ثقة، وهم لا يشترطون عند المخالفة أن يخالف جمعاً من الثقات، بل إنَّه إذا خالف رجلاً واحداً أوثق منه، فإنّ الحفاظ يحكمون عليه بالشذوذ، على تفاصيل في ذلك، ولذلك كان هذا التعريف الذي سألتَ عنه مدخولًا من هاتين الجهتين، والتعريف الصحيح : هو ((مخالفة المقبول لمن هو أوثق منه))(٢). (١) قال القسطلاني: الشاذ ما خالف الراوي الثقة فيه جماعة الثقات بزيادة أو نقص فيظن أنَّه وهم فيه، انظر معجم ((مصطلحات توثيق الحديث)) (ص: ٤١ - ٤٢) د - علي زوين - وفيه من الاعتراضات ما ذكره الشيخ - حفظه الله -. (٢) في ((النزهة)): ((ما رواه المقبول مخالفاً لمن هو أولى منه، قال الحافظ: وهذا هو المعتمد في تعريف الشاذ بحسب الاصطلاح)) (ص: ٩٨). ٤٥ فكلمة: ((مخالفة)) تخرج من ذلك التفرد، والموافقة، و((المقبول)) كل من يقبل للاحتجاج به، سواء كان من رجال الصحيح أو الحسن، وليس ((المقبول)) هنا على تعريف الحافظ ابن حجر - رحمه الله تعالى - في (التقريب)) الذي هو مَنْ ليس له من الحديث إلا القليل، ولم يثبت فيه ما يُتْرك حديثه من أجله، وإليه الإشارة بـ((مقبول))، حيث يتابع، وإلّا فليِّن الحديث، هذا تعريفه في مقدمة ((التقريب)) الطبقة السادسة، والمقبول الذي أعنيه بالحديث هنا: هو المقبول عند أهل العلم خلاف المردود، سواء كان مردوداً ردّاً مؤقتاً أي: أنَّه يصلح في باب الشواهد والمتابعات، أو مردوداً ردّاً نهائيّاً، وهو من أهل الرد والترك، فالمقبول إذن: هو الذي يُقْبل في الاحتجاج به، فقولنا: ((مخالفة المقبول لمن هو أوثق منه)) يدخل في ذلك إذا كان المخالف واحداً ولكنه أوثق من المخالَفِ، فالتعريف يكون جامعاً له، وهذا تعريف الحافظ - رحمه الله -، والله أعلم. (تنبيه)): فهم كثير من طلبة العلم أن المراد بالمخالفة هنا: أن يروي الراوي رواية لا يمكن الجمع بينها وبين رواية من هو أوثق منه، وهذا ليس بسديد على طريقة الحذاق من أهل الحديث، والمتتبع لصنيعهم يجدهم يطلقون الشذوذ على أحاديث لا تكاد تحصى، مع إمكان الجمع على طريقة الفقهاء، فالمراد بالمخالفة أي زيادة في اللفظ تحمل زيادة في المعنى، فعند ذاك تُحكّم القواعد، لينظر المحفوظ من الشاذ، والله أعلم. فائدة في أحوال الرواة: الرواة لهم أربع حالات أو هم أربعة أقسام: ١ - من الرواة من يحتج به وإن خالفه غيره، أي: وإن كان المخالفون له ثقات، وهؤلاء هم الأئمة الحفاظ المشاهير كالإمام أحمد بن حنبل، وعلي بن المديني - رحمهما الله تعالى -، ومن جرى مجراهما في الشهرة بالأمانة والضبط والتحري واليقظة، فهؤلاء الأئمة الكبار ليس من السهل أن يُرَدَّ عليهم حديثهم، فليس من الهين - مثلاً - أن يقال: ((شذَّ : ٤٦ أحمد، أو شذّ علي بن المديني))(١) إلّا أن يكون المخالفون لأحد الحفاظ أئمة حفّاظاً، فعند ذلك نقول: ((وهِمَ فلان))، فمن الرواة من يُحتج به وإن خالف، وهذا على سبيل الأغلبية، وليس في كل الحالات. ٢ - من الرواة من يحتج به إذا تَفَرَّدَ، ولا يُحتج به إذا خالف، وهؤلاء غالب رواة الحديث الصحيح أو الحسن، فيحتج بهم عند التفرد، لكن إذا خالفوا من هو أوثق منهم يُرد عليهم(٢). ٣ - ومن الرواة من يحتج به إذا توبع، أمّا إذا انفرد - فضلًا عن المخالفة - فلا يحتج به، وهؤلاء أهل الشواهد والمتابعات. (١) مثال ما جاء في ((التتبع)) في قصة المسيء صلاته، وقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((ارجع فصل فإنّك لم تصل)) رواه يحيى بن سعيد القطان عن عبيدالله عن سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة به، قال الدّار قطني وخالف يحيى أصحاب عبيد الله كلهم فهم أبو أسامة وعبدالله بن نمير وعيسى بن يونس وغيرهم ورووه عن عبيدالله عن سعيد عن أبي هريرة فلم يذكروا أباه ... قال يحيى ويشبه أن يكون عبيدالله حدّث به على الوجهين والله أعلم (ص: ١٧٧) قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي - حفظه الله تعالى - في ((المقترح)) هاب الدّار قطني أن يقول إنَّ يحيى بن سعيد شاذ والله أعلم (ص: ١٢٤). وانظر ((سنن الترمذي)) (٤٢٨/٣). والعلل للدار قطني (١٥٥/٣ رقم ٣٢٥) و((فتح الباري)) لابن حجر (٢٧٧/٢ رقم ٧٩٣). (٢) مثاله ما ذكره الحافظ ابن حجر - رحمه الله - في كتابه ((النزهة)) (٩٧ - ٩٨). وهو ما رواه الترمذي والنسائي وابن ماجة من طريق ابن عيينة عن عمرو بن دينار، عن عوسجة، عن ابن عباس - رضي الله عنهما -، أنَّ رجلًا توفي في عهد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولم يدع وارثاً إلّا مولىّ هو أعتقه ... الحديث. وتابع ابن عيينة على وصله ابن جريج وغيره وخالفهم حمّاد بن زيد فرواه عن عمرو بن دينارٍ عن عوسجة ولم يذكر ابن عباسٍ. قال أبو حاتم: ((المحفوظ حديث ابن عيينة)). اهـ كلامه. فحمّاد بن زيد من أهل العدالة والضبط، ومع ذلك رجّح أبو حاتم رواية من هم أكثر عدداً منهُ وعرف من هذا التقرير أنَّ الشاذ ما رواه المقبول مخالفاً لمن هو أولى منه وهذا هو المعتمد في تعريف الشاذ بحسب الاصطلاح. اهـ. ٤٧ ٤ - ومن الرواة من لا يحتج به وإن توبع، وهؤلاء أهل الترك، والرد، والتهمة، والكذب، والفسق، والعياذ بالله. س ٣: بعض العلماء يقولون: ((إنّ مثال العلّة غير القادحة إبدال ثقة بثقة))، فما هو التعريف الصحيح للعلّة غير القادحة؟ ج ٣: أولًا في الجواب على هذا يجب أن نعرف أولًا العلّة القادحة، وما دونها يكون غير قادح، فالعلماء يعرفون الحديث المُعَلَّ: بأنَّه الحديث الذي ظاهره الصحة، وفيه علة خفيّة تقدح في صحته، مع أنَّ الظاهر السلامة من ذلك(١)، وهذا لا يكون إلّا كما يقول علي بن المديني - رحمه الله تعالى -: ((الباب إذا لم تجمع طرقه لم تعرف علّته))(٢) فهذا يكون بجمع طرق الحديث كلّها، فإذا جمعت الطرق كلها بان لك مَنِ الذي وهم؟ ومَنِ الذي حفظ؟ وأين الراوي الذي خالف؟ ومَنِ الراوي الذي يتحمل عهده هذه المخالفة أو هذه النكارة؟ ومَنِ الراوي الذي يفلت من هذه العهدة؟ إما لثقته، وإمّا لمتابعة غيره له، أو غير ذلك من الأمور التي تظهر لمن يمارس مسألة تحقيق الأحاديث، ولعل من أكبر الأمثلة على هذا حديث: ((شيبتني هود وأخواتها))، كما في ((العلل)) للدارقطني - رحمه الله -، فالعلة القادحة كأن يُروى الحديث متصل الإسناد مع أنّه جاء مرسلًا، والذين رووه مرسلًا أوثق من الذين رووه مسنداً، وبالمثل في مسألة الاتصال والانقطاع، ومسألة الرفع والوقف، والزيادة والنقصان في السند أو في المتن. (١) انظر ((مقدمة ابن الصلاح)) (ص: ٨١)، و((شرح الألفيّة)) للعراقي (٢٢٦/١)، و((تدريب الراوي)) (٢٥٢/١). (٢) في ((مقدمة ابن الصلاح)) (ص: ١٩٥) قال الخطيب أبو بكر: السبيل إلى معرفة علّة الحديث أن يجمع طرقه وينظر في اختلاف رواته ويعتبر بمكانهم من الحفظ ومنزلتهم في الإتقان والضبط، ثم ذكر - رحمه الله - عبارة ابن المديني. وانظر ((تدريب الراوي)) (٢٥٣/١) و((توضيح الأفكار)) (٢٩/٢). ٤٨ هذه علل قادحة تقدح في صحة الحديث(١)، أمّا مسألة العلل غير القادحة - مثل إبدال ثقة بثقة، كأن يختلف الرواة مثلًا على سفيان الثوري، أو على الزهري، فمرة يسمي أحدهم شيخاً، ومرة أخرى يسمي شيخاً آخر، والشيخان كلاهما ثقة، فهذه علّة غير قادحة، وإنّما سموها علّة لمجرد وجود الاختلاف في الحديث والإسناد، وهي لا تقدح(٢)؛ لأننا نقول: (١) ذكر الحاكم أبو عبدالله في كتابه (علوم الحديث) النوع السابع والعشرين (ص: ١١٢ - ١١٦) عشرة أجناس للعلل، وأورد لكل جنس مثالًا مع بيان العلّة التي فيه. فمنها الجنس الأوّل: أن يكون السند ظاهره الصحة ولكن فيه من لا يعرف بالسماع ممن روى عنه . ومنها: أن يسند الحديث من وجهٍ ظاهره الصحة ولكن يكون مرسلًا من وجهٍ رواه الثقات الحفّاظ . ومنها: أن يكون الحديث محفوظاً عن صحابي ويروى عن غيره لاختلاف بلاد رواته. ومنها: أن يكون الحديث محفوظاً عن صحابي فيروى عن تابعي فيقع الوهم بالتصريح بما يقتضي صحته عن غيره ممن لا يكون معروفاً من جهته. ومنها: أن يكون روى بالعنعنة وسقط منه راوٍ دلّ عليه طريق أخرى محفوظة . ومنها: أن يختلف على رجل في الإسناد. ومنها: أن يختلف على رجل في تسمية من روى عنه أو عدم تسميته. ومنها: أن يكون الراوي عن شخص قد أدركه وسمع منه، ولكنّه لم يسمع منه ذلك الحديث. ومنها: أن يكون للحديث طريق معروف، فيروي أحد رجاله الحديث من غير ذلك الطريق فيقع الوهم. ومنها: أن يروى الحديث مرفوعاً من وجه، وموقوفاً من وجه. ثم قال - رحمه الله -: فقد ذكرنا علل الحديث على عشرة أجناس وبقيت أجناس لم نذكرها وإنّما جعلتها مثالًا لأحاديث كثيرة، ليهتدي إليها المتبحر في هذا العلم فإن معرفة علل الحديث من أجل هذه العلوم. اهـ. وانظر ((توجيه النظر)) لطاهر الجزائري (٦٠٦/٢ - ٦١٣). قال المؤلف: وهذه الأجناس التي ذكرها الحاكم - رحمه الله - فيها تداخل ولم يقتصر فيها على العلل الخفية والله أعلم. (٢) قال الحافظ ابن حجر - رحمه الله - في ((النكت)) (٧٤٧/٢): ١ - فمثال ما وقعت العلّة في الإسناد ولم تقدح مطلقاً: ما يوجد مثلًا من حديث مدلس بالعنعنة فإن ذلك علة توجب التوقف عن قبوله فإذا وجد من طريق أخرى قد صرح فيها بالسماع تبين أنَّ العلّة غير قادحة. ٤٩ ((طالما أنَّ تلامذة الزهري الذين رووا الحديث عنه سواء، أو قريب من السواء من ناحية العدد أو الوصف، فنستطيع أن نقول: إن للزهري فيه شيخين، ولا سيّما أنَّ الزهري رجل حافظ وجامع للعلم، ورحّال، فمِنَ المحتمل أن يكون له في الحديث شيخان، أو أكثر، فهذه علّة غير قادحة، وكأن يختلف الرواة في اسم رجل ونسبته، والرجل ثقة، هذه أيضاً علّة غير قادحة، فمسألة العلّة غير القادحة إن جئت إلى التعريف فليس لها تعريف بأكثر من هذا التعريف: إنَّها علّة بمعنى الاختلاف في رواة السند، ولكنَّها لا تقدح في صحة الحديث. أمَّا إذا جئنا إلى التمثيل لها، فالذي ذكرته من جملة هذه الأمثلة، وتظهر للإنسان أكثر عند الممارسة، وعند البحث في الأحاديث. المهم أنّك لا تعرف هل هذه العلّة قادحة أو غير قادحة؟ إلّا إذا جمعت طرق الحديث، فإذا جمعت طرق الحديث؛ بان لك هل هذه العلّة تقدح في صحة الحديث أم لا (١)؟ فإذا كان الإسناد يدور على ثقة فلا يضر؛ ٢ - وكذا إذا اختلف في الإسناد على بعض رواته فإن ظاهر ذلك يوجب التوقف = عنه، فإن أمكن الجمع بينها على طريق أهل الحديث بالقرائن التي تحف الإسناد تبين أنَّ تلك العلّة غير قادحة. ٣ - مثال ما وقعت العلّة فيه في الإسناد وتقدح فيه دون المتن ما مثل به المصنف من إبدال راوٍ ثقة براوٍ ثقة وهو بقسم المقلوب أليق فإن أبدل راوٍ ضعيف براوٍ ثقة وتبيّن الوهم فيه استلزم القدح في المتن أيضاً إن لم يكن له طريق أخرى صحيحة. ٤ - ومثال ما وقعت العلّة في المتن دون الإسناد ولا تقدح فيهما ما وقع من اختلاف ألفاظ كثيرة من أحاديث ((الصحيحين)) إذا أمكن رد الجميع إلى معنى واحد فإن القدح ينتفي عنها ... إلخ. اهـ. (١) قال الحافظ ابن حجر - رحمه الله - في ((النكت)) (٧١٠/٢ - ٧١١): وإذا تقرر هذا فالسبيل إلى معرفة سلامة الحديث من العلّة كما نقله المصنف عن الخطيب، أن يجمع طرقه فإن اتفقت رواته واستووا ظهرت سلامته، وإن اختلفوا أمكن ظهور العلّة، فمدار التعليل في الحقيقة على بيان الاختلاف وسأوضحه في النوع الذي بعد هذا - إن شاء الله تعالى -، وهذا الفن أغمض أنواع الحديث وأدقها مسلكاً، ولا يقوم به إلّ من منحه الله - تعالى - فهماً غايصاً، واطّلاعاً حاوياً، وإدراكاً لمراتب الرواة = لأنّه سواء أكان هذا شيخه أم ذاك شيخه فهو ثقة ... لكن شرطه أن يكون الذي اخْتُلِف عليه ثقة، أمّا إذا اخْتُلِف على رجل صاحب أوهام، وروى الحديث على عدّة أوجه، فهذا لا يقبل منه، وهذا دليل على وهمه واضطرابه في الحديث، فالرجل الثقة الحافظ إذا روى الحديث على عدة أوجه، حُمِل هذا على أنَّه قد جمعه من مشايخ كثيرين، والرجل الذي فيه أوهام إذا روى الحديث من عدة أوجه، دلّ هذا على أنَّه وهم في هذا الحديث، إنّما تقبل الطرق المتعددة من الحفاظ، ولا تقبل من أصحاب الوهم، وسوء الحفظ، والله - تعالى - أعلم(١). س ٤: ما هي الفائدة من قول العلماء: ((هذا السند أصح الأسانيد عن فلان)»؟ ج ٤: مسألة أصح الأسانيد كما قال بعضهم: ((إنّه لا يمكن الحكم على ومعرفة ثاقبة ولهذا لم يتكلّم فيه إلّا أفراد أئمة هذا الشأن وحذّاقهم، وإليهم المرجع في ذلك لما جعل الله فيهم من معرفة ذلك والاطلاع على غوامضه دون غيرهم ممن لم يمارس ذلك ... إلخ. (١) قال ابن رجب - رحمه الله تعالى - في ((شرحه على علل الترمذي)) (٤٢٤/١ - ٤٢٥): فاختلاف الرجل الواحد في الإسناد إن كان متهماً فإنّه ينسب به إلى الكذب وإن كان سيء الحفظ ينسب به إلى الاضطراب وعدم الضبط، وإنّما يحتمل مثل ذلك ممن كثر حديثه، وقوى حفظه، كالزهري وشعبة، ونحوهما، وقد كان عكرمة يتهم في رواية الحديث عن رجل ثم يرويه عن آخر حتى ظهر لهم سعة علمه وكثرة حديثه ... إلخ. أقول: ومن الأمثلة على ذلك ما أخرجه أبو داود، وغيره من حديث أبي بن كعب، مرفوعاً: ((صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده ... )) الحديث، ومداره على أبي إسحاق السبيعي واختلف عليه فقيل عنه، عن عبدالله بن أبي بصير، عن أبي بن كعب، وقيل: عنه، عن أبي بصير، عن أبي بن كعب، وقيل: عنه، عن عبدالله بن أبي بصير، عن أبيه، عن أبي بن كعب، وقيل: عنه، عن العيزار بن حريث، عن أبي بصير، عن أبي، قال ابن أبي حاتم في ((العلل)) (١٠٢/١ رقم ٢٧٧): سألت أبي عنه، فقال: كان أبو إسحاق واسع الحديث يحتمل أن يكون سمع من أبي بصير، ومن ابن أبي بصير عن أبي بصير، وسمع من العيزار، عن أبي بصير، عن أبي، عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ٥١ إسناد بأنَّه أصح الأسانيد مطلقاً، وقد خاض في ذلك جماعة من أئمة الحديث، فاختلفت كلمتهم))(١)، والحكم بأصح الأحاديث مطلقاً كما يقول الحافظ ابن حجر - رحمه الله تعالى -: ((ما تكلّم فيه أحد من علماء الحديث(٢)؛ لأنَّ صحة الإسناد، وكون أن الإسناد من أصح الأسانيد، لا يلزم من ذلك أن يكون المتن من أصح المتون، لأنَّ المتن المخالف قد يكون له متابعات، أو خالياً من الاضطراب، أو خالياً من الاختلافات، أو غير ذلك. فالشاهد: أنَّ الخلاف بين العلماء وقع في أصح الأسانيد، ولم يقع في أصح الأحاديث، ومع جزم بعض العلماء بعدم إطلاق أن السند الفلاني أصح الأسانيد، فما هي الفائدة التي نأخذها من هذه التراجم التي وصفت بأنها أصح الأسانيد؟ أجاب على هذا السؤال الحافظ ابن حجر - رحمه الله تعالى - بأنَّ التراجم التي وصفت بأنَّها أصح الأسانيد، لا تخلوا من فائدة، وذلك بأنّها تكون أقوى من معارضيها، إذا لم يكن معارضها من أصح الأسانيد، فنحتاج إليها عند الترجيح، فإذا عارضها إسناد ليس مذكوراً في هذه السلاسل، أو ترجمة ليست مذكورة في هذه التراجم، قدمنا ما ذكر في أصح الأسانيد، فمثلًا نرجح مالك عن نافع عن ابن عمر، ونستطيع أن نقول: إن أثبتَ تلامذة نافع هو مالك؛ لأنّه ذُكِرَ في أصح الأسانيد، فإذا خالف مالكاً رجلٌ آخر في نافع قدمنا مالكاً؛ لأنّه مذكور في أصح الأسانيد، وإن كان المخالف له ثقة(٣). س ٥: ما هي أصح الأقوال في رواية أبي الزبير عن جابر؟ ج ٥: أبو الزبير محمد بن مسلم بن تدرس سواء كان عن جابر، أو (١) انظر عبارة ابن الصلاح في ((مقدمته)) (ص: ٨٣). (٢) انظر ((النكت)) على ابن الصلاح (٢٤٧/١ - ٢٤٨) قلت: وممن جزم بذلك أيضاً الحافظ العلائي وقد خالف ذلك، حيث قال في حديث رواه أحمد عن الشافعي، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر: ((أنّه أصح حديث في الدنيا))، نقل ذلك عنه السيوطي في ((تدريبه)) (٧٧/١). (٣) جاء ذلك في ((النكت)) للحافظ ابن حجر (٢٨٨/١) ونقله السيوطي عنه في ((تدريبه)) (٧٦/١). ٥٢ عن غيره، هو مدلس، والمدلس لا تقبل عنعنته إلّا إذا صرح بالسماع(١)، وهناك بعض الرواة لهم في ذلك استثناءات وتفاصيل تكون في موضعها، ويجاب عليها في محلها. وأبو الزبير إذا كانت عنعنته في داخل ((الصحيحين)) أو أحدهما؛ فعنعنته محمولة على السماع(٢) ما لم ينتقد أحد الحفاظ المتقدمين أو أحد الأئمة هذا الإسناد من أجل عنعنة أبي الزبير. وأمّا إذا كانت خارج ((الصحيحين)): فإذا روى عنه الليث بن سعد؛ فتحمل عنعنته على السماع، وذلك لما هو معروف في ترجمته(٣). وأمّا روايته في غير ((الصحيح)) ومن طريق غير الليث بن سعد: فنقف في روايته سواء كانت عن جابر أو عن غيره، وهناك من الأئمة مثل شعبة من (١) قلت: وهذا هو الرأي الذي عليه جمهور أئمة الحديث. قال العلائي - رحمه الله تعالى -: والصحيح الذي عليه جمهور أئمة الحديث، والفقه، والأصول الاحتجاج بما رواه المدلس الثقة مما صرح فيه بالسماع دون ما رواه بلفظ محتمل. اهـ. ونسب هذا القول للأكثرين العراقي - رحمه الله تعالى -، انظر ((جامع التحصيل)) (ص: ٩٨) و(التبصرة والتذكرة)) للعراقي (١٨٨/١). (٢) قلت: وهذا هو الحق الذي عليه جمهور العلماء. قال النووي في ((تقريبه)): وما كان في ((الصحيحين))، وشبههما عن المدلسين بعن محمول على ثبوت السماع من جهة أخرى ((تدريب الراوي)) (٢٣٠/١)، وراجع أيضاً كلام شيخنا مقبل - حفظه الله تعالى - في رسالته ((المقترح)) السؤالين رقم (١٥) و(١٢٧). (٣) قال ابن عدي في ((كامله)) (٢١٣٦/٦): ثنا علي بن أحمد بن سليمان ثنا ابن أبي مريم: سمعت عمي - يعني: سعيد بن أبي مريم - يقول: سمعت الليث بن سعد يقول: أتيت أبا الزبير المكي، فدفع لي كتابين، قال: فلمّا صرت إلى منزلي، قلت: لا أكتبهما حتى أسأله، قال: فرجعت إليه، وقلت: هذا كلّه سمعته من جابر، قال: لا، قلت: فأعلم لي على ما سمعت، قال: فأعلم لي على هذا الذي كتبته عنه، اهـ. قلت: ((إسنادها حسن)) وعلي بن أحمد هو علّان أبو الحسن المصري وثّقه ابن يونس ووصفه بكثرة الحديث، وترجمته في ((السير)) (٤٩٦/١٤) وابن أبي مريم هو أحمد بن الحكم ((صدوق)) كما حكم عليه الحافظ في ((تقريبه)) وعمه مشهور بالتوثيق - والله أعلم -. ٥٣ يضعِّف أبا الزبير(١)، والراجح أنّه صدوق من جهة الراوية، لكنّه مدلس، والله أعلم . س ٦: ما سبب ضعف هشيم بن بشير وسفيان بن حسين في الزهري؟ ج ٦: كلام العلماء في مسألة هشيم أنَّه ذهب إلى الزهري، وأخذ منه بعض الأحاديث وكتبها في ورقة، وبينما هو راجع إذا لقيه صاحب له، وسأله من أين أتى؟ فأخبره أنَّه قادم من عند الزهري، وأنّه أخذ منه بعض الأحاديث، فأخرج الورقة ليطلعه عليها، فكانت هناك ريح شديدة، فانتزعت الورقة منه وطارت عليه، فأصبح يحدث بما علق في حفظه من هذه الأحاديث، فمن هنا ضعف في الزهري؛ لأنّه لم يكن قد أتقن حفظها بعد(٢)، وأمّا سفيان بن حسين فإنّه سمع من الزهري بالموسم - موسم الحج (١) هذا وقد قدح شعبة في أبي الزبير بما ليس بقادح حيث قال: ((رأيته يزن ويسترجح في الميزان))، والاسترجاح في الميزان لا يلزم منه القدح في عدالة فاعله، وقد دافع عن أبي الزبير ابن حبان - رحمه الله - فقال في ((الثقات)) (٣٥٢/٥): ((ولم ينصف من قدح فيه لأنَّ من استرجح في الوزن لنفسه لم يستحق الترك من أجله))، وانظر ((تهذيب التهذيب)) (٤٤٠/٩)، وفي ((الميزان)) (٣٣٣/٦) وقد تكلّم فيه شعبة لكونه استرجع في الميزان وجاء عن شعبة أنّه تركه لكونه يسيء صلاته، وقيل: لأنّه رآه مرّة يخاصم ففجر، وقيل: كان يرى الشرط، والله أعلم. (٢) في ((تاريخ بغداد)) (٨٧/٤) قال الخطيب: أخبرنا ابن رزق أخبرنا إسماعيل بن علي الحطبي، ثنا الحسين بن فهم، أخبرني الهروي، أنَّ هشیم کتب عن الزهري نحواً من ثلاثمائة حديث، فكانت في صحيفة، وإنما سمع منه بمكة فكان ينظر في الصحيفة في المحمل، فجاءت الريح فرفت بالصحيفة فنزلوا فلم يجدوها، وحفظ هشيم منها تسعة أحاديث. وفي إسنادها الحسين بن فهم، قال فيه الحاكم، ليس بالقوي، وقال الدّار قطني: ليس بالقوي وقال ابن كامل: كان يحسن المجلس مفنّناً في العلوم حافظاً للحديث والأخبار والأنساب والشعر عارفاً بالرجال، متوسطاً في الفقه، كذا في ((لسان الميزان» (٣٠٨/٢ - ٣٠٩) وعلى هذا فهو ((لين الرواية)) وبه يعل الإسناد. هذا وقد جاءت من وجه آخر كما في ((سير أعلام النبلاء» أبو بكر بن شاذان البغدادي : حدّثنا علي بن محمد السوّاق، ثنا جعفر بن مكرم الدقّاق، ثنا أبو داود، ثنا شعبة، قال: خرجت أنا وهشيم إلى مكة فلما قدمنا الكوفة، رآني هشيم مع أبي إسحاق، فقال: من هذا؟ قلت: شاعر السبيع، فلما خرجنا، جعلتُ أقول: ثنا أبو إسحاق قال : = ٥٤ - ولم يكن المقام كافياً للإملاء، ولا لإتقان التحمل عن الزهري، فمن هنا ضعف فيه، ويرى ابن حبان أنَّ صحيفة الزهري اختلطت عليه. انظر (تهذيب التهذيب)) (١٠٨/٤) والله أعلم(١). وعلى كل حال فهذه الأسئلة التي حول التراجم وأسماء الرجال، من السهل جداً أن يرجع طالب العلم إلى موضعها من كتب الرجال، ويعرف خلاصة ونهاية كلام أهل العلم في ذلك، والله أعلم. س ٧: ما هو التعريف الصحيح لمجهول العين والحال، وهل يصلحان في الشواهد والمتابعات، أم لا؟ ج ٧: العلماء يقسمون المجهول إلى مجهول عين، ومجهول حال، ومستور، والمجهول عامّة هو الذي ليس فيه كلام من جهة الجرح والتعديل، وأمّا الراوي إذا عُدَّل أو جُرِّح، فقد خرج من حيز الجهالة إلى حيز العلم بحاله سواء عُرف بالعدالة، والضبط والإتقان، أو عُرِف بالضعف، وأين رأيته. قلت: هو الذي قلت لك شاعر السبيع، فلمّا قدمنا مكة مررت به وهو قاعد = مع الزّهري، فقلت: أبا معاوية من هذا؟ قال: شرطي لبني أميّة فلما قفلنا، جعل يقول: حدّثنا الزهري، فقلت: وأين رأيته؟ قال: الذي رأيته معي، قلت: أرني الكتاب فأخرجه، فخرَّقته. اهـ ((وهذا إسناد رجاله ثقات))، والله أعلم. وقد علق الإمام الذهبي - رحمه الله - على ذلك بقوله (٢٩٢/٨) من ((السير)) قلت: قد ذكرنا في ترجمة شعبة أنّه اختطف صحيفة الزهري من يد هشيم فقطعها، لكونه أخفى شأن الزهري على شعبة لما رآه جالساً معه وسأله من ذا الشيخ؟ فقال: شرطي لبني أمية، فما عرفه شعبة ولا سمع منه وهذه هفوة كانت من الاثنين في حال الشبيبة، ثم إن هشيماً كان يحفظ من تلك الصحيفة أربعة أحاديث فكان يرويها. اهـ. (١) قال ابن حبان في ((المجروحين)) يروى عن الزهري المقلوبات، وإذا روى عن غيره أشبه حديثه حديث الأثبات، وذاك أن صحيفة الزهري اختلطت عليه، فكان يأتي بها على التوهم، فالإنصاف في أمره تنكب ما روى عن الزهري، والاحتجاج بما روى عن غيره. ثم ذكره في الثقات (٤٠٤/٦) فقال: ((وأمّا روايته عن الزهري فإنّ فيها تخاليط يجب أن يجانب، وهو ثقة في غير حديث الزهري، مات في ولاية هارون يجب أن يمحى اسمه من كتاب المجروحين)). ٥ أو بالفسق، أو بالكذب، فالمجهول هو غير المعلوم، فلا يظن أحد أن المجهول مُجَرَّح، لأنّه لو كان مجرحاً لما كان مجهولًا، كذلك ليس بمعدّل، وهنا أسأل سؤالا: ما هي الأسباب التي تجعل العلماء يحكمون على الراوي بأنّه مجهول؟ الأسباب التي تجعل العلماء يحكمون على الراوي بأنَّه مجهول: إمّا أنَّه غير مشتغل بالراوية، أو أنه مُقِل في الراوية جداً، فما استطاعوا أن يميزوا حاله(١)؛ لأن الأئمة إذا أرادوا أن يحكموا على الراوي بالثقة أو الضعف، فإن كانوا من المعاصرين له، فيسهل عليهم أن يتكلّموا فيه، وهذا الكلام الناتج عن معاصرة للراوي أقوى من الكلام الناتج عن سبر ومقارنة الراويات؛ أمّا إذا كانوا متأخرين عنه، فلا يستطيعون أن يحكموا عليه مدحاً أو قدحاً إلّا بأخذ روايته ومقارنتها بأحاديث الثقات الذين رووا هذه الأحاديث عن نفس شيوخه، فإذا كان هذا الراوي مكثراً في الراوية فيسهل جداً أن يحكموا عليه حسب الموافقة أو المخالفة كمّاً وكيفاً، فينظروا إلى عدد الأحاديث التي رواها، وإلى عدد الأحاديث التي أخطأ فيها، وينظروا هل الغالب عليه الغلط، أو الغالب عليه الضبط؟ وهل الأخطاء التي عنده أخطاء كثيرة أو قليلة؟ هذا من ناحية الكم ... وأمّا من ناحية الكيف فينظرون هل هذه الراوية فاحشة الخطأ، ولا يحتمل هذا الخطأ من مثله؟ أم (١) ومثال ذلك ما جاء في ((لسان الميزان)) (١٤٤/١) ترجمة أحمد بن جعفر النسائي أبي الفرج، قال الحافظ ابن حجر :... قال الخطيب سألت البرقاني، عنه، فقال: كتبت عنه شيئاً يسيراً ((ولا أعرف حاله) ومثاله أيضاً ما جاء في ((الكامل)) لابن عدي - رحمه الله - (١١٧٦/٣) ترجمة مسلم العدوي قال ابن عدي، ومسلم العدوي قليل الحديث جداً، ولا أعلم له جميع ما يروي إلّا دون خمسة أو فوقها، وبهذا المقدار لا يعتبر في حديثه أنّه صدوق أو ضعيف، ولا سيّما إذا لم يكن في مقدار ما يروي متن منكر، وفيه كذلك (٨٤٥/٢) ترجمة حاتم بن حريث الطائي، قال ابن عدي، ولعزة حديثه لم يعرفه يحيى ... إلخ. اهـ. وفي ((النكت)) للحافظ ابن حجر (٥٧٧/٢) وقال ابن عدي في ترجمة زهير بن مرزوق في ((الكامل)) قال ابن معين: ((لا أعرفه)) قال: وإنّما قال ابن معين ذلك لأنّه ليس له إلّا حديث واحد معضل ... إلخ. ٥٦ أنّها رواية قد يهم فيها من هو مثله من الثقات، أو من هو أعلى منه من الثقات، كتغيير اسم رجل، أو الاختلاف في اسم رجل؟ أو الاختلاف في نسبته، أو الاختلاف في صنعته، أو في مهنته، أو في كنيته، أو الشيء الذي يعلم به، أو إبدال رجل برجل، هذا خطأ محتمل ... أمّا الخطأ الفاحش كأن يروي في الأسماء والصفات شيئاً لا يليق بمسلم أن يتكلّم به، أو يركّب إسناداً صحيحاً على متن باطل على سبيل الوهم، فهذا خطأ فاحش، فمثل هذا قد يسقط الحديثُ الفاحشُ رواياتِ الرجلِ كلِّها . فالشاهد من هذا: أنّ علماء الجرح والتعديل ينظرون إلى روايات هذا الراوي ويقارنونها بحديث غيره من الثقات، وينظرون إلى موافقته أو مخالفته كمّاً وكيفاً، ويحكمون عليه في النهاية بأنّه ثقة، أو ضعيف، أو متروك، لكن لا يتأتى لهم أن يحكموا بمثل هذا الحكم، إلّا إذا كانت الراوية عن هذا الرجل كثيرة، ولماذا لا يحكمون على المقل بالتوثيق أو بالضعف؟ لأنَّ الراوي إذا كلان مقلًا فقد يكون ثقة، وما روى إلّا حديثاً واحداً، وأخطأ فيه، فيقولون: هو متروك؛ لأنَّ كل حديثه خطأ، والمتروك أغلب حديثه خطأ، فكيف إذا كان كل حديثه خطأ؟ مع العلم بأنّ الثقة قد يهم، عند هذا قالوا: ما نستطيع أن نحكم عليه بأنّه متروك لخطئه في حديثه الذي رواه؛ لأنّ الثقة قد يهم، ولو فرضنا أنّه روى حديثاً صحيحاً، وقارنوه برواية غيره من الثقات، فرأوا هذا الحديث موافقاً، لماذا لا يوثّقونه؟ محتمل أن يكون كذّاباً وتزين بهذا الحديث أمام أئمة الجرح والتعديل، من أجل أن يوثّقوه أو أنّه سرقه، ففي الحقيقة أنَّ الراوي إذا كان مقلًا لا يتأتى لناقد أو لإمام من الأئمة أن يحكم عليه بتوثيق أو بتضعيف ... ، وكما يقول ابن عدي - رحمه الله تعالى -: ((وفلان في مقدار ما يرويه لم يتبين لي صدقه من كذبه)). والذي يطالع في كتاب ((الكامل)) لابن عدي - رحمه الله تعالى - يجده يستخدم هذه العبارة في المقلّين، فأعود وأقول: أسباب الحكم بالجهالة على الراوي: إمّا أن يكون غير مشتغل بالحديث(١)، أو أن يكون مقلًا فلا يتأتى (١) انظر تفاصيل ذلك في السؤال رقم (٦٤) وقولهم: ((فلان مشهور بالطلب)). ٥٧ لهم الحكم عليه بالثقة إذا كانت أحاديثه صحيحة، ولا يتأتى لهم الحكم عليه بالترك إذا كانت أحاديثه ضعيفة؛ لأنّه ربّما وهم فيها وهو ثقة، فحين ذاك يقولون: هو مجهول. السبب الثالث: إذا كان المدلّسون قد غيّروا اسمه، أو كنيته، أو ما يُعرف به، وتصرفوا في ذلك، فيأتي الناظر في الأحاديث، فيظن هذه الأسماء رجالًا كثيرين، فيكون هذا الراوي ما روى عنه إلّا واحد، والثاني ما روى عنه إلّا واحد، والثالث ما روى عنه إلّا واحد، فيكون مجهولًا، مع أنّه لو عرف أنّ هذا الراوي هو الذي روى عنه هؤلاء جميعاً، لارتفع من جهالة العين إلى جهالة الحال على ما سيأتي إن شاء الله(١). فالشاهد من هذا: أنَّ تصرف المدلّسين، وتعميتهم لحال الراوي وتعتيمهم للأمر، هو الذي يجعل أئمة الجرح والتعديل يحكمون على الراوي بأنّه مجهول، فنحن قد عرفنا المجهول بأنّه الذي لم يُجرّح ولم يُعَدّل، وتكلّمنا عن الأسباب التي تجعل الأئمة يحكمون على الراوي بأنّه مجهول، وحينئذٍ أعود إلى سؤال الأخ: ما هو تعريف مجهول العين، ومجهول الحال؟ فأقول: إنّ ابن رجب الحنبلي - رحمه الله تعالى - ذكر في كتابه ((شرح علل الترمذي)): أنّ المتقدمين قبل محمد بن يحيى الذهلي ما كانوا يقولون: بأنّ الجهالة ترتفع برواية اثنين من الرواة، بل كانوا يدورون مع القرائن، فقد يروي عن رجل جماعة ولا ترتفع جهالته، وقد يروي عن رجل واحد وترتفع جهالته، وأول من قال: ((إنّ المجهول ترتفع جهالته (١) قال الحافظ ابن حجر - رحمه الله تعالى - في ((النزهة)) (ص ١٣٢ - ١٣٣) ثم الجهالة وسببها أنَّ الراوي قد تكثر نعوته من اسم أو كنية، أو لقب أو صفةٍ أو حرفةٍ، أو نسب، فيشتهر بشيء منها، فيذكر بغير ما اشتهر به لغرض من الأغراض، فيظن أنّه آخر فيحصل الجهل بحاله، ثم مثل له الحافظ، فقال: ومن أمثلته محمد بن السائب بن بشر الكلبي، نسبه بعضهم إلى جده، فقال: محمد بن بشر، وسمّاه بعضهم: حمّاد بن السائب، وكنّاه بعضهم أبا النضر، وبعضهم أبا سعيد وبعضهم أبا هشام، فصار يظن أنّه جماعة، وهو واحدٌ ومن لا يعرف حقيقة الأمرِ فيه لا يعرف شيئاً من ذلك. اهـ. ٥٨ برواية اثنين)) هو محمد بن يحيى الذهلي(١). والتعريف المشهور لمجهول العين: هو من روى عنه واحد ونم يوثق (٢). ومجهول الحال: ((من روى عنه اثنان، ومن لم يوثقه معتبر)) (٣)، ويدخل في ذلك المستور مع تفاصيل في الفرق بين المجهول الحال، والمستور. لكني أريد أن أقول: إنّ جهالة العين ترتفع بأمورٍ، منها: رواية اثنين، ويشترط في هذين الراويين أن لا يكون أحدهما في حيز الرد أو الترك، بل على الأقل يكونان ممن يستشهد بهما. (١) انظر (شرح علل الترمذي)) (٣٧٨/١)، وقد أخرجه الخطيب في الكفاية (ص: ١٥٠)، والذهبي في ((السير)) (٢٨١/١٢) من طريق محمد بن نعيم الحاكم ثنا إبراهيم بن إسماعيل القارىء ثنا يحيى بن محمد بن يحيى سمعت أبي يقول: ((إذا روى عن المحدّث رجلان ارتفع اسم الجهالة عنه))، وفي إسناده إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم القارىء ذكره الذهبي في تاريخ الإسلام، وفيات (٣٣١ - ٣٥٠) ولم يذكر في ترجمته جرحاً ولا تعديلاً ولم يذكر راوياً عنه غير الحاكم. والله أعلم. اهـ. (٢) انظر ((نزهة النظر)) لابن حجر (ص: ١٣٥): وقد سألت المؤلف - حفظه الله تعالى - عن هذا التعريف ومدى صحّته فقال: إنّه غير مطرد وقد يروى عن الراوي ابنه، ولم يوثقه أحد وترتفع بذلك جهالة عينه وكثيراً ما يترجم الحافظ ابن حجر بذلك في ((التقريب)) ((مقبول)). وقد يروى عنه واحد وليس ابناً له، ولا قريباً له، لكن عرفت البلد التي توفي فيها الراوي أو تاريخ وفاته أو علم بأنّه كان غازياً أو قاضياً أو غير ذلك مما تعرف به عين الرجل مع أنّه ما روى عنه إلّا واحد ولم يوثق، فمن أجل هذا جعلت العهدة على غيري في التعريف، فقلت: فالتعريف المشهور للمجهول، كذا وكذا، اهـ. أقول: وسيأتي مزيد تفصيل لذلك في (ص: ٦٣ - ٦٤) فليراجع. (٣) انظر ((النزهة)) للحافظ ابن حجر - رحمه الله - (ص: ١٣٥). وقول الشيخ: ((ولم يوثقه معتبر)) احترازاً من توثيق غير المعتبرين أمثال ابن حبّان - رحمه الله تعالى -، وذلك لما عرف عنه من توثيق المجاهيل. وانظر في ذلك كلام الشيخ الألباني - حفظه الله - تعالى في تمام المنّة (ص: ٢٠). ٥٩ فمجهول العين الذي قد يشك في وجوده ترتفع جهالة عينه برواية اثنين عنه أو رواية واحد ممن يشترط أنّه لا يروي إلّا عن ثقة ... وهم جمع كثير من العلماء قد جمعت منهم عدداً لا بأس به، سيأتي ذكرهم إن شاء الله تعالى في الجزء الثاني من هذا الكتاب(١)، وقد يسأل سائل ويقول: إذا انفرد بالراوية رجل - يشترط أنّه لا يروي إلّا عن ثقة - عن أحد الرواة، هل يعتبر هذا توثيقاً له أم لا؟ والجواب : بعض العلماء يطلق التوثيق على هذه الحالة، وفي هذا القول نظر، فإطلاق أن هذا الإمام من الأئمة إذا انفرد بالراوية عن رجل يكون توثيقاً لأنّه اشترط أن لا يروي إلّا عن ثقة، يرد عليه ما يلي: أولًا: متى اشترط هذا الإمام أن لا يروي إلّا عن ثقة؟ هل اشترط هذا من أول تحديثه؟ أو اشترط هذا بعدما كبر وعلا شأنه في علم الحديث الراويات، فأصبح ينتقي عند التحديث؟ الجواب: لم يعلم لنا متى اشترط هذا الإمام هذا الشرط، فلعلّه اشترطه مؤخراً، وكان قبل اشتراطه لهذا الشرط يحدث بأحاديث المجهولين والضعفاء، كما حدث من ابن مهدي في روايته عن الجعفي(٢)، والدليل على ذلك أنّه ما من محدّث وصفوه بذلك، إلّا وقد وجد في جملة رواياته الراوية عن بعض الضعفاء، فمالك بن أنس - رحمه الله - وصفوه بأنّه من هؤلاء، وهو الذي يروي عن عبدالكريم بن أبي المخارق، الذي يقول فيه الجوزجاني: ((رحم الله مالكاً، غاص فوقع على خزفة منكسرة، لعله اغتر بكسائه))(٣)، مع أن الإمام مالك بن أنس مثبت في الراوية. (١) وسيأتي ذلك مفصلًا في الجزء الثاني السؤال رقم (٢٢٤). (٢) قال أحمد - رحمه الله -: كان عبدالرحمن بن مهدي أولًا يتساهل في الراوية عن غير واحد ثم تشدد بعد وكان يروي عن جابر ثم تركه، انظر ((الكفاية)) للخطيب البغدادي (ص: ١٥٤) و((شرح العلل لابن رجب)) (٣٧٧/١). (٣) كما في ((أحوال الرجال)) الجوزجاني (ص: ٩٧) وفي ((سير أعلام النبلاء)) (٨٣/٦) قال ابن عبدالبر: اغتر مالك ببكائه في المسجد، وروى عنه في الفضائل. اهـ. ٦٠