النص المفهرس
صفحات 1-20
أَحَافُ النَّيَّك بأجوبة أسْئِلَة علوم الحَدِيثُ وَالعلل وَالجَمَّ وَالتعديل تأليف أَبِّ الْجَنَّ مُصطفى بن اِسَاعِّ السَّمَانى حقَّقَة أبواب ◌َتَحَاق الدّمَاطِيّ قَدَّمَ لَهُ مُضِلَة العَلَامَة أَمُمْ عَبد الرحمن مقبل بن هاديّ الَوَاءِعِيَّ الجزء الأول مكاف وهشكة مكتبة الفرقان إنَّجَافُ التَّيَّ بأُجُوّبة أسْمُلَ عُمَ الحَدِيثٌ وَالعلل وَالجرِّح وَالتعديل 7 التّحَافُ التَّيَّن ءِ بأجوبة أسْئُلَةْ علُوم الحَدِيثٌ وَالعلل وَالجرِّحْ وَالتعديل تأليف أُبيّ الحَرْ مصطفى بن إسماعيل السّيمانى حقّقَةُ أبواء ◌ْحَاق الدّمَيَاطِئْ قدَّمَ لَهُ فضيلَة العَلَّامَة أُبُو عَبْدُالرّحْمِن مقبل بنْ هَادِيّ الَوَادْعِىّ الجزء الأوّ مكتبة الفرقان عَجْمَاتْ تقديم الشيخ مقبل بن هادي الوادعي الحمد لله، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه. وأشهد أن لا إله إلّا الله. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أما بعد: فقد اطلعت على مواضيعَ من كتاب أخينا في الله أبي الحسن مصطفى ((إتحاف النبيل بأجوبة أسئلة علوم الحديث والعلل والجرح والتعديل))؛ فوجدت الكتاب مفيداً ميسراً، لا أعلم له نظيراً في الأسئلة والأجوبة التي وضعت في المصطلح، فجزى الله أخانا أبا الحسن خيراً. أما مؤلّف الكتاب الأخ أبو الحسن؛ فإن الله - سبحانه - قد أعطاه بسطة في علم الحديث، وله بحوث مفيدة في غاية الجودة والإتقان، منها: ((شفاء العليل بألفاظ وقواعد الجرح والتعديل))، وقد قام بتحقيق وتخريج أحاديث المجلد الأول من ((فتح الباري))، أتى فيه - حفظه الله - بفوائد تُشدّ لها الرحال، يسر له - سبحانه - إتمام ((فتح الباري)) على تلك الطريقة المرضية . ويعلم الله أنني كنت أتمنى أن يقوم طالب علم بذلك، فإن الحافظ - رحمه الله -، ربّما تساهل في الحكم على بعض الأحاديث - كما هو معلوم للباحثين -. وللأخ أبي الحسن تعقبات مفيدة على الحافظ في ((تقريب التهذيب))؛ فإن الحافظ ربّما يحكم على الرجل بأنه مقبول - أي: لا يحتج بحديثه إلّا في الشواهد والمتابعات -، ويكون قد وثقه معتبر! وهو على وشك التمام - يسر الله ذلك -. وللأخ أبي الحسن - أيضاً - كتاب ((كشف الغمة ببيان خصائص رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم والأمَّة))، وقد أُرسل للطبع. والأخ أبو الحسن - حفظه الله - قائم في مأرب بتعليم إخوانه، والدعوة إلى الله على بصيرة، وقد نفع الله - سبحانه وتعالى - به، في مأرب وغيرها . نسأل الله - سبحانه وتعالى - أن يوفقه لمواصلة السير في خدمة السُّنة النبوية، إنَّه على كل شيء قدير. أبو عبدالرحمن مقبل بن هادي الوادعي ٦ بسم الله الرحمن الرحيم مقدمة الطبعة الثانية للمؤلف الحمد لله، وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى. أما بعد : فإني أحمد الله - الذي لا يحصي الحامد ثناءاً عليه وإن حاول - الذي يسّر لي كثيراً من أسباب الخير، وحبّب إلى قلبي علم الحديث، ونفع بما كتبته في ذلك - على قلة البضاعة -، فأسأله - سبحانه - أن يعينني على ذكره وشكره وحسن عبادته، وأن يجعل ذلك بلاغاً لمرضاته. وبعد أن نفدت الطبعة الأولى من كتابي: ((إتحاف النبيل)) ولم أك راضياً عن طبيعة تلكم الطبعة؛ لأنها قد فُرّغت من أشرطة، ولم يتسنّ لي توثيق كل قول بعزوه إلى مصدره وقائله. وحرصاً مني على إفادة إخواني في هذا الباب، رأيت إخراج الكتاب على حالته تلك بما فيها مما قد يكدر الخاطر؛ إما لما سبق، وإما للأسلوب العربي في الصياغة . وقد يسّر الله - عز وجلّ - لي النظر مرة أُخرى في الكتاب، فهذّبْتُ ما أمكن تهذيبه، وقوّى الله - عزّ وجلّ - بفضله وكرمه - همة أخينا أبي إسحاق إبراهيم بن مصطفى آل بحبح الدمياطي المصري ثم المأربي - ٧ حفظه الله -، فعزم على تحقيق المادة العلمية مما طُبع من الكتاب، وقد راجعت تحقيقه وتعليقه على ذلك، فألفيته عملاً نافعاً، وجهداً مباركاً، إن دلّ على شيء؛ فإنما يدل على صبر أخينا أبي إسحاق - حفظه الله - في البحث، وعلى تمكنه من هذا العلم - إلى حد كبير -، ولا يستطيع معرفة مقدار الجهد الذي بذله في ذلك إلّا أهل العلم بهذا الشأن، وقد ألْبس هذا الكتاب - بتحقيقه له - ثوباً جميلًا، وأضفى عليه بهاءً حسناً، وأمده بالشذا الفياح، الذي به تتعطر المجالس، وبعلمه ينتفع المدرس والدارس، فجزاه الله - تعالى - خير الجزاء، ولا أزكيه على الله، فذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، وأسأل الله - عزّ وجلّ - أن يزيده توفيقاً وصدقاً، وأن يكفيه شر العوائق والعلائق التي تصد عن سبيل الله، إنَّه جواد كريم، برِّ رحیم. وقد يسر الله - سبحانه وتعالى -، بفضله وعظيم كرمه - كتابة جزء آخر من هذه السلسلة المباركة، في نحو ثلاثين سؤالًا، وقد أطلت النفس في كثير من هذه الأسئلة؛ لكثرة الحاجة إليها، ولاشتباه أمرها على كثير من إخواننا، راجياً من العلي القدير أن يجعلني خيراً مما يظن بي المحبون، وأن يغفر لي ما لا يعلمون، وأن يحشرني في زمرة عباده وأوليائه، الذين ينعمون في الآخرة بالنظر إلى وجهه الكريم، وأن يغفر لوالديّ ولمن له حق عليَّ، وأن يصلح لي ذريتي ويجعلهم هداة مهتدين. كما أسأله - عزّ وجلّ - أن يبارك في إخواننا في الله آل هادي بن وهيط الذين آووا ونصروا، وأن يملأ ديارهم في الدنيا بذكره، وأن يملأ قبور أمواتهم وسلفهم نوراً ورحمة، وأن يثبت أقدامهم على الصراط المستقيم في الدنيا والآخرة، كما أسأله ــ وهو سبحانه يحب السائلين إياه - أن يوسع على إخواننا آل غَنَّام، وأن يجعلهم من أهل الغنيمة والعز في الدنيا والآخرة، جزاء توسعتهم على طلبة العلم، وحميّتهم العظيمة في الدفاع عن سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وعن أهلها. كما أسأله ــ سبحانه ــ أن يجزي أهل الوادي خيراً كثيراً، وأن يرزق ٨ الجميع النية الصالحة، فلولا الله ثمّ هم ما قامت لهذه الدعوة قائمة. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. و کتبه أبو الحسن السليماني المأربي من دار الحديث - بمأرب وادي عبيدة - فليفل ٤/ ٤/ ١٤٢٠ هـ ٩ مقدمة المحقق إنَّ الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَائِهِ، وَلَا تَمُثُّنَّ إِلَّا وَأَنتُم ◌ُسْلِمُونَ ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ أَتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنسَاءُ وَتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِى تَسَآءَ لُونَ بِهِ، وَالْأَرْحَمَّ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ١ ٧٠ يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَلَكُمْ ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُوْ اَللَّهَ وَقُولُواْ قَوْلًا سَدِيدًا ٧١ وَيَغْفِّرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا أما بعد : فإنَّ أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار . أما بعد : فإنَّ علم الحديث علم جليل القدر، عظيم النفع، اختص الله - سبحانه وتعالى - به الأمة الإسلامية دون غيرها من الأمم؛ من أجل الحفاظ على دينها ١٠ من الانحراف والتغيير، وقد وفق الله أهل الحديث للقيام بهذا العلم الشريف؛ ينفون عنه تحريف الجاهلين، وانتحال المبطلين، وتأويل الغالين، ورحم الله ابن المبارك يوم أن سئل عن الأحاديث الموضوعة فقال: تعيش لها الجهابذة، ٩ ثم تلا قوله - تعالى -: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَفِظُونَ . هؤلاء الجهابذة الذين بذلوا من - أجل الحديث وأسانيده - كلَّ ما في وسعهم، حتى قطعوا الفيافي والقفار طلباً لحديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ عملًا بقوله - تعالى -: ﴿فَلَوَّلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَنَفَقَّهُواْ فِ الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَمُوْاْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ . وبقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً؛ سهل الله به طريقاً إلى الجنة)). فنبذوا الدنيا بأسرها وراءهم، هجروا الأهل والأوطان، وفارقوا الأصحاب والخلان، فكان غداؤهم السماع، وسحرهم الكتابة، ولذتهم المذاكرة، لحافهم السماء، وفراشهم التراب، يواسون أنفسهم بقوله - تعالى -: ﴿وَمَن يَخْرُجْ مِنْ بَيِّتِهِ، مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ يُدْرِكُهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُءُ عَلَى اللَّهِ ﴾ . ورحم الله الخطيب البغدادي الذي قال في وصفهم: ((فشأنهم حفظ الآثار، وقطع المفاوز والقفار، وركوب البراري والبحار؛ في قتباس ما شرع الرسول المصطفى، لا يعرجون عنه إلى رأي ولا هوى، قبلوا شريعته قولًا وفعلًا، وحرسوا سنته حفظاً ونقلًا، حتى ثبتوا بذلك أصلها، وكانوا أحق بها وأهلها، وكم من ملحد يروم أن يخلط بالشريعة ما ليس منها، والله - تعالى ــ يذب بأصحاب الحديث عنها! فهم الحفّاظ لأركانها، والقوامون بأمرها وشأنها، إذا صدف عن الدفاع عنها فهم دونها يناضلون، أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون)). وما تزال - بحمد الله - بقايا الخير موجودة في هذه الأمة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها؛ تصديقاً لحديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك)). ١ ومن هذه الطائفة شيخنا الفاضل أبو الحسن مصطفى بن إسماعيل بن سيد أحمد السليماني المأربي - حفظه الله تعالى ورعاه، وأيده ونفع به الإسلام والمسلمين -، فقد سار على نهج الأوائل، وجدد ما لهم من مآثر، وها هو - حفظه الله - يقدم لطلبة العلم هذه المفخرةَ وتلك الجوهرةَ المتمثلة في هذا السفر الجليل، المسمى بـ: («إتحاف النبيل بأجوبة أسئلة علوم الحديث والعلل والجرح والتعديل)). وهو عبارة عن أسئلة قدِّمت له - حفظه الله - من بعض طلبة العلم بدار الحديث بمأرب، فأجاب عليها - حفظه الله - بدون سابق إعداد لها، أو تحضير، كما في الجزء الأول من هذا الكتاب، وقد نفع الله بالطّبعة الأولى منه نفعاً كثيراً مباركاً، مع ما فيها من أخطاء مطبعية، وأُخرى نبه عليها كما في مقدمته . وعند تدريسه لهذا الكتاب بدار الحديث بمأرب تمنيت أن لو حُقِّقَتْ أقوالُه، وخرجت آثاره، ووثقت نقوله؛ لرغبة طلاب علم الحديث في علو الإسناد، الأمر الذي لا تخفى فائدته عليهم، فاستأذنت في ذلك من شيخي المبارك فأذن، فقمت بهذا العمل الذي هو جهد المقل، والله المستعان، والله - الكريم -، أسأل أن يجعله خالصاً لوجهه - سبحانه -، وأن ينفعني به في الدارين، وأن يغفر لي، ولوالدي وأن يبارك لي فيهما، وفي أهلي وذريتي، إنَّه ولي ذلك، والقادر عليه، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم. کتبه أبو إسحاق الدمياطي إبراهيم بن مصطفى آل بحبح دار الحديث بمأرب - سلّمها الله - ١٢ مقدمة المؤلف للطبعة الأولى إنَّ الحمد لله؛ نحمَدُه، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿وَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَائِهِ، وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُم ◌ُسْلِمُونَ ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ أَتَّقُوْ رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَفْسِ وَحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءُ وَتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِى تَسَاءَلُونَ بِهِ، وَالْأَرْحَمَّ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا يُصْلِعْ لَكُمْ أَعْمَلَكُمْ ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ وَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيدًا وَيَغْفِّرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا أمّا بعد : فإنَّ أصدقَ الحديث كتاب الله، وخيرَ الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشرَّ الأُمور محدثاتها، وكلَّ محدثة بدعة، وكلَّ بدعة ضلالة، وكلَّ ضلالة في النّار. وبعد : فإنَّ خير ما قُضيت فيه الأعمار والأنفاسُ طلبُ العلم الشرعي، وبالعمل به نجاة العبد من الضلالة في الدنيا، والخزي والعذاب في الآخرة، ١٣ لا سيّما علْمَ الحديث؛ الذي به: تستقيم عقيدة المسلم، ويسلم فقهه من الزلل، وحديثه من المناكير، وفهمه من الانحراف، كيف لا وهو يعيش مع حديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ومع آثار السلف الصالح، ومع علماء الجرح والتعديل؛ ذوي الاعتدال في نقد الرجال، وذوي الإنصاف في الحكم مع الموافقة والاختلاف. ومن عاش بقلبه - في هذا الزمان - علم مدى حاجة المسلم إلى العلم بكتاب الله وبسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ على أنّ كثيراً من الناس يدَّعي التمسك بالكتاب والسنة؛ بل يدّعي ذلك الخرافيّون وأصحاب المقالات الشنيعة؛ ولذلك كان لا بد من تقييد ذلك بفهم السلف الصالح، فمن قال شيئاً في الدين طُلِب منه الدليلُ على قوله، فإن ذكر آية أو حديثاً ثابتاً نظرنا: هل فهم أحد من علماء هذه الأمّة هذا الفهم من هذه الآية أو ذلك الحديث؟ أم أنّ قول القائل بات بعيداً عن الآثار المنقولة عن السلف؟! فهنا يقال له ما قال أحمد - رحمه الله - لابنه: ((إيّاك أن تتكلّم في مسألة ليس لك فيها إمام)) . فإذا اجتمع الصحابة على فهم لعموم آية أو حديث؛ فنحن ملزمون بفهمهم، وإن اختلفوا نظرنا: هل أتفق التابعون أو من بعدهم على أحد قولَيْ أو أقوال الصحابة؟ أم أن المسألة لا تزال خلافيّة؟ فإن كانت خلافيّة، رجحنا بين الأقوال حسب أدلتها قواعد علمائنا، سواء أكان هذا الخلاف حديثيَّاً أم فقهيّاً، فجزاهم الله عنّا وعن الإسلام خيراً. ومن أجل ذلك كان طالب العلم لقمة غير سائغة لمضغ أرباب هذه الفرق والمقالات المخالفة لهذا المنهج، فإذا قيل له: افعل كذا، قال: ما الدليل؟ فإذا قيل له: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم كذا، قال: هل هو صحيح أو ضعيف؟ فإذا قيل له: صحيح، قال: من الذي صححه؟ فإذا قيل له: فلان - وهو من أئمة الشأن - قال: من الذي فهم من هذا الحديث هذا الفهم؟ وهل دلالته على الدعوى قطعية أو صريحة أو ١٤ ظاهرة أم لا؟ ... إلى غير ذلك من الأمور التي غرسها أصحاب ودعاة المنهج الصحيح؛ الذي على طريقة السلف الصالح في أتباعهم وطلابهم - ولا أقول: مقلديهم - على تفاصيل في ذلك - ومن أجل ذلك أيضاً ترى كثيراً من المخالفين لهذا المنهج يعقدون التحالف والمحبة والمجاملة لأهل البدع والخرافات، بل والأحزاب العلمانية والقومية، ولا يقومون بالقليل من ذلك مع أصحاب الدعوة إلى الله على أساس التوحيد والاتباع الصحيح لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بحجة أنَّ دعوتهم تفرق الصفوف، وتحدث بلبلة فكرية، فإنَّا لله وإنّا إليه راجعون، وحسبنا الله ونعم الوكيل. هل الدعوة إلى التوحيد وإحياء السنن ومحاربة الشرك والبدع تفرق الصفوف؟! إذاً فأي صفوف هذه إذا لم تقم على ذلك؟! على أي شيء اجتمعت هذه الصفوف؟ وماذا يُرجى من ورائها؟! وهل الدعوة إلى العلوم الشرعية، ومعرفة الصحيح من الضعيف، والتأكد من نسبة أي قول إلى قائله - لا سيما إذا كانت النسبة إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم -، هل هذه الدعوة مضيْعَة للوقت واشتغال بالقشور، وترك اللباب، وتوجيه جهود الشباب إلى غير المعركة الحقيقية؟ !! إذاً فأية معركة يريدها هؤلاء القوم؟! وأي جنود هؤلاء؟ وأي سلاح يدخلون به المعركة؛ إذا كانوا بعيدين عن التسلح بالعقيدة والعلم؟ !! وهل ننتصر على عدونا إلّا بهما؟! وهل تسلط علينا عدونا إلّا بتركهما وبالتمسك بغيرهما؟! هل الدعوة إلى هجر الطرق العلمانية التي صدَّرها لنا أعداء الإسلام وعدم التورط في مكايدها ومصايدها، والصبر على التمسك بما عليه سلف الأمة - لا سيما وقد أثبت الواقع فشل هذه الطرق التي أسست على شفا جرفٍ هار - هل الدعوة إلى ذلك تعتبر نظرة قاصرة، وجهلًا بالواقع، وانزواءً في المساجد، واعتكافاً على الكتب وتركاً للجهاد، وهروباً من الواجب الذي يكاد يقرب من وجوب الصلاة - أو يزيد؛ زعموا -؟ !! ١٥ سبحانك هذا بهتان عظيم! وإنني إذ أسطر ذلك ليشهدَ به التاريخ أمام جيلنا وأمام الأجيال القادمة؛ فأنا على ثقة بأن النصر مع الصبر، وبأن آخر هذه الأمّة لا يصلح إلّا بما صلح به أولها، وبأنَّ منهج النبوة سَيَسُود مهما أثيرت حوله وحول دعاته الشكوك ﴿فَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفََّةٍ وَأَمَّا مَا يَنَفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِ اُلْأَرْضِّ ﴾ . ثم إنني أحمد الله أن وفقني لدعوة أهل السنة والجماعة، التي لا تدعو إلى حزبية مقيتة، ولا عصبية نتنة، وتدعو إلى الإنصاف والاعتدال في الأحكام مع المخالف والموافق، وتعرف أدب الخلاف، فيخطئون المخالف ولا يكفرونه - ما لم يأت بكفر بواح لهم فيه من الله - عزّ وجلّ - برهان، ويفرقون بين الأحكام العامة والأحكام على المعيَّن، فلا بد عند تطبيقها على المعين من استيفاء الشروط وانتفاء الموانع، وإن كان كثير من مخالفيهم قد رماهم بأقذع الأقوال وأقبح الفعال، وهم لا يردُّون عليه كلامه تأسّياً برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، الذي كان يقول: ((اللهم اغفر القومي؛ فإنَّهم لا يعلمون))، وقد قال ذلك مع المشركين، فكيف لا نقولها - نحن - مع المسلمين، الذين يجتهد كثير منهم لنصرة دين الله - عزّ وجلّ - بنياتهم؟! لكنهم لم يسلكوا أقرب سبيل لذلك، بل سلكوا طرقاً ملتوية تفرض عليهم التنازلات تلو التنازلات. وإنّما كلفنا الله بالعمل على وفق شرعه، ولم يكلفنا بالنصر، فبعض الأنبياء - عليهم السلام - يأتي يوم القيامة وليس معه أحد، وبعض آخر معه الرجل أو الرجلان، ولم يكن ذلك دليلاً على أنّهم لا يفقهون الواقع، أو أنَّ نظرتهم سطحيّة - حاشاهم من ذلك -. ثم ما هذه البدعة العصريّة في تقسيم الدين إلى قشور ولُباب؟! هل لهذه الكلمة ذِكْرٌ عند سلفنا الصالح؟! ولو سلّمنا بذلك - جدلا -: هل أطلقوها فيما تُطْلَق فيه اليوم على ترك واجبات تُوعِّد تاركها بالعقاب؟! ولو أطلقوها في ذلك، فمن من علماء السلفيين يدعو إلى ترك اللباب والاهتمام بالقشور؟ !! إنّ دعاة المنهج السلفي يحاربون الشرك بجميع صوره: القديم ١٦ منه والحديث، وهم ينكرون قولًا وعملًا بخلاف كثير من مخالفيهم، والواقع يدركه ذووا الألباب، ثم أليس من المسلّم به أنَّ اللباب لا تبقى إلّا ببقاء القشور؟! ولولا القشرُ لفسد اللب !! والسلفيون لا يستجيزون أن يعبروا عن بعض دين الله بأنّه قشر - بمعنى: لا حاجة له -، بل يقولون: ليست الأوامر الشرعية والمناهي بمنزلة واحدة؛ فالتوحيد ليس كبقيّة الواجبات، والواجب ليس كالمستحب، كذا الشرك ليس كالبدعة، والبدعة أشد من الكبيرة - على تفاصيل في ذلك وشروط وضعها أهل العلم - فهم يعبرون بالمهم والأهم، وترك الواجب لما هو أوجب منه، وبذلك فهم أسعد الناس بالسلف الصالح اسماً، ورسماً، ولفظاً، ومعنى، فحيَّهلا بهم، وهم القوم الذين لا يشقى بهم جليسهم. وصدق أبو بكر بن دريد؛ إذ قال في مدح أهل الحديث: وأودهم في الله ذي الآلاء أهلاً وسهلاً بالذين أحبهم غر الوجوه وزين كل ملاء أهلاً بقوم صالحين ذوي تقى أزكى وأفضل من دم الشهداء ومداد ما تجري به أقلامهم ما أنتم وسواكمو بسواء يا طالب علم النبي محمد وإذا كان ذلك بعضاً من مزايا المنهج السلفي، فحُقَّ لنا أن نقول: نحن أهل سُنَّة بلا فخر، وسلفيون بلا خجل، ونحن نعتقد أنَّ السُّنَّة والسلفية ليستا حكراً علينا، بل كل من سلك السبيل، واعتقد المعتقد الذي عليه سلف الأمة - رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وصحابتُه - رضي الله عنهم -، ومن تبع سبيلهم من العلماء؛ فهو سنّ سلفي، لكن ليتفقد كل امرئ نفسه، فإنَّ الأمر دين، والسَّفَرَ طويل، والعقبة شديدة، والحساب عند الذي يعلم السرَّ وأخفى. وليس المقام مقام رد على أدلة فئة أو أُخرى؛ فإنّ ذلك يطول، وإن شرح الله نفسي وترجح عندي أنَّ الكتابة في ذلك سيكون من ورائها النفع الكثير؛ فَعَلْتُ ذلك بتوسع، - إن شاء الله تعالى - وإلّا فأسأل الله أن ١٧ يجعلني عبداً صالحاً، وأن يستعمل قلبي، ولساني، وجوارحي، وقلمي فيما يحبه ويرضاه، ولما يرفع دينه ويعلي كلمته بين خلقه، إنّه نعم مسئول وخير مأمول . ثم أقول: يا قومنا! ندعو أنفسنا وإياكم إلى الإنصاف والاعتدال في الأمور كلها، فلن تقوم للمسلمين قائمة وهم يجورون في الأحكام، والظلم ظلمات في الدنيا وفي الآخرة. وأنا أدين الله بأنَّ كثيراً من العاملين للإسلام نواياهم صالحة، ومقاصدهم حسنة - ولا أزكي على الله أحداً -، لكن كثيراً من هذه المناهج التي سلكوها هي التي تبطّئ بالنصر، وتكلّفنا المزيد من التكاليف والتضحيات، ونتائجها مجهولة مظلمة، ودعاة المنهج السلفي؛ إذ ينكرون على غيرهم سُبُلَهم؛ يقصدون بذلك رجوعهم إلى ما فيه عز الأمة وقوتها، ولا يكون ذلك بوحدة وتحالفات مشبوهة مع المخالفين، بل باعتصام بحبل الله وحده ومنهج رسوله الكريم صلوات الله وسلامه عليه، وإن كنّا قلّة؛ فنحن كثيرون بالسُّنَّة، وإن كنّا ضعفاء فنحن أقوياء بالله ثم بمتابعة سلفنا الصالح. ونحن نوقن بأن لبعض مخالفينا جهوداً طيبة في الدعوة إلى الله، ولهم مواقف يُحمدون عليها، أسأل الله أن يجعلها لهم في ميزان حسناتهم، لكن ذلك لا يمنع من بيان الأخطاء المخالفة لمنهج الطائفة الناجية المنصورة، وهم أهل العلم، وأهل الحديث، ومن تابعهم، وشايعهم، واقتدى بهم، وعَبَد الله بعقيدتهم ومنهجهم في كل زمان ومكان. وفرق كبير بين بيان الخطأ والنصح، وبين السبِّ والتعيير، ولا يخلط بينهما إلّا عامّي غافل عن تاريخ هذه الأمّة وتراثها، أو معاند متغافل، أسأل الله لي وله الهداية؛ فإن السب ذكرك الرجل بما بينه وبين الله، وهو معترف بخطئه متستر به، لا يدعو إليه، والنصيحة ذكرك الرجل بسبب خطأ أفتى به، أو كتبه في كتاب، أو رسمه منهجاً لبعض المسلمين، ويدعو إلى ذلك، فالسكوت عن ذلك غش للأمّة، وترك لنصرة المخطئ والمدعو، وهكذا كان سلفنا الصالح - رضي الله عنهم -. ١٨ والذي يجب على هذه الأمّة التناصح فيما بينهم، والتحاكم لكتاب الله - عزّ وجلّ - فيما اختلفوا فيه، وأنصح دعاة التقريب بين هذه الفرق، أن يضعوا منهج السلف عقيدة ومنهجاً أمام أعينهم، فعليه تجتمع الفرق؛ لأنَّ كلَّا من الفرق يتشرف بالنسبة إلى علماء الأمّة، فهو المنهج المتفق عليه نظريّاً، ويجب أن يكون ذلك عمليًّاً، فيكونون بذلك، الفرقة الناجية والطائفة المنصورة، ومن حاول جمعهم على غير ذلك فهو يفرقهم وإن قصد الخير. أسأل الله - عزّ وجلّ - أن يشرح صدر هذه الأمّة إلى إحياء ما ندرس - أو ما كاد يندرس - من آثار النبوة، وأن يعين الدعاة والعلماء على توجيه أتباعهم وطلابهم ومحبيهم إلى العلم الشرعي؛ كلا بقدر استطاعته وحاجته؛ لأنّنا بالعلم الشرعي نفهم واقعنا ونفقه ظروفنا؛ لأن الله قد نبأنا من أخبار القوم، وبيَّن لنا سبيلهم، وبيَّن لنا عاقبة أهل الطاعة وأهل المعصية، وضرب لنا - سبحانه وتعالى - الأمثال لنعتبر، فبقدر تضلّعنا من العلوم الشرعية بقدر فقهنا لواقعنا فقهاً صحيحاً غير مشوّه؛ لأنَّ في كتاب الله خبر من قبلنا، ونبأ من بعدنا، وحكم ما بيننا. ومن ظن أن من تعلّم الكتاب والسنة فقد جهل واقعه؛ فقد أساء الظن بالله، وكتابه، ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وعلماء الأمة جميعاً، ولا يمنع دعاة الحق أن يتفرغ جمع من أهل الفهم واليقظة لدراسة ومعرفة الواقع الذي نعيشه وما نتوقعه في المستقبل؛ دون أن يكون ذلك على حساب طلب العلم - على تفاصيل في ذلك قد بيّنتها في غير هذا الموضع -. أسأل الله أن يجمع بين قلوب المؤمنين، وأن يلقي الهيبة والرعب في قلوب أعدائهم، وأن يوفقهم للتخصص المحمود لا للتحزّب الممقوت المردود. وهذه السلسلة المباركة عبارة عن أسئلة وأجوبة في علوم الحديث والعلل، والجرح والتعديل؛ سمّيتها: ((إتحاف النبيل؛ بأجوبة أسئلة علوم الحديث والعلل والجرح والتعديل))، وقد كانت بدايتها عبارة عن أشرطة ١٩ مسجّلة، ولغة الشريط تختلف عن لغة الكتاب، ولَمّا رأيت أنَّ الشريط يفنى سريعاً، عزمت على كتابتها في كتاب كي يكثر النفع بهذه الأجوبة، وهذّبت بعض ما في الأشرطة بقدر ما أمكن، وزدت عليها أسئلة وأجوبة أخرى. وكثيراً ما أسرد الكلام دون إحالة إلى مواضع ذلك في الكتب؛ لأنَّ الكلام في الأشرطة له هيئة تختلف عن الكلام في الكتاب، ولأنَّ غالب هذه الأدلّة قد بَسَطت الكلام عليها في كتابي ((شفاء العليل بألفاظ وقواعد الجرح والتعديل))، وقد صدر منه الجزء الأوّل، وأسأل الله أن ييسر إتمامه والنفع به في الدّارين. هذا وأسأل الله أن يبارك في عملي كلّه ظاهره وباطنه، وأن يجعله وقاية لي من سخطه وعذابه في الدنيا والآخرة، وأن يبارك لي في أهلي وذريّتي، وأن يغفر لوالديّ ويرحمهما كما ربياني صغيراً، وجزى الله خيراً كلَّ من ساعدني في هذا الكتاب وغيره، ونفع الله به كاتبه وقارئه والناظر فيه، إنَّه على كل شيء قدير، وصلى الله على محمد، وعلى آله، وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. وكتبه: أبو الحسن مصطفى بن إسماعيل بن سيد أحمد السليماني المصري الماربيُّ مصر - المنصورة - كفر عوض السنيطة نزيل مأرب - وادي عبيدة - فليفل ديرة الهادي بن وهيط - رحمه الله - الاثنين ٧/ جمادى الأولى/ ١٤١٣هـ ٢٠