النص المفهرس

صفحات 161-180

المبحث الأول
المتشددون والمتساهلون والمتوسطون من النقاد
إن الوصف بالتشدد ، أو بالتساهل ، أو بالاعتدال ، إنما هو للغالب من حال
الناقد وأقواله وحكمه على الرجال ، وذلك أن بعض المعتدلين قد يتشددون ، أو
يتساهلون ، كما أن بعض المتساهلين قد يتشددون أو يتوسطون ، وبعض المتشددين
قد يعتدلون أو يتساهلون .
وقد ذكر العلماء أن بعض النقاد قد يتأثر بمذهبه الفقهي ، أو العقدي ، فيكون
سهلاً مع موافقه فيه ، صعباً مع مخالفه ، قال الذهبي : ( وقد يكون نَفَسُ الإمام
فيما وافق مذهبه ، أو في حال شيخه ، ألطف منه فيما كان بخلاف ذلك ) (١) .
وقال الشيخ محمد بن عبد الحي اللكنوي :
( واعلم أن من النقاد من له تعنت في جرح أهل بعض البلاد ، أو بعض
المذاهب ، لا في جرح الكل ، فحينئذٍ يُنَقَّح الأمرُ في ذلك الجرح) (٢) .
وقسم الحافظ الذهبي النقاد إلى متشدد ، ومتساهل ، ومتوسط ، وذلك في
كتابه ذكر من يعتمد قوله في الجرح والتعديل ، فقال :
( إن الذين قبل الناس قولهم في الجرح والتعديل على ثلاثة أقسام :
١ - قسمٌ منهم متعنت في الجرح ، متثبت في التعديل ، يَغْمِزُ الراوي بالغلطتين
والثلاث ، ويُلَيِّنُ بذلك حديثه ، فهذا إذا وثق شخصاً فعَضَّ على قوله بناجذّيْك
وتمسك بتوثيقه ، وإذا ضعَّف رجلاً فانظر هل وافقه غيرُه على تضعيفه ؟ فإن
وافقه ولم يُوثق ذاك أحدٌ من الحُذاق فهو ضعيف ، وإن وثقه أحد فهذا الذي
قالوا فيه : لا يُقبل تجريحه إلا مفسراً ، يعني لا يكفي أن يقول فيه ابن معين
(١) الموقظة في علم مصطلح الحديث ص ٨٤ .
(٢) الرفع والتكميل في الجرح والتعديل ص ٣٠٨ .
- ١٦١ -
(م١١ - ابن عدي ومنهجه .. ج٢)

مثلاً : هو ضعيف ، ولم يُوضِّح سَبَبَ ضعفه ، وغيره قد وثقه ، فمثل هذا.
يتوقف في تصحيح حديثه ، وهو إلى الحُسنِ أقرب ، وابن معين ؛ وأبو حاتم
والجوزجاني متعنتون ..
٢ - وقسمٌ في مقابلة هؤلاء كأبي عيسى الترمذي ، وأبي عبد الله الحاكم
وأبي بكر البيهقي : متساهلون .
٣ - وقسمٌ كالبخاري ، وأحمد بن حنبل ، وأبي زرعة ، وابن عدي معتدلون
منصفون ) (١).
وجاء عن الذهبي نحو هذا في كتابه الموقظة ، حيث قال - وهو يصف النقاد -:
( فمنهم من نَفَسُهُ حادّ في الجرح ، ومنهم من هو معتدل ، ومنهم من هو
متساهل ) (٢) .
وتابعه على هذا الأمر الحافظ ابن حجر العسقلاني في نكته على كتاب ابن
الصلاح (٣) ، ثم السخاوي في كتابه الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ (٤) ، ثم
اللكنوي في كتابه الرفع والتكميل في الجرح والتعديل (٥) ، ثم التهانوي في كتابه
قواعد في علوم الحديث (٦) ، وغيرهم من العلماء .
وفيما يلي ، إن شاء الله تعالى بيان معنى التشدد ، والتساهل ، والتوسط ،
ثم ذكر بعض من وصف بذلك من النقاد ، مع ذكر من وصفه بذلك من العلماء:
أولاً : المتشددون :
حقیقة التشدد ترجع إلی کون من وصف به کان کثیر الورع ، تام الاحتياط ،
فلأن يكون خصمه في الآخرة رجل من عامة الناس أحب إليه من أن يكون
(١) ذکر من يقبل قوله في الجرح والتعديل ص ١٥٨ ( بتصرف پسیر )
(٢) الموقظة في علم مصطلح الحديث ص ٨٣.
(٣) النكت على كتاب ابن الصلاح: ٤٨٢/١.
(٤) الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ ص ١٦٧ .
(٥) الرفع والتكميل في الجرح والتعديل ص ٢٨٣ .
(٦) قواعد في علوم الحديث ص ١٧٨ إلى ص ١٩١ .
- ١٦٢ -

خصمه في الآخرة النبي و ﴿ يقول له: ((لِمَ لم تذب الكذب عني))، ولأجل
هذا يجرح المتشدد الرواة بأدنى جرح ، ويطلق عليهم ما لا ينبغي إطلاقه ،
فمثل هذا توثيقه معتبر وجرحه لا يعتبر ما لم يوافقه عليه غيره من المعتدلين من
النقاد (١) .
ومن الذين وصفوا بالتشدد من النقاد :
١ - الإمام شعبة بن الحجاج : وصفه بالتشدد الحافظ ابن حجر (٢) ،
والسخاوي (٣) ، وغيرهما .
٢ - الإمام يحيى بن سعيد القطان: وصفه علي بن المديني (٤)، والذهبي (٥)
والزيلعي (٦) ، وابن حجر (٧) ، وغيرهم بالتشدد .
٣ - الإمام مالك بن أنس: ذكره سفيان بن عيينة (٨)، والجوزجاني (٩) ،
وابن حجر (١٠) في المتشددين .
٤ - الإمام أبو نعيم الفضل بن دكين : وصفه بالتشدد الإمام علي بن
المديني (١١) وغيره .
٥ - الإمام عفان بن مسلم : أشار إلى تشدده ابن المديني (١٢)، وأحمد بن
حنبل (١٣) ، وغيرهما .
(١) قواعد في علوم الحديث ص ١٧٨ .
(٢) النكت على كتاب ابن الصلاح : ٤٨٢/١.
(٣) فتح المغيث: ٢٩٣/١.
(٤) تهذيب التهذيب: ٦/ ٢٨٠ .
(٥) ميزان الاعتدال : ١٧١/٢ .
(٦) نصب الراية : ٤٣٩/٢ .
(٧) النكت على كتاب ابن الصلاح : ٤٨٢/١ .
(٨) تهذيب التهذيب: ٦/١٠ .
(٩) أحوال الرجال ص ١٤٠ .
(١٠) التلخيص الحبير: ٣/ ١٠ .
(١١) سير أعلام النبلاء: ١٠/ ٢٥٠.
(١٢) تهذيب التهذيب : ٢٣٢/٧ .
(١٣) ميزان الاعتدال: ٢٨٨/٣.
- ١٦٣ -

٦ - الإمام يحيى بن معين: وصفه بالتشدد ابن تيمية (١)، والذهبى (٢).
وابن حجر (٣) ، وغيرهم ..
٧ - الإمام علي بن المديني : وصفه أبو زرعة الرازي بالتشدد (٤)
٨ - الإمام أبو حاتم الرازي : ذكره الذهبي (٥) ، وابن حجر (7) ، وغيرهما
في المتشددين .
٩ - الإمام الجوزجاني: نسبه كل من الذهبي (٧) ، وابن حجر العسقلانى (٨)
إلى التشدد .
١٠ - الإمام الفسوي: أشار إلى تشدده الذهبي (٩)، وابن حجر (١٠).
العسقلاني ، وغيرهما .
١١ - الإمام النسائي: وصفه بالتشدد كل من الذهبى (١١)،
وابن حجر
العسقلاني (١٢) ، وغيرهما .
١٢ - الإمام أبو الفتح الأزدي : وصفه الذهبي (١٣) ، وغيره بالتشدد.
١٣ - الإمام ابن خراش: عده الذهبي (١٤) من المتشددين ، وكذا فعل
السخاوي (١٥).
(١) مجموع الفتاوى: ٣٤٩/٢٤.
(٢) ذكر من يعتمد قوله في الجرح والتعديل ص ١٥٩ .
(٣) النكت على كتاب ابن الصلاح : ٤٨٢/١ .
(٤) الجرح والتعديل : ٧٣/٧.
(٥) تذكرة الحفاظ : ٢/ ٤٢٠ .
(٦) هدي الساري ص ٤٦٢
.
(٧) ذكر من يعتمد قوله في الجرح والتعديل ص ١٥٩، ص ١٧٩ .
(٨) لسان الميزان : ١٦/١ .
(٩) ميزان الاعتدال: ٢ / ١٠٧ .
(١٠) هدي الساري ص ٤٦٢ .
(١١) ميزان الاعتدال ١ ٤٣٧/١.
(١٢) هدي الساري ص ٣٨٧.
(١٣) تذكرة الحفاظ: ٣/ ٩٦٧ .
(١٤) الموقظة ص ٨٣ ١.
(١٥) فتح المغيث: ٣٢٩/٣.
- ١٦٤ -

١٤ - الإمام الساجي : ذكر ابن حجر (١) تشدده.
١٥ - الإمام أبو الحسن بن القطان : وصفه الذهبي (٢) وغيره بالتشدد.
١٦ - الإمام ابن حزم الظاهري : أشار ابن حجر (٣) إلى تشدده .
١٧ - الإمام العقيلي: وصفه الذهبي (٤)، وابن حجر (٥) وغيرهما بالتشدد.
١٨ - الإمام ابن حبان: أشار الذهبي (٦) إلى تشدده .
١٩ - الإمام الدارقطني: وصفه ابن حجر (٧) بالتعنت .
ثانياً : المتساهلون :
يرجع تسامح المتساهل إلى مذهبه في الجرح والتعديل ، واعتبار بعض
الأوصاف على خلاف غيره أو عدم اعتبارها ، كتعديل المستور ونحوه ، أو إلى
عدم التحري (٨) .
ومن الذين وصفوا بالتساهل :
١ - الإمام الترمذي : وصفه الذهبي (٩) ، والسخاوي (١٠) بالتساهل .
٢ - الإمام الدارقطني: أشار الذهبي إلى تساهله في بعض الأوقات (١١).
(١) هدي الساري ص ٣٩٥ .
(٢) تذكرة الحفاظ : ١٤٠٧/٤.
(٣) لسان الميزان: ٢٣١/١ .
(٤) ميزان الاعتدال : ٣/ ١٤٠.
(٥) هدي الساري ص ٤٦١ .
(٦) ميزان الاعتدال : ٤٥/٣ .
(٧) هدي الساري ص ٣٩٢ .
(٨) انظر : كتاب المختصر في علم رجال الأثر للشيخ عبد الوهاب عبد اللطيف ص ٥٨ .
(٩) ذكر من يعتمد قوله في الجرح والتعديل ص ١٥٩.
(١٠) الإعلان بالتوبيخ ص ١٦٨.
(١١) الموقظة ص ٨٣ .
- ١٦٥ -

٣ - الإمام أبو عبد الله الحاكم: وصفه ابن الصلاح (١)، والذهبى (٢).
وابن حجر (٣) بالتساهل .
٤ - الإمام أبو بكر البيهقي : ذكره الذهبي (٤) في المتساهلين.
٥ - الإمام ابن خزيمة : أشار إلى تساهله ابن حجر (٥) ، والسيوطي (٦)
٦٠ - الإمام ابن حبان : ذكر ابن حجر (٧) تساهله في النقد .
ويعد ابن حبان من المتشددين في الجرح ، ومن المتساهلين في التعديل (٨)،
كما يلاحظ أن الإمام الدارقطني جعل من المتشددين من النقاد ومن المتساهلين
منهم أحياناً .
ثالثاً : المعتدلون :
هم الذين اتصفوا بالتحري الواسع ، والورع الشديد (٩) ، ومن هؤلاء:
١ - الإمام سفيان الثوري : وصفه ابن حجر (١٠) بالتوسط .
٢ - الإمام أحمد بن حنبل: ذكره الذهبي (١١)، وابن حجر (١٢) فى
المتوسطين .
(١) علوم الحديث ص: ١٨.
(٢) ذكر من يعتمد قوله في الجرح والتعديل ص ١٥٩ .
(٣) النكت على كتاب ابن الصلاح: ٣١٩/١.
(٤) ذكر من يعتمد قوله في الجرح والتعديل ص ١٥٩ .
(٥) لسان الميزان : ١٤/١ .
(٦) تدريب الراوي: ١٠٩/١، ١٢٤ .
(٧) النكت على كتاب ابن الصلاح : ٧٢٦/٢ .
(٨) قواعد في علوم الحديث ص ١٨٠، ص ١٨١ ..
(٩) المختصر في علم رجال الأثر ص ٥٨ .
(١٠) النكت على كتاب ابن الصلاح : ٤٨٢/١.
(١١) ذكر من يعتمد قوله في الجرح والتعديل ص ١٥٩.
(١٢) النكت على كتاب ابن الصلاح: ٤٨٢/١.
- ١٦٦ -

٣ - الإمام عبد الرحمن بن مهدي: وصفه ابن حجر (١) بالاعتدال.
٤ - الإمام البخاري : أشار كل من الذهبي (٢)، وابن حجر (٣) وغيرهما
إلى اعتداله في النقد .
٥ - الإمام أبو زرعة الرازي : وصفه الذهبي (٤) بالإنصاف .
٦ - الإمام ابن عدي : ذكر الذهبي (٥) ، وابن حجر (٦) ، وغيرهما (٧) أنه
من المعتدلين .
وأختم هذا المبحث بذكر كلام السخاوي الذي بين فيه نتائج التشدد والتساهل
عند بعض النقاد ، فذكر منها : التوقف في بعض أحكام القسمين ، ورد قوليهما
أحياناً ، قال رحمه الله : ( ولوجود التشدد ومقابله نشأ التوقف في أشياء من
الطرفين ، بل ربما رد كلام كل من المعدل والجارح مع جلالته وإمامته ونقده
وديانته، إما لانفراده عن أئمة الجرح والتعديل ... أو لتحامله) (٨).
(١) المرجع السابق: ٤٨٢/١.
(٢) ذكر من يعتمد قوله في الجرح والتعديل ص ١٥٩ .
(٣) النكت على كتاب ابن الصلاح: ٤٨٢/١.
(٤) ذكر من يعتمد قوله في الجرح والتعديل ص ١٥٩ .
(٥) المرجع السابق ص ١٥٩ .
(٦) تهذيب التهذيب : ٩٣/١ .
(٧) مثل اللكنوي في الرفع والتكميل ص ٣٠٦ ، والتهانوي في قواعد علوم الحديث ص
١٨٩، اللذين نقلا اعتدال ابن عدي عن الذهبي وارتضياه .
(٨) فتح المغيث : ٣٢٦/٣.
- ١٦٧ -

المبحث الثاني
موقف النقاد من ابن عدي
تبين لنا في المبحث السابق أن العلماء جعلوا ابن عدي في قسم المعتدلين من
النقاد ، وفيما يلي تفصيل هذا الأمر وذكر شواهده :
وعد ابن عدي في مقدمة كتابه الكامل بالإنصاف في النقد ، والاعتدال في
الحكم ، فقال : ( وذاكر في كتابي هذا كل من ذكر بضرب من الضعف ، ومن
اختلف فيهم فجرحه البعض ، وعدله البعض الآخر ، ومُرَّجح قولِ أحدهما
مبلغ علمي من غير محاباة ، فلعل من قبح أمره أو حسنه تحامل عليه ، أو مال
إليه ) (١)
.
وقد وفى ابن عدي بما وعد به ، وأوفى الأمر حقه بحسب وسعه ، ومن
الشواهد على ذلك :
١ - طريقته التي سار عليها في كتابه تدل على إنصافه ، حيث إنه كان يذكر في
كل ترجمة غالباً أقوال المزكين للمترجم له إن وجدت ، والمجرحين ، ولا يقتصر
على واحد منهما ، ثم يسبر أحاديثه ويتتبعها ، ومن ثم يصدر حكمه عليه (٢)،
وهذا ما جعل حكمه على الرجال متصفاً بالاتزان والعدل والإنصاف .
٢ - ترجمته لشيخه أحمد بن سعيد بن عقدة في كتابه الذي خصصه للضعفاء
وقوله : ( ولم أجد بداً من ذكره ، لأني شرطت في أول كتابي هذا أن أذكر كل
من تكلم فيهِ مُتكلم ولا أبالي ، ولولا ذاك لم أذكره للذي فيه من الفضل
والمعرفة ) (٣).
ويظهر من هذا المثال أن ابن عدي قد لزم الورع في نقده لشيخه والإنصاف،
فلم يمنعه قربه منه ، وجلالته في نظره ، من ذكر ما قيل فيه من جرح ، ثم رد
ذلك وأنصفه .
(١) الكامل : ١٥/١
(٢) مثال ذلك ترجمة حَشْرَج بن نباتة الأشجعي، انظر: الكامل: ٨٤٥/٢
(٣) الكامل: ١/ ٢٠٨.
- ١٦٨ -

٣ - دفاعه عن أحمد بن صالح المصري ، وتفنيده لحجج المجرحين له ، حيث
قال : ( وأحمد بن صالح من حفاظ الحديث ، وبخاصة حديث الحجاز ، ومن
المشهورين بمعرفته ، وحدث عنه البخاري مع شدة استقصائه، ومحمد بن یحیی،
واعتمادهما عليه في كثير من حديث الحجاز وعلى معرفته ، وحدث عنه من
حدث من الثقات واعتمدوه ، حفظاً وإتقاناً ، وكلام ابن معين فيه تحامل (١) ،
وأما سوء رأي النسائي ، فسمعت محمد بن هارون بن حسان البرقي يقول : هذا
الخراساني - يعني النسائي - يتكلم في أحمد بن صالح وحضرت مجلس أحمد
ابن صالح ، وطرده من مجلسه ، فحمله ذلك على أن يتكلم فيه . وهذا أحمد
ابن حنبل قد أثنى عليه ، فالقول فيه هو ما قاله أحمد، لا ما قاله غيره فيه)(٢).
٤ - ذكره في مواضع من الكامل ، أن سبب ضعف طرق بعض الأحاديث ،
هو وجود أحد الضعفاء في سند ذلك الطريق ، وليس العهدة فيه على صاحب
الترجمة التي جاء الحديث فيها ، ومثال هذا الأمر : ما جاء في ترجمة إبراهيم
ابن الهيثم ، حيث قال ابن عدي في آخرها : ( وقد فتشت عن حديثه الكثير ،
فلم أر له منكراً يكون من جهته ، إلا أن يكون من جهة من روى عنه ) (٣) .
وغير ذلك من التراجم التي جاء فيها نحو هذا ، إلا أن بعض العلماء عد هذا
من عيوب الكامل ، وليس الأمر كما زعم ، وسيأتي تفصيل هذا الأمر قريباً (٤)
إن شاء الله تعالى .
٥ - بيانه الصحيح من حديث المترجم له ، وللسقيم منه ، وذلك حتى لا يرمى
حديثه كله ، أو يؤخذ كله ، بل ينصف الراوي ، ويميز بين ما يقبل وما يترك ،
جاء في ترجمة زهير بن محمد التميمي ما يلي :
( ولعل الشاميين حيث رووا عنه أخطأوا عليه ، فإنه إذا حدث عنه أهل العراق
فرواياتهم عنه شبه المستقيم ، وأرجو أنه لا بأس به ) (٥) .
(١) ذكر ابن حبان أن يحيى بن معين إنما ضعف سميه أحمد بن صالح الأشمومي ،
انظر : الثقات: ٨/ ٢٥.
(٢) الكامل : ١٨٧/١ .
(٣) الكامل :: ٢٧٣/١.
(٤) انظر: ١٧١/٢ من هذه الرسالة.
(٥) الكامل : ١٠٧٨/٣ .
- ١٦٩ -

ومما سبق ذكره يظهر لنا صدق قول الإمامين الذهبي وابن حجر العسقلاني ،
حيث وصفا ابن عدي بالإنصاف ، قال الذهبي في سير أعلام النبلاء ، من
ترجمة ابن عدي : ( وهو منصف في الرجال بحسب اجتهاده ) (١).
وقال ابن حجر في تهذيب التهذيب بعد أن ذكر كلام ابن عدي في أبان بن
تَغْلِب: ( قلت : هذا قولُ منصفٍ ) (٢).
أما عَدُّ الشيخين الكوثري وأبي غدة ابن عدي من المتعنتين على أبي حنيفة
وأتباعه (٣) ، فلا أسلم به ، بل فيه نظر طويل ، وأجمل مناقشتهما في المسائل
الآتية إن شاء الله :
الأولى :
أن الشيخين الفاضلين لم يسبقا إلى مثل هذا القول - فيما علمت - ولو كانا
مسبوقين لذكرا ذلك واحتجا به ، ومعلوم أن المتأخرين من علماء الجرح والتعديل
قد قرأوا الكامل ومروا عليه ، ونظروا في تراجم الرواة من أتباع أبي حنيفة
وغيرهم فيه ، فلم يلفت نظرهم تعصب أو تعنت خاص ولا عام ، بل أثنوا على
الكتاب ، ووسموا صاحبه بالإنصاف والاعتدال والتوسط ، وقد قدمنا بعضاً من
ذلك في المبحث السابق (٤) ، ومن هؤلاء المتأخرين : الشيخ محمد بن عبد الحي
اللكنوي الحنفي ، صاحب كتاب الرفع والتكميل في الجرح والتعديل الذي حققه
الشيخ عبد الفتاح أبو غدة ، فقد ذكر في كتابه ابن عدي في قسم المعتدلين من
النقاد (٥) ، ومن المتأخرين كذلك : الشيخ ظفر أحمد العثماني التهانوي الحنفي ،
(١) سير أعلام النبلاء : ١٥٦/١٦ .
(٢) تهذيب التهذيب: ٩٣/١.
(٣) انظر: كتاب الرفع والتكميل في الجرح والتعديل ص ٣٠٦، ٣٣٩، ٣٤٠:،
٣٤١، وكتاب قواعد في علوم الحديث ص ١٨٩، ١٩٠، وتقدمة كتاب نصب الراية
لأحاديث الهداية للشيخ زاهد الكوثري ص ٥٧ ، وقد ذكر الشيخ عبد الفتاح أبو غدة أن
لشيخه الكوثري كتاباً سماه (( إبداء وجوه التعدي في كامل ابن عدي))، لا يزال مخطوطاً،
انظر : الرفع والتكميل ص ٣٤١ .
(٤) انظر: ٠١٦٧/٢ ١٧٠ من هذه الرسالة .
(٥) الرفع والتكميل في الجرح والتعديل ص ٣٠٦.
- ١٧٠ -

صاحب كتاب قواعد في علوم الحديث الذي حققه أيضاً الشيخ عبد الفتاح أبو
غدة ، حيث عد ابن عدي من المعتدلين (١) ، إلا أن الشيخ عبد الفتاح تعقبهما
بما ذكرت .
الثانية :
أن التراجم التي سيقت من أجل تأييد تلك الدعوى كانت لأمر آخر ، ربط
بهذا الأمر وألصق به ، وهو القول بأن ابن عدي أحياناً يطعن في الراوي بحديث
مع أن آفته غيره . وأقول : إن هذا العيب لا يختص بأبي حنيفة وأتباعه في
الكامل ، بل هو عام ، فلقد كانت طريقة ابن عدي فيه أن يورد الحديث في
ترجمة أحد الضعفاء ، وربما كان في السند من هو أضعف منه ، إلا أنه إذا فعل
ذلك في ترجمة أحد المُعَدَّلِين بين أن البلاء من ذلك الضعيف غالباً .
وذلك مثل ما جاء في ترجمة عبد الرزاق بن همام : حيث أورد ابن عدي
حديثاً من طريقه ، ثم بين أن سبب ضعف الحديث هو أحد الرواة وليس عبد
الرزاق ، قال ابن عدي : ( وهذا الحديث منكر ، والبلاء في هذا من الحسن بن
عثمان التُّسْتَرِي ) (٢) .
ومثل ما جاء كذلك في ترجمة الوليد بن القاسم : حيث ذكر ابن عدي عدة
أحاديث له ، ثم قال : ( وهذه الأحاديث التي أمليتها غير محفوظة ،
وليس البلاء من الوليد ، البلاء من عمر بن موسى ، فإنه في عداد من يضع
الحديث ) (٣) إلى غير ذلك من الأمثلة .
فليس هذا الأمر إذن من تعنت ابن عدي ، بل هو دليل إنصافه ، لأنه ساوى
فيه الرواة جميعاً ، لم يفرق بين حنفي وغير حنفي .
الثالثة :
إن القول بمحاباة ابن عدي لشيخ إمامه الشافعي إبراهيم بن محمد بن أبي
يحيى ، حيث قال فيه : ( وقد نظرت أنا في أحاديثه ، وتحريتها ، وفتشت الكل
(١) قواعد في علوم الحديث ص ١٨٩.
(٢) الكامل : ٥/ ١٩٥٠.
(٣) الكامل : ٢٥٤٤/٧ .
- ١٧١ -

منها ، فليس فيها حديث منكر ، وإنما يروى المنكر إذا كان العهدة من قبل الراوي
عنه ، أو من قبل من يروي إبراهيم عنه ، وكأنه أتى من قبل شيخه ، لا من
قبله ، وهو في جملة من يكتب حديثه ، وقد وثقه الشافعي وابن الأصبهاني) (١)
ومع تسليمي بضعف إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى (٢)، إلا أنني أرى أن
ابن عدي قد اجتهد في الحكم عليه بسبر أحاديثه وتفتيشها ، ومقارنتها بأحاديث
الآخرين ، فقال فيه ما قال ، وكم من رجل غير حنفي خالف حكم ابن عدي
فيه حكم غيره من النقاد (٣) ، على أن ابن عدي قد ضعف إبرهيم بقوله :
( وهو في جملة من يكتب حديثه ) (٤) .
الرابعة :
إن تضعيف ابن عدي للإمام الجليل أبي حنيفة ، وصاحبه محمد بن الحسن لم
يكن عن تعصب مذهبي ، أو عن تحامل وتعنت ، بل كان حكماً اجتهادياً ،
قابلاً للصواب والخطأ، والدليل على ذلك أن ابن عدي لم ينفرد بتضعيفهما ،
فلقد شاركه في تضعيفهما بعض الأئمة مثل : الإمام الثوري ، والبخاري ،
ومسلم ، ويحيى القطان ، والجوزجاني ، والنسائي (٥) ، وكلهم ضعف أبا
حنيفة بسبب حفظه مع اعترافهم بعدالته ، وإمامته وفضله .
وأما محمد بن الحسن فقد ضعفه كل من الإمام أحمد بن حنبل ، ويحيى بن
معين ، والفلاس ، والنسائي ، والعقيلي (٦) .
فهل نصف كل هؤلاء النقاد بالتعنت ؟ ومَنْ الناس غيرهم ؟
(١) الكامل : ٢٢٦/١.
(٢) قد ضعف إبراهيم هذا معظم النقاد، انظر: تهذيب التهذيب: ١٥٨/١.
(٣) مثل نوح بن أبي مريم قال عنه ابن عدي في الكامل (٢٥٠٨/٧): وهو مع ضعفه
يكتب حديثه ، وقد اتهمه النقاد بالوضع ، بل كادوا يجمعون على كذبه ، انظر : تهذيب
التهذيب : ١٠/ ٤٨٦ .
(٤) الكامل : ٢٢٧/١، بل صرح بضعفه في موضع آخر، انظر الكامل: ٦/ ٢١٩٠.
(٥) انظر: تهذيب التهذيب: ٤٤٩/١٠، وتاريخ بغداد: ٣٢٣/١٣، والكامل
٧/ ٢٤٧٢، وأحوال الرجال ص: ٧٥ .
: .
:
(٦) انظر: ميزان الاعتدال: ٥١٣/٣، ولسان الميزان: ١٢١/٥، والكامل: ٢١٨٣/٦،
والضعفاء الكبير للعقيلي : ٢٦٨/٤ .
- ١٧٢ -

الخامسة :
إن بعض من ضعفه ابن عدي من الرواة الحنفية أجمع النقاد على تركه ، مثل
يوسف بن خالد أبي خالد السَّمتي البصري أحد فقهاء الحنفية (١) .
السادسة :
لقد ظهر إنصاف ابن عدي في الكامل وبان حتى في تراجم الحنفية ، وأكتفى
بذكر ثلاثة أمثلة منه :
١ - جاء في ترجمة أسد بن عمرو أبي المنذر البجلي الكوفي ما يلي :
( وأسد بن عمرو من أصحاب الرأي ، ما بأحاديثه ورواياته بأس ) (٢).
وكان ابن عدي قد قدم قبل حكمه هذا ، كلام من ضعف أسداً ، فذكر منهم
الإمام يحيى بن معين ، والبخاري ، والجوزجاني (٣) ، فلم يلتفت ابن عدي
لتضعيف هؤلاء ، بل حكم عليه حكماً عدلاً وسطاً .
٢ - وقال ابن عدي في ترجمة يعقوب بن إبراهيم أبي يوسف صاحب أبي
حنيفة : ( وإذا روي عنه ثقة ، ويروي هو عن ثقة ، فلا بأس به وبرواياته ) (٤) .
وكان بعض النقاد قد ضعف أبا يوسف ، مثل البخاري ، وابن معين ، وابن
المبارك (٥) .
٣ - ترجم ابن عدي لأحمد بن عبد الله أبي على اللجلاج ، فقال في أول
ترجمته : ( حدث بأحاديث مناكير لأبي حنيفة ... ثم ختم الترجمة بقوله :
وهذه الأحاديث لأبي حنيفة لم يحدث بها إلا أحمد بن عبد الله هذا ، وهي
بواطيل ، ولا يعرف أحمد بن عبد الله هذا إلا بهذه الأحاديث ) (٦) .
فابن عدي ضعف الراوي وأنصف أبا حنيفة ، وأخرج الحديث من عهدته .
ونخلص مما تقدم كله أن ابن عدي كان من المعتدلين من النقاد ، ومن
المتوسطين منهم .
(١) انظر: الكامل: ٢٦١٦/٧، وتهذيب التهذيب : ٤١١/١١ .
(٢) الكامل : ٣٨٩/١ .
(٣) الكامل : ٣٨٩/١ .
(٤) الكامل : ٢٦٠٤/٧ .
(٥) انظر الكامل: ٢٦٠٢/٧، ولسان الميزان: ٦/ ٣٠٠.
(٦) الكامل : ١/ ١٩٧ .
- ١٧٣ -

الفصل الرابع
المآخذ على كتاب الكامل
- ١٧٥ -

إن العلماء مهما أثنوا على كتاب من الكتب المصنفة في أي فن من الفنون ،
فلا يعنون به سلامته من المآخذ من كل الوجوه ، فما سلم كتاب صنفه إنسان من
عيب، أبى الله إلا أن يجعل الكمال لكتابه، والعصمة لسَّنَّة نبيه وَيهِ.
وابن عدي أخذت عليه بعض المآخذ ، وهو بشر يخطئ ويصيب ، وما من
شخص إلا ويؤخذ من قوله ويترك، إلا النبي ريل18 وسأذكر فيما يلي إن شاء الله
بعض المآخذ التي أخذت عليه ، ثم التمس له العذر فيها - ما أمكن - ولا ينقص
هذا الأمر من قيمة الكتاب العلمية ، ولا من صاحبه ، كفى بالمرء نبلاً أن تعد
معايبه ، فمن تلك المآخذ :
١ - إدخاله بعض صحابة رسول الله وَ 18 في كتابه الذي خصصه لضعفاء الرواة
وهم الذين عدلهم الله تعالى، وعدلهم رسوله وَّيه ، فكان مما قال الله - عز
وجل فيهم - : ﴿ كنتم خير أمة أخرجت للناس﴾ (١)، والخطاب فيها
للموجودين حينئذ، وقال رسول الله وَ له: ((خير الناس قرنى)) (٢)، ولأجل
هذا الأمر لم يورد الحافظ الذهبي في ميزانه منهم أحداً ، وأما ابن عدي فقد ذكر
عدداً منهم ، مثل بُسْر بن أرطاة (٣)، وذي اليدين (٤)، وعامر بن واثلة (٥) ،
وسيأتي - إن شاء الله تعالى - بيان بأسمائهم في الملاحق (٦).
وأما عذر ابن عدي في هذا الشأن فهو موافقته للإمام البخاري فيه، والبخاري
إنما ذكرهم لضعف الإسناد إليهم ، ولأن الحديث عنهم لم يصح (٧) ، قال ابن عدي
(١) سورة آل عمران، الآية رقم (١١٠).
(٢) صحيح البخاري بشرح فتح الباري، كتاب فضائل أصحاب النبي صل * ، باب:
فضائل أصحاب النبي ◌َّةٍ: ٣/٧، حديث رقم (٣٦٥٠)، ومسلم في صحيحه ، كتاب
فضائل الصحابة رضي الله تعالى عنهم ، باب : فضل الصحابة ، ثم الذين يلونهم ، ثم
الذين يلونهم : ١٩٦٤/٤، حديث رقم (٢٥٣٥).
(٣) الكامل : ٤٣٨/٢ .
(٤) الكامل : ٩٨٣/٣.
(٥) الكامل : ١٧٤١/٥ .
(٦) انظر: ٢٢٥/٢ من هذه الرسالة.
(٧) فعل البخاري ذلك في كتابه الضعفاء الصغير ، انظر : ٢١٩/١ من هذه الرسالة .
(م١٢ - ابن عدي ومنهجه .. ج٢)
- ١٧٧ -

في هذا الأمر : ( وكل من له صحبة ممن ذكرناه في هذا الكتاب ، فإنما تكلم
البخاري في ذلك الإسناد الذي انتهى فيه إلى الصحابي ، أن ذلك الإسناد ليس
بمحفوظ، وفيه نظر، لا أنه يتكلم في الصحابة، فإن أصحاب رسول الله وَله
لحق صحبتهم ، وتقادم قدمهم في الإسلام ، لكل واحد منهم في نفسه حق
وحرمة للصحبة ، فهم أجلّ من أن يتكلم أحد فيهم ) (١) .
ورغم هذا الاعتذار ، فالأولى عدم ذكرهم في كتاب للضعفاء .
٢ - ذكره بعض الثقات من رجال الصحيحين وغيرهم ، الذين لا يلتفت إلى
ما جرحوا به ، لأنه قد تكلم فيهم بما لا يوجب الرد ، وسيأتي ذكر أسمائهم في
الملاحق (٢) إن شاء الله.
من هؤلاء الثقات أحمد بن الفرات أبو مسعود الرازي (٣) ، قال الذهبي في
ترجمته : ( الحافظ الثقة ، ذكره ابن عدي فأساء) (٤) .
ومنهم عبد الله بن وهب بن مسلم أبو محمد المصري (٥) ، قال الذهبي في
ترجمته : ( أحد الأثبات ، والأئمة الأعلام ، وصاحب التصانيف ، تناكد ابن
عدي بإيراده في الكامل ) (٦).
ومنهم عفان بن مسلم أبو عثمان الصفار البصري (٧) ، قال الذهبي في
ترجمته : ( الحافظ الثبت .... آذى ابن عدي نفسه بذكره له في كامله ) (٨).
وعذر ابن عدي في ذكر هؤلاء الثقات، هو أن بعض النقاد جرحهم، لذلك ترجم
لهم ، وانتصر لهم وأنصفهم ما أمكنه ذلك ، وقد بين ابن عدي هذا العذر في
(١) الكامل: ١٠٦٤/٣ .
(٢) انظر: ٢٢٩/٢ من هذه الرسالة .
(٣) الكامل : ١٩٣/١ ..
(٤) ميزان الاعتدال: ١٢٧/١ - ١٢٨.
(٥) الكامل : ١٥١٨/٤ ٠
(٦) ميزان الاعتدال : ٥٢١/٢ .
(٧) الكامل : ٢٠٢١/٥.
(٨) ميزان الاعتدال : ٨١/٣، وانظر نحو هذا القول في سير أعلام النبلاء: ١٠/ ٢٥٠
- ١٧٨ -

مقدمة كتابه ، فقال : ( وذاكر في كتابي هذا كل من ذكر بضرب من الضعف ،
ومن اختلف فيهم فجرحه البعض ، وعدله البعض الآخر ) (١).
وبينه أيضاً في أثناء الكتاب ، فقال في ترجمته للبغوي ، بعد أن دافع عنه
ووثقه : ( ولولا أني شرطت في الكتاب أن كل مَنْ تَكلم فيه مُتكلم ذكرته ، وإلا
كنت لا أذكره ) (٢) .
٣ - سكوته عن الحكم على بعض الرجال جرحاً وتعديلاً، وشأن المصنفين في
هذا الفن إعطاء حكم نهائي عن المترجم لهم ، لأن من الغايات الرئيسية القارئ
كتاب الكامل ، معرفة مراتب الرواة المذكورين ، ودرجاتهم من الجرح والتعديل ،
ومثال هؤلاء المسكوت عنهم :
سَلام بن أبي عَمرة الخراساني (٣) ، فقد سكت عنه ابن عدي ولم يحكم
عليه بشيء ، وترجم له الذهبي (٤) ، وابن حجر (٥) ، ولم ينسبا لابن عدي فيه
قولاً .
ومعنى هذا سكوته عنه ، إذ من عادتهما نقل أقوال ابن عدي في المترجم له
إن وجد له قول .
ومنهم : النضر بن منصور الكوفي أبو عبد الرحمن العنزي (٦) ، فقد ترجم
له ابن عدي ولم يحكم عليه ، وترجم له الذهبي في ميزان الاعتدال (٧) ، ولم
ينقل لابن عدي فيه كلاماً ، أما ابن حجر فأورد الراوي في تهذيب التهذيب وقال :
( وذكره العقيلي ، وابن عدي في الضعفاء ) (٨).
(١) الكامل: ١٥/١.
(٢) الكامل : ١٥٧٩/٤.
(٣) الكامل : ١١٥٥/٣ .:
(٤) ميزان الاعتدال : ٢ / ١٨٠.
(٥) تهذيب التهذيب : ٢٨٦/٤.
(٦) الكامل : ٢٤٨٩/٧ .
(٧) ميزان الاعتدال : ٢٦٤/٤ .
(٨) تهذيب التهذيب : ٤٤٥/١٠ .
- ١٧٩ -

ومنهم : عبد الواحد بن زيد البصري ، ترجم له ابن عدي ولم يحكم
عليه (١) ، وترجم له الذهبي (٢)، وابن حجر (٣) ، ولم ينسبا لابن عدي قولاً
فيه .
وسيأتي بيان بأسماء هؤلاء المسكوت عنهم في الملاحق إن شاء الله تعالى (٤).
وعذر ابن عدي في ذكره لهم ، وعدم حكمه عليهم ، نتبينه بعد أن نقسمهم
ثلاثة أقسام ، كل أصحابها غير مكثر من الرواية :
الأول : الذين أورد لهم ابن عدي أحاديث منكرة - مثل : عبد الرحمن بن
القطامي (٥) - فعذره في عدم الحكم عليهم هو : أنه حقهم اسم الضعف بسبب
روايتهم لتلك الأحاديث ، قال ابن عدي في مقدمة الكامل : ( وذاكر لكل رجل
منهم مما رواه ما يضعف من أجله ، أو يلحقه بروايته له اسم الضعف) (٦) .
وذكر نحو هذا في أثناء الكتاب ، حيث قال : ( وقد شرطت في كتابي هذا
أني أذكر كل من في رواياته اضطراب ، وفي متونه مناكير ) (٧).
الثاني : الذين لم يورد لهم ابن عدي أحاديث منكرة ، مثل : ثابت بن الوليد
ابن عبد الله بن جميع الكوفي (٨) ، قال الذهبي في ميزان الاعتدال عنه : ( ذكره
ابن عدي في الكامل ، ولكن ما غمزه بكلمة ، وساق له حديثاً واحداً محفوظ
المتن ) (٩) ..
الثالث : الذين لم يورد لهم ابن عدي أحاديث منكرة ، مع تصريحه بقلة.
أحاديثهم بحيث لم يستطع الحكم عليهم ، مثل : صاعد بن مسلم أبي محمد
(١) الكامل: ١٩٣٥/٥.
(٢) ميزان الاعتدال: ٢/ ٦٧٢ :.
(٣) لسان الميزان : ٤ /٨٠.
(٤) انظر: ٢٩٩/٢ من هذه الرسالة.
١٠
(٥) الكامل : ٤ / ١٦٢٠.
(٦) الكامل: ١/ ١٥.
(٧) الكامل : ١٥٧٢/٤
(٨) الكامل : ٢ /٥٢٢
(٩) ميزان الاعتدال : ٣٦٩/١ .
- ١٨٠ -