النص المفهرس

صفحات 121-140

والتعديل مع رواية واحد عنه (١) ، وقد صحح هذا القول ابن حجر
العسقلاني (٢).
ولا ترتفع جهالة العين عن الراوي إلا برواية عدلين عنه ، إلا أنه لا يثبت له
حكم العدالة بروايتهما عنه ، هذا ما ذهب إليه جمهور العلماء (٣)، وذهب
الدار قطني إلى أن من روى عنه ثقتان فقد ارتفعت جهالته وثبتت عدالته ، وكذا
اكتفى بمجرد روايتهما ابن حبان (٤) ، ويقبل حديث مجهول العين عند ابن حجر
بأحد أمرين : أن يوثقه غير من روى عنه ، أو أن يوثقه من روى عنه بشرط أن
يكون من أهل الجرح والتعديل (٥) .
الثانى : مجهول الحال :
هو من جهلت عدالته الظاهرة والباطنة ، مع كونه معروف العين برواية عدلين
عنه (٦) .
وقد اختلف العلماء فيه على ثلاثة أقوال :
(أ) عدم قبول روايته، وهو قول جماهير العلماء (٧).
( ب ) قبول روايته مطلقاً ، وقد نسبه ابن المواق لأكثر أهل الحديث كالبزار
والدارقطني (٨) .
( جـ) وقيل : إن كان الراويان أو الرواة عنه فيهم من لا يروى عن غير عدل
قبل ، وإلا فلا (٩) .
(١) شرح ألفية العراقي: ٣٢٤/١، وتدريب الراوي: ٣١٧/١.
(٢) نزهة النظر ص ٥٠ .
(٣) الكفاية ص ١٥٠، وتدريب الراوي: ٣١٧/١، وشرح ألفية العراقي: ٣٢٧/١.
(٤) فتح المغيث : ٢٩٨/١ .
(٥) فتح المغيث : ٢٩٥/١ - ٢٩٦، وشرح نخبة الفكر لعلي القاري ص ١٥٣.
(٦) فتح المغيث: ٢٩٨/١، وشرح ألفية العراقي: ٣٢٨/١، وتدريب الراوي: ٣١٦/١.
(٧) علوم الحديث ص ١٠٠، وتدريب الراوي: ٣١٦/١.
(٨) فتح المغيث : ٢٩٨/١.
(٩) شرح ألفية العراقي: ٣٢٨/١، وفتح المغيث: ٢٩٨/١، وتدريب الراوي: ٣١٦/١.
- ١٢١ -

الثالث : المستور :
هو من عرفت عدالته ظاهراً لا باطناً (١) ، وقد اختلف العلماء في قبول
روايته إلى ثلاثة مذاهب :
(أ) عدم قبولها ، وهو مذهب الجمهور (٢).
(ب) قبول روايته، وإليه ذهب سُلَيْم بن أيوب الرازي (٣)، وأبو حنيفة (٤).
وابن حبان (٥) ، وابن فُوَرَك (٦) ، وهو ظاهر مذهب الزيدية (٧).
( جـ) التوقف في روايته إلى أن تستبين حاله ، رجحه إمام الحرمين الجويني
ووافقه عليه ابن حجر العسقلاني (٨).
الرابع : المبهم :
هو من لم يذكر اسم في سند الحديث (٩) ، وقد رد العلماء حديثه إلا أن
يكون صحابياً (١٠) - حيث أن الصحابة كلهم عدول - وذلك أن من لم يعرف
اسمه وذاته لم يعرف حاله .
وقد ظهر من صنيع كثير من العلماء أنهم عندما يطلقون لفظ مجهول على أحدٍ
(١) علوم الحديث ص ١٠١، وفتح المغيث: ٢٩٩/١، وتدريب الراوي: ٣١٦/١.
(٢) نزهة النظر ص ٥٠، وفتح المغيث: ٢٩٩/١ - ٣٠٠.
(٣) شرح ألفية العراقي: ٣٢٨/١.
(٤) فتح المغيث: ٢٩٩/١.
(٥) شرح نخبة الفكر لعلي القاري ص ١٥٤ .
(٦) فتح المغيث : ٢٩٩/١.
(٧) توضيح الأفكار : ١٩٣/٢.
(٨) نزهة النظر ص ٥٠.
(٩) اختصار علوم الحديث مع شرحه الباعث الحثيث ص ٩٧ ، والمعتصر ص ٤٨، والنخبة
النبهانية ص ٢٣ .
(١٠) اختصار علوم الحديث مع شرحه الباعث الحثيث ص ٩٧، والمعتصر ص ٤٩، والنخبة
النبهانية ص ٢٤ .
- ١٢٢ -

الرواة ، فإنهم يريدون جهالة العين غالباً ، إلا ما كان من أبي حاتم الرازي ،
فإنه كان يريد بها جهالة الحال (١)، وتبعه على ذلك الذهبي في ميزانه (٢).
ولقد استعمل ابن عدي في كامله مصطلح مجهول بألفاظ مختلفة ، فتارة
يقول في أحد الرواة : فلان مجهول ، وتارة يقول : فلان ليس بمعروف ، وتارة :
فلان لا أعرفه ، وتارة : فلان ليس من المعروفين المشهورين .
وفيما يلي ذكر دلالة المجهول عنده ، ثم بيان موقفه من روايته على ضوء ما
ذكرت من مذاهب العلماء :
كان ابن عدي يطلق لفظ المجهول ويريد به مجهول العين تارة ، ومجهول
الحال تارة أخرى ، ولكنه لم يذكر المبهم والمستور ، ولم أجد أنه استعمل لفظ
المستور بمعناه الذي مرَّ قريباً (٣) ، كما أنه لم يطلق أي لفظ للدلالة عليه ، وربما
كان مجهول الحال والمستور عنده شيئاً واحداً ، كما ذهب إلى ذلك - من بعد -
ابن حجر العسقلاني (٤) ، وهذه بعض الأمثلة التي تدل على ما ذكرت :
من أمثلة مجهول العين عند ابن عدي : ما جاء ترجمة صباح بن مجالد ،
حيث قال عنه : ( ليس بالمعروف ، وهو من مشايخ بقية الذين لا يروى عنهم
غيره ) (٥) .
ومن الأمثلة - كذلك - ما ذكره ابن عدي من أن عبد الرحمن بن عبد الله
الغافقي أمير الأندلس مجهول (٦) - جهالة عين - موافقة ليحيى بن معين وقوله :
( وإذا قال مثل ابن معين لا أعرفه فهو مجهول غير معروف ، وإذا عرفه غيره لا
يعتمد على معرفة غيره ) (٧) .
(١) فتح المغيث: ٢٩٦/١، والرفع والتكميل ص ٢٢٩ .
(٢) ميزان الاعتدال : ٦/١.
(٣) انظر : ١٢٢/٢ من هذه الرسالة .
(٤) نزهة النظر ص ٥٠ .
(٥) الكامل : ١٤٠٣/٤.
(٦) الكامل : ١٦٠٦/٤ - ١٦٠٧ .
(٧) الكامل : ٤/ ١٦٠٧ .
- ١٢٣ -
۔۔

وتعقبه الحافظ ابن حجر بقوله : ( وهذا لا يتمشّى في كل الأحوال ، فرُبَّ
رجلٍ لم يعرفه ابن معين بالثقة والعدالة ، وعرفه غيره فضلاً عن معرفة العين ،
لا مانع من هذا ، وهذا الرجل قد عرفه ابن يونس ، وإليه المرجع في معرفة أهل
مصر والمغرب ، وقد ذكره ابن خَلْفُون في الثقات) (١).
وقال التهانوي بعد نقله لكلام ابن حجر السابق : ( فكل رجلٍ أعرفُ بأهل
بلده وما قاریە ) (٢)
ومن أمثلة ذكر مجهول الحال في الكامل : ما جاء في ترجمة هارون بن كثير،
حيث قال عنه ابن عدي: ( شيخ ليس بمعروف ) (٣).
وقد بين ابن عدي في ترجمة الراوي أن له ثلاثة تلاميذ (٤) ، فانتفت بذلك
جهالة عينه .
ومن الأمثلة على مجهول الحال - أيضاً - قوله عن إسماعيل بن خالد الكوفي
( وإسماعيل هذا مجهول ) (٥) .
وكان قد بین أن له راویین قد أخذا عنه الحديث (٦) .
ويطلق ابن عدي على مجهول العين - أحياناً - لفظ شبه المجهول .
ومثال ذلك : ما جاء في ترجمة سعيد بن أبي راشد ، حيث قال ابن عدي :
( ولسعيد غير ما ذكرت ، ولا أعلم يروى عنه غير مروان الفزاري ، وإذا روي
عنه رجل واحد كان شبه المجهول ) (٧) .
وثمة مسألة أخيرة : وهي أن ابن عدي يرى أن رواية العدل - الذي لا يروى
(١) تهذيب التهذيب: ٢١٨/٦.
(٢) قواعد في علوم الحديث ص ٣٥٣، ويرى ابن عدي نحو هذا الأمر ، فقد جاء في
موضع آخر من الكامل : ١٣٤٩/٤ قوله : ( وأهل البلد أعلم بأهل البلد من غيرهم ) .
(٣) الكامل : ٢٥٨٨/٧.
(٤) الكامل : ٢٥٨٨/٧ .
(٥) الكامل : ٠١٣٠٦/١
(٦) الكامل : ٣٠٦/١ .
(٧) الكامل : ١٢٢٦/٣
- ١٢٤ -

إلا عن عدل - عمن سماه ، تدل على تعديله ، وذلك خلافاً لجمهور العلماء
الذين لا يرون (١) ذلك .
وفيما يلي - إن شاء الله - بعض الأمثلة في هذا الشأن :
(أ) قال ابن عدي في ترجمة الحسن بن ذكوان البصري : ( على أن يحيى
القطان وابن المبارك قد رويا عنه كما ذكرته ، وناهيك للحسن بن ذكوان من
الجلالة أن يرويا عنه ، وأرجو أنه لا بأس به ) (٢).
(ب) وقال في ترجمة أبي بكر بن نافع مولى عبد الله بن عمر: ( وأبو بكر
ابن نافع قد روى عنه مالك ، ولولا أنه لا بأس به لَما روى عنه مالك ، لأن
مالكاً لا يروي إلا عن ثقة) (٣).
(جـ) وقال في ترجمة علي بن الجعد الجوهري : ( ما أرى بحديثه بأساً ،
ولم أر في رواياته إذا حدث عن ثقة حديثاً منكراً فيما ذكره ، والبخاري مع شدة
استقصائه ، يروي عنه في صحاحه ) (٤) .
(١) علوم الحديث ص ١٠٠، والتقريب والتيسير ص ٤٣، وتدريب الراوي: ٣١٤/١،
وشرح ألفية العراقي: ٣٢٠/١ .
(٢) الكامل : ٧٣١/٢.
(٣) الكامل : ٢٧٥٣/٧ .
(٣) الكامل : ١٨٥٧/٥.
- ١٢٥ -

المبحث الثالث
دلالة المنكر عند ابن عدي
اختلف المحدثون في ما يدل عليه لفظ المنكر إلى مذاهب شتى ، من
أشهرها :
١ - تفرد الراوي الضعيف ، وهذا ما يفهم من كلام الإمام مسلم في مقدمة
صحيحه ، حيث قال: ( وكذلك من الغالب على حديثه المنكر أو الغلط أمسكنًا
أيضاً عن حديثهم ، وعلامة المنكر في حديث المحدث ، إذا ما عُرِضَت روايته
للحديث على رواية غيره من أهل الحفظ والرِّضا، خالفت روايتهُ روايتَهَم أو لم
تكدْ تُوافقُها (١) . فإن كان الأغلب من حديثه كذلك كان مهجورَ الحديث ، غيرَ
مقبُولِهِ وَلَا مُسْتَعْمَلِهِ ) (٢).
١
٢ - كل حديث ينفرد به ثقة عن ثقة ، ولا يعرف المتن من غير ذلك الطريق
فهو منكر ، وهذا ما أشار إليه الإمام أبو بكر أحمد بن هارون البرديجي ، قال
الحافظ ابن رجب الحنبلي - بعد أن نقلا كلام البرديجي في المنكر - : ( وهذا
كالتصريح بأن كل ما ينفرد به ثقة عن ثقة ، ولا يعرف المتن من غير ذلك الطريق
فهو منكر ) (٣).
٣ - المنكر والشاذ عند ابن الصلاح سيان ، وهو إما أن يكون مقبولاً أو
مردوداً ، فالمقبول هو الحديث الذي انفرد بروايته الراوي المقبول ، والمردود
قسمان :
أحدهما : الحديث الفرد المخالف لما رواه الثقات .
والآخر : الحديث الذي انفرد بروايته الضعيف (٤) . وقد تبعه على ذلك
(١) معناه لا توافقها إلا في قليل، قاله النووي في شرحه لصحيح مسلم: ١/ ٥٧.
(٢) صحيح مسلم : ١/ ٧ .
(٣) شرح علل الترمذي: ٤٥١/١ .
(٤) علوم الحديث ص ٧١ ، ص ٧٢ .
- ١٢٦ -
۔۔

النووي (١)، وابن كثير (٢)، والعراقي (٣).
٤ - المنكر عند ابن حجر العسقلاني هو رواية من فحش غلطه ، أو كثرت
غفلته ، أو ظهر فسقه (٤) .
وقد مشى كثير من المتأخرين على تعريف ابن حجر السابق ، ومن ثم فرقوا
بين قول الجمهور : فلان منكر الحديث ، وبين قول الإمام أحمد ذلك ، فبينوا أن
جمهور العلماء يطلقونه على ضعيف يخالف الثقات في رواياته ، وأحمد يطلقه
على من يُغْرب على أقرانه بالحديث (٥) .
قال الحافظ ابن حجر في ترجمة يزيد بن عبد الله بن خُصَيْفة - بعد أن ذكر أن
الإمام أحمد قال عنه : منكر الحديث - : ( هذه اللفظة يطلقها أحمد على من
يُغْرب على أقرانه بالحديث ، عُرف ذلك بالاستقراء من حاله ) (٦) .
ومذهب البخاري خلاف مذهب الإمام أحمد في هذا الشأن ، فقد قدمت أن
الإمام البخاري إذا قال في راوٍ أنه منكر الحديث ، فيعني بذلك أنه لا تحل الرواية
عنه ، أو لا يحتج به (٧) .
ويستعمل العلماء لفظ المنكر للدلالة على أن فلاناً من الرواة قد روى حديثاً
واحداً ، قال العراقي في تخريجه الكبير لأحاديث إحياء علوم الدين فيما نقله
عنه السخاوي : ( وكثيراً ما يطلقون المنكر على الراوي لكونه روى حديثاً
واحداً ) (٨) .
كما أنهم يطلقون لفظ المنكر على الموضوع ، يشيرون بذلك إلى
(١) التقريب والتيسير ص ٣٢ .
(٢) اختصار علوم الحديث مع شرحه الباعث الحثيث ص ٥٨ .
(٣) شرح ألفية العراقي: ١٩٦/١ - ١٩٧.
(٤) نزهة النظر ص ٤٥ .
(٥) انظر: قواعد في علوم الحديث ص ٢٦٠، والرفع والتكميل ص ٢٠٢ .
(٦) هدي الساري ص ٤٥٣ .
(٧) انظر : ٢٥٥/١ من هذه الرسالة .
(٨) فتح المغيث : ٣٤٦/١ - ٣٤٧ .
- ١٢٧ -

نكارة معناه مع ضعف إسناده وبطلان ثبوته (١) ، كما هو شائع في كتب
الموضوعات (٢).
ومما يجدر ذكره أن هناك فرقاً بين قول العلماء : فلان منكر الحديث ، وبين
قولهم : فلان روى مناكير ، أو يروى المناكير ، أو له مناكير ، أو في حديثه
نكارة ونحوها ، وهذا الفرق هو أن الكلمة الأولى تقدح في الراوي ، والكلمات
الأخرى لا تقدح في الراوي إلا إذا زادت المناكير عنده ، فإن ذلك يقدح فيه
بحسب كثرتها .
قال السخاوي : ( قال ابن دقيق العيد في شرح الإلمام : قولُھم : روی مناکیر
لا يقتضي بمجرده ترك روايته حتى تكثَر المناكير في روايته ، وينتهي إلى أن يقال
فيه : منكر الحديث ، لأن منكر الحديث ، وصفٌ في الرجل يستحق به التركَ
لحديثه ، والعبارة الأخرى (٣) لا تقتضي الدَّيومة ، كيف وقد قال أحمد بن حنبل
في محمد بن إبراهيم التيمي : يروى أحاديث منكرة . وهو ممن اتفق عليه
الشيخان، وإليه المرجع في حديث: ((إنما الأعمال بالنيات)) (٤) ) (٥)
وقد استعمل ابن عدي لفظ المنكر للدلالة على عدة معان هي :
١ - انفراد الراوي الثقة بحديث مقبول، ومثاله : ما ذكره ابن عدي في ترجمة
(١) قاله الشيخ عبد الفتاح أبو غدة في تحقيقه لكتاب المصنوع في معرفة الحديث الموضوع
ص ٢٠ .
(٢) انظر مثلاً كتاب الموضوعات لابن الجوزي: ١٣/٢، وتنزيه الشريعة المرفوعة:
١٣٤/١ .
(٣) أي قولهم : روى مناكير ، أو يروي المناكير ، أو في حديثه نكارة، قاله الشيخ
عبد الفتاح أبو غدة في تعليقه على كتاب الرفع والتكميل ص ٢٠٣ .
(٤) أخرجه البخاري ومسلم ، انظر : صحيح البخاري بشرح فتح الباري، كتاب بدء
الوحي، باب: كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله رَلو: ٩/١، حديث رقم (١) ،
وصحيح مسلم ، كتاب الإمارة، باب: قوله و18َ: (( إنما الأعمال بالنية ، وأنه يدخل فيه
الغزو وغيره من الأعمال: ١٥١٥/٣، حديث رقم (١٩٠٧).
(٥) فتح المغيث : ٣٤٧/١.
- ١٢٨ -

الراوي الثقة بُرَيْد بن عبد الله بن أبي بُرْدة ، حيث ذكر له حديثاً وقال : إنه أنكر
ما روى (١) ، قال السيوطي في هذا الشأن : ( وقع في عباراتهم : أنكر ما رواه
فلان كذا ، وإن لم يكن ذلك الحديث ضعيفاً ، وقال ابن عدي (٢) : أنكر ما
روي بُرَيْد بن عبد الله بن أبي بُرْدة: (( إذا أراد الله بأمة خيراً قبض نبيها
قبلها)) (٣) قال: وهذا طريق حسن ، رواته ثقات ، وقد أدخله قوم في
صحاحهم انتهى ، والحديث في صحيح مسلم (٤) ) (٥) .
وقال التهانوي : ( لا تغترَّ بقول الذهبي في الميزان ، وابن عدي في الكامل :
إن هذا الحديث من مناكير فلان ، أو من أنكر ما رواه ، ولا تحكم عليه بالضعف
بمجرد هذا القول ، لأنهم يريدون بذلك كونه متفرداً به فحسب .
قال الحافظ (٦) في مقدمة الفتح: من عادته - أي ابن عدي - أن يُخرجَ
الأحاديث التي أُنكِرت على الثقة أو على غير الثقة (٧)) (٨).
وجاء نحو هذا عن اللكنوي في كتابه الرفع والتكميل في الجرح والتعديل (٩).
٢ - تفرد الراوي الضعيف ، ومثاله : ما جاء في ترجمة بشار بن الحكم أبي بدر
الضبي ، حيث قال ابن عدي في أول ترجمته : ( منكر الحديث عن ثابت البناني
وغيره ... ثم قال في آخرها : ولبشار بن الحكم هذا غير ما ذكرت عن
(١) الكامل: ٤٩٦/٢ .
(٢) في الكامل : ٤٩٦/٢ .
(٣) أي ابن عدي .
(٤) صحيح مسلم ، كتاب الفضائل ، باب : إذا أراد الله تعالى رحمة أمة قبض نبيها
قبلها : ١٧٩١/٤، حديث رقم (٢٢٨٨) .
(٥) تدريب الراوي : ٢٤١/١ .
(٦) أي ابن حجر العسقلاني في كتابه هدي الساري .
(٧) هدي الساري ص ٤٢٩ .
(٨) قواعد في علوم الحديث ص ٢٧٤ .
(٩) الرفع والتكميل ص ٢١١ .
- ١٢٩ -
(م٩ - ابن عدي ومنهجه .. ج٢)

٠٠
ثابت وغيره مما لا يرويه غيره ، وأحاديثه عن ثابت إفرادات ، وأرجو أنه لا بأس
به ) (١) .
٣ - تضعيف الراوي بحسب كثرة ما يرويه من المناكير أو قلته ، فهو يقول مثلاً
في داود بن عطاء المزني : ( في حديثه بعض النكرة ) (٢) ، يشير إلى أنه ضعيف
ضعفاً يسيراً ، قال ابن حجر في ترجمته: ( ضعيف ) (٣).
وقال ابن عدي في ترجمة سُليم بن عثمان الفوزي الحمصي : ( روى عن
محمد بن زياد الألهاني مناكير ) (٤).
وقال عنه الذهبي في ميزانه : ( ليس بثقة ) (٥) ..
وهذا الراوي كثرت المناكير عنده ، فزاد ضعفه عند ابن عدي .
وأما الرواة الذين أصبحت النكارة صفة لازمة لهم فيضعفهم تضعيفاً شديداً قد
يصل إلى الاتهام بالوضع ، ومثال ذلك : ما جاء في ترجمة عَنْبَسة بن عبد الرحمن
ابن عَنْبَسة الأموي ، حيث قال عنه ابن عدي : ( منكر الحديث ) (٦) .
وقال ابن حجر عن الراوي نفسه: ( متروك ، رماه أبو حاتم بالوضع ) (٧)
٤ - رواية الحديث الموضوع أو اختلاقه ، ومثال ذلك : ما جاء في ترجمة علي
ابن قتيبة الرفاعي ، حيث قال ابن عدي في أول ترجمته: ( منكر الحديث ) (٨) ،
ثم أورد له حديثين من طريق مالك بن أنس ، وقال في آخر ترجمته :
(١) الكامل: ٤٥٦/٢، ومن الأمثلة في هذا الأمر ما جاء في هذين الموضعين من
الكامل : ٢٢٣٣/٦، ٢٧٠١/٧ .
(٢) الكامل : ٩٥٤/٣، ومن الأمثلة في هذا الأمر ما جاء في هذين الموضعين من
الكامل : ٢٨٥/١، ٢٣٧٢/٦ ٠
(٣) تقريب التهذيب ص ١٩٩ .
(٤) الكامل : ١١٦٤/٣ .
(٥) ميزان الاعتدال: ٢ / ٢٣٠.
(٦) الكامل : ١٩٠١/٥.
(٧) تقريب التهذيب ص ٤٣٣ .
(٨) الكامل : ١٨٥٠/٥.
- ١٣٠ -

( وهذه الأحاديث باطلة عن مالك ) (١).
وقد قال العقيلي في هذا الراوي : ( يحدث عن الثقات بالبواطيل وما لا أصل
له ) (٢) .
وقال ابن عدي في أول ترجمة صخر بن عبد الله الكوفي الحاجبي : ( يضع
الحديث ... حدث عن الثقات بالبواطيل ) (٣).
ثم قال في آخرها : ( عامة ما يرويه مناكير، ومن موضوعاته ) (٤).
وقد كَذَّب هذا الراوي كل من ابن طاهر ، وابن المديني ، والحاكم ،
والدارقطني، وأبي سعيد النقاش ، وأبي نعيم الأصبهاني ، والخليلي (٥).
(١) المصدر السابق نفسه : ٥/ ١٨٥٠.
(٢) الضعفاء الكبير: ٢٤٩/٣ .
(٣) الكامل : ٤ /١٤١٣.
(٤) المصدر السابق نفسه : ٤/ ١٤١٣.
(٥) انظر: ميزان الاعتدال: ٣٠٨/٢ - ٣٠٩، ولسان الميزان: ١٨٤/٣٠ - ١٨٥.
- ١٣١ -

المبحث الرابع
موقف ابن عدي من الجرح والتعديل
الْهَمَيْنِ والْمُفَسَّرِيْن
اختلف العلماء في قبول الجرح والتعديل المبْهَمَيْن والمفَسَّرين على خمسة أقوال
هي :
١ - يقبل التعديل من غير ذكر سببه ، لأن أسبابه كثيرة يصعب ذكرها ، ولا
يقبل الجرح إلا مفسراً مبين السبب ، لأنه لا يصعب ذكر سببه ، ولأن الناس
مختلفون في أسباب الجرح ، وهذا مذهب جمهور العلماء (١) ، وهو الصحيح
المشهور .
٢ - قبول الجرح غير مفسر ، ولا يقبل التعديل إلا بذكر سببه ، لأن أسباب
العدالة كثيرة يكثر التصنع فيها ، فيبني المعدل على الظاهر ، بخلاف أسباب
الجرح (٢).
٣ - لا يقبلان إلا مفسرين ، لأنه كما قد يجرح الجارح بما لا يقدح ، كذلك
قد يوثق المعدل بما لا يقتضي العدالة (٣).
٤ - لا يجب ذكر السبب في واحد منهما ، إذا كان الجارح والمعدل عالمين
بأسباب الجرح والتعديل (٤)
٥ - يقبل الجرح المبهم في حق من خلا عن التعديل ، لأنه لما خلا عن
التعديل صار في حيز المجهول ، وإعمال قول المجرح أولى من إهماله في حق
هذا المجهول ، وأما في حقٍ من وثقِ وعُدِّل ، فلا يقبل الجرح المبهم ، وهذا
المذهب اختاره ابن حجر (٥)
(١) انظر : الكفاية ص ١٦٥، وعلوم الحديث ص ٩٦ .
(٢) انظر: الكفاية ص ١٦٥، وتدريب الراوي: ٣٠٧/١.
(٣) انظر: شرح ألفية العراقي: ٣:٣/١، وتدريب الراوي: ٣٠٧/١!
(٤) انظر: الكفاية ص ١٧٨، وفتح المغيث: ٢٨٢/١ ..
(٥) انظر: نزهة النظر ص ٧٣، وتدريب الراوي: ٣٠٨/١.
- ١٣٢ -

ولما كان كتاب الكامل في ضعفاء الرجال من كتب الجرح والتعديل ، استعمل
مؤلفه ابن عدي فيه ألفاظاً للتعديل وألفاظاً للجرح ، كان بعضها مبهماً وبعضها
مفسراً ، وفيما يلي - إن شاء الله - تفصيل هذا الأمر على ضوء ما قدمت من
مذاهب العلماء في المسألة :
أولاً : التعديل :
سار ابن عدي على مذهب جمهور العلماء في استعمالهم التعديل المبهم ،
فاستعمله وأكثر منه ، فهو يقول مثلاً في إبراهيم بن سعد بن إبراهيم الزهري :
( وهو من ثقات المسلمين ) (١).
ولم يذكر سبب تعديله له .
وأحياناً يفسر ابن عدي تعديله للرواة ، ومن أنواع هذا التفسير :
(أ) سبر أحاديث الراوي وتفتيشها ، ومثاله : ما جاء في ترجمة محمد بن
إسحاق بن يسار المدني ، حيث قال ابن عدي : ( وقد فتشت أحاديثه الكثيرة ،
فلم أجد في أحاديثه ما يتهيأ أن يقطع عليه بالضعف ، وربما أخطأ أو وهم في
الشيء بعد الشيء ، كما يخطيء غيره ، ولم يتخلف في الرواية عنه الثقات
والأئمة ، وهو لا بأس به ) (٢) .
وهذا النوع من التفسير أكثر منه ابن عدي ، ليس في التعديل فحسب ، بل
في الجرح أيضاً - وسيأتى مثاله قريباً (٣) - إن شاء الله.
(ب) ثبوت صدق المحدث وحفظه ، ومثال ذلك : ما جاء في ترجمة سهيل بن
أبي صالح ، حيث بين ابن عدي أن لسهيل أحاديث سمعها من أبيه أبي صالح
ذكوان السمَّان المدني ، دون واسطة ، وأنه سمع بعض الأحاديث منه بواسطة ،
فبين ذلك ، رغم أنه كان يمكن أن ينسبها لأبيه فيكون إسناده فيها عالياً ، فدل هذا
الفعل على عدالته وضبطه ، قال ابن عدي : ( وحدث سهيل عن جماعة ، عن
(١) الكامل : ٢٤٩/١ .
(٢) الكامل : ٢١٢٥/٦ .
(٣) انظر: ١٣٤/٢ - ١٣٦ من هذه الرسالة.
- ١٣٣ -

أبيه ، وهذا يدل على ثقة الرجل ، حدث سهيل عن سُمَيّ عن أبي صالح ،
وحدث سهيل عن الأعمش عن أبي صالح ، وحدث سهيل عن عبد الله بن
مِقْسَم عن أبي صالح ، وهذا يدلك على تمييز الرجل بين ما سمع من أبيه ، ليس
بينه وبين أبيه أحد ، وبين ما سمع من سُمَيّ والأعمش وغيرهما من الأئمة ،
وسهيل عندي مقبول الأخبار ثبت لا بأس به ) (١) .
( جـ) رواية من لا يروى إلا عن عدل عن الراوي ، ومثال ذلك : ما جاء في
ترجمة عمرو بن أبي عمرو المخزومي ، حيث بين ابن عدي أن من أسباب تعديله
له رواية الإمام مالك بن أنس عنه ، والإمام مالك لا يروي إلا عن عدل ، فدلت
روايته عنه على تعديله .
قال ابن عدي في ترجمة عمرو : ( وعمرو بن أبي عمرو له أحاديث عن أنس
غير ما ذكرت ، وروي عنه مالك ، وهو عندي لا بأس به ، لأن مالكاً لا يروي
إلا عن ثقة أو صدوق ) (٢) .
ثانياً : الجرح :
تبع ابن عدي مذهب الجمهور في بيان سبب جرح الرواة ، وعمل به في كامله ،
حتى لا تكاد تجد فيه جرحاً مبهماً ، وفيما يلي - إن شاء الله - بعض أنواع
تفسيره للجرح :
( أ) الضعف بسبب غفلة الراوي وعدم تيقظه ، ومثال ذلك : ما جاء في
ترجمة سعد بن سعيد الجرجاني ، حيث قال ابن عدي : ( ولسعد غير ما ذكرت
من الحديث غرائب وأفراد غريبه ، تروى عنه ، وكان رجلاً صالحاً ، ولم تؤت
أحاديثه التي لم يتابع عليها من تعمد منه فيها ، أو ضعف في نفسه ورواياته ، إلا
لغفلة كانت تدخل عليه، وهكذا الصالحون) (٣).
( ب ) الضعف بسبب وصل الأحاديث المرسلة ، ومثال ذلك : ما أورده ابن
(١) الكامل: ١٢٨٧/٣ ..
(٢) الكامل : ١٧٦٩/٥.
(٣) الكامل: ١١٩٥/٣، وفيه: (وهكذا الصالحين ).
- ١٣٤ -

عدي في ترجمة إبراهيم بن الحكم بن أبان الصنعاني ، حيث بين أن هذا الراوي
كانت له أحاديث عن أبيه ، عن عكرمة، عن النبي ◌ٍَّ ، أي أنها مرسلة ، ثم
ما لبث أن حدث بها عن ابن عباس وأبي هريرة - أي أنه وصلها - قال ابن عدي
عنه : ( ولإبراهيم بن الحكم غير هذه الأحاديث عن أبيه ، وبلاؤه ما ذكروه أنه
كان يوصل المراسيل عن أبيه ) (١) .
( جـ) الضعف بسبب الاضطراب ، ومثال ذلك : ما جاء في ترجمة عبد الله
ابن عيسى الخزاز البصري ، حيث أورد له ابن عدي حديثاً اضطرب في سنده ،
قال ابن عدي : ( وعبد الله بن عيسى له غير ما ذكرت من الحديث ، وهو
مضطرب الحديث ، وأحاديثه إفرادات كلها ، وتختلف عليه لاختلافه في رواياته ،
ألا ترى أنه قال مرة : عن يونس ، عن الحسن ، عن أبي بكرة . وقال مرة :
عن داود ابن أبي هند ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ) (٢).
( د) الضعف بسبب رواية الراوي عمن لم يدركه ، ومثاله : قول ابن عدي
في ترجمة أحمد بن عبد الجبار العطاردي : ( ولا يعرف له حديث منكر رواه ،
وإنما ضعفوه لأنه لم يلق من يحدث عنهم ) (٣).
(هـ) الضعف بسبب أخذ الحديث من الكتب وادعاء سماعها ، ومثاله : ما
ذكره ابن عدي في ترجمة أحمد بن محمد بن صاعد أخي يحيى بن محمد بن
صاعد ، حيث قال : ( وما رأيت في الكذابين أقلَّ حياء منه ، وکان ينزل عند
أصحاب الكتب يحمل من عندهم رزماً ، فيحدث بما فيها ، وباسم من كتب
الكتاب باسمه ) (٤).
( و) الضعف بسبب ثبوت الكذب ، وذلك مثل ما ذكره ابن عدي في ترجمة
سهيل بن ذكوان الواسطي ، من أنه حدث عن عائشة - رضي الله عنها - وعن
إبراهيم النخعي ، فلما سئل عن وصفهما قال : إن عائشة - رضي الله عنها -
(١) الكامل : ٢٤٢/١.
(٢) الكامل: ١٥٦٦/٤، ولقد نفى الخطيب في تاريخه (٢٦٥/٤) هذا الأمر.
(٣) الكامل : ١٩٤/١.
(٤) الكامل : ٢٠٢/١.
- ١٣٥ -

كانت سوداء ، وإن إبراهيم كان كبير العينين، والثابت أن عائشة كانت بيضاء (١)
وإبراهيم كان أعور (٢)، قال ابن عدي في هذا الشأن : ( ليس له كثير حديث ،
وإنما لم يعتبر الناس بكذبه في كثرة رواياته ، لأنه كان قليل الرواية ، وإما تبينوا
كذبه بمثل ما بينا ، أن عائشة كانت سوداء ، وأن إبراهيم النخعي كان كبير العينين ،
وعائشة كانت بيضاء ، وإبراهيم النخعي أعور ) (٣).
(ز) الضعف بسبب إكثار الراوي من الأحاديث التي لا يرويها الحفاظ ، ومثال
ذلك : قول ابن عدي في ترجمة مروان بن سالم الجزري : ( عامة حديثه مما لا
يتابعه الثقات عليه ) (٤).
ومعلوم أن الناقد لا يستطيع أن يقول ما قال ابن عدي ، إلا بعد سبر أحاديث
الراوي وتفتيشها ومقارنتها بأحاديث غيره .
ويمكن أن يعد من الجرح المفسر ما سبق ذكره في تضعيفه لأنواع من
المجاهيل (٥) ، والمبتدعة (٦) ، ورواة المناكير من الأحاديث (٧).
(١) انظر: سير أعلام النبلاء: ٢ / ١٤٠.
(٢) انظر : سير أعلام النبلاء : ٤/ ٥٢٢.
(٣) الكامل: ٠١٢٨٥/٣.
(٤) الكامل : ٢٣٨١/٦ .
(٥) انظر: ١٢٣/٢ - ١٢٤ من هذه الرسالة .
(٦) انظر: ١١٧/٢ - ١١٩ من هذه الرسالة.
(٧) انظر: ١٢٩/٢ - ١\١٣ من هذه الرسالة.
- ١٣٦ -

الفصل الثاني
مراتب الجرح والتعديل وحكمها عند ابن عدي
لقد صدرت عن أوائل النقاد عبارات في جرح وتعديل الرواة ، وكانت تلك
الأقوال متفقة أو متشابهة أحياناً ممن وقعت منهم ، وكانت أحياناً مختلفة ، وذلك
بحسب اجتهاداتهم وآرائهم في الحكم على الرجال ، ثم جاء المتأخرون فجمعوا
تلك الأقوال والعبارات في قواعد كلية أو أغلبية ، ونسقت في مراتب للتعديل ،
ومراتب للتجريح ، وبينوا حكم كل مرتبة منها ، إلا أن هذا التنظيم لم يكن
محل اجتماع منهم ، لأنه كان اجتهادياً كذلك ، فوقع فيه اختلاف يسير .
ومن هؤلاء العلماء النقاد : ابن عدي الجرجاني ، فقد صدرت عنه ألفاظ في
جرح وتعديل الرواة ، وذلك في كتابه الكامل ، إلا أنه لم ينص عليها في مقدمة
الكتاب ، كما أنه لم يذكر مراتبها وحكمها عنده ، لذلك أردت أن أجمعها في
هذا الفصل ، ثم أرتبها بضم المتشابه إلى مثله ، ثم أبين حكمها موازنة بما عند
العلماء ، وجعلت هذا الفصل مبحثين :
المبحث الأول : ألفاظ النقد وحكمها عند العلماء .
المبحث الثاني : ألفاظ النقد وحكمها عند ابن عدي .
- ١٣٧ -

المبحث الأول
ألفاظ النقد وحكمها عند العلماء
كان أول من رتب ألفاظ الجرح والتعديل ، وذكر مراتب الرواة : الحافظ أبو
محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي ، وذلك في كتابه الجرح والتعديل ،
فجعل كلا من ألفاظ الجرح والتعديل أربع مراتب (١) ، وتبعه في ذلك التقسيم
الخطيب البغدادي ، فقد نقله في كتابه الكفاية في علم الرواية ، وارتضاه (٢) ،
كما أن الإمام ابن الصلاح استحسنها ومشى عليها ، وذلك في كتابه علوم
الحديث ، وزاد عليها بعض الألفاظ التي لم يذكرها ابن أبي حاتم الرازي ، إلا
أنه لم يبين منزلتها من مراتب الجرح والتعديل (٣).
وجاء بعده الإمام النووي ، فسار على الأمر نفسه في مختصريه (٤) ، ثم تلاه
الحافظ الذهبي ، فأبقى مراتب التعديل على ما هي عليه - أي أربع مراتب -
وجعل مراتب الجرح خمساً (٥) ، وزاد العراقي مرتبة على مراتب التعديل ،
فصارت خمساً (٦) ، وكذا فعل ابن حجر العسقلاني ، فقد جعل كلا من
المراتب ستاً (٧)، واجتهد السخاوي (٨)، والسيوطي (٩) في ذكر بعض ألفاظ
الجرح والتعديل التي لم يذكرها المتقدمون ، وفي جمع وتنسيق كلام السابقين ،
ومراتب الجرح والتعديل عندهما ست ، وفيما يلي - إن شاء الله تعالى - ألفاظ
النقد وحكمها عند العلماء عامة دون تخصيص إمام معين .
(١) كتاب الجرح والتعديل: ٦/١ - ١٠/١،٧، ٣٧/٢.
(٢) الكفاية في علم الرواية ص ٥٩ .
(٣) علوم الحديث ص ١٠٩ - ١١٠ .
(٤) كتاب إرشاد طلاب الحقائق: ٣٢٠/١، والتقريب والتيسير ص ٤٩.
(٥) ميزان الاعتدال : ٤/١.
(٦) التبصرة والتذكرة: ٣/٢.
(٧) نزهة النظر ص ٦٩، وتقريب التهذيب ص ٧٤ .
(٨) فتح المغيث : ٣٣٥/١.
(٩) تدريب الراوي : ٣٤١/١.
- ١٣٩ -

ألفاظ التعديل ودرجاتها
الأولى :
( وهي أرفع الدرجات ) الوصف بما دل على المبالغة في التوثيق ، أو كان
على وزن أفْعَل ، مثال ذلك : فلان إليه المنتهى في التثبت ، أو لا أعرف له نظيراً.
في الدنيا ، أو لا أحد أثبت منه ، أو مَنْ مثل فلان ؟ أو فلان لا يسأل عنه ، أو
فلان إمام الدنيا ، أو مثل فلان يسأل عنه ؟ أو فلان أوثق الناس ، أو فلان أوثق
من أدركت من البشر ، أو أثبت الناس ، أو أوثق الخلق .
الثانية :
ما تأكد بصفة أو صفتين من الصفات الدالة على التوثيق ، وذلك مثل : ثقة
ثقة ، أو ثبت ثبت ، أو ثبت حجة ، أو ثقة متقن ، أو ثقة ثبت ، أو ثقة مأمون،
أو ثقة حافظ .
الثالثة :
ما دل على التوثيق من غير تأكيد ، مثل : ثقة ، أو حجة ، أو ثبت، أو
إمام ، أو عدل حافظ ، أو عدل ضابط ، أو فلان المصحف ، أو فلان الميزان ،
أو جهبذ .
الرابعة :
ما دل على التعديل دون إشعار بالضبط ، مثل : فلان صدوق ، أو لا بأس به ،
أو مأمون ، أو ليس به بأس ، أو صدوق ربما أخطأ ، أو خير ، أو خيار ، أو
خيار الناس ، أو خيار الخلق .
الخامسة :
ما ليس فيه دلالة على التوثيق أو التجريح ، مثل : فلان محله الصدق ، أو
فلان شيخ ، أو روى عنه الناس ، أو إلى الصدق ما هو ، أو وسط ، أو شيخ
وسط ، أو حَسَنُ الحديث ، أو جيد الحديث ، أو رووا عنه ، أو أرجو أن لا
بأس به ، أو ما أعلم به بأساً ..
- ١٤٠ -