النص المفهرس

صفحات 81-100

٨١
باب القول في زيادة الإيمان ونقصانه وتفاضل أهل الإيمان في إيمانهم
﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّب وَالعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ) [فاطر: ١٠]
قال الإِمام الحافظ أبو بكر البيهقي رحمه الله :
وقد روينا أيضاً قولنا في الإِيمان عن محمد بن الحنفية، وعطاء بن أبي
رباح، والحسن، وابن سيرين، وعبيد بن عمير، ووهب بن منبه، وحبيب بن
أبي ثابت، وغيرهم من أئمة المسلمين: الأوزاعي، ومالك، وسفيان بن عيينة،
والفضيل بن عياض، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن إبراهيم
الحنظلي، ومحمد بن إسماعيل البخاري وغيرهم رحمهم الله .
٦٧ - أخبرنا أبو سعيد بن أبي عمرو، أنبا أبو العباس الأصم ، أنبا الربيع
قال : قال الشافعي رحمه الله تعالى: في مسألة ذكرها في كتاب السير:
((الصَّلاةُ من الإِيمَانِ)).
وقال :
في التَّسْمِيةِ على الذُّبِيحَة والصَّلاةِ على النَّبِيِ وَلّى:
ولا أكرَهُ مع تسميته على الذَّبيحة أن يقول: صلى الله على رسولهِ، بل
أُحِبّهُ له، لَأَنَّ ذِكر الله والصَّلاة على رسول الله إيمانٌ بالله، وعبادةٌ له، يُؤجر عليها
إن شاء الله تعالى منْ قالها.
وروينا عن يوسف بن عبد الأحد عن الربيع بن سليمان قال سمعت
الشافعي يقول:
((الإِيمان قَولُ وَّ عملٌ، يزيد ويُنْقص)).
٦٨ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثني الزبير بن عبد الواحد، حدثني
يوسف ... فذكره.
٦٧ - أبو سعيد بن أبي عمرو هو محمد بن موسى بن الفضل الصيرفي (ت ٤٢١)، والربيع: هو ابن
سليمان بن عبد الجبار المرادي .
٦٨ - الزبير بن عبد الواحد بن محمد الأسدأباذي أبو عبد الله (ت ٣٤٧) (سير ١٥ /٥٧٠).
ولينظر من هو يوسف بن عبد الأحد.

٨٢
باب القول في زقادة الإِيمان ونقصانه وتفاضل أهل الإيمان في إيمانهم
٦٩ - أخبرنا أبو الحسين بن بشران أنبا أبو علي الحسين بن صفوان، أنبا
عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا ثنا إبراهيم بن سعيد ثنا عبد الصمد بن النعمان
ثنا هارون البربري عن عبد الله بن عبيد بن عمير قال:
((الإِيمانُ قائدٌ، والعَملُ سائقٌ، والنَّفْسُ حَرُونُ فإذَا وَنَى قائدُها، لم تَستَقِمْ
لِسائقها، وإذا وَنَى سائقها لم تَسْتَقِمْ لقائدها. ولا يَصْلحُ هذا إلا مع هذا حتى
تُقدِّم على الخير الإِيمان بالله مع العَمَل لله، والعَمَل لله مع الإِيمان بالله .
تابعه قبيصة بن عقبة عن هارون .
٧٠ - أخبرنا أبو الحسين بن بشران أنبا إسماعيل بن محمد الصفَّار ثنا
محمد بن إسحاق الصَّغاني ثنا يعلى بن عبيد ثنا أبو سنان، عن الضحاك في
قوله تعالى :
﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّب، وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠].
قال: العمل الصالح يرفع الكلام الطيب.
٠
٦٩ - لينظر من هو أبو علي الحسين بن صفوان، وعبد الصمد بن النعمان، أما إبراهيم بن سعيد فهو
الجوهري، وعبد الله هو ابن محمد بن عبيد بن أبي الدنيا .
والحديث أخرجه ابن أبي الدنيا في محاسبة النفس (٨٦) ومن طريقه أخرجه المصنف.
٧٠ - الضحاك هو: ابن مزاحم الهلالي، وأبو سنان هو: سعيد بن سنان الشيباني الأصغر والحديث
عزاه السيوطي في الدر المنثور (٢٤٦/٥) لابن المبارك وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن
المنذر وابن أبي حاتم عن الضحاك به.

٨٣
باب الاستثناء في الإِيمان
باب الاستثناء في الإِيمان.
٧١ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنبا أبو العباس محمد بن أحمد بن
محبوب، ثنا سعيد بن مسعود، ثنا عبيد الله بن موسى أنبا شعبة، عن سلمة بن
كهيل، عن إبراهيم، عن علقمة، قال: قال رجلٌ عن عبد الله بن مسعود:
(أَنا مُؤمِنٌ)).
قال :
((قُلْ إِنِّي فِي الجَنَّةِ! وَلكِنَّا نَقُولُ: آمَنَّا بالله وَ ملائِكته وَ كُتُبِهِ وَرُسُله)).
٧٢ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني محمد بن عليّ بن دُحيم
الشَّيباني ثنا إبراهيم بن إسحاق الزُّهري ثنا عبيد الله بن موسى ثنا إسرائيل، عن
منصور، عن إبراهيم، قال: قال رجُلٌ لعلقمة :
((أمُؤْمِنٌ أَنْتَ؟.
قال: أَرْجُو إِنْ شَاءَ الله)).
وقد رَوينا هذا عن جَماعَةٍ من الصَّحابة والتابعينَ والسَّلف الصَّالِحِ رضي
الله تعالی عنهم أجمعين.
ورَوينا عن معاذ بن جبل رضي الله عنه انه خَطَبَهُمْ فقال:
((أَنْتُمُ الْمُؤمِنُونَ، أَنْتُم أهلُ الجَنَّةِ، والله إِنِّي لَأَطْمَعُ أنْ يَكُونَ عامَّةُ مَنْ
تُصِيبُونَ مِنْ أَهلِ فَارس وَالرُّوم في الجَنَّة، لأنَّ أَحَدَهُم يَعمَلُ لكُم العَمَلَ
٧١ - أبو العباس محمد بن أحمد بن محبوب المحبوبي (ت ٣٤٦) (الوافي ٤١/٢، شذرات
٣٧٣/٢).
والحديث أخرجه ابن أبي شيبة في الإِيمان (٢٢) عن غندر عن شعبة به.
وقال الألباني موقوف صحيح الإسناد، وأخرجه عبد الرزاق (٢٠١٠٦) عن معمر عن الأعمش عن
شقيق به بنحوه .
٧٢ - محمد بن علي بن دحيم الشيباني هو أبو جعفر الكوفي سبق (٤)، وإبراهيم بن إسحاق الزهري .

٨٤
باب الاستثناء في الإِيمان
فتقول: أحسَنْتَ، رَحِمَكَ الله! أحسَنتَ، بارك الله فيك! والله يَقولُ)):
﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ﴾
[الشورى: ٢٦].
٧٣ - أخبرنا أبو محمد المُؤمّلي ، أنبا أبو عثمان البصري، ثنا محمد بن
عبد الوهاب نا يعلى بن عبيد ثنا الأعمش ، عن شقيق، عن سلمة بن سَبرة،
قال :
((خَطَبَنا مُعاذ ... فَذَكَره)).
وفي هذا انه يُخاطبُ الجماعة بذلك، ولم يُعينٌ بهِ شخصاً، وقد رجع في
آخرِ الحديث إلى الاستثناء في دخول الجنّة فقال: ((إِنّي لَأَطمَعُ)).
٧٤ - وأخبرنا أبو عبدالله بن عبدالله السَّديري، أنبا أبو حامد
الخُسْرِ وجَرْدي، ثنا داود بن الحسين الخسروجردي ثنا حُمَيد بن زَنْجَوَيه ثنا أبو
شيخ الحرّاني ثنا محمّد بن سلمة، عن محمّد بن إسحاق، عن سعيد بن يسار،
قال :
(بَلَغِ عُمر بن الخطّاب رضي الله عنه أنَّ رجُلا يَزْعُمُ النَّه مُؤمِنٌ فكتب إلى
أميره أن ابعَثْه إليَّ. فلمّا قَدِمَ عليه، قال: أنتَ الَّذي تَزِعُمُ أنَّك مؤمنٌ؟ .
قال: نعم، والله يا أمير المؤمنين!
قال: وَيْحَكَ! وممَّ ذاك؟ .
قال: أولم تكُونُوا مع رسول الله وَّ أصنافاً: مُشرِكٌ، ومُنافِقٌ، وَ مُؤْمِنٌ.
فمِن أيِّهم كُنْتَ؟.
قال : فَمَدَّ عُمَرُ يدَه إليه معرفة لما قال حتى أخذ بيده.
٧٣ - أبو محمد الموصلي هو الحسن بن علي بن المؤمل بن الحسن بن عيسى.
أبو عثمان البصري هو عمرو بن عبيد الله، ولينظر من هو محمد بن عبد الوهاب ،
وسلمة بن سبرة (الجرح ١٦٢/٤)، وشقيق هو ابن وائل.
والحديث أخرجه ابن أبي شيبة في الإِيمان (٣٣) عن عبدالله بن إدريس عن الأعمش به.
وقال الألباني في سنده جهالة، سلمة بن سبرة أورده ابن أبي حاتم في الجرح (١٦٢/١/٢)
برواية شقيق فقط عنه وكذا أورده ابن حبان في الثقات (٧٣/١).
٧٤ - محمد بن إسحاق هو: ابن يسار المطلبي، ومحمد بن سلمة هو ابن عبدالله الحراني ..
/

٨٥
باب الاستثناء في الإِيمان
٧٥ - وبإسناده حدثنا حُمَيد بن زَنْجَوَيْه، ثنا هشام بن عمار، ثنا صدقة بن
خالد، ثنا عثمان بن الأسود. قال: قلتُ لِعطاء بن أبي رباح: الرجُلُ يقُولُ: لا
أدري أمؤمنٌ أنا أم لا؟ قال: سبحان الله! قال الله تعالى:
(الَّذِينَ يُؤْمِنُوْنَ بِالْغَيْبِ) [البقرة: ٣].
فهو الغيبُ فمن آمنَ بالغيبِ، فهو مُؤْمِنٌ بالله .
قال الإِمام الحافظ أبو بكر البيهقي - رحمه الله - فهذا الذي رَوَينا من
إطلاق مُعاذ، وما رُوي مُرُسلًا من تصويب عمر، وقول عطاء في تسمية مَن آمنَ
بالله وبرسوله، بالمؤمنِ يرجِعُ إلى الحال.
قال الحليمي - رحمه الله تعالی ۔:
لا ينبغي لِلمُؤمنِ أن يَمْتِنعَ منِ تَسمِيَةِ نفسِه مؤمِناً في الحال لأجل ما يخشاه
من سوء العاقبة - نعوذ بالله منه - لأنّ ذلك وإن وقع وحَبطَ ما قدَّم من إيمانه،
فليس ينقلب الموجود منه معدوماً من أصله وإنّما يحبط أجرُه، ويبطلُ ثوابُه.
وبسط الكلام في شرح ذلك.
وأما من أنكر من السلف إطلاق اسم الإِيمان، فالموضع الذي يليق به ما
قال: ان يقول الواحد: أنا مؤمنٌ، وأعيش مؤمناً، وأموت مؤمناً، وألقى الله
مؤمناً، ولا يستثني كان. ولذلك قال ابن مسعود: قُلِ إنّي في الجَنَّة. لَأَنَّ مَن
ماتَ مؤمناً ، كان في الجَنّة ، وليس كلُّ من كان مؤمناً ساعة من عُمُرِه أو يوماً أو
سنةً ، كان في الجَنَّة ، فعلمنا أن عبدالله إنّما قال هذا لمن اتَّكلَ على إِيمانه ،
فَقَطَّعَ بأنّه مؤمنٌ مطلقٌ في عامّة أحواله وأوقاته ، فلا يعيش إلّ مؤمناً ، ولا
يموتُ إلّ مؤمناً، ولم يَكِلْ أمرَه إلى الله عَزّ وجلّ .
فأما قول المؤمن: أنا الآن مؤمنٌ فليس مِمّا يُنكَرِ، وإنّما يصحُّ الاستثناء إذا
كان الخبر عن المستقبل خاصةً، فيكون المعنى أرجو أن يمنّ عليَّ بالتثبت ولا
يسلبني هدايته بعد أن آتانيها .
قال: وللاستثناء موضعٌ آخر يصحُّ فيه ويحسن، وهو أن يُردّ على كمال
الإِيمان لا على أصله وأسِّه، كما روي أن رجلاً سأل قتادة: أمؤمنٌ أنتَ؟ فقال:

٨٦
-_
باب الاستثناء في الإِيمان
أما أنا فأؤمن بالله، وملائكته، وبكتبه، وبرسله، وبالبعث بعد الموت، وبالقدر
خيره وشرِّه أما الصفة التي ذكرها الله عزّ وجلّ :
(إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ الله وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ... ) قرأ الآيات إلى
قوله - (أَوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً، لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ)
[الأنفال: ٢ - ٤].
فلا أدري أنا منهم أو لا .
فقد أبَانَ قتادةُ أنه قد آمنَ الإِيمانَ الذي يُبْعدُه عن الكفر، ولكنه لا يدري
استكمل الأوصاف التى حكى الله تعالى بها قوماً من المؤمنين، فأوجبَ لهم بها
المغفرةَ والدرجاتِ وكان ذلك مشككاً منه في الاستكمال الذي يوجبُ له
الدرجات، لا في مجانية الكفر الذي يسقط عنه العذاب فمن وضع الاستثناء في
أحد هذين الموضعين فليس من الشكاك.
قال: الحافظ أبو بكر البيهقى - رحمه الله :
وقد روينا معنى هذا عن الحسن البصري .
٧٦ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثني أبو أحمد الحافظ، ثنا أبو
العباس محمد بن شاذان الهاشمي، ثنا أحمد بن نصر المقري الزاهد ثنا
عبد الله بن عبد الجبار الحمصي، ثنا بقية بن الوليد عن تمام بن نجيح قال:
سأل رجل الحسن البصري عن الإِيمان فقال:
((الإِيمانُ إيمانان، فإن كنتَ تسألُني عن الإِيمانِ بالله، وملائكتهِ، وكتبه،
ورُسُله، والجنَّة، والنار، والبعث، والحساب، فأنا مُؤْمنُ)).
وإن كنتَ تسألُني عن قول الله عز وجل :
(إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ الله وَجِلَتْ قُلُوبُهُم ... ) الآيات، قرأ إلى
(أولئكَ هُم المُؤْمِنُونَ حَقّاً﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
فوالله ما أدري أنا منهم أوْ لا .
٧٦ - محمد بن شاذان الهاشمي أبو العباس (سير ١٤ / ٢٦٢)، وأحمد بن نصر هو ابن زياد
القرشي .
1
:
!

٨٧
باب الاستثناء في الإِيمان
٧٧ - أخبرنا أبو منصور الفقيه، أنبا أبو أحمد بن إسحاق الحافظ، قال
سمعت أبا العباس الثقفي يقول: سمعت قتيبة بن سعيد يقول:
((هذا قول الأئمة المأخوذ في الإِسلام والسنة بقولهم فذكر الحكاية ...
قال :
((والإِيمانُ يَتَفاضَلُ، والإِيمانُ قولٌ وعملٌ ونِيَّةٌ. والصلاةُ من الإِيمان،
والزكاةُ من الإِيمانِ، والحجُّ من الإِيمانِ وإماطةُ الأذى عن الطَّريقِ منَ
الإيمانِ)).
ونقول: ((النَّاسُ عندَنَا مُؤمنون بالاسم الذي سمَّاهم الله في الإِقرار
والحدودِ والمواريثِ، ولا نقولُ: حقّاً، ولا نقولُ: عند الله، ولا نقول: كإيمانِ
جبريلَ وميكائيلَ، فإن إيمانهما متقبَّلٌ)).
قال: الإِمام الحافظ البيهقي - رحمه الله :
وروینا عن وکیع انه قال:
کان سفيان الثوري يقول:
أنا مؤمنٌ، وأهل القبلة كلُّهم مؤمنونَ في النكاح والدية والمواريث. ولا
يقولُ: أنا مؤمنٌ عند الله عزَّ وجلَّ. والمرادُ بهذا - والله أعلمُ ـ انَّ الله عز وجل
يعلَمُ إلى ما يصيرُ أمرُه في المستقبل وهو لا يعلمُ، فَيَكِلُ الأمر فيما لا يعلمُ إلى
عالِمه، ويُخْبر عما هو عليه في الحال - وبالله تعالى التوفيق.
٧٧ - محمد بن إسحاق الثقفي السراج أبو العباس خط (٢٤٨/١).

٨٨
-
باب ألفاظ الإِيمان
باب ألفاظ الإِيمان.
قال الله عزّ وجلّ :
(وَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لَأَبِيْهِ وَ قَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ، إِلَّ الَّذِي فَطَرَنِي
فَإِنَّهُ سَيَهْدِينٍ، وَجَعَلَهَا كَلِمَةٌ بَاقِيَةً فِي عَقِهِ ... ) [الزخرف: ٢٦ -٢٧] الآية.
قيل: وهي قول لا إله إلا الله.
وروينا عن النبي ◌َّ انه قال:
(أُمرتُ أن أُقاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلهَ إِلَّ الله، فإِذَا قَالُوهَا، عَصَموا
مِنِّي دِمَاءُهُم وَأَمْوالَهُمْ إلا بِحَقُّهَا. وَحِسَابهم على الله عزَّ وجلَّ)).
٧٨ - أخبرنا أبو طاهر الفقيه، أنبا حاجب بن أحمد الطوسي، ثنا
عبد الرحيم بن مُنيب ثنا جرير بن عبد الحميد، أنبا سهيل بن أبي صالح عن أبيه
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَلٍّ:
(لَُّعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَدَاً رَجُلًا يُحِبُّ الله وَ رَسُولَهُ يَفْتَحُ الله عَلَيْهِ)).
قال سهيل: ((أحسبه خَیبر)» .
- قال عمر: ((فَمَا أَحْبَبْتُ الإِمَارةَ قَطُّ حَتَّى يَوْمَئِذٍ فَدَعا عَلَيّاً فَبَعَثُهُ)).
ثم قال: ((أَذْهَبْ فقَاتِلْ حَتَّى يَفْتَحِ الله عَليكَ ولا تَلتَفِتْ)).
قال عليّ رضي الله عنه:
(عَلَى مَاذَا أُقَاتِلُ النَّاسَ؟
قال: ((قَاتِلْهُم حتى يَشهدُوا أن لا إلهَ إلا الله، وأنَّ محمداً عَبْدُهُ ورسولُهُ.
فإِذَا فَعَلُوا ذلك فقد (عصموا منكم)(١) دِمَاءَهُم وَأموالهمْ إلّ بحقِّها، وحسابهُمْ
عَلَى الله عزَّ وجلَّ .
٧٨ - أخرجه مسلم (ص ١٨٧١) عن قتيبة بن سعيد عن يعقوب بن عبد الرحمن القاري عن سهيل
به.
.(١) في صحيح مسلم (منعوا منك) .

٨٩
باب ألفاظ الإِيمان
أخرجه مسلم في الصحيح من وجه آخر عن سهيل.
٧٩ - وفيما أنبأني أبو عبد الله الحافظ إجازة أنبا أبو العباس الأصم أنبا
الربيع قال: قال الشافعي - رحمه الله تعالى -:
((الإِقرارُ بالإِيمان وجهانٍ فمنْ كان من أهلِ الأوثانٍ، ومن لا دينَ لهُ يدَّعي
أنَّهَ دينُ نُبْوة، فإذا شَهدَ أنْ لا إلهَ إلّ الله، وأنَّ محمداً عبدُهُ ورسوله، فقدْ أقرَّ
بالإِيمان، ومتى رَجَعَ عنه قُتلَ، ومن كانَ عَلى دينٍ اليهودية والنَّصرانية، فهولاء
يَدَّعُون دينَ مُوسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام، وقد بدَّلُوا منه، وقد أُخذَ
عليهم فيه الإِيمان بمحمّد رسول الله وَّرَ، فكفروا بتركِ الإِيمَان به، واتباع دينه
مَعَ ما كفُرُوا به من الكذب على الله قَبلَه، فقد قيل لي إنَّ فيهمْ مَنْ هو مقيمٌ على
دينه يشهدُ أن لا إله إلّ الله، ويشهدُ أنَّ محمداً رسول الله، ويقولُ لم يُبْعَثْ
إلينا. فإن كانَ فيهم أحدٌ هكذا فقال أحدٌ منهم: أشْهدُ أنْ لا إلهَ إلّ الله، وأنَّ
محمداً رسول الله، لم يكن هذا مستَكْمل الإِقرَارِ بالإِيمان حتى يقُولَ: وإنَّ دينَ
محمدٍ حقٌّ أو فرضٌ، وأبرأ مما خالفَ دينَ محمد وٍَّ أو دينَ الإِسلام. فإذا قالَ
هذا، فقدِ اسْتَكْمَلَ الإِقَرَارَ بالإِيمان)). وبسَطَ الكلامَ فيه.
وعلى قياس هذا فكل من تَلَفَّظَ بكلامٍ محتملٍ لم يكن ذلك منه صريح
إقرارٍ بالإِيمان حتى يأتي بما يُخرجُه عن حَدِّ الاحتمال.
وقد بسط الحليمي - رحمه الله تعالى - الكلام في شرحه.
وقد ينعقد الإِيمانُ بغير القولِ المعروف إذا أتَى بما يُؤدِّي معناه، وما ذكرنا
من الآية دلالة على ذلك.
قال البيهقي - رحمه الله :
وقد روينا في حديث المقداد بن الأسود انه قال:
(يا رسول الله! أَرأَيتَ إِنْ لقيتُ رجُلًا من الكُفَّار، فقاتَلَنِي، فِضَرَبَ إِحدَى
يدَيَّ بالسَيْفِ، فقطَعَها، ثم لَذَ مِنِّي بشَجرةٍ فقال: أسلمتُ لله، أَقْتُلُهُ يا رسول
الله! بَعْد انْ قالَها؟
فقالَ رَسُولِ اللهِ وَّهِ: ((لَا تَقْتُلْهُ)).

٩٠
فصل فيمن كفّر مسلماً
فقُلْتُ يا رسول الله! إِنَّهُ قَطَعَ يَدِيْ، ثُمَّ قال ذلكَ بعدُ، أَقْتُلُهُ؟
فقال: ((لَا تَقْتُلْهُ، فَإِنْ قَتَلّتُهُ فإنَّهُ بِمِنْزِلِتِكَ قَبْلَ أنْ تَقْتُلُهُ، وإنَّكَ بمنزِلَتِهِ قَبْلَ
أنْ يقولَ الكلمة التي قال)).
٨٠ - أخبرناه أبو عبد الله الحافظ أنبا أبو بكر بن إسحاق الفقيه ثنا أحمد
ابن إبراهيم بن ملحان ثنا ابنُ بكير، ثنا الليثُ، عن ابن شهاب، عن عطاء بن
يزيد الليثي، عن عبيد الله بن عديّ بن الخيار، عن المقداد بن الأسود انه قال يا
رسول الله !... فذكره.
أخرجاه في الصحيح .
وروينا في حديث عقبة بن مالك في قصة شبيهة بقصة المقداد غير انه
قال :
((فقال إِنِّي مُسْلمٌ)).
فذكر ما كان من النبي ◌َّ من إِعْرَاضِهِ عن قاتِله وقوله:
((إِنَّ اللّه أَبَى عليَّ من قتلَ مُؤمناً)).
فصل فيمن كَفَّرَ مسلماً.
٨١ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنبا أبو الوليد الفقيه أنبا الحسن بن
سفيان ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا محمد بن بشر وعبد الله بن نمير قالا ثنا
٨٠ - فتح الباري ٣٢١/٧ (٤٠١٩) عن أبي عاصم عن ابن جريج عن الزهري به.
ومن طريق ابن أخي ابن شهاب عن عمه به، ومسلم ص (٩٥) من طريق الليث عن ابن شهاب
به قوله وروينا في حديث عقبة بن مالك ... الخ.
- مجمع الزوائد ٢٦/١ و٢٧ وقال الهيثمي رواه الطبراني في الكبير وأحمد وأبو يعلى إلا أنه
قال عقبة بن خالد بدل عقبة بن مالك ورجاله ثقات كلهم.
وانظر المستدرك ١٩/١ - البيهقي ٢٢/٨، ١١٦/٩.
- الطبراني في الكبير ٣٥٦/١٧ - ابن أبي شيبة ١٢٧/١٠، ٣٩٧/١٢ - أحمد ١١٠/٤،
٢٨٩/٥ - تهذيب الكمال للمزي ص ٨٨٤.
٨١ - الحسن بن سفيان (ت ٣٠٣) (سيد ١٤ /١٥٧)، محمد بن بشر هو: ابن الفرافصة الكوفي.
والحديث أخرجه مسلم ص ٧٩ .
:
!

٩١
فصل فيمن كفّر مسلماً
عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، أن النبي وَلّ قال:
((إِذَا كَفَّرَ الرَّجلُ أخَاهُ فقد باءَ بِها أحدُهُما)) .
رواه مسلم في الصحيح عن أبي بكر بن أبي شيبة .
وفي رواية عبد الله بن دينار عن ابن عمر:
((إنْ كان كما قال، وإلّ رَجَعَتْ إِلَيه)).
قال الحلیمي - رحمه الله تعالی :
إذا قال ذلك مسلم لمسلم، فهذا على وجهين:
إنْ أراد أنَّ الدِّيْنَ الذي يعتقده كفْرٌ، كفَرَ بذلك؛
وإِنْ أرادَ أنَّه كافرٌ في الباطن، ولكنه يُظْهر الإِيمان نفاقاً، لم يكفُر. وإن لم
يُرِدْ شيئاً، لم يَكفر. لأنَّ ظاهره أنه رماهُ بما لا يعلم في نفسه مثله .
قال: البيهقي - رحمه الله :
قد روينا عن عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - انه قال: في
حاطب بن أبي بلتعة حين خان رسول الله ومله بالكتابة إلى مكة :
((دَعْنِي أَضرِبُ عُنُقَ هذا الْمِنَافِقِ)) .
فسماه عمر منافقاً، ولم يكنْ منافقاً. فقد صدّقه النبي ◌َّ فيما أخبر عن
نفسه، ولم يصِرْ به عمر كافراً، لأنه اكْفَرَه بالتأويل، وكان ما ذهب إليه عمر
محتمل .

٩٢
باب القول في إيمان المُقَلَّد والمرتاب
باب القول في إيمان المقَلَّد والمرتاب.
المُقلِّد من تديَّنَ ما تدينَ لأنه دينُ آبائه ، وقرابته ، وأهل بلده ، وليس
عندَه وراء ذلك حُجَّةٌ يأوي إليها .
والمرتابُ من يقول: اعتقدتُ الإِسلامَ، وتابعتُ أهله احتياطاً لنفسي، فإن
كان حقاً فقد فُزْتُ، وإن لم يكن من ذلك شيء لم يضرني. وواحد من هذين
ليس بمسلم .
وبسط الحليمي - رحمه الله تعالى - الكلام فيه، قال:
والمؤمن الذي ليس بُمقلِّدٍ رجلان:
أحدُهُما: الذي يعرف الله - تعالى جدُّه - بالدَّلائل والحجج معرفةً تامَّةً لا
شك معها، وعرف رسول الله وَّر بالحجج الدالّة على صِدقه، ثم اعترف بالله
ورسوله، وقبل عن رسوله جميع ما جاء به من عنده، وأسلم نفسه بالطاعةِ له فيما
أمره به، ونهاه عنه .
والآخر: من يُؤمنُ بالله إجابةً لدعوة نبِّه بعد قيام الحجّة على نُبُوَّته وبسط
الكلام فيه إلى أن قال:
ثم يُنظَرُ، فإن كان المؤمن قبل أن آمن يُثْبتُ الله - تعالى جدُّه - إلّ أنه
يُلحدُ في أسمائه وصفاته، كان إيمانه الحادث ترَكَ ذلك الإلحاد لما يقولُه
النبيُّ ◌َل﴾ ويدعوه إليه.
وإن كان قبل ذلك لا يدينُ، ويَرَى أن لا صانع للعالَم، وأنه لم يَزَل على
ما هو عليه الآنَ، فوجهُ إيمانه بالله لدعوةٍ نبيِّه هو أن النبي نَّهَ ذَكَرَ أنَّ للعالم إِلهاً
واحداً لم يَزَلْ ولا يزال، ولا يُشبه شيئاً، قادراً لا يُعْجِزُه شيءٌ، عالماً، حكيماً،
كان ولا شيء غيره، وأبدَعَ كل موجود سواه، واخترعَه اختراعاً لا من أصل، وأنَّه
أرسله إلى الناس ليُعَرِّفَه إليهم، ويُنَبِّهَهمِ على آثار خلقه التي يَرَونها ويعقلون
عنها، ويدعوهم إلى طاعته وعبادته، وأنّ دلالته على صدقه هي ما أُيَّدَه به من

٩٣
باب القول في إيمان المُقَلِّد والمرتاب
كذا وكذا مما لا يستطيعُ النَّاس - وإنْ تَظاهَرُوا - أنْ يأْتُوا بِمِثلِه، وإنَّه إذا كان
واحدٌ من الناس تجمعه وايَّاهم البشريةُ ثم يجمعهُ وأهل بلده الهواء والأرضُ
والماءُ، وكان ما عدا هذا - الذي يذكر أنه تأيد به ليكون دلالةً على صدقه - لا
يباينُ فيه أحداً من الناس، ويحتاجُ من الطعام والشراب إلى مثل ما يحتاجون
إليه، ولا يقدرُ من الأشياء المعتادة إلا على ما يَقدُرُون عليه، ويعجَزُ عما يَعجزُون
عنه؛ وجب أن يَعْلَموا أنَّه من فضل هذا الإِله الذي اختصَّ به فما هو خارج عن
قضية العادات، عاجز مثلهم، وإنه وإن كان عاجزاً عنه وقد وُجِدَ به وظهر على
يده حتى أنَّه ليس من صُنْعه ولكن من صُنع غيره. ولا جائز أن يكون ذلك الغيرُ
من جنسه، أو مثله، أو في القدرة نظيره، إذ لو كان كذلك لاستحال وجوده من
غيره کما استحال وجوده منه.
وفي ذلك ما يوجب أن يكون من صنع صانع لا يفعل الاشياء بمثل القوة
والقدرة التي بها صنع الصُنَّاعِ المشاهدون، وأنه كما لم يُشبه صُنعُه صُنْعَهم،
فكذلك هو غيرُ مشبه إياهم، ولا جائز عليه من معاني النقص ما هو جائزٌ عليهم،
فانتظمت حجته هذه إثبات الصانع على من يجهله ولا يعترف به، وإثبات رسالته
من عنده. فمن استسلم لحجته، وصدّقه في جميع قوله، وآمن بُجْملةِ دعوته،
كان إثباتُ الرسول والمرسل منه معاً في مقام واحد.
فهذا وجه الإِيمان بالله إجابةً لدعوة رسوله إليه، وهذا إجابةٌ بحُجَّةٍ. ومن
هذا الوجه كان إيمانُ عامَّة المستجيبين للأنبياء والرسل صلوات الله وسلامه
عليهم .
ثم قد كان فيهم من تنبَّه بعدُ، فرأى، ونَظَرَ، وبحث فبصّره الله تعالى من
الدلائل ما شدَّ به أَزْرَه، وعَصَم دينه، وقوى يقينه، وطلبَ من هذا العلم ما ينصر
به الدین، ویجادل به أعداءه وینصب به للدفع عنه.
٨٢ - أخبرنا أبو الحسين علي بن محمد المقرىء، أنبا الحسن بن
٨٢ - جعفر هو ابن أبي طالب، ووالد وهب وهو جرير بن حازم، ونصر بن علي هو ابن نصر
الجهضمي الصغير.
والحديث أخرجه أحمد (٢٠١/١ و ٢٠٣) من طريق أبي بكر بن عبد الرحمن به.

٩٤
باب القول في إيمان المُقَلِّد والمرتاب
محمد بن إسحاق أنبا يوسف بن يعقوب، ثنا نصر بن علي، ثنا وهب بن جرير،
ثنا أبي عن محمد بن إسحاق، حدثني الزهري، عن أبي بكر بن
عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وعن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن
مسعود، وعن عروة بن الزبير رضي الله عنه وصلب الحديث عن أبي بكر بن
عبد الرحمن، عن أم سلمة - زوج النبي ◌َّ - قالت:
((أنَّ النبيَّ وَّةَ- لما فُتِنَ أصحابُه بمكّة - أشار عليهم أن يَلْحَقُوا بأرض
الحَبشة - فذكر الحديث بطوله ... إلى أن قال:
فكَلَّمَهُ جعفر - یعني النجاشي قال:
كُنَّا على دينهم - يعني دينِ أهلِ مَّة - حتى بعثَ الله عزَّ وجلَّ فينا رسولاً نعرف
نسبه، وصدقَه، وعَفَافَه، فدعانا إلى أَن نَعْبُد الله وَحْده، ولا نشرك به شيئاً،
ونَخْلعُ ما يعبُدُ قومُنا وغيرُهم من دونه، وأمَرَنا بالمعروف، ونهانا عن المُنكر،
وأُمَرَنا بالصَّلاة، والصِّيام، والصَّدَقةِ، وصِلةِ الرَّحم، وكُلِّ ما يُعْرِفُ من الأخلاق
الحسنة، وتَلَا علينا تنزيلاً جاءه من الله عزَّ وجلَّ لا يُشبهُهِ شيء غيره، فصَدَّقْناه،
وآمَنَّا به، وعَرَفْنا أنَّ ما جاءَ به هو الحق من عند الله عزَّ وجلَّ.
قال: ففارقنا عند ذلك قومُنا وآذَونا وفَتَنُونا، فلما بلغ منَّ ما يُكره، ولم نقدرْ
على الامتناع، أَمَرَنا نبيّنا نَّهِ بالخروج إلى بلادك. اختياراً لك عَلَى من سَوَاكَ"
لتمنعنا منهم .
فقال النجاشيُّ : هل معكم مما أُنزل عليه شيءٌ تقرأونه عليّ؟
قال جعفر: نعم، فقرأ ((كهيعص)) فلما قرأها، بكى النجاشيُّ حتى أخضل
لحيته، وبكت أساقفته حتى اخضلوا مصاحفهم. وقال النجاشيُّ :
إن هذا الكلام والكلام الذي جاء به عيسى ليخرجان من مشكاة واحدة)).
٨٣ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ومحمد بن موسى، قالا أنا أبو العباس
٨٣ - سماك هو: ابن حرب الكوفي، وشريك هو ابن عبد الله القاضي، ومحمد بن سعيد هو ابن
سليمان بن الأصبهاني .
والحديث أخرجه المصنف في الدلائل (١٥/٦) من طريق محمد بن سعيد الأصبهاني عن
شريك به .

٩٥
باب القول في إيمان المُقَلِّد والمرتاب
محمد بن يعقوب، نا العباس بن محمد الدوري، ثنا فضيل بن عبد الوهاب، ثنا
شريك، عن سماك عن أبي ظبيان عن ابن عباس قال:
جاء رجل إلى النبي ◌َّه قال:
((بمَ كنت نبيّاً؟ .
قال: ارأيت إن دعوتُ شيئاً من هذه النخلة فَأَجَابَني، تُؤْمِنُ بي؟
قال: نعم.
فَدَعَاه، فأجابهُ فَآمَنَ به وأَسْلَم)) .
وكذا رواه محمد بن سعيد بن الأصبهاني عن شريك وأتم من هذا، ورواه
أيضاً عن الأعمش عن أبي ظبيان.
وقد ذكرنا شواهد هذا في كتاب ((دلائل النبوة))، وذكرنا فيه من إيمان من
آمن حين وقف على صدق النبي ◌َّ، ومعجزته ما يكشف عن صحَّة ما قاله
الحلیمي - رحمه الله تعالى -.
٨٤ - أخبرنا أبو طاهر الفقيه أنبا أبو بكر محمد بن الحسين القطان، أنبا
أحمد بن يوسف السلمي، ثنا محمد بن يوسف الفريابي، ثنا سفيان، عن
جعفر بن برقان، عن عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - أنه سأله رجل عن
شيء من الأهواء فقال:
((عليك بدين الأعرابي والغلام في الكُتَّاب وَالْهُ عمن سوَاه)).
قال الإِمام البيهقي - رحمه الله -:
وهذا الذي قاله عمر بن عبد العزيز قاله غيره من السلف - في النهي عن
الخوض في مسائل الكلام - فإنما هو لأنهم رأوا أنه لا يحتاج إليه لتبيين صحَّة
الدين في أصله، إذ كان رسول الله وَّهِ إنما بُعِثَ مؤيَّداً بالحُجِج فكانت
مشاهدتُها للذين شاهَدُوها، وبلاغُها المستفِيضُ ومن بَلغَه كافياً في إثبات
التوحيد والنُّوَّة معاً عن غيرها. ولم يأمَنُوا أن يوسع الناس في علم الكلام، وأن
وانظر المستدرك (٢ /٦٢٠).
وقوله ورواه أيضاً عن الأعمش عن أبي ظبيان انظر الدلائل (١٥/٦).

٩٦
باب القول في إيمان المُقَلِّد والمرتاب
يكون فيهم مَن لا يكملُ عقلهُ ويضعُفُ رأيُه فيرتبك في بعض ضَلالة الضالين ،
وشُبَه الملحدين، ولا يستطيع منها مَخْرجاً كالرجل الضعيف غير الماهرِ بالسباحة
إذا وقَعَ في ماءٍ غامرٍ قويٍّ، لِم يُؤْمَنْ أن يَغْرق فيه، ولا يقدر على التخلُّص منه،
ولم يَنْهَوا عن علم الكلام لأنَّ عينه مذموم، أو غير مفيد. وكيف يكون العلم
الذي يُتوصل به إلى معرفة الله عزَّ وجلَّ، وعلم صفاته ومعرفة رسله، والفرق بين
النبي الصادق وبين المُتَنِّىء الكاذب عليه مذموماً أو مرغوباً عنه؟.
ولكنهم لإِشفاقهم على الضُّعفاء لئلا يبلغوا ما يريدون منه فيضِلُّوا، نَهَوْا
عن الاشتغال به .
ثم بسط الحليمي - رحمه الله تعالى - الكلام في التحريض على تعلُّمه
إعداداً لأعْداء الله عز وجل .
وقال غيره في نهيهم عن ذلك إنما هو لَأَنَّ السَّلف من أهل السُنّة والجماعة
كانوا يكتفون بمعجزات الرسل صلوات الله عليهم على الوجه الذي بيّنًا. وإنما
يشتغِلُ في زمانهم بِعلم الكلام أهلُ الأهواء، فكانوا يُنْهَونَ عن الاشتغال بكلام
أهل الأهواء. ثم إنَّ أهل الأهواء كانوا يَدَّعون على أهل السنة أنَّ مذاهبهم في
الأصول تخالف المعقول. فقَّض الله تعالى جماعة منهم للاشتغال بالنظر
والاستدلال حتى تَبحروا فيه، وبينوا بالدلائل النيرة والحجج الباهرة أن مذاهب
أهل السنة توافق المعقول، كما هي موافقةٌ لظاهر الكتاب والسنة، إلا أنَّ
الإِيجاب يكون بالكتاب والسنة فيما يجوز في العقل أن يكون غيرَ واجب، دون
العقل. وقد كان من السلف من يشرع في علم الكلام ويَرُدُّ به على أهل
الأهواء.
٨٥ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أحمد بن سهل، ثنا إبراهيم بن
معقل ثنا حَرملة، ثنا ابن وهب، ثنا مالك أنه دخل يوماً على عبد الله بن يزيد بن
هرمز فذكر قصة - ثم قال :
وكان - يعني ابن هرمز - بصيراً بالكلام، وكان يردُّ على أهل الأهواء وكان
من أعلم الناس بما اختلفوا فيه من هذه الأهواء.
٨٥ _ ابن وهب هو عبد الله بن وهب بن مسلم، وحرملة هو ابن يحيى المصري.

٩٧
باب القول فيمن يكون مؤمناً بإيمان غيره
باب القول فيمن يكون مؤمناً بإيمان غيره.
.-
٨٦ - أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، أنبا أبو عبد الله بن يعقوب، ثنا
محمد بن شاذان، ثنا قتيبة بن سعيد، ثنا عبد العزيز بن محمد، عن العلاء بن
عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله وَالله قال:
((كُلُّ إنسانٍ تَلِدُهُ أُمُّهُ عَلى الفِطرة، أَبَوَاهُ يُهَوِّدَانه، أو يُنَصِّرانه، أو
يُمَجِّسَانِه، فإن كانا مُسْلِمَيْنِ فَمُسْلِمٌ)).
(كُلُّ إنسانٍ تَلِدُهُ أُمُّه يلكزه الشَّيْطَانِ فِي حِضْنَيْهِ إلّ مَرْيَمَ وَ ابْنِهَا)).
رواه مسلم في الصحيح عن قتيبة .
وقد حكينا عن الشافعي - رحمه الله تعالى - أنه قال:
((كُلُّ مولُودٍ يُولِدُ عَلى الفِطْرَةِ).
هي الفطرةُ التي فَطَر الله تعالى عليها الخلقَ، فجعلهم رسول اللّه وَلّ- ما
لم يُفصِحوا بالقول، فيختاروا أحد القولين: الإِيمان أو الكفر - لا حكم لهم في
أنفسهم، إنما الحكم لهم بآبائهم. فما كان آباؤهم يوم يُولدون فهُم بحاله إما
مؤمنٌ فعلى إيمانه؛ أو كافر فعلى كفره.
٨٦ - مسلم (ص ٢٠٤٨) عن قتيبة به بلفظ .
((كل انسان تلده أمه على الفطرة وأبواه بعد يهودانه)) الحديث.
٨٧ - الأسود هو ابن يزيد النخعي، وإبراهيم هو ابن يزيد بن قيس النخعي، وحماد هو ابن أبي
سليمان الكوفي، وأبو الوليد هو: هشام بن عبد الملك الطيالسي .
أخرجه أبو داود (٤٣٩٨) عن عثمان بن شيبة عن يزيد بن هارون.
والنسائي ١٥٦/٦ عن يعقوب بن إبراهيم عن عبد الرحمن بن مهدي كلاهما عن حماد بن
سلمة عن حماد بن أبي سليمان به.
وابن ماجة (٢٠٤١) عن أبي بكر بن أبي شيبة عن يزيد بن هارون به.
وعن محمد بن خالد بن خداش ومحمد بن يحيى الذهلي كلاهما عن عبد الرحمن بن مهدي
به .

٩٨
-
باب القول فيمن يكون مؤمناً بإيمان غيره
فذهب الشافعيُّ - رحمه الله - في هذا إلى أنَّ الله تعالى خلقَ المولودَ لا
حُكم له في نفسه، وإنما هو تبعٌ لوالديه في الدِّين في حكم الدنيا حتى يُعرِب
عن نفسه بعد البلوغ .
وأمَّا في الآخرة فمنهم من ألحقهم بآبائهم في حكم الآخرة أيضاً؛
ومنهم من ألحق ذَراري المسلمين بهم، وزعم أنَّ أولاد المشركين خدمُ
أهل الجنة .
ومنهم من تَوَقَّفَ في الجميع، ووَكَلَ أمرَهم إلى الله عزَّ وجلَّ.
وهذا أشبه الأقاويل بالسُّنن الصحيحة، والله تعالى أعلم.
وقد ذكرنا أقاويل السلف في ذلك، وما احتج به كلُّ فريق منهم في آخر
((كتاب القدر))، فمن أحبَّ الوقوف عليه رجع إليه إن شاء الله تعالى.
ومتى ما أسلم الأبَوَانِ أو أحدُهما، صار الولدُ مسلماً بإسلام أبويه أو
أحدهما .
وقد ذكرنا في ((كتاب السنن)) إسلام من صار مسلماً بإسلام أبويه أو
أحدهما من أولاد الصحابة.
وإذا سُبِي الصغِيرُ من دار الحرب، ومعه أبواه، أو أحدهما، فدينُه دينُ من
معه من أبويه. وإن سُبِي وحده فدينه دين السابي لأنه وليُّه الذي أولى به منه،
فقام في دينه مقام أبويه، كما قام في الولاية والكفالة مقامهما. والله تعالى أعلم.

٩٩
باب القول فیمن یصحُ إيمانه أو لا يصحُ
باب القول فيمن يصحّ إيمانه أو لا يصحّ .
قال الله تعالى :
﴿وَإِذَا بَلَغَ الَأَطْفالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ [النور: ٥٩].
فأخبر أنه إنما يثبت عليهم الفرض في إيذانهم في الاستئذان إذا بلغوا.
قال: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ - إلى قوله - ﴿لَآيَاتٍ لْقَومٍ
يَعْقِلُونُ﴾ [البقرة: ١٦٤].
وفي موضع آخر ﴿لآيَاتٍ لأولي الأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠].
وخاطب بالفرائض من عقلها .
٨٧ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو بكر بن إسحاق، أنبا محمد بن
أيوب، ثنا أبو الوليد الطيالسي، وموسى بن إسماعيل قالا: ثنا حماد بن سلمة ،
عن حماد، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة عن النبي وَّ قال:
((رُفعَ القَلَمُ عن ثَلَاثَةٍ: عن الصَّبِيِّ حَتى يَحْتَلِمَ؛ وعن المَعْتُوهِ حَتى يُفِيقَ؛
وعن النَّائمِ حَتى يَسْتَيْقِظَ)).
وأما ما روي من إسلام عليّ، وصلاته مع النبي ◌َّ، فقد قال الحليمي -
رحمه الله تعالى -:
لما أمره رسول الله وَالر بالإِسلام والصلاة فهو أحد شيئين:
أما أن يكون خصّه بالخطاب، لما صار من أهل التمييز والمعرفة دون سائر
الصغار، ليكون ذلك كرامة له ومنقبةً، فلما توجّه عليه الخطاب والدعوة،
صحت منه الإِجابة، وسائر الصغار لا يتوجه عليهم الخطاب والدعوة فلا يصح
منهم الإِسلام.
أو يكون خطاب النبي ◌َّيّ إياه بالدعاء إلى الإِسلام والصلاة يومئذ على أنه
بالغ عنده، لأن البلوغ بالسن ليس مما شرع في أول الإِسلام، بل ليس يحفظ

١٠٠
باب القول فيمن يصحُّ إيمانه أو لا يصحُ
قبل قصة ابن عمر في أحد والخندق في ذلك شيء. فالظاهر أن الناس كانوا
يجرون في ذلك على رأيهم وما تعارفُوه من أن الصبي من لا يمكن أن يولد له.
والرجل من يمكن أن يولد له وكان علي - رضي الله عنه - ابن عشر سنين لما
أسلم. وظاهر قول من قال إنه ابن عشر: أنه استكمل عشراً ودخل في الحادي
عشر. ومن بلغ هذا السن فقد يمكن أن يولد له. فلما شُرِعَ البلوغ بعد ذلك
بالسن نُظر إلى السن التي كل من بلغها جاز أن يولد له دون السن التي يندُرُ
ممن بلغها الإِيلاد وكان من قصرت سِنُوه عن ذلك الحد صغيراً في الحكم ولم
يجز أن يصح إسلامه والله تعالى أعلم.
وقد ذكرنا في ((كتاب السنن)) وفي ((كتاب الفضائل)) سائر ما قيل فيه.
ة