النص المفهرس
صفحات 321-340
٣٢١ ٨ - باب في حشر الناس بعدما يبعثون من قبورهم/ فصل في صفة يوم القيامة فَيَصْعق مَنْ في السّموات وَمَن في الأرضِ إلّ مَنْ شَاء الله ﴿فَلَ انْسَابَ بَيْنَهُمْ عِند ذلك ولا يتساءلُون﴾ ثم إذا نفخ في النفخة الأخرى قَاموا ﴿فأقبلَ بعضُهُمْ على بعضٍ يتساءلُون﴾. فصل قد روينا عن ابن عباس أنّه قال: في قوله عز وجل: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجرِمِيْنَ إلى جَهَنَّمَ وِرْداً﴾ يقول: عطاشاً. والأخبار تدل على أنّ العطاش يعُمّ الناس في ذلك اليوم إلّ أنّ المجرمين لا يسكن عطشهم، ولكنه يزدادُ حتى يورَدُوا النار، فيشربون الحميم شُرْبَ الهيم نعوذ بالله من عذاب الله، وأمّا المتّقون، ومن شاء الله من المخلّطين المؤمنين فإنهم يُسقون من حوض نبينا ◌َّ وقد ذكرنا صفة الحوض وصفة مائه في ((كتاب البعث والنشور)). ٣٦٠ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو النضر الفقيه، ثنا عثمان بن سعيد الدارمي، ثنا سعيد بن أبي مريم، ثنا أبو غسّان، حدثني أبو حازم، ثنا سهل بن سعد قال: قال رسول الله عليه : ((إنّي فَرَطُكُمْ على الْحَوضِ مَنْ مَرّ عَلَيّ شَرِبَ وَمَنْ شَرِبَ لَمْ يَظْمَأْ أَبَداً)» وذكر الحديث. أخرجاه في الصحيح . قال البيهقي رحمه الله: ويُشبه أن يكون عطش المتقين لكي إذا سُقوا من حوض المصطفى وَ﴿ وجدوا لذّة الماء إذِ الرّيّان لا يستلذُّ الماء كما يستلُّذه العطشان والله أعلم. فصل قال البيهقي رحمه الله: ذكر الله عز وجل في كتابه ما يكون في الأرض من زلزالها، وتبديلها، وتغييرُ هيئتها ومدُّها، وما يكون في الجبال وتسييرها ونسفها وما يكون في البحار وتفجيرها وتسجيرها، وما يكون في السماء وتشقيقها وطيّها، ٣٦٠ - أخرجه البخاري (١٤٩/٨ - ١٥٠) ومسلم (١٧٩٣/٤) من طريق أبي حازم - به. ١ ٣٢٢ ٨ - باب في حشر الناس بعدما يبعثون من قبورهم/ فصل في صفة يوم القيامة وما يكون في الشمس من تكويرها، وفي القمر من خسفه، وما يكون في النجوم من انكدارها وانتثارها، وما يكون من شغل الوالدة عن ولدها ووضع الحوامل ما في بطونها . واختلف أهل العلم في وقت هذا الكوائن فذهب بعض أهل التفسير إلى أنّ ذلك يكون بعد النفخة الأولى وقَبْل الثانية، وروي ذلك الحديث الذي ذكرناه بإسناده عن محمد بن كعب عن رجل من الأنصار عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي وَّ فِي الصُّور. وذهب أكثر أهل العلم إلى أنّ ذلك إنّما يكون بعد النفخة الثانية، وخروج الناس من قبورهم، ووقوفهم يوم القيامة قبلها ينظرون ليكون ذلك رعب لعرضهم وأشدّ لحالهم، وعلى هذا يدلّ سياق أكثر الآيات التي وردت في هذه الكوائن، وكذلك روي عن ابن عباس في الحديث الذي ذكرنا إسناده في صفة القيامة، وقد ذكرنا أحد الحديثين في كتاب ((البعث والنشور)) آخره. وعلى مثل ذلك يدلّ أكثر الأحاديث فمنها حديث أبي سعيد الخدري وغيره في بعث النار. ٣٦١ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنا أبو الفضل الحسن بن يعقوب العدل، وأبو جعفر محمد بن علي بن دحيم الشيباني بالكوفة، قالا: ثنا إبراهيم بن عبد الله العبسي، أنبا وکیع - ح. وأخبرنا أبو عبد الله، أخبرني أبو بكر بن عبد الله، ثنا الحسن بن سفيان، ثنا محمد بن عبد الله بن نمير، ثنا وكيع، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله وَل يقول تبارك وتعالى يوم القيامة: ((قُمْ يَا آدَمُ ابْعَثْ بَعْثَ النّارِ، فَيَقُولُ لَبِّكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ. وَمَا بَعْثُ النّارِ؟ قَالَ: فَيَقُولُ: مِنْ كُلّ ألْفٍ تِسْعُمائة وتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ. قَال فَحِينَئِذْ يشيبُ المولُود وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النّاس سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَاری وَلِكِنّ عَذَابَ شَديد)». فيقولون وأيُّنا ذلك الواحد؟ فقال رسول الله وَ ◌ّه ((تسعمائة وتسع وتسعون ٣٦١ - أخرجه مسلم (١ /٢٠٢) عن أبي بكر بن أبي شيبة عن وكيع - به. وأخرجه البخاري (١٣٧/٨) ومسلم (٢٠١/١) من طريق جرير عن الأعمش - به . ٣٢٣ ٨ - باب في حشر الناس بعدما يبعثون من قبورهم/ فصل في صفة يوم القيامة من يأجوج ومأجوج ومنكم واحد)) فقال الناس: الله أكبر. فقال النبي وَيّ((إني لأرجو أن تكونوا رُبْعِ أهل الجنة؛ والله إنّي لأرجو أن تكونوا ثُلثَ أهل الجنة، والله أنّي لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة)) فكبّر الناس فقال رسول الله وَلات : ((ما أنتم يومئذ في الناس إلّ كالشعرة البيضاء في الثور الأسود، أو الشعرة السوداء في الثور الأبيض)). رواه مسلم في الصحيح عن أبي بكر بن أبي شيبة عن وكيع . قال البيهقي رحمه الله: وأخرجاه من حديث جرير عن الأعمش وفي حديثه ((أبشروا فإنّ من يأجوج ومأجوج ألفاً ومنكم رَجُلٌ)) . 1 وروينا في حديث عمران بن حصين وأنس بن مالك أنَّ النبي ◌ِّ قرأ قوله تعالى : ﴿يَا أَيُّهَا الْنّاسُ اتَّقْوْا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج: ١، ٢]. إلى آخر الآيتين. ثم قالا: معنى ما رواه أبو سعيد غير أنّ في حديثهما قال: ((اعملوا وأبشروا والّذي نفس محمد بيده إنّ معكم لخليقَتَيْنِ ما كانتا مع أحد قط إلّ كَثَّرَتاه مع من هلك من بني آدم وبني إبليس)). وقالوا: ومن هما قال: ((يأجوج ومأجوج)). وروينا عن عائشة أنّها قالت يا رسول الله وَلّ أرأيت قول الله عز وجل: ﴿يَومَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ وَبَرَزُوا للهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [إبراهيم: ٤٨]. أيْنَ الناس يومئذٍ؟ قال: ((على الصراط)). وفي حديث ثوبان عن النبي ◌َ ◌َّ زيادة قال: ((هُمْ فِي الظلمة دون الجسر والجسر هو الصراط)) وأمّا قوله: ﴿وَإِذَا الأَرْضُ مُدَّتْ وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ﴾ [الانشقاق: ٤]. فمعناه قد أَلْقَتْ مَا فِيْهَا. وقوله تعالى : ٣٢٤ ٨ - باب في حشر الناس بعدما يبعثون من قبورهم/ فصل في صفة يوم القيامة ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا وَأَخْرَجَتِ الأَرضُ أَنْقَالَهَا﴾ [الزلزلة: ٢،١]. معناه وقد أخرجت الأرض أثقالها وسياق الآية تدل (خطأ) على ذلك وقوله : ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِيْ الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ وَحُمِلَتِ الأرْضُ وَالجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةٌ﴾ [الحاقة: ١٣]. فمعناه النفخة الآخرة والله أعلم . فصل ((في معنى قول الله عزّ وجلّ)) ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤]. روينا عن أبي هريرة عن النبي ◌َّ في صاحب الكنز إذا لم يؤدِّ زكاته جيء به يوم القيامة وبكنزه فيحمى صفائح من نار جهنم فيکوی بها جبهته وجبينه وظهره حتى يحكم الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة . وروينا عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس أنه قال في قوله: ﴿يَعْرُج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة﴾ [السجدة: ٥]. قال هذا في الدنيا وقوله : ﴿في يومٍ كانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ ألف سنة﴾ [المعارج: ٤]. فهذا يوم القيامة جعله الله على الكافرين مقدار خمسين ألف سنة. وروينا عن أبي هريرة قال: يوم القيامة على المؤمن كقدر ما بين الظهر والعصر. ويُروى ذلك مرفوعاً. وروي في حديث ابن لهيعة عن دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد قال: سئل النبي ◌َّل عن يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، ما طول هذا اليوم؟ فقال: ((والذي نفسي بيده إنه ليخَفّفُ على المؤمن حتى يكون أهونَ عليه من الصلوة المكتوبة يصليها في الدنيا)) وقد ذكرنا أسانيد هذه الأحاديث في ((كتاب البعث)). ٣٢٥ ٨ -باب في حشر الناس بعدما يبعثون من قبورهم/ فصل في صفة يوم القيامة ٣٦٢ - أخبرنا أبو نصر بن قتادة، أنا أبو عمرو بن مطر، أنا حمزة بن محمد بن عيسى الكاتب، أنا نعيم بن حماد، ثنا ابن المبارك، عن معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة أظنّه رفعه إلى النبي وَّه قال: ((إنّ الله يُخَفّفُ على من يَّشاءُ من عباده طولَ يوم القيامة كوقت صلاة مكتوبة)). قال البيهقي رحمه الله: هذا وجدته في فوائد أبي عمرو ولا أدري من القائل ((أظنّه)) وكذلك رواه أبو سهل الأسفراييني عن حمزة. ٣٦٣ - وذلك فيما أخبرنا به أبو الحسن العلاء بن محمد بن أبي سعيد عنه. أخبرنا أبو إسحاق الأسفراييني الإِمام، أنبا عبد الخالق بن الحسن، ثنا عبد الله بن ثابت، حدثني أبي، عن الهذيل، عن مقاتل بن سليمان أنّه قال في هذه الآية: ﴿تَعْرُجُ﴾ يعني تصعد ﴿الْمَلائِكَةُ﴾ من السماء إلى سماء إلى العرش ﴿والرُّوحُ﴾ يعني جبريل عليه السلام ﴿إِلَيْهِ﴾ من الدنيا ﴿في يوم كان مقداره﴾ عندكم يا بني آدم ﴿حَمْسِينَ ألفَ سنة﴾ يعني بقوله: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَاره خَمْسِينَ ألفَ سنة﴾ يقول: ولو ولّى حساب الخلائقْ وعرضهم غيري لم يَفْرُغْ منه إلّ في مقدار خمسين ألف سنة. فإذا أخذ اللّه في عرضهم يفرغ الله منه في مقدار نصف يوم من أيام الدنيا فلا ينتصف ذلك اليوم حتى يستقرّ أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النّار وذلك قوله تعالى : ﴿أَصْحَابُ الْجَنّة يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقِراً وَأحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٤]. يقول: ليس مقيلهم كمقيل أهل النار. وإلى معنى هذا ذهب الكلبي في تفسيره الذي يرويه عن أبي صالح عن ابن عباس، يعني لو ولّى محاسبة العباد غير الله عز وجل لم يفرغ منه في خمسين ألف سنة . قال البيهقي رحمه الله: وروينا عن الفراء أنّه قال: في هذه الآية يقول: لو صعد غير الملائكة لصعدوا في قدر خمسين ألف سنة . ٣٦٢ - عزاه في الكنز (٣٩٠١٦) للمصنف فقط. ٣٢٦ ٨ - باب في حشر الناس بعدما يبعثون من قبورهم / فصل في صفة يوم القيامة وإلى معنى هذا ذهب الحليمي رحمه الله وقال: التقدير إنما هو لعروج الملائكة والروح من الأرض يعني إلى العرش. وقد قال في غير هذه الآية : ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السّمَاءِ إلى الأرْضِ ثُمّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَومَّ كَانَ مِقْدَارُه أَلْفَ سَنَةٍ مَمّا تَعُدُّون﴾ [السجدة: ٥]. فيحتمل أن يكون المعنى أنّها تنزل من السماء إلى الأرض، ثم تعرُجُ من الأرض إلى السماء الدنيا من يومها، فتقطع مالو احتاج الناس إلى قطعها من المسافة لم يقطعوها إلّ في ألف سنة ممّا تعدُون؛ وينزل من عند العرش إلى الأرض ثم يعرج منها إليه من يومها، ولو احتاج الناس إلى قطع هذا المقدار من المسافة لم يقطعوها إلّ في خمسين ألف سنة ممّا تعدّون، وليس هذا من تقدير يوم القيامة بسبيل وإنّما هو من صلة قوله ((ذي المعارج)) وقوله: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً وَّنَرَاهُ قَرِيباً﴾ [المعارج: ٧]. عاد إلى ذكر العذاب الذي وصفه في أوّل السورة وأكّد هذا فما حكي عن وهب بن منبه أنه قال: ما بين الأرض والعرش خمسين ألف سنة من أيّامنا وشهورنا وسنینا . قال ويمكن أن يقال أنّ الملائكة كانت تستطيع قبل يوم القيامة أن تُنْزِل إلى الأرض من أعلى مقام لهم في السموات وفوقها، ثمّ يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة فأما يوم القيامة فلا تستطيع ذلك، إمّا لأنّ السموات إذا طويت لم يكن لهم يومئذ مصعد يقرون فيه، وأمّا لما يشاهدون من عظمة الله وشدّة غضبه ذلك اليوم على أهل العناد من عباده، فيفتُرُ قُواهم فيحتاجون إلى العروج إلى مدّة أطول مما كانوا يحتاجون إليه منها قبله فقدّر الله ذلك بخمسين ألف سنة، على معنى أنّ غيرهم لو قطعها لم يقطعها إلّ في خمسين ألف سنة وهكذا كما جاءت به الأخبار من أنّ العرش على كواهل أربعة من الملائكة ثمّ أخبر الله عز وجل أنّهم يكونون يوم القيامة ثمانية . ويشبه أن يكون ذلك لأنّه یفتُر قُواهم يومئذ إلى ما ذكرنا فيؤيدون بغيرهم والله أعلم بجميع ذلك نسأل الله خير ذلك اليوم ونعوذ به من شرّ ذلك اليوم . ! ٣٢٧ ٨ - باب في حشر الناس بعدما يبعثون من قبورهم / فصل في صفة يوم القيامة ٣٦٤ - أخبرنا أبو سعيد بن أبي عمرو، ثنا أبو العباس الأصم، ثنا العباس بن الوليد بن مزيد قال: أخبرني أبي قال: سمعت الأوزاعي قال: حدثني هارون بن رئاب قال: حملة العرش يتجاوبون بصوت حسن رخيم يقول الأربعة : (سُبْحَانَك وَبِحَمْدَكَ على حلمكَ بَعْد علمكَ). ويقول الأربعة الآخرون: (سُبْحَانِكَ وَبِحَمْدَكَ عَلى عفوَكَ بَعْدِ قُدرتكَ) . i 1 i 1 : 1 . ٣٢٩ ٩ - باب في أن دار المؤمنين الجنة ودار الكافرين النار (٩) التاسع من شعب الإِيمان ((وهو باب في أنّ دار المؤمنين ومأواهم الجنّة، ودار الكافرين ومآبَهم النّارُ)) قال الله عز وجل : ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولِئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ وَأَلِذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولِئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٨١، ٨٢]. وقال تعالى في وصفه يوم القيامة : ﴿يَوْمَ يأت لَا تَكَلَّمُ نَفَسٌ إِلّ بِإِذْنِهِ﴾ قرأ إلى قوله تعالى ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: ١٠٥ - ١٠٨]. وقوله تعالى : ﴿إِلَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ)) يريد به - والله أعلم - من وقفهم حيث كانوا فيه إلى أنْ حُوسبوا، ووُزنت أعمالهم، وسِيقَ كلّ فريق إلی حیث قضي له به . وقوله: ﴿مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ والأرْضُ﴾. يريد به التأبيد على ما كانت العرب تعرف من طول مقامها فكأن يعبر عن التأبيد بدوامها . وقيل معناه ما دامت السموات والأرض إلّ ما شاء ربّك من الزيادة عليها. و ((إلّ)) بمعنى سوى، وذلك يحسن إذا كان المستثنى أكثر من المستثنى منه كرجل يقول: ((لِفُلانٍ عَليّ أَلْف درهم إلّ ألفين التي هي إلى سنةٍ)) يريد سوى الألفين وقد بسطنا الكلام في ذلك في كتاب ((البعث)) عن الفراء وعن الحليمي رحمهما الله تعالى . ٣٣٠ ٩ - باب في أن دار المؤمنين الجنة ودار الكافرين النار ٣٦٥ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب، ثنا إبراهيم بن عبد الله، ثنا عبيد الله بن عبد المجيد الحنفي، ثنا قرة بن خالدح. وأخبرنا أبو طاهر الفقيه، أنا أبو حامد بن بلال، ثنا أبو الأزهر، ثنا یحیی بن أبي الحجاج، ثنا قرة بن خالد. وأخبرنا أبو صالح بن أبي طاهر العنبري، أنا جدّي يحيى بن منصور القاضي، ثنا أحمد بن سلمة، ثنا إسحاق بن إبراهيم، أنا أبو عامر العقدي، ثنا قرة بن خالد، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله، عن رسول الله وَلالٍ قال: ((مَنْ لَقِيَ الله وَهُوَ لَايُشْرِلُكُ بِهِ شَيْئاً دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ لَقِيَه يُشْرِكُ بِه شَيْئاً دَخَلَ النَّار)) . وذكر الحديث في رواية أبي طاهرٍ وذكر النبيِ بَلَّ قال: ((مَنْ لَقي الله لا يُشْرِكَ بِهِ شَيئاً دَخَلَ الْجَنّة، وَمَنْ لَقيه يُشْرِكُ بِهِ دَخَلَ النَّار)). ورواه مسلم في الصحيح عن حجاج بن الشاعر وأبي أيوب سليمان بن عبد الله الغيلاني عن أبي عامر. قال الحليمي رحمه الله وإذا ظهر أنّ مآب المسلمين الجنّةُ، ومآب الكافرين النّار فقد قال الله عزّ وجلّ : ﴿إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينِ﴾ [المطففين: ٧] . و﴿إِنَّ كِتَابَ الأبْرَارِ لَفِي عِلَّيِّينِ﴾ [المطففين: ١٨]. وكان المعنى ما كُتِب لهؤلاء ولهؤلاء، عَلمنا إنّ السّجِّين خلافُ العَلَّيِّيْن، كما أنّ الفجّار خلافُ الأبرار؛ وسمّي الله جلّ ثناءه النّار الهاوية، ووصف الجنّة أنّها عَاليةٌ، وجاء في الحديث ((أنّ أرواح (خطأ) المؤمن تعلى به، ورُوحَ الكافر تهوى به)) ولم نعلم أحداً قال : إنّ الجنة في الأرض ، ثبت أنّ الجنة فوق السموات ودون العرش ويحتمل قول الله عز وجل : ﴿وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ﴾ [التكوير: ١١]. ٣٦٥ - أخرجه مسلم (٩٤/١) عن أبي أيوب سليمان بن عبيد الله الغيلاني وحجاج بن الشاعر كلاهما عن أبي عامر العقدي - به. ٣٣١ ٩ - باب في أن دار المؤمنين الجنة ودار الكافرين النار أنّها تُكشطُ عّما وراءها من الجنان ننظر آثارها، وأن يكون ذلك إزلافها في قوله : ﴿وَأَزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِين﴾ [الشعراء: ٩]. قال البيهقي رحمه الله . ٣٦٦ - وقد أخبرنا أبو الحسن المقرىء، أنا الحسن بن محمد بن إسحاق، ثنا يوسف بن يعقوب، ثنا عبد الله بن محمد بن أسماء، ثنا مهدي بن ميمون، ثنا محمد بن عبد الله بن أبي يعقوب، عن بشر بن شغاف، قال كُنّأ جلوساً مع عبد الله بن سلامٍ فذكر الحديث إلى أنْ قال: (وَإِنَّ أكرم الخلائق على الله تعالى أبو القاسم ◌َّهُ وإِنَّ الجنّة في السماء، وإنّ النّار في الأرض ؛ فإذا كان يومُ القيامة بعث الله الخلائق أُمّةً أُمّةً ونبيّاً ونبيّاً ، ثم يُوضَعُ الجِسْرُ على جهنّم ، ثم يُنَادِي مُنَادٍ أيْنَ أحمد وأمّته؟ فيقوم وتَتْبَعُه أمّته : بَرُّها وفاجرها ، فيأخذُون الجَسر، فَيَطمِسُ الله أبصار أعدائه ، فيتهافتون فيها من يمين وشمالٍ ، وينجو النبي ◌َّ والصالحون معه، وتَتلقّاهم الملائكة وثباً ، يُرونهمَّ منازلهم من الجنة : على يمينك ، على يسارك، ثم ذكر مرور كلّ نبيٍ وأمته) . قال : الحليمي رحمه الله وفي ورود الأخبار بذكر الصراط وهو جسر جهنّم بيان أنّ الجنة في العلوّ ، كما أنّ جهنّم في السفل إذ لو لم يكن كذلك لم يحتج الصائر إليها إلى جسر . قال وروي عن أنس أن النبي بَّ قال: ((إِنّ على جَهَنَّم جَسراً أدقَّ مِنَ الشَعْرِ مِن السيفِ أعلاه نحو الجنة، دحض مزلة، بجنبَيْه كلاليب، وحسك النار، يحبس الله به من يشاء من عباده، الزالّون والزالّت يومئذٍ كثير، والملائكة بجانبيْه قيام ينادون: اللهم سلّم، الّلهم سلّم فمن جاء بالحق جاز، ويُعْطَون النّور يومئذ على قدر إيمانهم وأعمالهم، فمنهم من يَمْضي عليه كلمح البرق، ومنهم من يَمضي عليه كَمَرّ الريح ومنهم من يمضي عليه كمر الفرس السابق ومنهم من يسير عليه، ومنهم من يهرول، ومنهم ٣٦٦ - سبق برقم (١٥٠). ٣٣٢ ٩ - باب في أن دار المؤمنين الجنة ودار الكافرين النار من يُعطى نوراً إلى موضع قدميه ، ومنهم من يَحْبُو حبواً، وتأخذ النار منه بذنوب أصابها ، وهي تُخْرق من يشاء الله منهم على قدر ذنوبهم حتّى تنجو، وتنجو أوّل أوّل زمرة سبعون ألفاً لا حساب عليهم ولا عذاب ، كأنّ وجوهَهم القمرُ ليلةً البدر ، والّذين يلونهم كأضواء نجم في السماء ، حتى يبلغوا إلى الجنة برحمة الله تعالى)). قال: البيهقي رحمه الله وهذا الحديث فيما: ٣٦٧ - أنا علي بن أحمد بن عبدان، أنا أحمد بن عبيد، ثنا إسماعيل بن محمد، حدثنا مكي بن إبراهيم، ثنا سعيد بن زربّي عن يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك حدّث عن النبي ◌َّ فذكره. قال: البيهقي رحمه الله وهذا إسناد ضعيف غير أن معنى بعض ما روي فيه موجود في الأحاديث الصحيحة التي وردت في ذكر الصراط، وقد ذكرناها في كتاب ((البعث)). قال: الحليمي رحمه الله: قوله في الصراط إنّه أدَقُّ من الشَّعْرة معناه أنّ أمر الصراط والجواز عليه أدقُّ من الشعر، أي يكون عسره ويسره على قدر الطاعات والمعاصي، ولا يعلم حدودَ ذلك إلّ الله عز وجل لخفائها وغموضها، وقد جرت العادة بتسمية الغامض الخفي دقيقاً، وضرب المثل له بدقة الشعرة، وقوله إنّه ((أحدُّ من السيف)) فقد يكون معناه - والله أعلم - أنّ الأمر الدقيق الذي يَصْدُرُ من عند الله إلى الملائكة في إجازة الناس على الصراط يكون في نفاذ حدّ السيف، ومُضيّه منهم إلى طاعته وامتثاله، ولا يكون له مردٌّ، كما أنّ السيف إذا نفذَ بحدّه وقوة ضاربه في شيء، لم یکن له بعد ذلك مردٌ. قال: البيهقي رحمه الله وهذا اللفظ من الحديث لم أجده في الروايات الصحيحة . وروي عن زياد النميري عن أنس مرفوعاً: ((الصراط كحدّ الشفرة أو كحدّ السيف)). وهي أيضاً رواية ضعيفة. وروي بعض معناه عن عبيد بن عمير عن النبي ◌َ ◌ّل مرسلاً وجاء عنه من قوله . ٣٣٣ ٩ - باب في أن دار المؤمنين الجنة ودار الكافرين النار وروى عن عبد الله بن مسعود أنّه قال: (الصراط في سواء جهنّم مَدْحضةٌ من له (خطأ) كحد السيف المُرهف). وروي عن سعيد بن أبي هلال أنه قال: بلغنا أنّ الصراط يوم القيامة وهو الجسر يكون على بعض الناس أدقَّ من الشعر وعلى بعضهم مثل الدار والوادي الواسع . فيحتمل أن يكون لشِدَّة مروره عليه وسقوطه عنه يشبه بذلك والله أعلم . وأمّا ما قيل في رواية أنس من ((أن أعلى الجسر نحو الجنة)) ففيه بيان أنّ أسفله نحو طرف الأرض وذلك لما مضى بيانه من أنّ جهنّم سافلة والجنة عالية . ٣٦٨ - أخبرنا أبو الحسن المقرىء، أنا الحسن بن محمد بن إسحاق، أنبا محمد بن أحمد بن البراء، أنبا عبد المنعم بن إدريس، حدثني أبي، عن وهب بن منبه، قال: إذا قامت القيامةُ، وقَضي الله بين أهل الدارين، أمر بالفلق، فيكشفُ عن سَقَرَ، وهو غطاؤُها فيخرج منه نارٌ، فتُحرق جهنم وتأكلها، كما تأكل النار في الدنيا القُطْنَ المندوف، فإذا وصلت البحرَ المُطبق على شَفير جهنّم - وهو بحر البحور - نسفته أسرع من طرفة العين نسفاً فنضب كأن لم يكن مكانه ماءٌ قطّ، وهو حاجز بين جهنّم والأرضين السبع فإذا انشقت ماءَ ذلك البحر اشتعلت في الأرضين السبع فتدعها جمرة واحدة. وقد روينا عن علي بن أبي طالب أنّه قال ليهودي: أين جهنّم قال: تحت البحر فقال عليٍّ: صدق ثم قرأ: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ [الطور: ٦]. قال: البيهقي رحمه الله ويحتمل ما حكيناه عن وهب بن منبه معنى ما قال الله عز وجل : ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضِ غَيْرَ الأرْضِ والسَّمَوَات﴾ [إبراهيم: ٤٨]. ويكون ذلك بعد ركوب الناس الصراط . كما روينا عن عائشة أنّها سألت النبي ◌َّ عن ذلك وقالت فأين الناس يومئذ؟ قال: ((على الصراط)). ٣٣٤ ٩ - باب في أن دار المؤمنين الجنة ودار الكافرين النار ثم قد قال بعض العلماء أن الكفار لا يجاوزون على الصراط لأنهم في معدن النار فإذ خلص المؤمنون وخلصوا على الصراط انفرد الكفار بمواقفهم وصار مواقفهم من النار . قال غيرهم إنهم يركبون الصراط ثم قد تكون أبواب جهنم فروجاً في الحشر كأبواب السطوح فهم يقذفون منها في جهنّم، ليكون غَمُّهم أشدّ وأفظَعَ، وإلقاؤهم من الجسر أخوفَ وأهْولَ، وفرحُ المؤمنين بالخلاص أكثر وأعظمَ، ولعلَّ قولَ الله عز وجل : ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ [يس: ٥٩]. يكون في هذا الوقت. وما في القرآن من قول الله عز وجل: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سألَهُمْ خَزَنْتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾ [الملك: ٨]. وقوله: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيد﴾ [ق: ٢٤]. كالدليل على هذا، لأن الإلقاء في الشيء أكثر ما يستعمل في الطرح من علّو إلى سفل والله أعلم بكيفية ذلك . وأما المنافقون فالأشبه أنّهم يركبون الجسر مع المؤمنين ليمشوا في نورهم فيظلم الله عز وجل على المنافقين فيقولون للمؤمنين: ﴿أَنْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُوُرِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً﴾ [الحديد: ١٣]. فيرجعون إلى المكان الذي قسم فيه النور على قدر إيمانهم وأعمالهم فلا یجدون شيئاً فینصرفون إلیهم وقد : ﴿ضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَّه بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ يُنَادُوْنَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾ نُصَلّي بصلاتكم ونغزو مغازيكم. ﴿قَالُوا بَلى وَلكِنَّكم فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [الحديد: ١٤]. فيحتمل - والله أعلم - أنّ هذا السُّورَ إنّما يُضرب عند انتهاء الصراط ويترك له باب يخلص منه المؤمنون إلى طريق الجنّة، فذلك هو الرحمة التي في باطنه، وأما ظاهره فإنّه يَلي النار، وإن كانت النار سافلة عنه لا محاذيه إيّاه. ما ٣٣٥ ٩ - باب في أن دار المؤمنين الجنة ودار الكافرين النار دام لم يجد المنافقون إلى باطن السور سبيلاً، فليس إلّ أن يُقذفوا من أعلى الصراط، يهوون إلى الدرك الأسفل من النار. هذا باستهزائهم بالمؤمنين في دار الدنيا كما شرحنا في ((كتاب الأسماء والصفات)). فصل (في قوله عزَّ وجلٌ)) ﴿فَوَ رَبّكَ لَنَحْشُرِنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِئِيّاً ثُمَّ لَنْزِعَنّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلى الرَّحْمنِ عِياً﴾ إلى قوله: ﴿وَنَذَرُ الظَّالِينَ فِيهَا جِئِيّاً﴾ [مريم: ٦٨ - ٧٢]. اختلف أهل التفسير في معنى هذا الورود فذهب عبد الله بن عباس في أصحّ الروايتين عنه إلى انّ المراد به الدخول واستشهدوا بقوله عزّ وجلّ : ﴿أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ لَوْ كَانَ هؤلاء آلِهِةً مَا وَرَدُوهَا وكُلُّ فيها خالدون﴾ [الأنبياء: ٩٨، ٩٩]. وبقوله: ﴿فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾ [هود: ٩٨]. والمراد به في هذا الموضع الدخول، كذلك قوله ((إِلّ وَارِدُهَا)) والمراد به الدخول وذلك حين جادله نافع بن الأزرق، قال لنافع بن الأزرق: أمّا أنا وأنت فسندخلها فانظر هل نخرج أم لا؟ . وروي عن عبد الله بن السائب عّمن سمع ابن عباسٍ يقولُ هم الكفار ولا يردها مؤمن. وهذا منقطع والرواية الأولى عن ابن عباس أكثر وأشهر، وروينا عن عبد الله بن رواحة أنه بكى وبكت امرأته لبكائه وقال: إنّ أعلم أنّ وارد النار ولا أدري أُناجٍ منها أم لا . وروى السدي عن مرّة الهمداني عن عبد الله بن مسعود أنّه حدّثهم عن رسول الله وَلّم أنّه قال: ((يرد الناسُ النّار ثم يصدرون بأعمالهم)). وفي رواية أخرى عنه عن مرّة عن عبد الله قال: يدخلونها أو قال: يلجونها ثم يصدرون منها بأعمالهم. وفي رواية أبي الأحوص عن عبد الله ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّ وَارِدُهَا﴾ قال: ٠ ٣٣٦ ٩ - باب في أن دار المؤمنين الجنة ودار الكافرين النار الصراط على جهنّم مثل حدّ السيف فتمرّ الطائفة الأولى كالبرق والثانية كالريح، والثالثة كأجود الخيل، والرابعة كأجود الإِبل والبهائم، يمرّون والملائكة يقولون: ربّ سلّم سّم. وقد ذكرنا أسانيد هذه الآثار في ((كتاب البعث)). وروينا عن سفيان عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله له : ((لا يَمُوتُ لِمُسلمٍ ثَلاثَةٌ مِنَ الْوَلد فَيَلِجَ النَّارَ إِلَّ تَحِلَّةَ الْقَسم)) ثم قرأ سفيان ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّ وَارِدُهَا﴾ ٣٦٩ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنا أحمد بن جعفر، ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي، ثنا سفيان بهذا الحديث. قال: البيهقي رحمه الله وهو مخرج في الصحيح. وفي رواية مالك عن الزهري في هذا الحديث: ((فتمسّه النار إلّ تحلة القمم)). وهذا يؤكد قول من قال: المراد بالورود الدخول. ٣٧٠ - أخبرنا أبو علي بن أحمد بن إبراهيم بن شاذان البغدادي بها، أنا عبد الله بن جعفر النحوي، قال: يعقوب بن سفيان، ثنا سليمان بن حرب أبو أيوب الواشحي، ثنا أبو صالح غالب بن سليمان، عن كثير بن زياد البرساني، عن أبي سمية قال: اختلفنا في الورود بالبصرة فقال قوم: لا يدخلها مؤمن، وقال: آخرون: يدخلونها جميعاً ثم ننجي الذين اتَّقوا ونذر الظالمين فيها جِثًِّ. فلقيت جابر بن عبد الله فسألته فقال: يدخلونها جميعاً فقلت إنا اختلفنا فذكر اختلافهم، قال: فأهوى جابرٌ بإصبعه إلى أذنه فقال: صُمَّت إن لم أكن سمعت رسول الله صل* يقول: ((الورود: الدخول لا يَبْقى بَرُّ وَلا فَاجِرٌ إِلّ دَخَلها، فتكُون عَلى الْمُؤْمِنِينَ بَرِداً وسلاماً، كما كانَتْ على إبَراهِيْم عليه السَّلام، حتّى أن النار (خطأ) أو قال ٣٦٩ - أخرجه المصنف من طريق أحمد بن حنبل في المسند (٢٣٩/٢ - ٢٤٠) عن سفيان - به. ٣٧٠ - أخرجه أحمد (٣٢٩/٣) عن سليمان بن حرب - به. وقال الهيثمي في المجمع (٥٥/٧) رواه أحمد ورجاله ثقات. ! ٣٣٧ ٩ - باب في أن دار المؤمنین الجنة ودار الكافرين النار لجهَنَّم فحيحاً من بردهم، ثم ننجي الَّذِيْنَ اتَّقَوْا ونذر الظَّالِمِيْنَ فِيْهَا جِثِيًّا)). قال: البيهقي رحمه الله هذا إسناد حسن ذكره البخاري في التاريخ وشاهده الحديث الثابت عن أبي الزبير عن جابر عن أم مبشر عن النبي وَّ مثله إلاّ أنّه قال: جامدة. قال أبو عبيد: وإنّما أراد تأويل قوله ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّ وَارِدَهَا﴾. فيقول وردوها ولم يصبهم من حرّها شيء إلّ ليبرّ الله قسمه. ٣٧١ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو العباس بن يعقوب، حدثنا محمد بن إسحاق الصغاني، ثنا حجاج بن محمد، قال: قال ابن جريج، أخبرني أبو الزبير أنّه سمع جابر بن عبد الله يقول أخبرتني أم مبشر انّها سمعت النبي ◌َّه يقول عند حفصة: ((لا يدخل النّار إن شاء الله من أصحاب الشجرة الذين بايعوا تحتها)). قالت بلى يا رسول الله فانتهرها فقالت حفصة ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلّ وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] فقال النبي ◌َّ: ((فقد قال الله عز وجل: ﴿ثُمَّ نُنَجّي الَّذِينَ اتَّقُوا وَنَذَّرُ الظَّالِمِينَ فِيْها جِثِيّاً﴾ [مريم: ٧٢])). رواه مسلم في الصحيح عن هارون بن عبد الله عن حجاج بن محمد . قال: البيهقي رحمه الله وهذا يحتمل أن يكون النبي وّ إنّما نفى عن أصحاب الشجرة دخول النّار دخول البقاء فيها، أو دخولاً يمسّهم منها أذىَّ لا أصل الدخول ألا تراه احتجّ بقوله: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَنَذَرُ الظَّالِمِيْنَ فِيهَا جِئِيّاً﴾ وقد يكون المحفوظ في الحديث الأول رواية سفيان بن عيينة فيكون ذلك ولوجاً من غير نارٍ وإصابة أذىٍّ. كما روينا عن خالد بن معدان وهو من أكابر التابعين أنّه قال: إِذَا دَخل أهلُ الجنّة الجنّة قالوا يا ربّ ألم تعدنا أنْ نرد النار قال: بلی مررتم بها وهي جامدة. وروينا عن مقاتل بن سليمان أنّه قال: يجعل الله النار على المؤمنين يومئذ ٣٧١ - أخرجه مسلم (٤ /١٩٤٢) عن هارون بن عبد الله عن حجاج بن محمد - به. ٣٣٨ ٩ - باب في أن دار المؤمنين الجنة ودار الكافرين النار برداً وسلاماً كما جعلها على إبراهيم عليه السلام. ٣٧٢ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو بكر أحمد بن علي بن محمد القاضي، ثنا أحمد بن سلمة بن عبد الله البزار، ثنا عمران بن موسى القزاز، ثنا عبد الوارث، ثنا الجريري، عن أبي السليل، عن عقبة بن عامر، قال تمسك النار يوم القيامة حتى تبيض، كأنها متن أهالة فإذا استوت عليها أقدام الخلائق برّهم وفاجرهم، نادى منادٍ أنْ خُذي أصحابك، ودعى أصحابي، قال: فَلَهِيَ أعرف بهم من الرجل بولده قال: فيخسف بهم ويخرج المؤمن منها نديَّة ثيابهم. كذا في الكتاب ((قال قال)) ولم يذكر قائله وهو معروف بكعب الأخبار. ٣٧٣ - أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي أنبا أبو الحسن الكارزي، أنا علي بن عبد العزيز، عن أبي عبيد، ثنا يزيد، عن الجريري، عن أبي السليل، عن غنيم بن قيس، عن أبي العوام، عن كعب قال: (يُجَاءُ بِجَهَنَّمَ يَومَ القِيَامة كأَنَّها متنُ إهالة حتى إذا استوت عليها أقدامُ الخلائق، نادى مُنادٍ خُذِي أصحابك ودعى أصحابي قال: فَيُخْسَفُ بأُولئكَ). قال أبو عبيد: ((الإِهالة)): ما أذيب من الألية والشحم، و«متن الإِهالة)): ظهرها إذا سكر (خطأ) الذائب منها في الإِناء. فإنما شبّه كعب سكونَ جهنم قبل أن يصير الكافر في جوفها بذلك. ومّما يبيّنه حديث خالد بن معدان قال أبو عبيد: ثنا مروان بن معاوية؛ ثنا بكار بن أبي مروان، عن خالد بن معدان قال: لمّا أدخل أهل الجنّة قالوا يا ربنا ألم تكن وعدتنا الورود قال: نعم ولكنّكم مررتم بجهنّم وهي جامدة. قال: أبو عبيد وحدثنا الأشجعي عن سفيان، عن ثور، عن خالد بن معدان مثله إلا أنه قال خامدة . قال أبو عبيد: وإنّما أراد تأويل قوله تعالى : ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلّ وَارِدُهَا﴾ فيقول وردوها ولم يُصِبْهم من حرّها شيء إلّ ليبرَّ الله قسمه. قال البيهقي رحمه الله: وقد يكون هذا الورود من وراء الصراط، كما ٣٣٩ ٩ - باب في أن دار المؤمنين الجنة ودار الكافرين النار قال: أبو الأحوص، عن عبد الله بن مسعود، وسمّاه باسم النار لأنّه جسرَ جهنّم، ومنه يُلْقَي فيها مَنْ يُلْقي، ومنه تَخْطِفُ الكلاليبُ من تخطف، وعليه الحَسَكُ وألوان العذاب ما عليه، إلّا أنّ الله تعالى يُنجّي الذين اتَّقوا يعني بالجواز عنه ويذر الظالمين فيها جثّاً أي في جهنم جثّاً على الرُّكب بعد ما يلقي فيها من الصراط، والله أعلم . وقد روينا في الحديث الثابت عن أبي سعيد الخدري عن النبي ◌َّ في حديث الرؤية قال: فُيُنصب الجسر على جهنّم، ويقولون اللهمّ سلّم سلّم قيل يا رسول الله وما الجسر قال: ((دحض مزلّة عليه خطاطيف وكلاليب وحسك ــ يكون ويسجر فيه شوك يقال له السعدان - فيمّر المؤمن كطرف العين، وكالبرق، وكأجاويد الخيل والركاب، فناج مسلم ومخدوش مرسل ومكدوس في (النار) (خطأ) جهنّم حتى إذا خلص المؤمنون من النار)) . وفي رواية عبد الله بن مسعود: ((فيمرون على قدر أعمالهم حتى يمرّ الذي نوره على إبهام قدمه يجر يد وتعلّق يد ويجر رجل وتصيب جوانبه النار فيخلصون فإذا خلصوا قالوا: الحمد لله الذي نجانا منك بعد الذي أراناك. وقد ذكرنا إسنادهما مع ما يشهد لهما في الخامس من كتاب ((البعث)). والله أعلم. وذلك يبيّن ما قلناه في الورود أنّه يحتمل أن يكون المراد به المرور على الصراط. والله أعلم . ٣٧٤ - أخبرنا محمد بن موسى بن الفضل، ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا أحمد بن عبد الحميد الحارثي، ثنا عبد الرحمن بن أبي حّماد، عن يحيى بن يمان، عن عثمان بن الأسود، عن مجاهد في قول الله عز وجل: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلّ وَارِدُهَا﴾ قال مَنْ حُمَّ من المسلمين فقد وَرَدَها. ٣٧٥ - أخبرنا أبو زكريا بن أبي إسحاق، ثنا أبو محمد أحمد بن عبد الله ٣٧٥ - قال الزبيدي في الإتحاف (٢٣٤/٩) رواه الطبراني وأبو نعيم والبيهقي والخطيب وضعفه = ٣٤٠ ٩ - باب في أن دار المؤمنين الجنة ودار الكافرين النار / فصل في فداء المؤمن المزني، ثنا أبو الحسن أحمد بن الحسين الصوفي ثنا، سمعت سليم بن منصور ابن عمار، يقول حدثني أبي، عن الهقل بن زياد، عن (خالد الدريك)(١) عن بشير بن طلحة، عن يعلى بن مُنْية قال: قال النبي ◌َّ : (إنّ النّار تقول يوم القِيَامة: يَامُؤْمنُ! جُزْ فقد أطفأ نُورُك لَهبي)). تفرد به سليم بن منصور وهو منكر. فصل ((في فداء المؤمن)) ٣٧٥ م - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنا أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي بمرو، ثنا سعيد بن مسعود، ثنا عبيد الله بن موسى، ثنا طلحة بن يحيى - ح. وأخبرنا أبو طاهر الفقيه، أنا أبو حامد بن بلال، ثنا أبو الأزهر، ثنا أبو أسامه، عن طلحة بن يحيى، عن أبي بردة بن أبي موسى، عن أبيه قال: قال رسول الله اليوم : ((إذا كانَ يَوْمِ الْقِيَامة دُفع إلى كُلِّ مؤمنٍ رجلٌ من أهل الملل فقيل له هذا فداُؤك من النّار)» . البيهقي ورواه الحكيم الترمذي في النوادر. = أخرجه أبو نعيم في الحلية (٣٢٩/٩) والخطيب في التاريخ (١٩٤/٥) من طريق سليمان بن منصور - به . ورواه الخطيب من طريق محمد بن جعفر عن منصور بن عمار عن خالد بن الدريك عن يعلى - به وقال الخطيب: هكذا قال عن منصور بن عمار عن خالد بن دُرَيْك. وروى هذا الحدیث سليم بن منصور بن عمار عن أبيه واختلف عليه فقال إسحاق بن الحسن الحربي عن سليم عن أبيه عن بشير بن طلحة عن خالد بن دريك عن يعلى . ورواه أحمد بن الحسين بن إسحاق الصوفي عن سليم عن أبيه عن هقل بن زياد عن الأوزاعي عن خالد بن الدريك عن بشير بن طلحة عن يعلى بن منبه والله أعلم. وقال الهيثمي في المجمع (٣٦٠/١٠) رواه الطبراني وفيه سليم بن منصور بن عمار وهو ضعيف. ١ - خالد بن دريك. ٣٧٥ مكرر- أخرجه مسلم (٢١١٩/٤) عن أبي بكر بن أبي شيبة عن أبي أسامة - به.