النص المفهرس

صفحات 301-320

٣٠١
٨ - باب في حشر الناس بعدما يبعثون من قبورهم/ فصل فیما یجاوز الله عن عباده
((إذا أراد عبدي أن يعمل سيئة فلا تكتبوها عليه حتى يعملها وإن عملها
فاكتبوها بمثلها وإِنْ تركها من أجلي فاكتبوها له حسنةً فإذا أراد أن يعمل حسنةً
فلم يعملها فاكتبوها له حسنةً فَإِنْ عملها فاكتبوها له بعشر أمثالها إلى سبعمائة
ضعف)).
رواه البخاري في الصحيح عن قتيبة .
٣٣٧ - أخبرنا أبو عبد الله، وأحمد بن الحسن، ومحمد بن موسی قالوا ثنا
أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا محمد بن إسحق الصغاني، ثنا أبو الجواب،
عن عمار بن رزيق، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال:
((جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النِّّ وَِّ فَقَالَ يَا رِسُولَ الله إِنِّي لأحدث نفسي بالحديث
لأن أخِرَّ من السماء أحبّ إِلَيَّ من أَنْ أَتَكَلَّم بِه قال ذلك صريح الإِيمان)).
رواه مسلم في الصحيح عن الصغاني.
ورواه سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة قال:
((جاء ناس من أصحاب رسول الله وَيّر فقالوا يا رسول الله إنّا نَجِدُ فِي
أنْفُسِنَا الشيء ما نحِب أنْ نتكلم به فقال رسول الله وََّ: أو قَد وجَدْتّمُوه؟ قالوا:
نعم. قال: «ذلك صریح الإِيمان)) .
٣٣٨ - أخبرنا أبو عبدالله الحافظ، أنا أبو بكر بن إسحاق الفقيه أنا أحمد بن
سلمة، ثنا إسحاق بن إبراهيم، أنا جرير، عن سهيل بن أبي صالح فذكره.
رواه مسلم في الصحيح عن زهير بن حرب.
٣٣٩ - أخبرنا أبو طاهر الفقيه من أصل سماعه، ثنا أبو عثمان عمرو بن عبد الله
البصري، ثنا أبو أحمد محمد بن عبد الوهاب قال: سمعت علي بن عَثَّام يقول
أتيت سُعير بن الخمس فسألته عن حديث الوسوسة فلم يحدثني فأدبرت أبكي ثم
لقيني فقال لي حدثنا مغيرة عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال سألنا رسول
٣٣٧ - أخرجه مسلم (١١٩/١) عن محمد بن إسحاق وغيره - به.
٣٣٨ ۔ أخرجه مسلم (١١٩/١) عن زهیر بن حرب عن جریر - به.
٣٣٩ - أخرجه مسلم (١١٩/١) عن يوسف بن يعقوب عن علي بن عثام - به.

٣٠٢
٨ - باب في حشر الناس بعدما يبعثون من قبورهم / فصل فيما يجاوز الله عن عباده
اللّهَ وَّل عن الرجل يجد الشيء لوخرّ من السماء فتخطفه الطير كان أحبّ إليه مِنْ
أنْ يتكلم به قال: ((ذاك محض أو صريح الإِيمان)).
رواه مسلم في الصحيح عن يوسف بن يعقوب الصفّار عن علي بن عثام.
قال البيهقي رحمه الله ورواه جرير وسليمان التيمي وأبو عوانة وأبو جعفر
الرازي عن مغيرة، عن إبراهيم مرسلاً وهو فيما ذكره شيخنا أبو عبد الله عن أبي
علي الحافظ.
٣٤٠ - أخبرنا أبو طاهر الفقيه ، أنا أبو طاهر محمد بن الحسن
المحمد آبادي ، ثنا أبو قلابة، ثنا أبو الوليد، ثنا شعبة، عن منصور وسليمان،
عن ذرّ عن عبد الله بن شداد، عن ابن عباس أنّ رجلًا قال:
((يا رسول الله تحدثني نفسي من أمر الربّ لأن أَكونَ حُمَمَةً أَحَبّ إِلَيَّ مِنْ
أَنْ أَتَّكَلّمَ به فقال أحدهما الحمد لله الّذي لم يقدر لكم إلّ على الوسوسة فقال
الآخر الحمد لله الّذي ردّ أمره إلى الوسوسة)).
٣٤١ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو عبد الله إسحاق بن محمد بن
يوسف السوسي، ومحمد بن موسى قالوا ثنا أبو العباس الأصم، ثنا هارون بن
سليمان الأصبهاني، ثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان عن منصور، عن
ذرّ، عن عبد الله بن شدّاد، عن ابن عباس أنّ رجلاً قال للنبي وَّ :
(يا رسول الله إِنِي أجِدُ في نَفْسِي شيئاً لأن أكون حممة أحبّ إِلَيّ فقال: الحمد لله
الّذي ردّ أمره إلى الوسوسة).
٣٤٢ - أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن عبدان، أنا أبو بكر محمد بن
أحمد بن محمويه العسكري، ثنا جعفر بن محمد القلانسي، ثنا آدم بن أبي
أياس، ثنا شيبان، ثنا قتادة، عن ذرِّ أبي عمر، عن عبد الله بن شداد بن الهاد،
عن ابن عباس أنّ رجلاً قال:
٣٤٠ - أخرجه أحمد (١ /٣٤٠) من طريق شعبة - به .
٣٤١ - أخرجه أحمد (٢٣٥/١) من طريق سفيان - به .
٣٤٢ - أخرجه أبو داود (٥١١٢) من طريق منصور - به.

٣٠٣
٨ - باب في حشر الناس بعدما يبعثون من قبورهم / فصل في القصاص من المظالم
((يا رسول الله إنّ أحدنا ليحدّث نفسه تعرض له بالشيء لأن يكون حمماً
أحبّ إليه مِنْ أَنْ يتكلم به فقال رسول الله وَّ: الله أكبر الله أكبر الحمد لله الّذي
ردّ أمره إلى الوسوسة)).
٣٤٣ - أخبرنا أبو الحسين بن الفضل، ثنا عبد الله بن جعفر، ثنا
يعقوب بن سفيان، حدثني عبد العزيز بن عبد الله الأويسي، ثنا إبراهيم بن
سعد، عن ابن شهاب، عن يحيى بن عمارة بن أبي حسن المازني بلغه أنّ رجالاً
من أصحاب رسول الله و ◌َلل سألوا رسول الله وَلّ عن الوسوسة التي يوسوس بها
الشيطان في أنفسهم فقالوا :
((يا رسول الله أشياء نجدها في أنفسنا يسقُطُ أحدُنا من عند الثريّا أحبّ إليه
من أن يتكلم به فقال النبي وَلّ: أوَجدْتُمْ ذلك؟ ذاك صريح الإِيمان، إنّ الشيطان
يريد أن يوقع العبد فيما دون ذلك فإذا عُصِم منه وقع فيما هنالك)) .
قال البيهقي رحمه الله وإنما الإِيمان اغتمامه بما وقع في قلبه مما لا طاقة له
بدفعه وكراهيته له وإشفاقه محبة وبالله العصمةُ .
فصل
(في القصاص من المظالم))
٣٤٤ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب، ثنا
محمد بن نعيم، ثنا قتيبة بن سعيد، ثنا إسماعيل بن جعفر، عن العلاء بن عبد
الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة أنّ رسول الله وَّ قال:
((قال: أَتَدْرُونَ مَنِ الْمُفلسُ ؟ قالوا: المفلسُ من لا درهم له ولا متاع
فقال: ((إنّ المُفلسَ مِنْ أَمَّتِي يَأتي يوم القيامة بصلاة وصِيام وزكاة ويأتي قد شَتَمَ
هذا، وقَذَفَ هذا، وأكَلَ مالَ هذا، وسَفَكَ دَمَ هذا، وَضَرَبَ هذا، فَيُعْطَي هذا
من حسناته، وهذا من حسناته فإن فَنِيَتْ حَسَنَاتُه قبل أنْ يُقْضى ما عليه، أَخذَ من
٣٤٣ - أخرجه أحمد (٤٤١/٢) من حديث أبي هريرة دون قوله «إن الشيطان يريد أن يوقع ... )) الخ.
٣٤٤ ۔ أخرجه مسلم (٤ /١٩٩٧) عن قتيبة بن سعيد - به .
أ

٣٠٤
٨ - باب في حشر الناس بعدما يبعثون من قبورهم / فصل في القصاص من المظالم
خطاياهم فطُرِحَتْ عليه ثمّ طُرِحَ في النار)) .
رواه مسلم في الصحيح عن قتيبة .
قال البيهقي رحمه الله وقد ذكرنا متن هذا الحديث في ((باب زيادة الإِيمان
ونقصانه)) وقد ذكرنا تفسيره وهو أن من لم يَرَ إحباطَ الحسنة بالسيئة في الإِيمان
يقول: يُعْطي خصمه من أجر حسناته الذي تقابل عقوبة سيّئاته ولا يذهب
جميعُه، لأنّ أجر حسناته لا نهاية له وعقوبة سيئاته له نهاية فلا يستحق ما لا نهاية
له بما له نهاية وقوله ((إن فَنِيتْ حسناته)) يعني آخرها قابل منها بسببه والله أعلم.
٣٤٥ - أخبرنا أبو عمرو محمد بن عبد الله الأديب، أنا أبو بكر
الإِسماعيلي، أخبرني الحسن بن سفيان وأبو يعلى قالا ثنا محمد وهو ابن
المنهال ثنا يزيد بن زريع ثنا سعيد، عن قتادة، عن أبي المتوكل، عن أبي سعيد
الخدري عن النبي ◌َّر في هذه الآية:
﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِّنْ غِلِّ إْوَاناً عَلى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧].
قال: ((يَخْلُصُ المؤمنون على الصّراط فُيُحبسون على قنطرة بينِ الجنّة
والنّار فِيَقْتَصُّ لبعضهم مِنْ بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا حتى إذا هُذُّبوا
ونُقُّوا أُذِنَ لهم في دخول الجنة فَوَالله إنّ أحدهم لأهدى لمنزله في الجنة من منزله
في الدنيا)) . قال قتادة: كان يقال ما يشبّه بهم إلّ أهل الجمع انصرفوا من
جمعهم .
رواه البخاري في الصحيح عن الصلت بن محمد، عن يزيد بن زريع.
قال البيهقي رحمه الله وهذا يحتمل أنْ يكون المراد به حتى إذا هذبوا
ونقوا بأن یرضی عنھم خصماؤهم. ورضاهم قد یکون بالاقتصاص کما مضى
في حديث أبي هريرة، وقد يكون بأن يُثيبَ الله المظلومَ خيراً من مظلمته ويعفو
عن الظالم برحمته .
٣٤٦ - وقد روي فيه ما: حدثنا أبو محمد عبد الله بن يوسف الأصبهاني،
٣٤٥- أخرجه البخاري (١٣٨/٨ و١٣٩) عن الصلت بن محمد - به یزید بن زريع - به.
٣٤٦ - أخرجه عبد الله بن أحمد في زوائده على المسند (١٤/٤ - ١٥) من طريق عبد القاهر بن
السري - به .
٠

٣٠٥٠
٨ - باب في حشر الناس بعدما يبعثون من قبورهم/ فصل في القصاص من المظالم .
أنا أبو بكر محمد بن الحسين القطّان، ثنا علي بن الحسن بن أبي عيسى
الهلالي، ثنا أبو داود الطيالسي، ثنا عبد القاهر بن السري، حدثني ابن لكنانة بن
العبّاس بن مرداس السلمي، عن أبيه، عن جده عباس بن مرداس:
(أنّ رسول الله وَّ دعا عشية عرفة لأمته بالمغفرة والرّحمة، فأكْثَر الدُّعاءَ
فأوحى الله إليه أني قد فعلتُ إلّ الظلم بعضهم بعضاً، وأمّا ذُنوبُهم فيما بينهم
وبيني قد غفرتُها، فقال: ((ياربّ إنّك قادرٌ على أن تُثِيبَ هذا المظلومَ خيراً من
مَظْلمته، وتغفر لهذا الظالم)). فلم يُجِبهُ تلك العشية فلمّا كان غداة المزدلفة أعاد
الدعاء فأجابه أنّي قد غفرتُ لهم. قال فتبسّم رسول الله (مليار فقال له بعض
أصحابه يا رسول الله تبسّمت في ساعة لم تكن تتبسّم فيها، قال: ((تبسّمتُ من
عدوّ الله إبليس أنَّه لمّا علم أنّ الله تعالى قد استجاب لِي فِي أُمّتِي أهوى يدعو
بالْوَيْل والثبور ويحثو التراب على رأسه))).
قال البيهقي رحمه الله وهذا الحديث له شواهد كثيرة وقد ذكرناها في
كتاب ((البعث)) فإن صحّ بشواهده ففيه الحجّة وإن لم يصحّ فقد قال الله عز
وجل: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَّشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨، ١١٦] وظلم بعضهم
بعضاً دون الشرك.
وفي الحديث الثابت عن زيد بن وهب عن أبي ذرّ عن النبيِ وَّ قال:
((أتاني جبريل فأخبرني أنه من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة))
قال: قلت يا رسول الله وإِنْ زَنى وَإِنْ سَرَق قال: ((وَإِنْ زَنى وَإِنْ سَرَقَ)).
٣٤٧ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا محمد بن صالح بن هانىء، ثنا
السري بن خزيمة، ثنا عمر بن حفص، ثنا أبي، ثنا الأعمش، ثنا زيد بن وهب،
فذكره. في حديث طويل.
رواه البخاري في الصحيح عن عمر بن حفص.
وأخرجه مسلم من أوجه أحدها عن الأعمش.
قال: البيهقي رحمه الله رواه أبو الأسود الديلي عن أبي ذرّ عن النبي ◌ِّ
٣٤٧ - أخرجه البخاري (١١ /٦١ فتح) عن عمر بن حفص بن غياٹ عن أبيه - به.
وأخرجه مسلم (٢ /٦٨٧) من طريق أبي معاوية عن الأعمش - به.

٣٠٦ _
٨ - باب في حشر الناس بعدما يبعثون من قبورهم / فصل في القصاص من المظالم
قال: (ما من عبدٍ قال: لا إله إلّ الله ثمّ مات على ذلك إلّ دخل الجنّة)) قال:
قلتُ وإِنْ زَنى وإِنْ سَرَق قال: ((وإِنْ زنى وإنْ سرق على رغم أنف أبي ذرّ).
وقد أخرجاه في الصحيح وله شواهد عن أبي الدرداء عن النبي ◌َّ، ثم
عن عثمان بن عفان، وعبد الله بن مسعود، وعبادة بن الصامت، وجابر بن
عبد الله، وغيرهم عن النبي ◌َّ وليس بين هذه الأحاديث وبين حديث أبي هريرة
وأبي سعيد منافاة .
وقد يكون دخوله الجنّة بعد الاقتصاص، والاقتصاص قد يكون
بالتعذيب على مَا طُرح عليه من السيئات فيبقى مرتهناً بسيئاته وسيئات خصمه وقد
يثيب الله تعالى المظلوم ويعفو عن الظالم إنْ صحّ الخبر الوارد به.
٠
أما التعزيز بالنفس فما لا يرضاه عاقل، ومن لا يصبر على وجع سِنّ وحُمَّى
يومٍ فحقيقٌ أن يحترز من أمر يُعَرِّضه لِعَذَابٍ وجيعٍ وَعِقَابٍ ألِيم، لا يعلم
شدّته ولا نهايته إلا الله عز وجل، وقد جاء في حديث أبي ظلال عن أنس بن
مالك عن النبي وَيّ ((أنَّ عبداً في جهنم يُنادي ألف سنة يا حنَّنُ يا منَّانُ حتّى يأمر
به جبريل عليه التسليم فيخرجه منها)» نعوذ بالله من عذاب الله عزّ وجلّ.
٣٤٨ - أخبرنا أبو سعيد بن أبي عمرو، أنا أبو عبد الله الصفّار، ثنا أبو
بكر بن أبي الدنيا، ثنا محمد بن حسّان الأزرق، ثنا عبد الرحمن بن مهدي،
قال کان حزم بن أبي حزم يقول:
(الّلُهُمّ مَنْ ظَلَمِنَاهُ بِمِظْلِمَة فأثِبْهُ من مظلمتنا خيراً، وَاغْفِرْهَا لَنَا وَمَنْ ظَلَمْنَا
بمظلمة فأثْنَا مِنْ مَظْلَمَتِهِ واغْفِرْهَا لَه).
٣٤٩ - قال وثنا أبو بكر حدثني رجل من عبد القيس من أهل البصرة قال
كانت رابعة العابدة تقول:
(الّلهُمّ وهبتُ من ظَلَمني فاسْتَوِهِبْني مّمن ظَلَمْتُ).
1

٣٠٧
٨ -باب في حشر الناس بعدما يبعثون من قبورهم/ فصل في في صفة يوم القيامة
فصل
((في كيفية انتهاء الحياة الأولى وابتداء الحياة الأخرى
وصفة يوم القيامة))
قال البيهقي رحمه الله اما انتهاء الحياة الأولى فإنّ لها مقدمات تسمّى
أشراط الساعة وهي أعلامها: منها خروج الدجال، ونزول عيسى ابن مريم عليه
السلام، وقتله الدجّال.
ومنها خروج يأجوج ومأجوج.
ومنها خروج دابة الأرض.
ومنها طلوع الشمس من مغربها فهذه هي الآيات العظام.
وأمّا ما يتقدم هذه من قبض العلم، وغلبة الجهل، واستعلاء أهله وبيع
الحكم، وظهور المعازف، واستفاضة شرب الخمر، واكتفاء النساء بالنساء،
والرجال بالرجال، وإطالة البنيان، وإمارة الصبيان، ولعن آخر هذه الأمّة أولها،
وكثرة الهرج، وغير ذلك فإنها أسباب حادثة، ورواية الأخبار المنذرة بها بعد ما
صار الخبر عياناً تكلّف وقد رويناها مع ما ورد في الأعلام العظام في كتاب
((البعث والنشور)) فأغنى عن إعادتها ها هنا وبالله التوفيق.
وإذا انقضت الأشراط وجاء الوقت الذي يريد الله عز وجل إماتة الأحياء
من سكَّان السموات والبحار والأرضين، أمَرَ إسرافيل عليه السلام وهو أحد حملة
العرش في قول بعض أهل العلم وصاحب اللوح المحفوظ فينفخ في الصور وهو
القرن .
٣٥٠ - أخبرنا أبو علي الروذباري، ثنا أبو بكر محمد بن مهرويه الرازي،
ثنا عمرو بن تميم، ثنا أبو نعيم، ثنا سفيان الثوري، عن سليمان التيمي، عن
أسلم العجلي، عن بشر بن شغاف، عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال سئل
النبي ◌َّة عن الصور قال:
٣٥٠ - أخرجه أحمد (١٦٢/٢) والترمذي (٢٤٣٠ و٣٢٤٤) والحاكم (٥٠٦/٢) من طريق سليمان
التيمي - به.
وقال الترمذي ((حسن)) إنما نعرفه من حديث سليمان التيمي. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.

٣٠٨ -
٨ - باب في حشر الناس بعدما يبعثون من قبورهم/ فصل في صفة يوم القيامة
(قَرْنٌ يُنْفَخُ فيه).
٣٥١ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنا أبو الفضل بن إبراهيم، ثنا
أحمد بن سلمة ثنا محمد بن بشار، ثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن
النعمان بن سالم، قال: سمعت يعقوب بن عاصم بن عروة بن مسعود قال:
سمعت رجلاً قال لعبد الله بن عمرو: إنك تقول الساعة تقوم كذا وكذا فقال:
لقد هممتُ ألا أحدّثكم بشيء، إنما قلت إنكم تَرَونَ بعد قليل أمراً عظيماً،
فكان حريق البيت. فقال شعبة هذا أو نحوه قال عبد الله بن عمرو قال رسول
اللّه مَالغد :
((يَخْرِجُ الدجّال في أمّتي فيمكث فيهم أربعين لا ندري أربعين يوماً أو
أربعين شهراً أو أربعين عاماً. فيبعث الله عز وجل عيسى ابن مريم كأنه عروة بن
مسعود الثقفي فيطلبه ڤيُهلكه، ثم یلبث الناس بعده سبع سنين ليس بين اثنين
عداوةٌ. ثم يرسل الله عز وجل ريحاً بارداً مِنْ قِبَل الشام، فلا يبقى أحدٌ في قلبه
مثقالُ ذرّة من الإِيمان إلّا قبضَتْه، حتى لو أنّ أحدكم دخل في كَبِدٍ جَبَلٍ لدخلَتْ
عليه قال سمعتها من رسول الله وَل# ((ويبقى شرار الناس في خفة الطير، وأحلام
السّباع، لا يعرفون معروفاً ولا ينكرون منكراً فيتمثل لهم الشيطان فيقول ألا
تستحيون فيأمرهم بالأوثان فيعبدونها، وهم في ذلك دارّة أرزاقهم، حَسَنٌ
عيشُهُم ثمّ يُنْفَخ في الصور فلا يسمعُه أحدٌ إلّ أصغى ليتاً - ورفع فيدار (وهو
خطأ) إحدى منكبيه - وأوّل مَنْ يسمعه يلُوط حوضَه فَيَصْعَق ، ثم لا يبقى أحد إلّ
صَعِقَ ، ثم يرسلُ أو يُنزل الله مطراً كأنّه الطَّلُّ أو الظُّلُّ - النعمان الشاك - فينبت
منه أجسادُ الناس ثم يُنفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون ثم يُقال يا أيّها الناس
هلُمّوا إلى ربكم عز وجل، وقِفُوهم إنهم مسؤولون ثم يقال أخرجوا بَعْثَ النار،
فيقال كم؟ فيقال من كلّ ألف تسعمائة وتسعة وتسعون)) .
قال محمد بن جعفر وحدثني شعبة بهذا الحديث مرّاتٍ وعرضته عليه.
رواه مسلم في الصحيح عن محمد بن بشار.
قال البيهقي رحمه الله ولم يذكر عبد الله بن عمرو في هذا الحديث سائر
٣٥١ - أخرجه مسلم (٢٢٦٠/٤) عن محمد بن بشار - به.

٠ ٠
١٣٠٩
٨ - باب في حشر الناس بعدما يبعثون من قبورهم/ فصل في صفة يوم القيامة
الاعلام من خروج يأجوج ومأجوج والدابة وطلوع الشمس من مغربها، وقد ذكر
غيره خروج يأجوج ومأجوج بعد نزول عيسى بن مريم وإرسال الله عليهم النغف
وموتهم في قيام الساعة بعد ذلك. وذكر هو عن النبي وَ لّ انّ أول الآيات خروجاً
طلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة على الناس ضحىَّ فأيهما كانت قبل
صاحبتها فالأخرى على أثرها وقال من قِبَل نفسه: فأظن أوّلها خروجاً طلوع
الشمس من مغربها. وإنما قال ذلك عبد الله بن عمرو حين أخبر بقول مروان بن
الحكم انّ أول الآيات خروجاً الدجّال فإذا كان حديث عبد الله صحيحاً فهو أولى
من غيره. وهو صحيح لا شكّ فيه لصحة إسناده، والله أعلم. ولا شكّ في كون
هذه الآيات قبل النفخ في الصور تَقَدَّمَ بعضُها أو تأخّر وكلما هو آت قريبٌ.
٣٥٢ - أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان، ثنا أحمد بن عبيد الصفّارِ، ثنا
جعفر بن محمد الفريابي، ثنا أبو عمرو سعيد بن حفص خال النفيلي، ثنا
موسى بن أعين، عن الأعمش، عن أبي صالح عن أبي سعيد وعن عمران يعني
البارقي عن عطية عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله وَاليه :
((كيف أنعمُ وصاحبُ القرن قد التقمه فأصغى سمعَه وحَنا جَبِينَه ينتظرُ مَتى
يؤمُرُ فِيَنْفُخْ)) قالوا يا رسول الله كيف نقول قال: قُولُوا حَسْبُنَا الله ونعمَ الوَكِيلُ على.
الله تَوَكَّلْنا)).
٣٥٣ - أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن محمد بن بالويه المزكى، أخبرنا
أبو وليد الفقيه، ثنا إبراهيم بن علي، ثنا يحيى بن يحيى، ثنا موسى بن أعين
فذكر حديث أبي صالح بمعناه.
قال البيهقي رحمه الله فإذا نُفِخَ فِي الصَّور فَصَعِقَ من في السموات ومن
في الأرض كما قال الله عز وجل :
﴿وَنُفِخَ فِي الصُورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلّ مَنْ شَاءَ
الله﴾ [الزمر: ٦٨].
٣٥٢ و٣٥٣ - أخرجه ابن المبارك في الزهد (١٥٩٧) والترمذي (٢٤٣١) وابن ماجة (٤٢٧٣) وأحمد
(٧/٣ و٧٣) وأبو نعيم في الحلية (١٠٥/٥، ١٣٠/٧ و٣١٢) من طرق عن عطية العوفي -
به وقال الترمذي حسن.
وأخرجه ابن حبان (٢٥٦٩ موارد) والحاكم (٥٥٩/٤) من طريقين عن الأعمش عن أبي صالح - به.

٣١٠
٨ - باب في حشر الناس بعدما يبعثون من قبورهم / فصل في صفة يوم القيامة
واختلفوا في هذا الاستثناء فروي عن جابر بن عبد الله أنّه قال: موسى
فيمن استثنى الله فإنه قد صعق مرّة وهذا لما في الحديث الثابت عن أبي هريرة
في قصة المسلم الذي لطم اليهودي حين قال: والذي اصطفى موسى على
البشر فقال النبي ◌َّ: ((لا تُفَضِّلُوا بين أنبياء الله فإنّه يُنْفَخْ في الصُّور، فصعق من
في السموات ومن في الأرض إلّ من شاء الله، ثمّ يُنْفخ فيه أخرى فأكون أوَّل من
بُعث أو في أوَّل مَن بُعِثَ فإذا موسى آخذٌ بالعرش فلا أدري أُحُوسب بصعقة يوم
الطور أم بعث قبلي)).
وهذا حديث صحيح .
قال البيهقي رحمه الله ووجهه عندي أنّ نبيّنا ◌َّر أخبر عن رؤية جماعة من
الأنبياء ليلة المعراج، وإنما يصحُّ ذلك على تقدير أنّ الله تعالى ردّ إليهم
أرواحهم فهم أحياء عند ربهم، فإذا نفخ في الصور النفخة الأولى صعقوا فيمن
صعق ثم لا يكون ذلك موتاً في جميع معانيه إلّ في ذهاب الاستشعار فإن كان
موسى ممن استثنى عز وجل بقوله: ﴿إِلَّ مَنْ شَاءَ الله﴾ فإنه لا يذهب استشعاره
في تلك الحالة والله أعلم.
وروينا عن سعيد بن جبير أنّه قال هم الشهداء ثنية الله عز وجل مقلّدي
السيوف حول العرش .
وروي فيه حديث مرفوع عن زيد بن أسلم عن أبيه عن أبي هريرة عن
النبي ◌َّل أنّه سأل جبريل عليه السلام عن هذه الآية وقال: ((ومن الذين لم يشأ
الله عزّ وجلّ أنْ يصعقوا؟)) قال هم شهداء الله عز وجل وهذا لأنّ الله عز وجل
أخبر في كتابه: أنّهم ﴿أَحْيَاء عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُون﴾ [آل عمران: ١٦٩]. فلا
يموتون في النفخة الأولى فيمن يموت من الأحياء والله أعلم.
وروينا عن زيد بن أسلم أنه قال:
(الذين استثنى الله عز وجل اثنا عشر جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك
الموت وحملة العرش ثمانية).
وذهب الحليمي رحمه الله إلى اختيار قول من قال إنّ الاستثناء لأجل
الشهداء، ورواه عن ابن عباس، وحمل قول النبي ◌َّ في موسى عليه السلام
:

٣١١
٨ - باب في حشر الناس بعدما يبعثون من قبورهم/ فصل في صفة يوم القيامة
على أنّه لم يدر أبُعث قبل غيره من الأنبياء تخصيصاً له عليه السلام كما فضل في
الدنيا بالتكليم، أو قُدّم بعثه على بعث غيره من الأنبياء عليهم السلام بقدر
صعقته عندما تجلّی ربّه للجبل إلی إن أفاق ليكون هذا جزاء له بها، وليس فيه
أن يموت عند النفخة الأولى .
وضَعَّف قول من زعم الاستثناء لأجل الملائكة الذين سماهم
لأنهم ليسوا من سكان السموات والأرض لأن العرش فوق السموات كلها
وجبريل وميكائيل من الصافين المسبّحين حول العرش فلم يدخلوا في الآية .
وكذلك لا يدخل فيها الولدان والحور لأنّ الجنّة فوق السموات، والآية
في سكان السموات والأرض؛ ثم قد ورد في بعض الآثار: أنه يُميتُ حملةً
العرش، ويُميتُ جبريل وميكائيل ومَلَك المَوت، ثم ينادي لِمَن الملكُ اليوم فلا
يجبه أحد فيقول هو: لله الواحد القهار.
وقد روي فيه حديث مرفوع في إسناده ضعف وقد ذكرناه في كتاب
((البعث)).
وأمّا الجنّة وما فيها من الحور الحيوان فإنّها خلقت للبقاء لا للفناء، وهي
دار لذّة وسرور ولم يأتنا خبر بموت من فيها.
فإن قيل: قد قال الله عز وجل :
﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥].
﴿كُلُّ شَيءٍ هَالِكٌ إِلّ وَجْهَهِ﴾ [القصص: ٨٨].
قال الحليمي رحمه الله: بحتمل أن يكون معناه مَا مِنْ شيء إلّ وهو قابل
للهلاك، فَيهلك إنْ أراد الله به ذلك إلّ وَجْهه، أي إلّ هو فإنّه تعالى جدّه قدیم،
والقديم لا يجوز عليه الفناء، وما عداه مُحدث والمحدث إنما يبقى قدر ما يُبْقيه
مُحْدِثه فإذا حبس البقاء عني (خطأ) فَنِيَ. ولم يبلغنا في خبرِ أنه يُهلك العرش
ويُفْنيه فلتكن الجنة مثله والله أعلم.
قال البيهقي رحمه الله ورويناه عن سفيان الثوري انّه قال: في تفسير هذه
الآية كلّ شيء هالكٌ إلّ ما أُريد به وَجْهه.

٣١٢
٨ -باب في حشر الناس بعدما يبعثون من قبورهم / فصل في صفة يوم القيامة
وفي رواية إلّ ما ابتُغِى به وجهُه من الأعمال الصالحة.
فإذا مات الأحياء كلهم وجاء وقت النفخة الأخرى فقد جاء في حديث
الصور وهو حديث روي عن محمد بن كعب عن رجل عن أبي هريرةٍ عن
النبي ◌َّ وفي إسناده مقال فذكر قصة في النفخة الأولى وما بعدها وذكر موت
جبريل ومیکائیل ثم موت حملة العرش وموت إسرافيل ثم موت ملك الموت، ثم
ينزل ماء من تحت العرش كمني الرجال ثم يأمر السماء أنْ تمطر أربعين يوماً،
ويأمر الأجساد أنْ تنبت كنبات الطرائيث أو كنبات البقل، حتى إذا تكاملت
أجسادهم قال الله تعالى لِيَحْبَى حملة العرش فَيَحْيَون ثم يقول لِيَحْبَى جبريل
وميكائيل أظنّه وذكر معهما غيرهما، فیحیون فيأمر الله عز وجل إسرافيل فيأخذ
الصور فيضعه علي فيه، ثم يدعو الله بالأرواح فُيُؤتى بها، تتوهَّج أرواح المؤمنين
نوراً والأخرى ظلمة فيُلقيها في الصور ثم يأمر الله إسرافيل أنْ يَنْفُخَ فيه نفخة
البعث فتخرج الأرواح كأنها النحل، قد ملأتْ ما بين السماء والأرض، فيقول
الله وعزَّتي وجلالي ليرجعَنَّ كُلُّ روح إلى جسده، فتدخل الأرواح في الخياشيم
ثم تمشي في الأجساد مشي السَّمّ في اللديغ ثمّ تنشقّ الأرض عنهم سراعاً.
٣٥٣ م - وهذا فيما قرىء إسناده على الاستاذ أبي إسحاق الإِسفراييني وأنا
أسمع أنّ أبا بكر محمد بن عبد الله الشافعي أخبرهم، ثنا أبو قلابة الرقاشي، ثنا
أبو عاصم، ثنا إسماعيل بن رافع، عن محمد بن يزيد بن أبي زياد، عن
محمد بن كعب القرظي عن رجل من الأنصار، عن أبي هريرة عن النبي ◌َّ .
وروينا في حديث آخر بإسناد ضعيف عن ابن عباس في صفة القيامة فذكر
فيه صفة الصور وعظمه وعظم إسرافيل ثم قال:
فإذا بلغ الوقت الذي يريد الله أمرَ إسرافيل فينفخ في الصور النّفخة
الأولى، فتهبط النفخة من الصّور إلى السموات فيصعق سكّان السموات
بحذافيرها، وسكان البحر بحذافيرها ثمّ تَهْبِطُ النفخةُ إلى الأرض، فَيَصْعَق
سكّان الأرض بحذافيرها، وجميع عالم الله وبريَّته فيهنّ من الجنّ والإِنس والهوام
والأنعام. قال وفي الصّور من الكوى بعدد من يذوق الموت من جميع الخلائق
٣٥٣ /مكرر - أخرجه البيهقي في البعث (٦٦٩) بنفس الإسناد مطولاً .

٣١٣
٨ - باب في حشر الناس بعدما يبعثون من قبورهم/ فصل في صفة يوم القيامة
فإذا صعقوا جميعاً، يقول الله عز وجل يا إسرافيلُ مَنْ بقي؟ فيقول: بقي إسرافيل
عبدك الضعيف. فيقول مُتْ يا إسرافيل! فيمُوتُ ثمّ يقول الجبارُ تعالى: لِمَنِ
الملك اليومَ فَلا هميس ولا حسيس ولا ناطق يتكلّم، ولا مجيب يفهم، وقد مات
حملةُ العرش وإسرافيل وملك الموت وكلّ مخلوق فَرُدُّ الجبّار على نفسه ﴿لله
الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَ ظُلْمَ الْيَوْمَ إن الله سرِيعُ
الْحِسَاب﴾ [غافر: ١٦]. وذلك حين تمت كلمة ربك صدقاً وعدلاً لا مبدّل
لكلماته ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمِ﴾ فيتم كلمته بإنفاذ قضائه على أهل أرضه وسمائه
لقوله تعالى ﴿كُلّ شَيءٍ هَالِكٌ إلّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ [القصص:
٨٢].
فإما إسرافيل فيموت ثم يحيى في طرفة عين وإمّا حملة العرش فَيَحْيَون
في أسرعَ من طرفة عين فيأمر الله تعالى إسرافيل بعد النفخة الأولى بأربعين
وكذلك هو في التوراة بين النفختين أربعون، لا يُدْرى ما هو. فإذا انقَضَت الأربعون
نظر الله إلى أهل السموات وإلى أهل الأرضين فيقول وعزَّتي لاعِيدنَّكُم كما
بدأتُكم وَلََّحْبِيَنَّكُمْ كَما أَمْتُّكُمْ، ثم يأمر إسرافيلٍ فينفخ النفخة الثانية، وقد
◌ُمعت الأرواح كلها في الصّور، فإذا نُفخ خرج كلَّ روح من كوّة معلومة من كوى
الصُّور، فإذا الأرواح تَهُوْش بين السماء والأرض لها دَويُّ كدويّ النّحلِ، فينادي
إسرافيل: يا أَيَّتُها الجلودُ المتمزقةُ! وَيَا أَيُّها الأعضاءُ الْمُتَهَشِّمَةُ! ويا أيَّتُها العظامُ
الباليةُ! ويا أيَّتُها الأَجْساد المُتَفَرّقَةِ! ويا أيَّتُها الأشعار المتمرّطة! قوموا إلى
موقف الحساب والعرض الأكبر فيَدْخُل كلّ روح في جسده قال: ويمطر الله طيشاً
من تحت العرش على جميع الموتى، فيحيون كما تَحيى الأرض الميتة بوابل
السّماء، فيبعثُ الله الأجساد التي كانت في الدنيا من حيث كانت بعضها في
بطون السباع ، وبعضها من حواصل الطير وبنيان البحور وبطون الأرض
وظهورها، فيدخل كلّ روح في جسده فإذا هم قيام ينظرون ، فيبعث الله ناراً من
المشارق ، فَتَحُشِرُ النّاس إلى المغارب إلى أرضٍ تسمّى السّاهرة من وراء بيت
المقدس أرض طاهرة لم يعمل عليها سيئة ولا خطيئة فذلك قوله:
﴿فَإِنَّمَا هِي زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النازعات: ١٣].
﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦].

٣١٤
٨ - باب في حشر الناس بعدما يبعثون من قبورهم/ فصل في صفة يوم القيامة
﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً﴾ [الكهف: ٤٧].
﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعاً وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلكافِرِينَ عَرضاً
الَّذِينَ كَانَتْ﴾ [الكهف: ٩٩] الآية.
٣٥٤ - وهذا فيما أخبرناه أبو عبد الله الحافظ، أنا أبو بكر محمد بن طلحة
ابن منصور القطّان، ثنا إبراهيم بن الحارث البغدادي، ثنا أبو الحسن علي بن
قدامة النحوي، ثنا مجاشع بن عمرو، عن ميسرة عن عبد الكريم الجزري،
قال: حدثني سعيد بن جبير أنّه سأل ابن عباس عن القيامة وما فيها فحدّثه وذکر
ما كتبناه فيه وهذا إسناد ضعيف بمرّة غير أنّا قد روينا في الحديث الثابت عن
الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة عن رسول الله وَل قال:
(بين النفختين أربعون: ((قالوا يا أبا هريرة: أربعون يوماً؟ قال: أَبَيْتُ.
قالوا أربعون شهراً؟ قال: أَبَيْتُ. قالوا: أربعون سنةً؟ قال أبَيْتُ. قال ثم يُنْزِلُ
الله عز وجل من السّماء ماءً فَنْبُتُونَ كما يَنْبُتُ البقل. قال: وليس من الإِنسان
بشيء إلّ يَبْلَي إلّ عظماً واحداً وهو عجب الذّنب وفيه تركيب الخلق يوم
القيامة).
٣٥٥ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو بكر بن إسحاق، ثنا موسى بن
إسحق، ثنا عبد الله بن أبي شيبة، ثنا أبو معاوية، عن الأعمش بهذا الحديث.
رواه مسلم في الصحيح عن أبي كريب عن أبي معاوية .
وأخرجه البخاري من وجه آخر عن الأعمش.
قال: البيهقي رحمه الله وروينا عن أبي غالب عن أنس بن مالكٍ مرفوعاً:
((يبعث النّاس يوم القيامة والسماء تطِشَّ عليهم)).
وروينا بإسناد صحيح عن عبد الله بن مسعود في أشراط السَّاعةِ في النّفخة
الأولى ثمّ في إرسال الله ماء من تحت العرش منيًّا كمنيِّ الرّجال، حتى تنبت
٣٥٥ - أخرجه مسلم (٤ / ٢٢٧٠ - ٢٢٧١) عن أبي كريب محمد بن العلاء عن أبي معاوية - به.
وأخرجه البخاري (٦ /١٥٨) عن عمر بن حفص بن غياث عن أبيه عن الأعمش - به.
وانظر البعث لابن أبي داود (٤٢).

٣١٥
٨ - باب في حشر الناس بعدما يبعثون من قبورهم / فصل في صفة يوم القيامة
جُسمانُهم ولُحمانُهم من ذلك الماء، ثمّ قيام ملك الصّور، نفخه فيه مّرة أُخرى،
وانطلاق كُلّ نفس إلى جسمها ودخولها فيه ثمّ قيامهم لربِّ العالمين ما يُؤكّد
جميع مَا نقلنا وَالله أَعْلَمُ.
٣٥٦ - أخبرنا أبو عبد الرحمن بن محبوب، أنا الحسين بن محمد بن
هارون، ثنا أحمد بن محمد بن نصر، ثنا يوسف بن بلال، ثنا محمد بن مروان
عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ﴿وَيَقُولُونَ﴾ يعْني أهل مكّة ﴿مَتَى هذا
الوَعْدُ﴾ يعني القيامة يقول الله عز وجل ﴿مَا يَنْظُرُونَ﴾ كفّار قريش إذْ كَذَّبُوا ﴿إِلّ
صَيْحَةً وَاحِدةً﴾ لا تثنى ﴿تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ﴾ يتكلّمون في أسواقهم
يتبايعون ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ لا يقدرون ﴿تَوْصِيَةً﴾ كلاماً ﴿وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ
يَرْجِعُونَ﴾ فيخيرون الكلام إليهم ﴿وَنُفِخَ فِيْ الصُّورِ﴾ وهي النفخة الآخرة ﴿فَإِذَا
هُمْ مِنَ الاجْدَاثِ﴾ يعني القبور ﴿إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ يخرجون من قبورهم
﴿قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرَّقَدِنَا﴾ يقول من منامنا يقول هذا بعضهم لبعض إذا
خرجوا من القبور، وظنّوا أنّهم كانوا نياماً. وذلك أنّه يُرفع عنهم العذاب بين
النفختين، وبينهما أربعون سنةً، نسوا العذاب فقالت لهم الملائكة ﴿هَذَا مَا
وَعَدَ الَّرْحمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُون﴾ يعني وتصديق المرسلين البعث يقول الله عز
وجل: ﴿إِنْ كَانَتْ إِلّ صَيحَةً وَاحِدَةً﴾ نفخة واحدة، ﴿فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا
مُحْضَرُونَ﴾ [الآيات ٤٨ - ٥٣ من سورة يس]. الحساب.
قال: البيهقي رحمه الله وقد روينا عن أسامة بن زيد عن الزهري، عن
أنس بن مالك قال: لما كان يوم أحد مرّ رسول الله وَل بحمزة بن عبد المطلب
وقد جُدِّع ومُثِّل به فقال: ((لولا أن تجد صفية لتركته حتى يحشره الله من بطون
الطير والسباع)).
٣٥٧ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أنا عبد الله بن الحسين القاضي، ثنا
الحارث بن أبي أسامة، ثنا روح، ثنا أسامة فذكره.
قال: البيهقي رحمه الله وروينا في حديث مقسم عن ابن عباس غير أنّه
٣٥٧ - أخرجه أبو داود (٣١٣٦) والترمذي (١٠١٦) من طريق أسامة - به وقال الترمذي: حديث أنس
حديث حسن غريب لا نعرفه من حديث أنس إلا من هذا الوجه.

٣١٦
٨ - باب في حشر الناس بعدما يبعثون من قبورهم / فصل في صفة يوم القيامة
قال: (لولا جزع النساء لتركتُه يُحشر من حواصل الطير وبطون السباع). وفي
هذا كله دليل على أنّ ما أكله الناس بعضهم من بعض صار غذاءً له. فقد زعم
الحليمي رحمه الله أنّه لا يُردّ إلى أصله لكن صاحبه يعرض منه. وقد فرق بينهما
بأنّه قد إنقلب من مكلّف إلى مكلّف وردُّه يؤدي إلى إدخال جزء من الكافر الجنة
أو جزء من المؤمن النار، وليس كذلك في غير المكلف، وإنما هو في معنى ما
تأكله الأرض فيعاد وبسط الكلام فيه.
وإذا أحي الله تبارك وتعالى النّاس كلهم قاموا عجلين ينظرون ما يراد بهم
لقوله تعالى :
﴿ثُمّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرِى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨].
وقد أخبر الله عز وجل عن الكفار أنّهم يقولون :
﴿يَا وَيَلَنَا مَنْ بَعَثْنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ [يس: ٥٢].
وأنّهم يقولون :
﴿هَذَا يَوْمُ الدِّين﴾
فيقول لهم الملائكة:
﴿هذَا يَوْمُ الفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [الصافات: ٢٠، ٢١].
ثمّ يحشر النّاس إلى موقف العرض والحساب وهو الساهرة فقال الله
عز وجل :
﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النازعات: ١٣، ١٤].
قال البيهقي رحمه الله وروينا عن وهب بن منبه أنّه قرأ هذه الآية وهو يومئذ
ببيت المقدس فقال: ها هنا الساهرة يعني بيت المقدس.
وروينا عن ابن عباس موقوفاً ومرفوعاً ما دلّ على أنّ الشام أرض المحشر.
وقال الفراء: الساهرة وجه الأرض كأنّها سمّيت بهذا الاسم لأنّ فيه
الحيوان نومهم وسهرهم.
وروى بإسناده عن ابن عباس قال: الساهرة الأرض.

٣١٧
٨ - باب في حشر الناس بعدما يبعثون من قبورهم/ فصل في صفة يوم القيامة
قال الحليمي رحمه الله: ومعناه فأذاهم قد صاروا على وجه الأرض بعد
أن كانوا في جوفها.
وقيل: الساهرة صحراء وقُرب شفير جهنم والله أعلم.
وروينا في الحديث الثابت عن سهل بن سعد عن النبي والر قال: ((يُحشر
الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرصة النَّقِي - وفي رواية كالقرصة
النقيّ - ليس فيها لأحد علم)) .
والنقي: الخبز الحُوَّاري وقوله (ليس فيها علَم)) يريد أرضاً مستوية ليس
فيها جدب ولا بناء.
وأما صفة الحشر فقد قال الله عز وجل :
﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إلى الرَّحمنِ وَفْداً وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إلى جَهَنَّمْ ..
وِرْداً﴾ [مريم: ٨٥، ٨٦].
روينا عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس أنّه قال: في قوله ((وفداً))
ركباناً وفي قوله ((وردا)) عطاشا .
وروينا عن النعمان بن سعد عن علي أنّه قال في هذه الآية: أما والله ما
يُحشر الوفد على أرجلهم ولا يُساقون سوقاً، ولكنهم يُؤتون بنوق لم تر الخلائقُ
مثلَها، عليها رحالُ الذهب وأزمّتها الزبرجد، فيركبون عليها، حتى يضربوا
أبواب الجنة .
٣٥٨ - أخبرناه أبو عبد الله الحافظ، أنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب، ثنا
محمد بن عبد الوهاب، ثنا يعلى بن عبيد، ثنا عبد الرحمن بن إسحاق، عن
٣٥٨ - عزاه السيوطي في الدر المنثور (٢٨٤/٤) لابن أبي شيبة وعبد الله بن أحمد في زوائد المسند
وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي في البعث عن
علي رضي الله عنه.
والحديث عند الحاكم في المستدرك (٢ /٣٧٧) عن محمد بن يعقوب - به وصححه على شرط
مسلم وقال الذهبي :
عبد الرحمن هذا لم يرو له مسلم ولا لخاله النعمان وضعفوه اهـ. والحديث لم أجده في
البعث للبيهقي المطبوع.

٣١٨
٨ - باب في حشر الناس بعدما يبعثون من قبورهم/ فصل في صفة يوم القيامة
النعمان بن سعد، عن علي رضي الله عنه فذكره.
٣٥٩ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنا إبراهيم بن عصمة بن إبراهيم، ثنا
السري بن خزيمة، ثنا معلى بن أسد، ثنا وهيب، عن عبد الله بن طاوس، عن
أبيه، عن أبي هريرة عن النبي وَّ قال:
((يُحشر النّاس على ثلاث طرائقِ رَاغِبِين راهبين، اثنان على بعير، وثلاثة
على بعيرٍ، وأربعة على بعيرٍ، وعشرةُ على بعيرٍ، وَتَحْشُرُ بَقِيَّتَهُمْ النّارُ، تَقِيلُ
معهم حيث قالوا، وتَبِيتُ معهم حيث باتوا، وتصبح معهم حيث أصبحوا،
وتُسمي معهم حيث أمسوا)).
ورواه البخاري عن معلى بن أسد .
وأخرجه مسلم من وجه آخر عن وهيب.
قال الحليمي رحمه الله: فيحتمل أن يكون قول النبي ومثل: (( يُحشر الناس
على ثلاث طرائق)) أشار إلى الأبرار والمُخلِّطين والكفار، فالأبرار الراغبون إلى
الله جلّ ثناءه فيما أعدّ لهم من ثوابه. والراهبين الذين هم بين الخوف والرجاء،
فأمّا الأبرار فإنهم يؤتون بالنجائب كما رُوي في حديث علي، وأمّا المخلطون
فهم الذين أريدوا في هذا الحديث أنهم يُحْملون على الأَبْعِرَة. والأشبه أنها لا
تکون من نجائب الجنّة لأنّ من هؤلاء من لا يُغفر له ذنوبه حتی یعاقَب بها بعض
العقوبة، ومن أُكرم بشيء من نعيم الجنة لم يُهَنْ بعده بالنار.
قال البيهقي رحمه الله: وروى علي بن زيد بن جُدْعان وليس بالقوي عن
أوس بن خالدٍ عن أبي هريرة عن النبي وَلَّ: ((يُحْشر الناس يومَ القيامة على ثلاثة
أصناف ركباناً ومشاةً وعلى وجوههم)) فقال رجل يا رسول الله! ويَمْشون على
وجوههم؟ قال: ((الذي أمشاهم على أقدامهم قادر أن يُمشيهم على وجوههم)).
وهذا إن صحّ فكأنّ بعض المُخلّطين من المؤمنين يكون راكباً كما جاء في
الحديث الأول، وبعضهم يكون ماشياً كما جاء في الحديث، أو يركب في بعض
الطريق، ويمشي في بعض .
٣٥٩ - أخرجه البخاري (١٣٥/٨) عن معلى بن أسد وأخرجه مسلم (٢١٩٥/٤) من طريق
احمد بن إسحاق وبھز کلاهما عن وهیب ۔ به.
٤

٣١٩
٨ - باب في حشر الناس بعدما يبعثون من قبورهم / فصل في صفة يوم القيامة
وأمّا المشاة على وجوههم فهم الكفار. ويحتمل أن يكون بعضهم أعتى من
بعض، فؤلاء يُحشرون على وجوههم والذين هم أتباع يمشون على أقدامهم،
فإذا سيقوا من موقف الحساب إلى جهنّم، سُحبوا على وجوههم قال الله
عز وجل :
﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النّار على وُجُوهِهِم﴾ [القمر: ٤٨].
وقال: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إلى جَهَنَّمَ أُولِئِكَ شرِّ مَكَاناً
وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٣٤].
ويكونون في تلك الحالة عمياً وبكماً وصماً قال الله تعالى:
﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَّبُكْماً وَّصُمّأَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾
[الإسراء: ٩٧].
وقبل ذلك يكونون كاملي الحواس والجوارح لقوله تعالى :
﴿يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ [يونس: ٤٥].
وقوله: ﴿يَتَخَافْتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلّ عَشراً﴾ [طه: ١٠٣].
وسائر ما أخبر الله عز وجل عنهم من أقوالهم ونظرهم وسمعهم فإذا أدخلوا
النار رُدّت إليهم حواسهم، ليشاهدوا النار وما أعدّ لهم فيها من العذاب قال الله
تعالى :
﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَألَهُمْ خَزَنْتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا
نَذِيْرٌ فَكَذَّبْنَا﴾ [الملك: ٨، ٩].
وسائر ما أخبر الله عنهم من أقوالهم وسمعهم ونظرهم. فإذا نُودوا بالخلود
سُلبوا أسماعهم قال الله عز وجل :
﴿لَهُمْ فِيْهَا زَفِيْرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُون﴾ [الأنبياء: ١٠٠].
وقد قيل إنهم يسلبون أيضاً الكلام لقوله تعالى :
﴿اِحْسَنُوا فِيهَا وَلاَ تُكَلَّمُونٍ﴾ [المؤمنون: ١٠٨].
وروينا عن ابن عباس أنّ النبي ◌َّ قَامْ في الناس فوعظهم فقال: ((أيّها

٣٢٠
٨ - باب في حشر الناس بعدما يبعثون من قبورهم/ فصل في صفة يوم القيامة
الناسُ إِنَّكُمْ تُحْشَرون إلى الله حُفَاةً عُراةً غُرْلاً ثم قرأ:
﴿كَمَا بَدَأنَا أَوّلَ خَلَقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء: ١٠٤].
وأنّ أوّلَ مَنْ يُكْسَى يومَ القيامة إبراهيمُ عليه السلام)).
وعن عائشة رضي الله عنها عن النبي ◌َّ قال:
(تُحْشرون يومَ القيامة حُفَاةً عُرَاةً غُرْلاً)) فقلتُ: يا رسول الله الرجال من
النساء؟ ((فقال يا عائشة! الأمرُ يومَئذٍ أشدُّ من ذلك)).
والذي يدلّ عليه ما قدمنا ذكره أنّ ذلك يكون حال خروجهم من قبورهم،
ثم يكرم المتّقون، ومن شاء من المُخَلِّطين المؤمنين بالكسوة والركوب كما قدمنا
ذكره والله أعلم.
والذي روي في حديث أبي سعيد الخدري عن النبي ◌َّة( يُبْعَثُ الْمَيِّتُ
في ثيابه التي يموت فيها)) يحتمل أن يكون المراد في أعماله التي يموت عليها
من خير أو شرِّ كقوله ◌َّ في رواية جابر ((يُبْعَثُ كُلّ عبدٍ على ما مات عليه)).
وقد يحتمل أن يبعث في ثيابه التي يموت فيها ثم تتناثر عنه أو عن
بعضهم، ثم يحشر إلى موقف الحساب عارياً ثم يُكسى بعد ذلك من ثياب الجنة
والله أعلم.
وأما قول الله عز وجل في صفة الكفار يوم القيامة: ﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ﴾
[القلم: ٤٣] وقوله: ﴿خُشَّعاً أَبْصَارَهُمْ﴾ [القمر: ٧] فإن المراد بذلك والله
أعلم حال مُضيّهم إلى الموقف وقوله : ﴿مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ﴾ [إبراهيم:
٤٣] .
وإنّما هو إذا طال القيام عليهم في الموقف، فيصيرون في الحيرة كأنّهم لا
قُلوب لَهُمْ، ويرفعون رؤوسهم فينظرون النظر الطويل الدائم، ولا يرتَدّ إليهم
طرفُهم كأنهم قد نّسُوا الغمض أو جهلوه، والناس في القيامة لهم أحوالٌ
ومواقفُ، واختلف الأخبار عنهم لاختلاف مواقفهم وأحوالهم، وأمّا قول الله
عز وجل :
﴿فَلَ انْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١].
فقد روينا عن ابن عباس أنّه قال: هذا في النفخة الأولى يُنْفخُ في الصُّور
!
1