النص المفهرس
صفحات 1001-1020
= وكذا ذكر السفارينى عن السخاوى، ثم حكى عن بعض العلماء أنهم ذهبوا إلى أن النار ناران، فلعل إحداهما في أول الآيات، والأخرى في آخرها، ويؤيد ذلك ما ورد في حديث أنس أنها تحشر الناس من المشرق إلى المغرب، وفي حديث حذيفة أنها تخرج من اليمن وتحشرهم إلى المحشر(١). وهناك قول ثالث ذكره ابن حجر في موضع آخر بلفظ الاحتمال، وهو أن النار في حديث أنس كناية عن الفتن المنتشرة التى أثارت الشر العظيم والتهبت كما تلتهب النار، وكان ابتداؤها من قبل المشرق حتى خرب معظمه وانحشر الناس من جهة المشرق إلى الشام ومصر، وهما من جهة المغرب. وأما النار التى في الحديث الآخر فهى على حقيقتها(٢). ويبدو لى - والله أعلم بالصواب - أن الراجح هو التوفيق الذى ذهب إليه الحافظ ابن حجر لأننا إذا ذهبنا إلى القول بحمل الحديثين على نارين لأجل الاختلاف بينهما استدعى ذلك إلى القول بعدة نيران لورود أحاديث عديدة يشتمل كل واحد منها على مالم يشتمل عليه الآخر. وأما القول بأنها كناية عن الفتن فهو خلاف الظاهر، وليس هناك مانع من إرادة الظاهر حتى يصار إليه، والله أعلم. وأما قوله في حديث أنس: ((تحشر الناس من المشرق إلى المغرب)) فقال الحافظ ابن حجر: ((إن كونها تخرج من قعر عدن لا ينافى حشرها الناس من المشرق إلى المغرب، وذلك أن ابتداء خروجها من قعر عدن، فإذا خرجت انتشرت في الأرض كلها، والمراد بقوله: ((تحشر الناس من المشرق إلى المغرب)) إرادة تعميم الحشر لا خصوص المشرق والمغرب، أو أنها بعد الانتشار أول ماتحشر أهل المشرق، ويؤيد ذلك أن ابتداء الفتن دائما من المشرق،. وأما جعل الغاية إلى المغرب فلأن الشام بالنسبة إلى المشرق مغرب»(٣). = (١) لوامع الأنوار (٢/ ١٥٠). (٢) فتح البارى (١١/ ٣٧٩). (٣) فتح البارى (٣٧٨/١١). - ١٠٠١ - = ثم اختلف في تحديد الزمن الذى يقع فيه هذا الحشر، فمال الحليمى إلى أنه يكون عند الخروج من القبور(١). وجزم به الغزالى، وسائده التوربشتى أحد شراح المصابيح بكلام يطول ذكره(٢). وذهب القرطبى وغيره إلى أن هذا الحشر يكون قبل يوم القيامة، وهذا هو الصواب، وقد انتصر له القاضى عياض بحديث حذيفة بن أسيد، وبما ورد في حديث أبى هريرة عند البخارى: ((تقيل معهم حيث قالوا، وتبيت معهم حيث باتوا .. )) الحديث(٣). فإن هذه الأوصاف مختصة بالدنيا، وهو أيضا اختيار الحافظين ابن كثير وابن حجر والبرزنجى والسفارينى، وصرح الأخيران بأن الحق هو أن النار قبل يوم القيامة(٤). (١) انظر قول الحليمى في المنهاج (٤٤٢/١). (٢) ذكر عنهما الحافظ ابن حجر. (٣) انظر: صحيح البخارى (٣٧٧/١١ رقم ٦٥٢٢). (٤) انظر التذكرة (ص ٢٤٣ - ٢٤٤)، والنهاية (٢٨٧/١)، وفتح البارى (٣٧٩/١١ - ٣٨٢)، والإشاعة (ص ١٨٣-١٨٦)، ولوامع الأنوار (١٥٥/٢). -١٠٠٢ - ٩٥ - باب ماجاء في الدخان ٥٣٦ - حدثنا محمد بن عبد الله بن عيسى، حدثنا أبى، حدثنا على ابن الحسن، حدثنا أحمد بن موسى، حدثنا يحيى بن سلام، عن المعلى(١)، عن الأعمش، عن أبى وائل(٢)، عن أبى الضحى(٣)، عن مسروق، عن عبد الله بن مسعود، أنه قيل له: إن هاهنا رجلا(٤) يزعم أنه يأتى دخان قبل يوم القيامة، فيأخذ بأسماع المنافقين وأبصارهم(٥)، ويأخذ المؤمنين منه كهيئة الزكام، وكان متكئا، فغضب فجلس فقال: ((يا أيها الناس! من علم علما فليقل به، ومن لم يعلم فليقل: الله أعلم، فإن من العلم أن (١) هو ابن هلال بن سويد، أبو عبد الله الطحان الكوفى، اتفق النقاد على تكذيبه. (٢) هو شقيق بن سملة الأسدى، ويلاحظ أن الحديث رواه عديد من المحدثين من طريق الأعمش، ولم يذكر أحد منهم أبا وائل في السند. فلعل ذكره هنا خطأ من أحد النساخ، علما بأن الأعمش ممن روى عن أبى الضحى مباشرة. (٣) هو مسلم بن صبيح. (٤) في الأصل ((رجل)) والصواب ماأثبته لأنه اسم ((إنّ))، وقد جاء في رواية لمسلم ((إن قاصا عند أبواب كندة يقص ويزعم)) وقيل: إن هذا القاص هو حذيفة بن اليمان، رضي الله عنه، لأنه قد روى من حديثه مايشبه هذا. وسيأتى ذكره إن شاء الله في آخر الباب، ذكره الحافظ ابن حجر، وقال: «ولو ثبت طريق حديث حذيفة لاحتمل أن يكون هو القاص المراد في حديث ابن مسعود»، ولكن اشتد عليه إنكار السفارينى، فقال: «وهذا ليس بشىء، فلا ينظر إليه ولا يعول عليه)). انظر فتح البارى (٥٧٣/٨)، ولوامع الأنوار (١٣١/٢)، وأما قوله ((عند أبواب كندة)» فذلك في مسجد الكوفة، كما صرح به الحافظ ابن كثير. انظر تفسيره (١٣٨/٤). (٥) في رواية لمسلم ((تأخذ بأنفاس الكفار)). -١٠٠٣ - يقول العبد لما لا يعلم: الله أعلم، وقد قال الله لنبيه: ﴿ قل ما أسألكم عليه من أجر، وما أنا من المتكلفين ﴾(١)، وسأخبركم: عن الدخان: إن قريشا لما أبطأوا عن الإِسلام دعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ((اللهم أعنى عليهم بسبع كسبع يوسف))، فأصابهم الجوع حتى أكلوا الميتة والعظام، حتى كان أحدهم يرى مابينه وبين السماء دخانا من الجهد(٢)، فذلك قوله: ﴿فارتقب يوم تأتى السماء بدخان مبين﴾ إلى قوله - ﴿إنا مؤمنون﴾ (٢) فسألوا (٤) أن يكشف عنهم العذاب فيؤمنوا(٥)، قال الله عز وجل: ﴿ أنى لهم الذکری وقد جاءهم رسول مبين ﴾ - إلی قوله - ﴿ إنا منتقمون ﴾ (٦) فكشف عنهم، فعادوا في كفرهم، فأخذهم يوم بدر فهو قوله: ﴿يوم نَبْطِشُ البطشة الكبرى(٧)﴾، فكان عبد الله بن مسعود يقول: ((قد مضت البطشة والدخان واللزام والروم والقمر))(٨). (١) سورة ص: الآية ٨٦. (٢) هو بفتح الجيم، الجهد: وهو المشقة، وقيل: المبالغة والغاية. انظر: النهاية (٣٢٠/١). (٣) سورة الدخان: الآية (١٠ - ١٢). (٤) ثبت في كثير من الطرق لهذا الحديث في الصحيحين وغيرهما أن الذى طلب ذلك من النبى صلى الله عليه وسلم هو أبوسفيان. (٥) في ع ((فيؤمنون)) وما في الأصل هو الأنسب لأنه معطوف على ((يكشف)) وهو منصوب بأن. (٦) سورة الدخان: الآية (١٣ - ١٦). (٧) سورة الدخان: الآية ١٦. (٨) انظر الحديث في مختصر تفسير يحيى بن سلام (ص ٢١٩ نسخة القرويين بفاس). -١٠٠٤ - ٥٣٧ - حدثنا عبد الوهاب بن أحمد، حدثنا ابن الأعرابى، حدثنا عيسى بن أبى حرب، حدثنا يحيى بن أبى بكير، حدثنا الربيع، عن الحسن ويزيد، عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «بادروا بالأعمال ستا: طلوع الشمس من مغربها، والدجال، والدخان، [وذكر كلمة أخرى(١)] - يعنى = وفي إسناد المؤلف معلى بن هلال، اتفق النقاد على تكذيبه، ولكن الحديث صحيح ثابت، أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، باب سورة الروم (٥١١/٨ رقم ٤٧٧٤)، ومسلم في صحيحه، كتاب صفات المنافقين .. باب الدخان (٢١٥٥/٤ - ٢١٥٧ رقم ٤٠،٣٩). من طريق منصور والأعمش عن أبى الضحى به نحوه مطولا. وأخرجه البخارى أيضا في أماكن أخرى من صحيحه، انظر: (٤٩٢/٢، ٥١٠ رقم ١٠٠٧، ١٠٢٠ و٣٦٣/٨، ٥٤٧، ٥٧١ - ٥٧٣ رقم ٤٦٩٣، ٤٨٠٩، ٤٨٢١ - ٤٨٢٤). من طرق عن منصور والأعمش عن أبى الضحى مختصرا. وأما قوله في آخر الحديث: ((قد مضت البطشة .. )) فقد رواه البخارى، في كتاب التفسير، تفسير سورة الفرقان (٨ /٤٩٦ رقم ٤٧٦٧) وتفسير سورة الدخان (٥٧١/٨، ٥٧٤ رقم ٤٨٢٠، ٤٨٢٥)، ومسلم في المصدر المذكور له رقم ٤١، من طريق الأعمش، عن أبى الضحى به مختصرا من قوله. كما أن الحديث مخرج مطولا ومختصرا عند غيرهما من أصحاب السنن والمسانيد. راجع لمعرفتهم: تفسير ابن كثير (١٣٨/٤) والدر المنثور (٢٨/٦). (١) مابين المعكوفين غير موجود في الأصل وع، أثبته مما تقدم برقم ٥٢٤، وقد روي الحديث بنفس الألفاظ من طريق الحسن، عن زياد بن رباح، عن أبى هريرة، وفيه ((وخويصة أحدكم)) تقدم عند المؤلف برقم ٥٢٦، وهو في صحيح مسلم، وفسر ذلك بالموت، وهذا يؤكد أن الكلمة الأخرى التى لم يسمعها الراوى في هذا الحديث هى («خويصة أحدكم»، أو «خاصة أحدكم)) كما جاء في بعض الروايات الأخرى. -١٠٠٥ - الموت - وأمر العامة - يعنى القيامة -))(١). ... ٥٣٨ - حدثنا ابن عفان، حدثنا أحمد، حدثنا سعيد، حدثنا نصر، حدثنا على، حدثنا عبد الله (٢) بن عصمة النصيبى، عن أبى عبيدة(٣)، عن الحسن، قال: ((بادروا بالأعمال ستا: طلوع الشمس من مغربها، والدجال، والدخان، ودابة الأرض، وخويصة أنفسكم، وأمر العامة - يعنى يوم القيامة -» (٤). (١) تقدم الحديث برقم ٥٢٤. (٢) في الأصل ((عبيد الله))، والتصويب مما تقدم برقم ٥٠٢، ٥٢٢. (٣) هو عبد الملك بن معن الهذلى المسعودي، ثقة. (٤) لم أهتد إلى من أخرجه من قول الحسن، وهو بهذا الإسناد مقطوع، وفيه عبد الله بن عصمة وهو منكر الحديث. وقد روي مثله من طريق الحسن مرفوعا متصلا من حديث أنس وأبى هريرة، وقد تقدم برقم ٥٢٤، ٥٢٦، ٠٥٣٧ كما روي عنه مرسلا أخرجه ابن جرير الطبرى في تفسيره (١٠٣/٨) عن بشر بن معاذ، عن معاوية بن عبد الكريم، عنه، عن النبى صلى الله عليه وسلم، ووصف العلماء مراسيله بالرياح في الضعف، ولكن تشهد له الروايات التى وردت من طريقه ومن طريق غيره متصلة، وبعضها في صحيح مسلم. التعليق: عقد المؤلف هذا الباب وترجم له بقوله ((باب ماجاء في الدخان))، وهذه المسألة قد اختلف فيها علماء السلف منذ أيام الصحابة، فأنكر عبد الله بن مسعود كون الدخان من أشراط الساعة التى يعقبها قيام الساعة، يأخذ بأنفاس المؤمنين منه كهيئة الزكام، ويأخذ بأسماع المنافقين والكافرين وأبصارهم، وذهب إلى أن الدخان قد ظهر وانقضى، وهو ما أصاب قريشا بمكة من القحط والجهد حتى جعل الرجل يرى بينه وبين السماء كهيئة الدخان، وهذا هو المفهوم لما أورده المؤلف عن ابن مسعود، ووافق ابن مسعود في قوله هذا جماعة من التابعين كمجاهد وأبى العالية = -١٠٠٦ - = والنخعى وغيرهم، وهو اختيار ابن جرير(١)، وقال به الطيبى(٢). وذهب عبد الرحمن الأعرج إلى أن ذلك حدث يوم فتح مكة، ذكره ابن كثير وقال: «وهذا القول غريب جدا بل منكر،(٣). وأما الجمهور من علماء السلف فذهبوا إلى أن الدخان لم يمض بعد، وهو من أمارات الساعة القريبة، وقالوا: إن آية الدخان ثابتة بالكتاب والسنة. أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿فارتقب يوم تأتى السماء بدخان مبين ﴾(٤). قال ابن عباس وابن عمر والحسن وغيرهم: «هو دخان قبل قيام الساعة يدخل في أسماع الكفار والمنافقين، ويعترى المؤمن كهيئة الزكام، وتكون الأرض كلها كبيت أوقد فيه، ولم يأت بعد، وهو آت(٥)». وأما السنة فحديث حذيفة بن أسيد الذى ذكرت فيه عشر آيات، منها الدخان، وحديث أبى هريرة: «بادروا بالأعمال ستا .. » وذكر منها الدخان(٦). وهناك عدة أحاديث أخرى مرفوعة وموقوفة ورد فيها ذكر آية الدخان وصفة ظهورها، إلا أن أغلب هذه الأحاديث ضعيفة أو فيها مقال، أوردها الحافظ ابن كثير والحافظ ابن حجر مع بيان درجاتها، وقال الأخير: ((تضافر هذه الأحاديث يدل على = (١) كذا ذكر عنه الحافظ ابن كثير في تفسيره (١٣٨/٤) ويبدو من كلام ابن جرير في تفسيره (١١٤/٢٥) أنه لم يذهب إلى إنكار الأحاديث الواردة في الدخان، وإنما ذهب إلى اختيار قول ابن مسعود في تفسير الآية، هذا مابدا لى والله أعلم. (٢) ذكر عنه المباركفورى في تحفة الأحوذي (٢١٥/٣). (٣) تفسير ابن كثير (١٣٨/٤). (٤) سورة الدخان: الآية (١٠). (٥) كذا ساق عنهم السفارينى في لوامع الأنوار (١٢٩/٢)، وقد روى عنهم ابن جرير في تفسيره (١٣٧/٢٥) في سياقات مختلفة، وانظر أيضا التذكرة (ص ٧٦٦). (٦) تقدم الحديثان عند المؤلف عدة مرات. -١٠٠٧ - أن لذلك أصلا»(١). = ووصفها ابن كثير بأن فيها مقنعا ودلالة ظاهرة على أن الدخان من الآيات المنتظرة (٢). هذا وقد ورد عن ابن مسعود نفسه كما روى عنه مجاهد أنه كان يقول: ((هما دخانان قد مضى أحدهما، والذى بقي يملأ مابين السماء والأرض، ولا يجد المؤمن منه إلا كالزكمة، وأما الكافر فتثقب مسامعه ... (٣). ومن خلال هذه الأحاديث المرفوعة والموقوفة يتضح أن الراجح هو ماذهب إليه جمهور علماء السلف، وهو لا يعنى إنكار ماحدث لقريش من الجهد والقحط، ولذلك قال أبو الخطاب ابن دحية - كما نقل عنه القرطبى -: ((والذى يقتضيه النظر الصحيح حمل ذلك على قضيتين: إحداهما: وقعت وكانت، والأخرى ستقع وستكون، فأما التى كانت فهى التى كانوا يرون فيها كهيئة دخان، وهى الدخان غير الدخان الحقيقى الذى يكون عند ظهور الآيات التى هى من الأشراط والعلامات». ثم قال: ((وقول ابن مسعود لم يسنده إلى النبى صلى الله عليه وسلم إنما هو من تفسيره، وقد جاء النص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بخلافه»(٤). وأما الآية التى استدل بها الجمهور على مذهبهم فصرح بعض العلماء بأنه ليس في الآية مايدل على ماذهبوا إليه، بل ظاهرها موافق لما ذهب إليه ابن مسعود رضى الله عنه(٥). وذهب ابن كثير إلى خلاف ذلك حيث جعل مذهب الجمهور هو الموافق لظاهر الآية، فأورد الأحاديث المرفوعة والموقوفة، وآخرها حديث موقوف عن ابن عباس، وفيه = (١) فتح البارى (٥٧٣/٨). (٢) تفسير ابن كثير (٤ /١٣٨ - ١٣٩). (٣) ذكره القرطبى في التذكرة (ص ٧٦٧). (٤) التذكرة (ص ٧٦٧). (٥) ذكره السفارينى عن الشيخ مرعى، انظر لوامع الأنوار (١٣١/٢). -١٠٠٨ - («فخشيت أن يكون الدخان قد طرق .. )). = ثم قال: «وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس رضي الله عنهما حبر الأمة وترجمان القرآن، هكذا قول من وافقه من الصحابة والتابعين - رضي الله عنهم أجمعين - مع الأحاديث المرفوعة من الصحاح والحسان وغيرها التى أوردوها بما فيه مقنع ودلالة ظاهرة على أن الدخان من الآيات المنتظرة، مع أنه ظاهر القرآن، قال الله تبارك وتعالى: ﴿فارتقب يوم تأتى السماء بدخان مبين﴾ أى بين واضح يراه كل أحد، وعلى مافسره به ابن مسعود رضي الله عنه إنما هو خيال رأوه في أعينهم من شدة الجوع والجهد، وهكذا قوله: ((يغشى الناس)) أى يتغشاهم ويعميهم، ولو كان أمرا خياليا يخص أهل مكة المشركين لما قيل فيه «يغشى الناس))(١). ووصف في موضع آخر تفسير ابن مسعود للآية بأنه تفسير غريب جدا، ولم ينقل عن أحد من الصحابة غيره، وقال بعد إيراده لحديث حذيفة بن أسيد وحديث أبى هريرة ((والحديثان في صحيح مسلم مرفوعان، والمرفوع مقدم على كل موقوف))(٢). وأما بالنسبة لتحديد الزمن الذى تظهر فيه آية الدخان فلم أجد من تعرض له سوى البرزنجى، حيث قال: ((وقد مر أنه يكون دخان عند هلاك يأجوج ومأجوج وأنه يمكث ثلاثا، فيحتمل أن يكون هذا هو، ويحتمل غيره، لكنه لابد أن يكون قبل الريح .. لأن بعد الريح لا يبقى مؤمن، وعند الدخان يوجد المؤمنون كما هو صريح العبارة»(٣) . وفيما رواه مجاهد عن ابن مسعود إشارة إلى هذا، إذ جاء في آخره «فتبعث عند ذلك الريح الجنوب من اليمن، فتقبض روح كل مؤمن ومؤمنة ويبقى شرار الناس». (١) تفسير ابن كثير (١٣٩/٤). (٢) النهاية - الفتن والملاحم - (٢٢٣/١ - ٢٢٦). (٣) الإشاعة (ص ١٧٧). -١٠٠٩ - ٩٦ - باب ماجاء في الريح(١) ٥٣٩ - حدثنا سلمة بن سعيد بن سلمة الأنصارى(٢)، حدثنا أبو الحسن على بن عمر الحافظ (٢)، حدثنا محمد بن سليمان بن على المالكى(٢) بالبصرة، حدثنا أحمد بن عبدة الضبى(٤)، حدثنا أبو علقمة الفروى(٥)، وعبد العزيز بن محمد الدراوردى، عن صفوان بن سليم(٦)، عن عبد الله بن سلمان الأغر(٧)، عن أبيه(٨)، عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله عز وجل يبعث ريحا ألين من الحرير، فلا تدع أحدا في قلبه مثقال - قال أحدهما: حبة، وقال الآخر: (١) في ع ((باب ماجاء في خروج الزنج)) والصواب ما في الأصل بدليل ماجاء تحت هذه الترجمة . (٢) في الأصل ((مسلمة بن سعيد بن مسلمة)) والصواب ما أثبته، وقد تقدم غير مرة. (٣) هو أبو على البصرى، أكثر عنه الدارقطنى، قال فيه الذهبى: ((لابأس به إن شاء الله)». ميزان الاعتدال (٥٧٢/٣). (٤) هو أبو عبد الله البصرى، ثقة رمي بالنصب، مات سنة ٢٤٥ هـ. (٥) في الأصل ((القزوينى)) والصواب ما أثبته من بعض مصادر التخريج والترجمة، والفروى: نسبة إلى الجد الأعلى، وأبو علقمة هو عبد الله بن محمد بن عبد الله بن أبى فروة المدنى، صدوق، مات سنة ١٩٠ هـ. انظر مع التقريب الأنساب (٢٠٢/١٠). (٦) هو أبو عبد الله المدنى، ثقة مفت عابد، رمي بالقدر، مات سنة ١٣٢هـ. (٧) مدنى، صدوق. (٨) هو سلمان أبو عبد الله الأغر المدنى، ثقة. -١٠١١ - ذرة - من إيمان إلا قبضته))(١). ٥٤٠ - حدثنا عبد الرحمن بن عثمان، حدثنا أحمد بن ثابت، حدثنا سعيد بن عثمان، حدثنا نصر، حدثنا على بن معبد، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن أبى بكر بن عبد الله بن أبى مريم، عن أبى الزاهرية(٢)، عن كعب قال: ((يمكث الناس(٣) بعد يأجوج ومأجوج في الرخاء والخصب والدعة (٤) عشر سنين، ثم يبعث الله ريحا طيبة، فلا تذر مؤمناً(٥) إلا قبضت روحه))(٦). (١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب في الريح التى تكون قرب القيامة .. (١٠٩/١ رقم ١٨٥) عن أحمد بن عبدة الضبى به مثله، إلا أنه قال: «يبعث ريجا من اليمن)) وقال أيضا ((قال أبو علقمة: مثقال حبة، وقال عبد العزيز: مثقال ذرة)). وأخرجه أيضا البخارى في تاريخه (١٠٩/٥)، والسراج في مسنده (٨٨/٥/ ب :- ٨٩/أ)، والحاكم في مستدركه (٤ /٤٥٥) من طريق صفوان بن سليم به .. وقال الحاكم: ((صحيح الإسناد ولم يخرجاه))، ووافقه الذهبي وتعقب عليهما الألبانى، فقال: ((وهما مرتين، استدراكه على مسلم وقد أخرجه، وتصحيحه تصحيحا مطلقاً غير مقيد بكونه على شرط مسلم. سلسلة الأحاديث الصحيحة (٢١٥/٤ - ٢١٦ رقم ١٦٥٩). (٢) هو حُدَيْر بن كريب الحمصى، صدوق، مات على رأس المائة. (٣) في ع ((النار)) وهو خطأ واضح. (٤) أى الترفُّه. انظر: النهاية (١٦٦/٥). (٥) قوله ((فلاتذر مؤمنا)) غير موجود في ع. (٦) أخرجه نعيم بن حماد: في الفتن (ق ١٦٨ /أ رقم ١٦٩٠) ومن طريقه أبو نعيم في الحلية (٢٥/٦) عن بقية بن الوليد وأبى المغيرة، عن أبى بكر ابن أبى مريم به. بأطول منه، وهو سيأتى مطولا عند المؤلف برقم ٦٧٨، وهو أثر مقطوع، من كلام كعب الأحبار، وإسناده ضعيف لأجل أبى بكر بن أبي مريم. -١٠١٢ - التعليق: اكتفى المؤلف بإيراد حديث واحد في هذا الباب، مع أن هناك أحاديث عديدة ورد فيها ذكرهذه الريح الطيبة، منها ماتقدم عند المؤلف برقم ٤٢٦ من حديث عائشة مرفوعا، وفيه ((يبعث الله ريحا طيبة، فتوفى كل من في قلبه مثال حبة خردل من إيمان .. » وهو مخرج في صحيح مسلم. ومنها أيضا ما تقدم في التعليق على ((باب ماجاء أن الساعة تقوم على شرار الناس)) من حديث عبد الله بن عمرو، وفيه ((ثم يبعث الله ريحا كريح المسك، مسها مس الحرير، فلا تترك نفسا في قلبه مثقال حبة من الإِيمان إلا قبضته .. )» وهو أيضا مخرج في صحيح مسلم. ومنها أيضا مارواه عبد الله بن عمرو مرفوعا في سياق قصة الدجال، وفيه ((ثم يرسل الله (أى بعد موت عيسى) ريحا باردة من قبل الشام فلا يبقى على وجه الأرض أحد في قلبه مثقال ذرة من خير أو إيمان إلا قبضته، حتى لو أن أحدكم دخل في كبد جبل لدخلته عليه، حتى تقبضه .. ))(١). وكذلك مارواه النواس بن سمعان مرفوعا في سياق قصة الدجال أيضا وفيه ((فبينما هم كذلك إذ بعث الله ريحا طيبة، فتأخذهم تحت آباطهم، فتقبض روح كل مؤمن وكل مسلم .. »(٢). ويلاحظ هنا أنه جاء في حديث أبى هريرة: ((يبعث الله ريحا من اليمن .... )) وفي حديث عبدالله بن عمرو ((ثم يرسل الله ريحا باردة من قبل الشام)). مما يوحى بالتعارض بينهما، وقد أشار النووى إلى هذا التعارض، وقال: ((ويجاب عن هذا بوجهين: أحدهما: يحتمل أنهما ريحان شامية، ويمانية. والثانى: يحتمل أن مبدأها من أحد الإقليمين، ثم تصل الآخر، وتنتشر عنده، والله أعلم))(٣). = (١) أخرجه مسلم في صحيحه (٢٢٥٨/٤ - ٢٢٥٩ رقم ٢٩٤٠). (٢) أخرجه مسلم في صحيحه (٤ /٢٢٥٠ - ٢٢٥٥ رقم ٢٩٣٧). (٣) شرح النووى لصحيح مسلم (١٣٣/٢). -١٠١٣ - وقد أجاب بالأول المناوى(١) والسفارينى(٢). = وقال السخاوى: ((ولا مانع من المجىء منهما معا، أو يكون ابتداؤها من أحد الإقليمين، ثم جاء من الآخر ويتصل ذلك وينتشر)). وصرح أيضا بأن هبوب تلك الريح يكون بعد وقوع الآيات العظام التى يعقبها قيام الساعة، ولا يتخلف عنها إلا شيئا يسيرا، ولا يوجد فيمن يبقى بعد هبوب تلك الريح مؤمن، وعليهم تقوم الساعة .. وعلى هذا فآخر الآيات المؤذنة بقيام الساعة هبوب تلك الريح(٣). ويبدو أن هذا هو الصواب، لأن غيرها من العلامات العظام يوجد عندها مايشير إلى وجود المؤمنين، مما يدل على أن هبوب الريح يكون بعدها. ۔۔ (١) ذكره عنه البرزنجى في الإشاعة (ص ١٧٨). (٢) انظر: لوامع الأنوار (١٥٢٢). (٣) القناعة (ص ٥٢،٥٠). - ١٠١٤ - ٩٧ - باب ماجاء في القحطاني حدثنا أبو عبد الله محمد بن أحمد بن قاسم ٥٤١ ۔ الغساني(١) قراءة عليه، حدثنا أبو العباس أحمد بن الحسن الرازى، حدثنا روح بن الفرج، حدثنا سعيد بن كثير بن عُفَيْرِ(٢)، حدثنا يحيى بن فليح(٣)، عن ثور بن زيد(٤)، عن أبى الغيث(٥)، عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا تقوم الساعة حتى يخرج رجل من قحطان يسوق الناس بعصاه»(٦). ٥٤٢ - أخبرنا على بن محمد، حدثنا محمد، حدثنا محمد، [حدثنا محمد (٧)] حدثنا عبد العزيز بن عبد الله (٨)، حدثنى سليمان بن (١) يبدو أنه هو الذى تقدم ذكره في رقم ٤٢٩. (٢) هو مصري، وقد ينسب إلى جده، صدوق عالم بالأنساب وغيرها، مات سنة ٢٢٦ هـ. (٣) ذكره الحافظ ابن حجر، ونقل عن ابن حزم أنه قال: مجهول، وقال مرة: ليس بالقوى. لسان الميزان (٢٧٣/٦). (٤) هو الديلى (نسبة إلى بنى الديل) المدنى، ثقة، مات سنة ١٣٥ هـ. انظر مع التقريب الأنساب (٤٤٩/٥). (٥) هو سالم، المدنى، ثقة. (٦) هذا الإسناد ضعيف، لأجل يحيى بن فليح، ولكن الحديث مخرج عند البخارى ومسلم كما سيأتى بعده. (٧) مابين المعكوفين غير موجود في الأصل، والسياق يقتضيه، ولذا أثبته لأن هذا الطريق يروى به المؤلف عن البخارى، انظر ماتقدم برقم ١٦. ومحمد الأول هو محمد بن أحمد المرزوى، والثانى هو محمد بن يوسف الفربرى. والثالث هو محمد بن إسماعيل البخارى. (٨) هو أبو القاسم المدنى، ثقة. - ١٠١٥ - بلال، عن ثور، عن أبى الغيث، عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا تقوم الساعة حتى يخرج رجل من قحطان يسوق الناس بعصاه»(١). (١) انظر الحديث في صحيح البخاري، كتاب المناقب، باب ذكر قحطان (٥٤٥/٦ رقم ٣٥١٧) وكتاب الفتن، باب تغير الزمان حتى تعبد الأوثان (٧٦/١٣ رقم ٧١١٧). والحديث أخرجه أيضا مسلم في صحيحه، كتاب الفتن، باب ((لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل .. " (٢٢٣٢/٤ رقم ٦٠)، والإمام أحمد في مسنده (٤١٧/٢)، ونعيم بن حماد في الفتن (ق ١٠٤/ب رقم ١١٦٢) من طريق عبد العزيز بن محمد، عن ثور به مثله. وأخرجه نعيم بن حماد (برقم ١١٦١) عن عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن أبى ذئب، عن سعيد المقبرى، عن أبى هريرة موقوفا. ((لا تذهب الأيام والليالى حتى يسوق الناس رجل من قحطان». التعليق: عقد المؤلف هذا الباب وترجم له بقوله ((باب ماجاء في القحطاني)» وأورد فيه حديث أبى هريرة الذى أخبر فيه النبى صلى الله عليه وسلم بخروجه وسوقه الناس بعصاه. وقال القرطبى في معنى قوله «يسوق الناس بعصاه)): ((هو كناية عن استقامة الناس وانقيادهم إليه واتفاقهم عليه، ولم يرد نفس العصا، وإنما ضرب بها مثلا لطاعتهم له، واستيلائه عليهم إلا أن في ذكرها دليلا على خشونته عليهم وعسفه بهم، وقد قيل: إنه يسوقهم بعصاه كما تساق الإِبل والماشية، وذلك لشدة عنفه وعدوانه))(١). وبنحو الأول فسره الحافظ ابن حجر إلا أنه لم يشر إلى شدة عنفه وعسفه، فإنه قال: «هو كناية عن الملك، شبهه بالراعى، وشبه الناس بالغنم ونكتة التشبيه التصرف الذى يملكه الراعى في الغنم». (١) التذكرة (ص ٧٤٤). -١٠١٦ - وقال أيضا: ((وهذا الحديث يدخل في علامات النبوة من جملة ما أخبر به صلى الله = عليه وسلم قبل وقوعه ولم يقع بعد»(١). وأما من هو القحطاني؟ ومتى يكون خروجه؟ فلم يرد شىء من ذلك صراحة فيما صح عن النبى صلى الله عليه وسلم، ولذلك لم يرد عن أئمة السلف تصريح في هذا الباب، وإنما ذكرت عن بعضهم احتمالات بناء على بعض الاستنباطات والآثار. فقال القرطبى: «ولعل هذا الرجل القحطاني هو الرجل الذى يقال له الجهجاه، وأصل الجهجهة الصياح بالسبع، يقال: جهجهت بالسبع: أى زجرته بالصياح، ويقال: جهجه عنى أى انته، وهذه الصفة توافق ذكر العصا، والله أعلم))(٢). وذكر ابن كثير هذا الحديث وحديث ((يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة))(٣)، ثم قال: «وقد يكون هذا الرجل هو ذا السويقتين، ويحتمل أن يكون غيره فإن هذا من قحطان، وذاك من الحبشة والله أعلم)) (٤). ويظهر من كلامهما أنهما يريان أن القحطاني من ولاة الظلم لا من ولاة العدل. وقد رد الحافظ ابن حجر على القرطبى في القضيتين، أى كون القحطاني هو الجهجاه وكونه من الظالمين، فقال في الأولى: ((ويرد هذا الاحتمال إطلاق كونه من قحطان، فظاهره أنه من الأحرار، وتقييده في جهجاه بأنه من الموالى»(٥). وأما القضية الثانية: فأشار في الرد عليها إلى ماثبت في بعض الأحاديث من أن القحطاني يكون بعد المهدى، وعلى سيرته وأنه ليس دونه)»(٦). قلت: أخرج هذا الحديث نعيم بن حماد من طريق ابن لهيعة، عن عبد الرحمن بن قيس بن جابر الصدفى، عن أبيه، عن جده مرفوعا. ولفظه في رواية: ((سيكون من = (١) فتح البارى (٥٤٥/٦ - ٥٤٦). (٢) التذكرة (ص ٧٤٤). (٣) تقدم عند المؤلف برقم ٤٦٣. (٤) النهاية لابن كثير (٢٠٦/١). (٥) تقدم تحت رقم ٥١٧. (٦) فتح البارى (٧٧/١٣ - ٧٨). -١٠١٧ - = أهل بيتى رجل يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا، ثم من بعده القحطانى، والذى بعثنى بالحق ماهو دونه»(١). وأخرج أيضا عن أرطاة بن المنذر - أحد التابعين من أهل الشام - قال: بلغنى أن المهدى يعيش أربعين عاما، ثم يموت على فراشه، ثم يخرج رجل من قحطاني مثقوب الأذنين على سيرة المهدى، بقاؤه عشرين سنة، ثم يموت قتلا .. ))(٢). وقد أوردهما ابن حجر ووصف الحديث بأنه مع كونه مرفوعا ضعيف الإسناد، ووصف أثر أرطاة بأنه مع كونه موقوفا (؟) أصلح إسنادا منه(٣). وقد صرح ابن حجر في موضع من كتابه بعدم وقوفه على اسم القحطانى(٤)، وعاد في موضع آخر فقال: ((ثم وجدت في كتاب التيجان لابن هشام، مايعرف منه - إن ثبت - اسم القحطاني وسیرته وزمانه». ثم ساق أثرا عن عمران بن عامر - أحد الملوك في اليمن وكان كاهنا - وورد في هذا الأثر أنه قال لأخيه: ((إن بلادكم ستخرب، وإن الله في أهل اليمن سخطتين ورحمتين (إلى أن قال): والرحمة الأولى بعثة نبى من تهامة اسمه محمد يرسل بالرحمة، ويغلب أهل الشرك. والثانية: إذا خرب بيت الله يبعث الله رجلا يقال له شعيب بن صالح، فيهلك من خربه ويخرجهم حتى لا يكون بالدنيا إيمان إلا بأرض اليمن. وأشار بعد ذلك إلى ماثبت في أحاديث مختلفة أن البيت يحج بعد خروج يأجوج ومأجوج(٥)، وأنه لا تقوم الساعة حتى لا يحج البيت (٦)، وأن الكعبة يخربها ذو = (١) انظر: الفتن (ق١٠٥/أ رقم ١١٦٨، وانظر أيضا ق ١٠٤ / ب رقم ١١٦٠، ق ١١٠/ ب رقم ١٢٣٠، ق ١١١ / ب رقم ١٢٤٢). (٢) انظر: الفتن (ق ١١٠/ ب رقم ١٢٣٥، ق ١١٢ / ب رقم ١٢٥٥). (٣) فتح البارى (٥٤٦/٦). (٤) المصدر السابق (٥٤٥/٦). (٥) سيأتى في ذلك حديث عن أبى سعيد الخدرى عند المؤلف برقم ٦٨١. (٦) رواه الحاكم في مستدركه (٤٥٣/٤) من حديث أبى سعيد الخدرى. -١٠١٨ - = السويقتين من الحبشة، ثم قال: ((فينتظم من ذلك أن الحبشة إذا خربت البيت خرج عليهم القحطاني فأهلكهم، وأن المؤمنين قبل ذلك يحجون في زمن عيسى بعد خروج يأجوج ومأجوج وهلاكهم»، إلى أن قال: «وقد أخرج مسلم حديث القحطاني عقب حديث تخريب الكعبة ذو السويقتين، فعله رمز إلى هذا))(١). وقال أيضا بعد إيراده لحديث عبد الرحمن بن قيس الصدفى: ((فإن ثبت ذلك فهو في زمن عيسى بن مريم، لما تقدم أن عيسى عليه السلام إذا نزل يجد المهدى إمام المسلمين، وفي رواية أرطاة بن المنذر: ((أن القحطاني يعيش في الملك عشرين سنة)) واستشكل ذلك كيف يكون في زمن عيسى يسوق الناس بعصاه، والأمر إنما هو لعيسى؟ ويجاب بجواز أن يقيمه عيسى نائبا عنه في أمور مهمة عامة(٢). وقال البرزنجى بعد انتهائه من ذكر قصة نزول عيسى عليه السلام: ((اشتملت قصة عيسى عليه السلام على جملة من الأشراط، فلنشر إليها)). ثم قال: ((ومنها خروج القحطاني والجهجاه والهيثم والمقعد وغيرهم بعد عيسى والمهدى عليهما السلام)» وساق جملة كبيرة من الأحاديث والآثار التى تتعلق بهؤلاء، ويوجد فيها ولا سيما في الآثار منها اختلاف شديد. وقد أشار البرزنجى إلى هذا الاختلاف، وحاول الجمع بينها(٣). ويبدو لى - والله أعلم - أن الأحسن في هذه المسألة وغيرها مما يشبهها هو التوقف عند الأحاديث الصحيحة، دون التعرض لما سكتت عنه. وما ذكروه في تحديد هوية قحطاني وتعيين وقت خروجه لم يرد شىء منه فيما صح عن النبى صلى الله عليه وسلم، وإنما هو استنباطات أو مأخوذ من الآثار المقطوعة، وفيها ماهو من الإسرائيليات، فلا ينبغى الاعتماد عليها وقد صرح مرعي بن يوسف بشىء من ذلك، وتقدم أن سقنا كلامه. (١) فتح البارى (١٣ /٧٨). (٢) فتح البارى (١٣ /٧٨). (٣) الإشاعة (ص ١٥٩ - ١٦٠). -١٠١٩ -