النص المفهرس

صفحات 581-600

٢٥٩ - حدثنا محمد (١)، قال: حدثنا محمد(٢)، قال: حدثنا محمد بن
الليث الجوهري(٣)، قال: حدثنا هارون بن حاتم(٤)، قال: حدثنا حفص بن
غياث، عن ابن أبي خالد - يعني إسماعيل - عن قيس بن أبي حازم، عن
مرداس بن مالك الأسلمي، قال: سمعت النبي * يقول: ((يذهب
الصالحون الأول فالأول، حتى لا يبقى إلا مثل حثالة أو حفالة البر
والشعير، لا يعبأ الله عز وجل بهم شيئاً)(٥).
= يرض هذه الطرق، حيث إنه استشهد بهذا الحديث على حديث آخر حسنه به، دون
عكس، وقال: لأن الشاهد فيه ما ليس في المشهود له، وقال عن ابن العشرين: أخشى
أن يكون أخطأ في إسناده حين قال: سعيد بن المسيب مكان أبي حميد كما في رواية
يونس بن يزيد، وهو ثقة.
انظر الصحيحة (٣٨٤/٤_٣٨٥ رقم ١٧٨١).
وهذا الاحتمال وارد لو كان ابن أبي العشرين تفرد بالرواية ولكنه لم ينفرد بها كما
رأیت.
(١) هو محمد بن خليفة بن عبد الجبار.
(٢) هو محمد بن الحسين الآجري.
(٣) يكنى أبا بكر، ذكره الخطيب في تاريخه (١٩٦/٣) وقال: كان ثقة، توفي سنة
٢٩٩ هـ.
(٤) كوفي، وقد سمع منه أبو حاتم وأبو زرعة، وامتنعا من الرواية عنه. وسئل عنه أبو
حاتم فقال: أسأل الله السلامة، توفي سنة ٢٤٩هـ.
الجرح والتعديل (٨٨/٩)، وميزان الاعتدال (٢٨٢/٤ - ٢٨٢).
(٥) لم أهتد إلى من رواه من هذا الطريق، وفيه هارون بن حاتم، ضعفه أبو حاتم، ولكن
الحديث مروي من طرق أخرى.
الإمام أحمد في مسنده (١٩٣/٤) عن محمد بن عبيد، وعن يعلى، كلاهما
فأخرجه الإ
عن إسماعيل به نحوه، إلا أن سياق محمد بن عبيد مختصر، وأخرجه أيضاً في المصدر
نفسه عن يحيى بن سعيد، والبخاري في صحيحه، كتاب المغازي، باب غزوة =
- ٥٨١ -

٢٦٠ - حدثنا ابن خليفة، قال: حدثنا محمد، قال: حدثنا ابن مخلد:
حدثنا إبراهيم بن هانىء، قال: حدثنا نعيم بن حماد قال: حدثنا ابن:
بشر(١)، عن طلحة(٢)، عن عطاء(٢)، عن ابن عباس في قول الله عز وجل:
((أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها))(٤)قال: ((ذهاب
خيارها)»(٥).
= الحديبية (٤٤٤/٧ رقم ٤١٥٦) عن إبراهيم بن موسى، كلاهما عن إسماعيل به
موقوفاً من قول مرداس، ووقع في جميع الروايات ((التمر) بدل («البر)» دون شك في
(حثالة أو حفالة))؛ عند البخاري ((حفالة)) وعند الإِمام أحمد ((حثالة)) وله طريق آخر تقدم برقم.
٢٥٧.
(١) كذا في الأصل ((ابن بشر)) وفي الفتن لنعيم بن حماد ((ابن نمير)» وهو يبدو أنه
الصواب، وابن نمیر هو عبدالله بن نمیر.
(٢) هو ابن عمرو بن عثمان الحضرمي المكي، متروك، مات سنة ١٥٢هـ.
(٣) ابن أبي رباح أسلم المكي، ثقة فقيه فاضل، لكنه كثير الإرسال، مات سنة ١١٤ هـ.
(٤) سورة الرعد: الآية :٤١.
(٥) انظر الأثر في الفتن لنعيم بن حماد (ق ٦٤ / أ رقم ٦٩٨)، وأخرجه أيضا ابن جرير
في تفسيره (١٧٤/١٣)، والحاكم في مستدركه (٣٥٠/٢) من طريقين آخرين عن
طلحة بن عمرو به ..
ولفظه عند ابن جرير «ذهاب علمائها وفقهائها وخيار أهلها)».
وعند الحاكم: «موت علمائها وفقهائها)».
وقال الحاكم: ((صحيح الإسناد)) وتعقبه الذهبي فإنه قال: طلحة بن عمرو قال
أحمد: متروك)) وهو الصواب، كما تقدم في ترجمته، وعليه فالحديث ضعيف، ورواه
ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (١٥٤/١) بسنده عن وكيع، عن طلحة بن
عمرو، عن عطاء بن أبي رباح من قوله، وفي تفسير الآية أقوال أخرى، وأولى الأقوال
في ذلك هو أن المراد ظهور الإسلام على الشرك قرية بعد قرية كقوله تعالى: ﴿ولقد أهلكنا
ما حولكم من القرى﴾ سورة الأحقاف: الآية ٢٧، وهو اختيار ابن جرير وابن كثير.
. انظر: تفسير ابن جرير (١٧٤/١٣)، وتفسير ابن كثير (٢/ ٥٢٠). وقال ابن عبد
البر: ((وقول عطاء في تأويل الآية حسن جداً يلقاه أهل العلم بالقبول، وقول الحسن =
- ٥٨٢ -

أيضا (أي ظهور المسلمين على المشركين) حسن المعنى جداً.
=
التعليق:
هذا الباب أيضا تحدث فيه المؤلف - كالباب السابق - عن أحوال الناس، إلا أنه
تكلم في الباب السابق عما يقع في أحوال الناس من التغير والتبدل، وأما هذا الباب
فتعرض فيه لذلك من ناحية أخرى حيث بين في ضوء الأحاديث النبوية ذهاب
الصالحين والأخيار منهم أولا فأولا قبل وقوع الساعة حتى لا يبقى إلا الأشرار
والأراذل، وعليهم تقوم الساعة، كما ثبت في أكثر من حديث، فورد أن النبي (185 قال:
((لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس))(١) ..
كما ورد أيضا أنه قال: ((لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض: الله الله)) وفي رواية:
((لا تقوم الساعة على أحد يقول الله الله»(٢).
وأورد المؤلف في الباب ثلاثة أحاديث، اثنان منها مرفوعان، وواحد موقوف، وأحد
المرفوعين حديث مرداس الأسلمي، أورده من طريقين، وقد جاء فيه:
(«لا يبالي الله عز وجل بهم)) ومعناه كما قال الخطابي: ((لا يرفع لهم قدراً، ولا يقيم لهم
وزناً)) وذكر ابن بطال أن الحديث يدل على أن موت الصالحين من أشراط الساعة،
وأنه يجوز انقراض أهل الخير في آخر الزمان حتى لا يبقى إلا أهل الشر(٣).
قلت: وهذا يتعارض مع حديث ((لاتزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق ... حتى
يأتي أمر الله) (٤)، وسيأتي الجمع بينهما في باب مستقل عقده المؤلف باسم «باب
ماجاء أن الساعة تقوم على أشرار الناس)).
وخلاصته أن المراد من ((أمر الله)) هبوب تلك الريح التي ورد ذكرها في أحاديث
أخرى وأنها تقبض كل من في قلبه مثقال حبة من الإِيمان، فيكون ظهور أهل الحق
قبل هبوبها، وأما بعد هبوبها فلا يبقى إلا الشرار، وعليهم تقوم الساعة، والله أعلم.
(١) سيأتي برقم ٤١٠ وهو عند مسلم.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه (١٣١/١ رقم ١٤٨).
(٣) انظر فتح الباري (٢٥٢/١١).
(٤) سيأتي برقم ٣٦٠ وهو عند مسلم.
- ٥٨٣ -

٤٣ - باب ماجاء في انقراض العلماء وقبض العلم
٢٦١ - حدثنا عبد الرحمن بن عثمان، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ،
قال: حدثنا أبوبكر بن أبى خيثمة، قال: حدثنا هوذة بن
خليفة(١)، قال: حدثنا عوف الأعرابى(٢)، عن رجل (٣)، عن
سليمان بن جابر الهجرى(٤)، عن ابن مسعود، قال: قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: ((تعلّموا العلم، وعلّموه الناس،
وتعلموا القرآن وعلموه الناس، وتعلموا الفرائض وعلموها
الناس، فإنى امروء مقبوض، وإن العلم سيقبض، وتظهر
الفتن حتى يختلف الاثنان في الفريضة لا يجدان أحدا يفصل
بينهما»(٥).
(١) هو البكراوى، أبو الأشهب البصرى الأصم، نزيل بغداد، صدوق، مات سنة
٢١٦ هــ
(٢) هو ابن أبى جميلة العبدى البصرى، ثقة، رمي بالقدر وبالتشيع، مات سنة ١٤٦
هـ أو ١٤٧ هـ.
(٣) مختلف فيه، فذكر بعضهم أنه مبهم لم يعرف، وصرح بعضهم بأنه سليمان بن
جابر الهجرى نفسه، انظر التفصيل في تخريج الحديث.
(٤) الهجرى: بفتح الهاء والجيم وكسر الراء في آخرها، هذه النسبة إلى هجر، وهى بلدة
من بلاد اليمن من أقصاها، كذا قال السمعانى، وهى تنقسم الأن إلى هجر الغربى
وهجر الشرقى، وتقع على الحدود اليمنية العمانية.
وأما سليمان بن جابر فهو مجهول.
انظر الأنساب (١٣ /٣٨٤) واليمن الخضراء (ص ٥٦).
(٥) أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (١٥٤/١) عن عبد الوارث قال:
حدثنا قاسم به مثله إلا أنه لا يوجد عنده قوله: ((وتعلموا القرآن، وعلموه الناس)) . =
- ٥٨٥ _

٢٦٢ - حدثنا سلمون بن داود، قال: حدثنا محمد بن عبد الله، [قال:
وهذا الإسناد ضعيف، فيه سلميان بن جابر الهجرى وصفه الحافظ بأنه مجهول،
=
ثم إنه قد اختلف في إسناد الحديث على عوف الأعرابى اختلافا كثيرا، فروي عنه
من حديث ابن مسعود كما روي عنه من حديث أبى هريرة، وسيقت أسانيده عنه
على أوجه مختلفة.
وأخرجه على الوجه الذى عند المؤلف، الترمذى في سننه، كتاب الفرائض، باب ماجاء
في تعليم الفرائض (٤١٤/٤) دون سياق المتن، والبيهقى في السنن الكبرى:
(٢٠٨/٦) دون قوله: «فإنى امروء مقبوض) من طريق أبى أسامة، والحاكم في
مستدركه (٣٣٣/٤) والمزى في تهذيب الكمال (٥٣٢/١) دون الجملة الأولى
والثانية، من طريق هوذة بن خليفة،
كلاهما عن عوف الأعرابى به، وقال البيهقى: ((عمن حدثه)) بدل ((عن رجل))، وقد.
روي الحديث على وجه آخر، أخرجه النسائي في السنن الكبرى، كتاب الفرائض،
كما في تحفة الأشراف (٣١/٧)، عن شريك، وأبو داود الطيالسى في مسنده (ص ٥٣:
رقم ٤٠٣) عن عبد الواحد بن واصل، والحاكم في مستدركه (٣٣٣/٤) عن النضر
بن شميل، كلهم عن عوف، عن سليمان بن جابر، دون واسطة الرجل المبهم:
وأخرجه الدارمى في سننه، المقدمة، باب الاقتداء بالعلماء (٧٢/١) عن عثمان بن
الهيثم، ثنا عوف، عن رجل يقال له سليمان بن جابر من أهل هجر، عن ابن مسعود
مرفوعا مثله.
وأخرجه الترمذى (برقم ٢٠٩١)، وابن عدى في الكامل (٢٢٥٤/٦) من طريق محمد
بن القاسم الأسدى، عن الفضل بن دلهم، عن عوف، عن شهر بن حوشب، عن أبى:
هريرة مرفوعا، مختصرا جدا.
ونظرا لهذا الخلاف في الإسناد حكم عليه الترمذى بالاضطراب.
وقال الحاكم: ((صحيح الإسناد، وله علة))، ولكن يوجد له شاهد من حديث أبى بكرة
مرفوعا، أخرجه الطبرانى في المعجم الأوسط كما في مجمع البحرين. (١٨١). وفيه
محمد بن عقبة السدوسى، وهو صدوق يخطىء كثيرا، كما في التقريب (ص ٣١١)،
وسعيد بن أبي بن كعب وهو مجهول كما صرح به الحافظ في فتح الباري (٥/١٢)، =
- ٥٨٦ -

حدثنا عبد الله (١)] بن روح(٢)، قال: حدثنا يزيد بن هارون (٣)،
قال: حدثنا هشام، عن يحيى بن أبي كثير، عن عروة بن
الزبير، عن عبد الله بن عمرو: أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم قال: ((إن الله لا ينزع العلم انتزاعا(٤) من الناس، ولكن
يقبض العلماء بعلمهم، حتى إذا لم يبق عالما(٥) اتخذ الناس
رؤوسا جهالا، فقالوا بغير علم(١)، فضلوا وأضلّوا))(٧).
= وإذا ضم هذا الطريق إلى طريق ابن مسعود صح الحديث إن شاء الله، علما بأن
أغلب ماجاء فيه ثابت في أحاديث أخرى، ولكنى لم أجد من صرح بذلك.
راجع للتفصيل: تحفة الأشراف (٣١/٧ -٣٢) وإرواء الغليل (١٠٣/٦ - ١٠٦ رقم
١٦٦٤).
(١) مابين المعكوفين ساقط من الأصل، وسياق الإسناد يقتضيه لأن الذى يروى عن
يزيد بن هارون هو عبد الله بن روح المدائنى، وكذا ذكر الخطيب في تلاميذه
محمد بن عبد الله أبا بكر الشافعى.
انظر تهذيب الكمال (١٥٤٤/٣).
(٢) هو أبو أحمد المعروف بعبدوس، قال فيه الدارقطنى: ليس به بأس، وقال هبة الله
الطبرى: ثقة صدوق، مات سنة ٢٧٧ هـ.
انظر تاريخ بغداد (٤٥٤/٩).
(٣) هو أبو خالد الواسطى، ثقة متقن عابد، مات سنة ٢٠٦ هـ.
(٤) في ع («انتزاعا ينتزعه)).
(٥) في ع «عالم)) وكلاهما صحيح.
(٦) في ع «فسئلوا فأفتوا بغير علم)) مكان قوله ((فقالوا بغير علم)).
(٧) أخرجه الطيالسى في مسنده (ص ٣٠٢ رقم ٢٢٩٢)، وأبو نعيم في الحلية
(١٨١/٢)، وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (١٥١/١) من طريق هشام
الدستوائى به نحوه.
وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٢٥٦/١١ رقم ٢٠٤٧٧) عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير به
نحوه، وفي أوله: ((إن الله لا يرفع العلم بقبض يقبضه))، وقال أبو نعيم =
- ٥٨٧ -

٢٦٣ - حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد، قال: حدثنا محمد بن.
الفضل بن أحمد بن العباس البلخى (١)، قال: حدثنا سعيد بن
الحسين(٢)، قال: حدثنا عبد الوارث بن إبراهيم العسكرى(٢)،.
قال: حدثنا كثير بن يحيى أبو مالك(٤)، قال: حدثنا سلام بن
مسكين(٥)، عن يحيى بن أبى كثير، عن عروة، عن عبد الله بن
عمرو بن العاصى، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن
الله لا ينزع العلم من الناس انتزاعا ولكن يميت العلماء، فإذا
ذهب العلماء اتخذ الناس رؤوسا جهالا ، فسئلوا فأفتوا بغير
علم فضلوا وأضلّوا))(٦).
= عقبه: ((هذا حديث صحيح ثابت من حديث عروة بن الزبير رواه عنه ابنه هشام بن
عروة والزهرى وأبو الأسود وسيأتى من طريق ابنه هشام) برقم ٢٦٤، ٢٦٥).
(١) لعله هو المعروف بواعظ بلخ، ذكره الذهبى فقال: ((الإمام الكبير الزاهد العلامة شيخ
الإسلام أبو عبد الله .. نزيل سمرقند)). توفي سنة ٣١٧ هـ.
سير أعلام النبلاء (١٤ /٥٢٥).
(٢) لم أهتد إلى ترجمته.
(٣) لم أهتد إلى ترجمته.
(٤) هو صاحب البصرى، قال فيه أبو حاتم: محله الصدق، وكان يتشيع، وقال أبو
زرعة: صدوق، وأورده ابن حبان في الثقات، وقال الأزدى: عنده مناكير، ونهى عباس
العنبرى عن الأخذ عنه.
انظر: الجرح والتعديل (١٥٨/٧)، ولسان الميزان (٤٨٤/٤).
(٥) هو أبو روح البصرى الأزدى، يقال: اسمه سليمان، ثقة رمي بالقدر، مات سنة
١٦٧ هـ .
(٦) هذا الحديث غير موجود في ع، وفي إسناده كثير بن يحيى متكلم فيه، وبعض رجاله
لم أجد ترجمتهم، إلا أن الحديث صحيح، لأنه مروي من طرق أخرى عديدة، تقدم.
بعضها قبله، وسيأتى البعض الآخر إن شاء الله.
-٥٨٨ -

٢٦٤ - حدثنا ابن داود، قال: حدثنا محمد بن عبد الله، قال: حدثنا
محمد بن الفرح الأزرق(١)، قال: حدثنا محمد بن كناسة(٢)،
قال: حدثنا هشام بن عروة(٣)، عن أبيه، عن عبد الله بن
عمرو(٤)، عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الله لا يقبض
العلم بأن ينتزعه انتزاعا ولكن يقبضه بقبض العلماء، حتى
إذا(٥) لم يبق عالما اتخذ الناس رؤوسا جهالا(٦)، فسئلوا فأفتوا
بغير علم، فضلّوا وأضلّوا (٧).
٢٦٥ - حدثنا عبد الرحمن بن مسافر الهمدانى، قال: حدثنا محمد
ابن أحمد بن يعقوب الهاشمى(٨)، قال: حدثنا أبو العباس
(١) هو أبوبكر البغدادى، صدوق ربما وهم، مات سنة ٢٨٢ هـ.
(٢) هو محمد بن عبد الله، أبو يحيى بن كناسة، هو لقب أبيه أوجده، صدوق عارف
بالآداب، مات سنة ٢٠٧ هـ.
(٣) ابن الزبير بن العوام الأسدى، ثقة فقيه، ربما دلس، مات سنة ١٤٥ هـ.
(٤) في ع ((عن محمد بن عبد الله بن عمرو)) وهو خطأ.
(٥) كلمة ((إذا)) غير موجودة في ع.
(٦) كلمة ((جهالا)) غير موجودة في ع.
(٧) أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (١٤٩/١) بسنده عن الحارث بن
أبى أسامة وأحمد بن سعيد الجمال، كلاهما عن محمد بن كناسة به نحوه، وفي
أوله «إن الله لا يقبض العلم ينتزعه من الناس».
وأخرجه الترمذى في سننه، كتاب العلم، باب ماجاء في ذهاب العلم (٣١/٥ رقم
٢٦٥٢)، والإِمام أحمد في مسنده (١٦٢/٢، ١٩٠)، وابن حبان في صحيحه كما في
الإحسان (٢٥٤/٨، ٢٥٥ رقم ٦٦٨٤، ٦٦٨٨)، وابن عبد البر في المصدر المذكور
له (١٤٩/١ - ١٥٠) من طرق عن هشام بن عروة به نحوه، وقال الترمذى: هذا
حديث حسن صحيح.
(٨) هو أبو الفضل، من أهل المصيصة، ذكره الخطيب، وقال: وكان سيىء الحال في
انظر تاريخ بغداد (٣٧٥/١).
الحديث.
- ٥٨٩ -

-
-- --
عتاب بن مصعب بن عتاب(١) الواعظ بالمصصية(٢)، قال:
حدثنى سويد بن سعيد(٣)، قال: حدثنا مالك بن (٤) أنس وحفص
بن ميسرة(٥)، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن
عمرو قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله لا
يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلماء
حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤوسا جهالا، فسئلوا
فأفتوا بغير علم، فضلّوا وأضلّوا))(٦).
(١) لم أهتد إلى من ترجم له.
(٢) المصيصة: مدينة على شاطىء جيحان من ثغور الشام بين أنطاكية وبلاد الروم
تقارب طرسوس، وهى أيضا قرية من قرى دمشق قرب بيت لهيا. معجم البلدان
.
(١٤٥/٥) ولعل المقصود الأول.
(٣) هو أبو محمد الحدثانى (نسبة إلى بلدة الحديثة، وهى على الفرات، على فراسخ من
الأنبار، انظر الأنساب ٨٨/٤ - ٨٩) صدوق في نفسه، إلا أنه عمي فصار يتلقن
ماليس من حديثه، مات سنة ٢٤٠ هـ.
(٤) في الأصل ((عن)» والصواب ما أثبته، كذا هو في مصادر التخريج.
(٥) هو أبو عمر الصنعانى، نزيل عسقلان، ثقة ربما وهم، مات سنة ١٨١ هـ.
(٦) هذا الحديث في نسخه سويد بن سعيد من موطأ الإمام مالك، وهى انفردت به عن
غيرها من الموطآت، وتوجد هذه النسخة في المكتبة الظاهرية كما أفاد بذلك فؤاد عبد
الباقى في مقدمته على الموطأ (صفحة: دى، هى).
والحديث أخرجه من طريق سويد، ابن ماجه في سننه، المقدمة، باب اجتناب الرأى
والقياس (٢٠/١ رقم ٥٢)، إلا أنه قرن مع مالك: علي بن مسهر وحفص بن ميسرة
وشعيب بن إسحاق، كلهم عن هشام بن عروة به نحوه.
. -
وأخرجه البخاري في صحيحه، كتاب العلم، باب كيف يقبض العلم (١ / ١٩٤
رقم ١٠٠) عن إسماعيل بن أبي أويس، قال: حدثني مالك .... به نحوه.
وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب العلم، باب رفع العلم وقبضه (٢٠٥٨/٤ رقم =
- ٥٩٠ -

قال أبو عمرو: هذا الحديث معروف من حديث عبد الله بن
عمرو، وقد رواه أبو هريرة عن النبى عليه السلام.
٢٦٦ - فحدثنا سلمون بن داود، حدثنا أحمد بن الحسن الرازى(١)،
حدثنا روح بن الفرج(٢)، قال: حدثنا عمرو بن خالد (٣)، قال:
حدثنا العلاء بن سليمان الرقى (٤)، عن الزهرى، عن أبى
سلمة، عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: ((إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من الناس،
ولكن يقبضه بقبض العلماء(٥)، فإذا ذهب العلماء اتخذ الناس
رؤوسا جهالا، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلّوا وأضلّوا عن
سواء السبيل»(٦).
= ١٣) من طريق آخر عن جرير، عن هشام بن عروة به.
وذكر الحافظ ابن حجر أن هذا الحديث قد اشتهر من رواية هشام بن عروة فرواه
عنه أكثر من سبعين شخصا.
انظر للتفصيل: فتح الباري (٢٨٣/١٣،١٩٥/١)، وأيضا جامع بيان العلم وفضله
(١٤٨/١ - ١٥٠).
(١) هو أبو العباس الرازى ثم المصرى، ذكره الذهبى، ووصفه بقوله: ((المحدث
الصادق)»، توفي سنة ٣٥٧ هـ.
سير أعلام النبلاء (١١٣/١٦).
(٢) هو القطان أبو الزنباع، المصرى، ثقة، مات سنة ٢٨٢ هـ.
(٣) هو أبو الحسن الحرانى، نزيل مصر، ثقة، مات سنة ٢٢٩ هـ.
(٤) هو أبو سليمان، قال ابن عدى: ((منكر الحديث، يأتى بمتون وأسانيد لا يتابع
عليها)) وقال أبو حاتم: ((ليس بالقوى)). وقيل: كانت فيه غفلة. انظر الكامل
(١٨٦٥/٥) ولسان الميزان (١٨٤/٤).
(٥) في ع (في قبض العلماء)).
(٦) أخرجه ابن عدى في الكامل (١٨٦٥/٥)، والطبراني في الأوسط كما في مجمع =
- ٥٩١ -

٢٦٧ - حدثنا على بن محمد، قال: حدثنا محمد بن أحمد، قال: حدثنا
محمد بن يوسف، قال: حدثنا البخارى، قال: حدثنا أبو
اليمان، قال: حدثنا شعيب، قال: حدثنا أبو الزناد، عن عبد
الرحمن، عن أبى هريرة، قال: قال النبى صلى الله عليه وسلم:
((لا تقوم الساعة حتى يقبض العلم))(١).
٢٦٨ - حدثنا حمزة بن على، قال: حدثنا الحسن، قال: حدثنا نصر،
قال: حدثنا أسد، قال: حدثنا ابن أبى الزناد، عن أبيه، عن
الأعرج، عن أبى هريرة، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه
وسلم يقول:((لا تقوم الساعة حتى يقبض العلم))(٢).
= البحرين (ص ٣٢) من طريق آخر عن العلاء بن سليمان الرقى به مثله.
وأورده الهيثمى في مجمع الزوائد (٢٠١/١) وقال: ((وفيه العلاء بن سليمان الرقى
ضعفه ابن عدى وغيره)).
وله طريق آخر عند الطبراني في الأوسط، وفيه عبد الله بن صالح كاتب الليث وهو
ضعيف وقد وثق، كذا قال الهيثمى، وأما الحافظ فوصفه بأنه صدوق كثير الغلط،
ثبت في كتابه، وكانت فيه غفلة.
انظر: التقريب (ص ١٧٧).
وقد روي ذلك أيضا من أحاديث أبى سعيد الخدرى وعائشة وغيرهما وأسانيدها
ضعيفة، ولكن اجتماع هذه الأسانيد يرفع عنها الضعف، ولا سيما لها شاهد من
حديث عبد الله بن عمرو وهو حديث صحيح مخرج في الصحيحين.
انظر: مجمع الزوائد (٢٠١/١)، وفتح البارى (٢٨٦/١٣).
(١) لم أجد البخارى رواه مختصرا هكذا، وإنما رواه في سياق طويل.
راجع ماتقدم برقم ٢٤٣ :
وقد جاء ذكر هذه الجملة في طرق عديدة من حديث أبى هريرة.
راجع لمعرفتها مسند الإمام أحمد (٢٥٧/٢، ٢٦١، ٢٨٨، ٣١٣، ٤٢٨، ٥٢٤,
٥٣٩،٥٣٠).
(٢) انظر ما تقدم برقم ٢٤٤.
-٥٩٢ -

التعليق:
عقد المؤلف هذا الباب، وأراد أن يشير من خلاله إلى أعظم نكبة يصاب بها
الناس في بعض أزمنتهم، ألا وهى انقراض العلماء وقبض العلم، ويصل بهم الحال
إلى حد أنه لا يبقى العلماء فيتخذون الجهال رؤساء لهم، فيفسدون عليهم دينهم
ودنياهم بسبب جهلهم، وأما الأحاديث الواردة في هذا الموضوع فهى على نوعين:
أحدهما: يدل على ذهاب العلم مطلقا دون بيان بكيفيته، وتختلف ألفاظه فيما بين
القبض والنقص والرفع والقلة والزوال وغيرها، وجميعها يؤدى معنى واحدا وهو
ذهاب العلم.
وأما النوع الثانى من الأحاديث فقد جاء فيه قبض العلم مع تحديد كيفية قبضه،
لأنه ورد فيه صراحة على لسان الصادق المصدوق أن المراد بقبض العلم قبض
العلماء وذهابهم، كل بما معه من العلم، حتى لا يبقى إلا الجهال.
وقد أورد المؤلف في هذا الباب من الأحاديث مايتعلق بكلا النوعين. واختلف العلماء
في المراد من قبض العلم ورفعه في الأحاديث المطلقة، فذكر القرطبى حديث معاوية:
((إن من أشراط الساعة أن يقل العلم ويظهر الجهل ... )) الحديث، وقال أثناء شرحه
له: وأما قلة العلم وكثرة الجهل فذلك شائع في جميع البلاد ذائع - أعنى برفع العلم
وقلته ترك العمل به)) - ثم استشهد بما روي عن ابن مسعود موقوفا جاء فيه: ((ليس
حفظ القرآن بحفظ حروفه، ولكن إقامة حدوده)»(١).
وقيل: إن المراد نقص علم كل عالم بأن يطرأ عليه النسيان مثلا، وقيل: نقص العلم
بموت أهله، فكلما مات عالم في بلد ولم يخلفه غيره نقص العلم من ذلك البلد،
ذكرهما الحافظ ابن حجر دون عزو إلى أحد (٢)، وقد ذهب أكثر أهل العلم إلى القول
الأخير أى أن المراد من نقص العلم وقلته ومن رفعه وقبضه هو مايفيده حديث عبد
الله بن عمرو وغيره من قبض العلماء وفنائهم بما معهم من العلم، وقد قال النووى =
(١) التذكرة (ص ٧٤٩، ٧٦٢) وأثر ابن مسعود في زوائد الزهد لابن المبارك (ص ٥٧
رقم ٢٠٣).
(٢) فتح البارى (١٧/١٣).
- ٥٩٣ -

= أثناء شرحه لحديث عبد الله بن عمرو: «هذا الحديث يبين أن المراد بقبض العلم في
الأحاديث السابقة المطلقة ليس هو محوه من صدور حفاظه، ولكن معناه أنه يموت
حملته ويتخذ الناس جهالا يحكمون بجهالاتهم فيضلون ويضلون»(١).
وقال ابن كثير في هذا الحديث: «هو ظاهر في أن العلم لا ينتزع من صدور الرجال
بعد أن وهبهم الله إياه)»(٢).
ونقل الحافظ ابن حجر عن ابن المنير أنه قال: «محو العلم من الصدور جائز في
القدرة، إلا أن هذا الحديث دل على عدم وقوعه»(٣).
وذهب ابن العربى إلى طريق آخر يجمع بين الأقوال المذكورة إذ قال: ((وأما ذهاب
العلم قال المشيخة: فيكون بوجوه، إما بمحوه من القلوب وقد كان في الذين من قبلنا،
ثم عصم هذه الأمة، فذهاب العلم منها بموت العلماء، وقد قال جماعة من الناس:
إن ذهاب العلم يكون أيضا بذهاب العمل به، فيحفظون القرآن ولا يعملون به
فيذهب العلم .. والذى عندى أن الوجوه الثلاثة في هذه الأمة، فقد يذنب الرجل حتى
يذهب ذنبه علمه، وقد يقرؤه ولا يعمل به، وقد يقبض بعلمه فلا ينتفع أحد به، أو
يمنع من بثه فيذهب لوقته» (٤).
وهذا فيما يبدو لى أجود لأنه يجمع بين الأقوال، وبه تتفق الأحاديث المطلقة والمقيدة
والآثار المنقولة عن بعض السلف. والله أعلم.
(١) شرح النووى لصحيح مسلم (٢٢٤/١٦).
(٢) النهاية، الفتن والملاحم (٣٩/١).
(٣) فتح البارى (١٩٥/١).
(٤) عارضة الأحوذي (١٢١/١٠).
- ٥٩٤ -

٤٤ - باب ماجاء(١)في رفع القرآن
٢٦٩ - حدثنا أحمد بن إبراهيم بن فراس المكى، قال: حدثنا محمد
بن إبراهيم الديبلى، قال: حدثنا سعيد بن عبد الرحمن، قال:
حدثنا سفيان بن عيينة، عن عبد العزيز بن رفيع (٢)، قال:
سمعت شداد بن معقل(٣)، سمعت ابن مسعود يقول: ((إن أول
ماتفقدون من دينكم الأمانة، وآخر ما تفقدون الصلاة، وإن
هذا القرآن الذى ينزل(٤) بين أظهركم يوشك أن يرفع، قال:
قلت لعبد الله: كيف يرفع، وقد أثبته الله في صدورنا، وأثبتناه
في مصاحفنا؟ قال: يسرى عليه ليلا، فلا يترك منه شىء في
صدر رجل ولا مصحف، ثم قرأ: ﴿ ولئن شئنا لنذهبن
بالذى أوحينا إليك ﴾(٥) الآية .
(١) كلمة ((جاء)) غير موجودة في ع.
(٢) هو أبو عبد الملك المكى نزيل الكوفة، ثقة، مات سنة ١٠٣ هـ.
(٣) هو كوني، صدوق.
(٤) كلمة ((ينزل)) غير موجودة في ع.
(٥) سورة الإسراء: الآية ٨٦.
والحديث أخرجه نعيم بن حماد في الفتن (ق ١٦٨ / ب رقم ١٦٩٨، ق ١٦٩ / ب
رقم ١٧١٤)، وعبد الرزاق في مصنفه (٣٦٣/٣ رقم ٥٩٨١). وابن أبى شيبة في
مصنفه (١٧٥/١٥ - ١٧٦) وابن جرير في تفسيره (١٥٨/١٥) مختصراً، والطبرانى
في المعجم الكبير (١٥٣/٩ رقم ٨٧٠٠)، والحاكم في مستدركه (٤ /٥٠٤).
من طرق عن عبد العزيز بن رفيع به نحوه، بألفاظ متقاربة، ووقع عند ابن جرير في سند الحديث
بعد ((عبدالعزيز بن رفيع)) ((عن بندار)) ولعله خطأ، ووقع عند ابن أبي شيبة والطبراني زيادة
قوله: ((سيصلى قوم لا دين لهم)) بعد قوله: «وآخر ماتفقدون منه
- ٥٩٥ -

٢٧٠ - حدثنا ابن عفان، قال: حدثنا أحمد، قال: حدثنا أبو عثمان،
قال: حدثنا نصر، قال: حدثنا على، حدثنا إسماعيل بن علية،
عن رجاء بن أبى سلمة(١)، عن يزيد بن عبد الله (٢)، قال: قال
معاذ: ((يوشك القرآن أن ينسخ))، قال(٣): ينسخ حتى لا يقرأ؟
قال: ((لا، ولكن يسلك الناس(٤) واديا، ويسلك القرآن واديا
غيره»(٥).
= الصلاة))، وعبد العزيز بن رفيع تابعه في روايته عن شداد، المسيب بن رافع أخرج
حديثه عبد الرزاق في مصنفه (٣٦٢/٣ رقم ٥٩٨٠) ومن طريقه الطبراني في المعجم.
الكبير (١٥٣/٩ رقم ٨٦٩٨) عن الثورى، عن أبيه، عن المسيب بن رافع، عن شداد
به نحوه.
مقرونا مع رواية عبد العزيز دون الجملة الأولى.
والحديث أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٣٣٠،٥٢/٧) من رواية الطبراني، وقال:
((رجاله رجال الصحيح، غير شداد بن معقل وهو ثقة))، وهو إسناد موقوف، له حكم
الرفع لأن مثله لا يقال بالاجتهاد والله أعلم.
(١) هو ابن مهران أبو المقدام الفلسطينى، أصله من البصرة، ثقة فاضل، مات سنة
١٦١ هـ.
(٢) ابن موهب القاضى الشامى، ذكره ابن أبى حاتم في الجرح والتعديل (٢٧٦/٩)
دون توثیق أو تجریح.
(٣) كذا في الأصل وع ((قال)) والأثر في مختصر الحجة، وفيه («قالوا)).
(٤) في ع ((نسلك)) بدل ((يسلك الناس)).
(٥) رواه نصر المقدسى في الحجة. انظر مختصره (ص ١٤). وفي أوله: «قال (يزيد بن
عبد الله): كنا بالقسطنطينية ... ))، وهو موقوف، ورجال إسناده ثقات سوى يزيد بن
عبد الله ذكره ابن أبى حاتم دون توثيق أو تجريح.
التعليق:
عقد المؤلف هذا الباب وترجم له بقوله: ((باب ماجاء في رفع القرآن)» وهو من أعظم =
-٥٩٦ -

= الأمور التى يبتلى بها الناس قبل قيام الساعة، فإنه يسرى عليه ليلا فلا يترك منه
شىء في الصدور والمصاحف، ويبقى الناس بعده بلا علم، وأورد المؤلف في الباب
حديثين موقوفين، أحدهما عن ابن مسعود، والثانى عن معاذ بن جبل.
وفيه إشارة إلى أن المراد من رفع القرآن عدم اتباع الناس لتعاليمه، ولعل هذا رأى
كان يذهب إليه معاذ بن جبل، وفيه احتمال آخر وهو أنه لم يقصد بذلك ماسيقع
قرب قيام الساعة، وإنما تحدث عما سيقع من هجران الناس للقرآن وتعاليمه بصفة
عامة، وهذا الذى يبدو أنه راجح، لأنه لا يتوقع منه أن يخالف ماهو ثابت عن النبى
صلى الله عليه وسلم، فإن رفع القرآن ومحوه ثابت في بعض الأحاديث الصحيحة،
منها: ماأخرجه ابن ماجه في سننه، كتاب الفتن، باب ذهاب القرآن والعلم، بسنده
عن حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يدرس الإسلام كما يدرس
وشى الثوب، حتى لا يدرى ماصيام ولا صلاة ولا نسك ولا صدقة، وليسرى على كتاب
الله عز وجل في ليلة فلا يبقى في الأرض منه آية .. )) الحديث(١).
وهو حديث صحيح، وقد صرح بصحته البوصيري(٢)، ووصف الحافظ ابن
حجر إسناده بأنه قوى(٢).
وفي الحديث نبأ بأنه سوف يأتى على الإسلام يوم يمحى فيه أثره، وكذلك على القرآن
يوم يرفع فيه إلى السماء فلا يبقى منه ولا آية واحدة.
وقال القرطبى مشيرا إلى الوقت الذى يحدث فيه ذلك: ((هذا إنما يكون بعد موت
عيسى عليه السلام لا عند خروج يأجوج ومأجوج على ما تقدم من رواية مقاتل» (٤)
ومما يدل على رفع القرآن بعد موت عيسى عليه السلام أنه ينزل مجددا لما درس من
شريعة محمد صلى الله عليه وسلم.
ورفع القرآن الكريم في آخر الزمان لا يكون إلا تمهيدا لإقامة الساعة على شرار
الخلق، لأنها لا تقوم إلا عليهم كما هو ثابت في بعض الأحاديث الصحيحة، وقد =
(١) انظر السنن (١٣٤٤/٢ رقم ٤٠٤٩).
(٢) مصباح الزجاجة (٣٠٧/٢ رقم ١٤٢٩).
(٣) فتح البارى (١٦/١٣).
(٤) التذكرة (ص ٧٦٣)، ورواية مقاتل ستأتى عند المؤلف برقم ٦٧٧ وهى ضعيفة.
-٥٩٧_

= صرح البرزنجى ومرعى بن يوسف والسفارينى بأن رفع القرآن ومحوه من الصدور
والمصاحف من الأشراط العظام(١).
ووصفه السفارينى بأنه من أشد معضلات الأمور، وقال مرعى بن يوسف: ((قرر
الأئمة أنه يرفع أولا من المصاحف، وذلك أنهم يبيتون فيصبحون وليس فيها حرف
مكتوب، ثم يرفع من الصدور عقب ذلك لأعجل زمن حتى لا يكون شيء منه محفوظا
حتى يقول الحافظ للآخر وقد سأله الآخر: كنت أحفظ شيئا نسيته لا أدرى ماهو)).
وهذا هو المقصود من قول السلف ((وإليه يعود)) لأن القرآن كلام الله، فيقولون: (منه
بدا، وإليه يعود)) أى أنه يرفع من الصدور والمصاحف فلا يبقى في الصدور منه آية
ولا في المصاحف(٢)
وفي أحاديث الباب إشارة إلى عظمة القرآن، وأن وجوده بين المسلمين هو السبب
لبقاء دينهم ورسوخ بنيانه، وماذلك إلا بتدارسه وتفهمه وتدبره والتفقه فيه، ثم
بتطبيقه في حياة الأفراد والجماعات وما أصاب الأمة الإسلامية من الوهن والذل
والنكبات فمن أكبر أسبابه ترك القرآن وتدبره ونبذ تعاليمه وعدم تطبيقها، فالله
المستعان.
(١) انظر الإشاعة (ص ١٨٠) وبهجة الناظرين (ق ١١٩/ب) ولوامع الأنوار (١٣١/٢
- ١٣٢).
. (٢) انظر شرح العقيدة الطحاوية (ص ١٩٥).
-٥٩٨ -
۔۔

٤٥ - باب ماجاء في فقد الأمانة والصلاة
٢٧١ - حدثنا عبد الرحمن بن عثمان، [قال: حدثنا أحمد بن ثابت،
قال: حدثنا سعيد بن عثمان(١)]، قال: حدثنا نصر بن مرزوق،
قال: حدثنا على بن معبد، قال: حدثنا موسى بن أعين، عن ليث
بن أبى سليم، عن ابن حصين(٢)، عن أبى عبد الله
الفلسطينى(٣)، قال: سمعت حذيفة بن اليمان يقول:
((لتنتقضن عرى الإسلام عروة عروة، ولتركبن سنن الأمم من
قبلكم حذو النعل بالنعل، لا تخطئون طريقهم، ولا يخطأ بكم،
حتى يكون أول نقضكم من عرى الإِيمان الأمانة، وآخرها
الصلاة، وحتى يكون في هذه الأمة أقوام يقولون: والله
ما أصبح فينا منافق ولا كافر، وإنا أولياء الله حقا حقا، وذلك
بسبب(٤) خروج الدجال، حق على الله أن يلحقهم به))(٥).
(١) مابين المعكوفين غير موجود في الأصل، والصواب إثباته، وقد أكثر المؤلف من الرواية
بهذا الإسناد.
(٢) لم أتمكن من تحديده، قد يكون عمران بن حصين الضبى، تابعى، ذكره الحافظ
ابن حجر في التقريب ووصفه بأنه مقبول.
(٣) هو حميد بن زياد الفلسطينى ويقال: اليمامى، ذكره المزى في تهذيب الكمال
(٨٤٥/٢) في ترجمة عبد العزيز أخى حذيفة بن اليمان، ووصفه الحافظ في التقريب
بأنه مجهول.
(٤) في ع ((عند تسبيب)).
(٥) لم أجد من أخرجه من هذا الطريق مطولا هكذا، وهو موقوف، وفي إسناده ليث بن
أبى سليم، اختلط أخيرا ولم يتميز حديثه فترك، وبعض الرجال في الإسناد لم أجد
ترجمتهم، ويبدو أن الإسناد وقع فيه سقط أو انقطاع، لأن الحديث رواه الإمام =
- ٥٩٩ -

٢٧٢ - حدثنا أحمد بن إبراهيم المعدل، قال: حدثنا محمد بن إبراهيم،
قال: حدثنا أبو عبد الله المخزومى، قال: حدثنا ابن عيينة، عن
عبد العزيز بن رفيع، قال: سمعت شداد بن معقل، سمعت ابن
مسعود يقول: ((إن أول ماتفقدون من دينكم الأمانة، وآخر
ماتفقدون من دينكم الصلاة))(١).
= أحمد في الزهد (ص ١٧٩)، وابن وضاح في البدع والنهى عنها (ص ٥٨ - ٥٩)،
وأبو نعيم في الحلية (١ /٢٨١)، والحاكم في مستدركه (٤ /٤٦٩) من طريق آخر عن
عكرمة بن عمار قال: حدثنى حميد أبو عبد الله، قال: حدثنى عبد العزيز أخو
حذيفة، قال: قال حذيفة: ((أول ماتفقدون من دينكم الأمانة، وآخر ماتفقدون
الصلاة .. » الحديث :
مطولا ببعض الزيادات سوى أبى نعيم. فإنه ساقه مختصرا إلى قوله: ((وآخر
ماتفقدون الصلاة))، وعند الجميع سوى ابن وضاح ((الخشوع)) بدل ((الأمانة)).
والحديث صححه الحاكم، ووافقه الذهبى، وعكرمة بن عمار صدوق يغلط، كما في
التقريب، وحميد لم أهتد إلى من ترجم له. ولكن له طريق آخر تقدم عند المؤلف برقم
٢٢٥.
(١) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (١٥٣/٩ رقم ٨٦٩٩) من طريق سفيان، عن عبد
العزيز بن رفيع به نحوه مختصرا.
وفيه ((وآخر مابقى)» بدل قوله ((وآخر ماتفقدون من دينكم)» كما أن في آخره زيادة قوله
(«وليصلين قوم لا إيمان لهم)).
وتقدم هذا الحديث في سياق طويل برقم ٢٦٩.
وهو موقوف، وقد ورد نحوه عن حذيفة أيضا من قوله في سياق طويل وقد تقدم عند
المؤلف من طريقين:
أحدهما قبله مباشرة. والثانى برقم ٢٢٥.
التعليق:
عقد المؤلف هذا الباب وترجم له بقوله ((باب ماجاء في فقد الأمانة والصلاة)).
وأورد فيه حديثين موقوفين: أحدهما عن حذيفة، والثانى عن ابن مسعود. وكلاهما =
- ٦٠٠ -