النص المفهرس
صفحات 321-340
الحسن، عن أبي بكرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( إذا تواجه المسلمان بسيفيهما كلاهما يريد قتل صاحبه فالقاتل والمقتول في النار)»، قيل: يا رسول الله ! ما بال المقتول ؟ قال: ((إنه(١) كان أراد قتل صاحبه)). أخبرنا علي بن محمد بن خلف، قال: حدثنا محمد بن أحمد، ٩٣ - قال: حدثنا محمد بن يوسف، قال: حدثنا محمد بن إسماعيل، قال: حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب(٢)، قال: حدثنا حماد، عن رجل لم يسمه(٣)، عن الحسن قال: خرجت بسلاحى ليالي سنة ١٢٢ هـ. (١) في ع بزيادة ((قد .. )) ولم أجد من أخرجه من طريق أبى حرة عن الحسن، وأخرجه عبد الرزاق في المصنف (٣٥١/١١، ٣٥٨ رقم ٢٠٧٢٨، ٢٠٧٣٧)، ومن طريقه الإمام أحمد في مسنده (٥ /٤٧) عن معمر، والنسائى في سننه، كتاب تحريم الدم، باب تحريم القتل (١٢٥/٧) عن محمد بن المثنى، قال: حدثنا الخليل بن عمر بن إبراهيم قال: حدثنى أبى، كلاهما عن قتادة، عن الحسن، عن أبى بكرة، نحوه، ولفظه عند النسائى: ((إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار)). ووقع عند عبد الرزاق والإمام أحمد ((فقتل أحدهما صاحبه)) بدل قوله ((كلاهما يريد قتل صاحبه)). وأخرجه أيضا الإمام أحمد في مسنده (٥١/٥)، والنسائى في المصدر المذكور له، من طرق أخرى عن الحسن به نحوه. هذا وقد روي الحديث من طريق الحسن عن الأحنف بن قيس عن أبى بكرة، وسيأتى التفصيل عنه أثناء تخريج الحديث الآتى. (٢) هو الحجبى أبو محمد البصرى، ثقة، مات سنة ٢٢٨ هـ. (٣) هو عمرو بن عبيد شيخ المعتزلة، ذكره المزى في تهذيب الكمال (١٠٤٢/٢)، ونقل عنه الحافظ ابن حجر في الفتح (١٣ /٣٢) وذكر عن مغلطائى أنه جوز أن يكون هو هشام بن حسان واستبعده. -٣٢١ - الفتنة(١)، فاستقبلنى أبو بكرة، فقال: أين تريد ؟ قلت: أريد نصرة ابن عم(٢) رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا تواجه المسلمان بسيفيهما. فكلاهما في النار(٣)) قيل: فهذا القاتل، فما بال المقتول ؟ قال: ((إنه أراد قتل صاحبه)) (٤). انظر: (١) المراد بالفتنة هنا الحرب التى وقعت بين على ومن معه وعائشة ومن معها. فتح البارى (١٣ /٣٢). (٤) يقصد علي بن أبى طالب رضي الله عنه، كما ورد التصريح به في صحيح مسلم (٢) (٢٢١٣/٤). (٣) كذا في الأصل، وفي صحيح البخارى ((من أهل النار)). (٤) انظر الحديث في صحيح البخاري، كتاب الفتن، باب إذا التقى المسلمان بسيفيهما (٣١/١٣ رقم ٧٠٨٣)، وقال البخارى عقب إخراجه لهذا الحديث: ((وقال حماد بن يزيد : فذكرت هذا الحديث لأيوب ويونس بن عبيد وأنا أريد أن يحدثانى به، فقالا: إنما روى هذا الحديث الحسن، عن الأحنف بن قيس، عن أبى بكرة)). قلت: وبهذا الوجه (أى بزيادة الأحنف بن قيس) أخرجه البخارى في صحيحه، كتاب الإيمان، باب ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ... ﴾ (٨٤/١ رقم ٣١)، وكتاب الديات، باب قول الله تعالى ﴿ومن أحياها .. ﴾ (١٩٢/١٢ رقم ٦٨٧٥) عن عبد الرحمن بن المبارك، ومسلم في صحيحه، كتاب الفتن، باب إذا تواجه المسلمان بسيفيهما (٤ /٢٢١٣ رقم ١٤)، وأبو داود في سننه، كتاب الفتن والملاحم، باب في النهي عن القتال في الفتنة (٤٦٣/٤ رقم ٤٢٦٨)، عن أبى كامل الجحدرى، كلاهما عن حماد بن زيد، حدثنا أيوب ويونس، عن الحسن، عن الأحنف بن قيس نحوه. كما أن له طرقا أخرى لهذا الوجه عند مسلم وغيره من أصحاب السنن والمسانيد. وقال الحافظ ابن حجر عند قول البخارى: «فقالا: إنما روى هذا الحديث الحسن عن الأحنف بن قيس .. )): يعنى أن عمرو بن عبيد أخطأ في حذف الأحنف بين الحسن عن أبى بكرة، لكن وافقه قتادة، أخرجه النسائي من وجهين عنه، عن الحسن، عن أبي بكرة، إلا أنه اقتصر على الحديث دون القصة. (وقد تقدم في = -٣٢٢- ٩٤ - حدثنا عبد الرحمن بن عثمان، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال: حدثنا أحمد بن زهير، قال: حدثنا مسلم بن إبراهيم(١)، قال: حدثنا همام(٢)، قال: حدثنا قتادة، قال: قلت لهلال ابن أبي بردة(٣): إن الحسن حدثنا أنه كان لأبي موسى(٤) أخ يقال له: («أبورهم))(٥) وكان يتسرع في الفتن، فكان الأشعري ينهاه، فقال: لولا ما انفلت(١) إليّ(٧) ما حدثتك بهذا الحديث، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((ما من مسلمين تواجها بسيفيهما فقتل أحدهما الآخر إلا دخلا (٨) النار جميعا)) قيل: هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: ((إنه أراد قتل صاحبه)) فقال بلال: أعرف أبارهم(٩). تخريج الحديث السابق) فكأن الحسن كان يرسله عن أبى بكرة، فإذا ذكر القصة أسنده». فتح البارى (٣٢/١٣). (١) هو الفراهيدى أبو عمرو البصرى، ثقة مأمون يكثر، عمي بآخره، مات سنة ٢٢٢ هـ. (٢) هو ابن يحيى البصرى، ثقة ربما وهم، مات سنة ١٦٤ هـ. (٣) ابن أبى موسى الأشعرى، قاضى البصرة، مقل، مات سنة نيف وعشرين ومائة. (٤) في ع زيادة ((الأشعرى)). (٥) هو ابن قيس الأشعرى، أخو أبى موسى الأشعرى هاجر إلى الحبشة، ذكره ابن عبد البر في الاستيعاب (٤ /٦٩ على هامش الإصابة). (٦) هكذا يظهر في الأصل وع، ولم يتبين لى معناه، وفي مسند أحمد ((أبلغت))، وهو واضح، أي: لو لا ما بلغني عنك من التسرع في الفتن. (٧) في ع ((لي)). (٨) في ع ((دخل)) والصواب ما في الأصل. (٩) قول بلال غير موجود في ع، والحديث أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٤٠٣/٤) عن = - ٣٢٣ - ٩٥ - حدثنا حمزة بن علي، قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن القاسم : الطرائفي(١) إملاء قال: حدثنا أبو عمر محمد بن حبيب القرشى(٢)، قال: حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين، قال: حدثنا سفيان الثوري، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد الله قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم : ((إن أول ما يقضى بين الناس في الدماء )»(٤). عفان، ثنا همام، عن قتادة، عن الحسن به نحوه، وليس فيه ذكر بلال بن أبي بردة. كما أخرجه (٤ /٤٠١) من طريق آخر عن يونس، عن الحسن نحوه، وليس فيه تسمية أخى أبى موسى الأشعرى. وأورده الحافظ ابن حجر في الإصابة (٤ /٧١) من رواية الإِمام أحمد، ونسبه أيضا إلى المظفرى في تاريخه، ورجال إسناده ثقات، سوى بلال بن أبي بردة فقد وصفه الحافظ بأنه مقل. (١) الطرائفى: نسبة إلى بيع الطرائف وشرائها، وهى الأشياء المليحة المتخذة من انظر: الأنساب (٦٠/٩). الخشب، وأما عبد الله فهو أبوبكر الطرائفى، ذكره البغدادى في تاريخه (١٢٨/١٠) وقال: ((وكان ثقة)) توفي سنة ٣٤٣ هـ بمصر. (٢) هو محمد بن جعفر بن محمد بن حبيب بن أزهر، أبو عمر القتات الكونى، قال فيه الخطيب: ((كان ضعيفا))، ونقل عن الدارقطنى أنه قال: ((تكلموا في سماعه من أبى نعيم))، وتوفي سنة ٣٠٠ هـ. تاريخ بغداد (١٢٩/٢ - ١٣٠)، ويلاحظ أننى لم أجد من ذكر في نسبته («القرشى)». (٣) في ع ((أول ما ... )) دون ((إن)). (٤) أخرجه من طريق أبى عمر القتات، أبو نعيم في الحلية (٨٧/٧، ١٢٧) عن محمد بن أحمد بن الحسن ومحمد بن عمر بن سلم في جماعة قالوا: ثنا محمد بن جعفر بن حبيب به مثله. وهذا الحديث قد اختلف فيه على الثورى حيث روى عنه بعض أصحابه فرفعوه، كما عند المؤلف وأبى نعيم، وروى عنه الآخرون فوقفوه على ابن مسعود، ومن ذلك = - ٣٢٤ - ٩٦ - حدثنا الخاقانى(١) خلف بن إبراهيم، قال: حدثنا أحمد بن محمد المكى(٢)، قال: حدثنا علي بن عبد العزيز(٣)، قال: حدثنا القاسم بن سلام(٤)، قال: حدثنا هشام بن عمار(٥)، عن صدقة مارواه النسائي في سننه، كتاب تحريم الدم، باب تعظيم الدم (٨٣/٧) من طريق أبى داود، عن سفيان، عن الأعمش، عن أبى وائل قال: قال عبد الله .. ثم ذكره من قوله. وهذا غير قادح في صحة الحديث، لأن الذين رفعوه من أصحاب الثورى فقد توبعوا، فالحديث أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق، باب القصاص يوم القيامة (٣٩٥/١١ رقم ٦٥٣٣) عن عمر بن حفص، عن أبيه، وكتاب الديات، باب قول الله تعالى ﴿ومن يقتل مؤمنا متعمدا ... ﴾ (١٨٧/١٢ رقم ٦٨٦٤) عن عبيد الله بن موسى، ومسلم في صحيحه، كتاب القسامة، باب المجازاة بالدماء .. (١٣٠٤/٣ رقم ٢٨) من طرق عن عبدة بن سليمان ووكيع، كلهم عن الأعمش، عن أبى وائل، عن عبد الله مرفوعا، مثله، إلا أن البخارى ليس عنده كلمة ((يوم القيامة)» ورواه مسلم أيضا من طرق أخرى عن شعبة، عن الأعمش، به. (١) هذه النسبة إلى خاقان، وهو اسم لجد المنتسب إليه، كذا في الأنساب (١٩/٥). (٢) هو أبوبكر المعروف بابن أبى الموت، قال فيه الذهبى: ضعيف قليلا، وقال ابن حجر: ولم أقف على كلام من صرح بتجريحه، وكان من مسندي عصره، توفي سنة ٣٥١ هـ. ميزان الاعتدال (١٥٢/١)، ولسان الميزان (٢٩٦/١). (٣) هو البغوى الحافظ المجاور بمكة، قال الذهبى: ((ثقة، لكنه يطلب على التحديث، ويعتذر بأنه محتاج» ميزان الاعتدال (١٤٣/٣). (٤)) هو أبو عبيد الهروى البغدادى، قال فيه الحافظ: الإِمام المشهور، ثقة فاضل مصنف، مات سنة ٢٢٤ هـ. (٥) هو الدمشقى الخطيب، صدوق مقرىء، كبر فصار يتلقن، فحديثه القديم أصح، مات سنة ٢٤٥ هـ. - ٣٢٥ - بن خالد (١)، قال: حدثنا خالد بن دهقان(٢)، قال: حدثنا هانىء بن كلثوم(٢)، سمعت محمود بن ربيع(٤) يحدث عن عبادة بن الصامت، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من قتل مؤمنا، ثم اعتبط(٤) بقتله لم يقبل الله منه صرفا ولا عدلا))(٥)، قال خالد: سألت يحيى بن يحيى الغسانى (٦) عن قوله: ((اعتبط بقتله) (١) هو أبو العباس الدمشقى، ثقة، مات سنة ١٧١ هـ. (٢) هو أبو المغيرة الدمشقى، مقبول. (٣) ابن عبد الله الفلسطينى، ثقة عابد، مات على رأس المائة. (٤) في الأصل (ربيعة)، وهو خطأ، والصواب ماأثبته من بعض مصادر التخريج والترجمة، ومحمود بن الربيع هو أبو نعيم الخزرجى المدنى، صحابى صغير، وجلّ روايته عن الصحابة، توفي سنة ٩٩ هـ. (٥) قال الخطابي: اعتبط قتله: أى قتله ظلما لا عن قصاص، يقال: عبطت الناقة واعتبطتها إذا نحرتها من غير داء أو آفة تكون بها. معالم السنن (١٥١/٦)، وانظر أيضا النهاية (١٧٢/٣). (٦) ذكر ابن الأثير في النهاية (٢٤/٣)، قوله: ((لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا)) وقال. ((قد تكررت هاتان اللفظتان في الحديث، فالصرف: التوبة، وقيل: النافلة، والعدل، الفدية، وقيل: الفريضة». والحديث أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الفتن، باب في تعظيم قتل المؤمن. (٤ /٤٦٣ رقم ٤٢٧٠)، عن مؤمل بن الفضل الحرانى، حدثنا محمد بن شعيب، عن خالد بن دهقان به في سياق طويل. وأورده السيوطى في الجامع الصغير (١٧٧/٢ رقم ٦٣٣٠) مختصرا، وعزا تخريجه إلى أبى داود والضياء في المختارة، ورمز له بالضعف، وخالفه الألبانى حيث أودعه في صحيح الجامع الصغير (٣٣٧/٥) وقال: صحيح، ولعله صححه لأن له شواهد، وإلا هذا الإسناد ففيه خالد بن دهقان، مقبول. (٧) هو أبو عثمان الشامى، ثقة، مات سنة ١٣٣ هـ على الصحيح. -٣٢٦ - قال(١): هم الذين يقتتلون في الفتنة، فيقتل أحدهم، ويرى أنه على هدى (٢) لا يستغفر الله منه أبدا))(٣). (١) كلمة ((قال)) غير موجودة في ع. (٢) في ع ((على عهد))، والصواب مافي الأصل. (٣) رواه أبو داود في المصدر المذكور له (٤ /٤٦٥ رقم ٤٢٧١)، عن عبد الرحمن بن عمرو، عن محمد بن مبارك، حدثنا صدقة بن خالد أو غيره، قال: قال خالد بن دهقان: سألت يحيى بن يحيى الغسانى .. ثم ذكر نحوه، وأورده ابن الأثير في النهاية (١٧٢/٣)، من رواية أبى داود، ثم قال: «وهذا التفسير يدل على أنه من الغبطة بالغين المعجمة، وهى الفرح والسرور وحسن الحال، لأن القاتل يفرح بقتل خصمه، فإذا كان المقتول مؤمنا وفرح بقتله دخل في هذا الوعيد)). التعليق: تعرض المؤلف في هذا الباب لثلاث مسائل مهمة وهى كلها تتعلق بالتحذير البالغ والشديد من الخوض في الفتن. المسألة الأولى: هى ماجاء في مصير القاتل والمقتول في الفتنة، أورد تحتها حديثين، أحدهما مرفوع، وجاء فيه: ((القاتل والمقتول في النار))، والثانى موقوف، وفيه: «إن القاتل فيها والمقتول بمنزلة ابنى آدم»، وفيهما بيان بأن القاتل في الفتنة يكون في النار، وأما المقتول فإما أن يكون له مشاركة في إثارة الفتنة بنوع من الأنواع، وإما أن يكون في عزلة من الفتنة ومجتنبا عنها. فالأول مصيره إلى النار، والثانى يكون بمنزلة هابيل الذى قتله أخوه ظلما، ويرجى له رحمة من الله تعالى، والحديثان المذكوران ضعيفان، ولكن يوجد من الأحاديث الصحيحة مايشهد للمعنى المذكور، وهى التى تدل على عدم الخوض في الفتنة ولزوم البيوت فيها، وسيأتى بعض هذه الأحاديث في باب الإمساك في الفتنة، وباب الأمر بلزوم البيوت في الفتنة. والمسألة الثانية: هى ماورد في حمل السلاح على المسلم، أورد المؤلف تحت هذه المسألة حديث «من حمل علينا السلاح فليس منا)» وهو مروي عن عديد من الصحابة. -٣٢٧ - = = وذكر ابن دقيق العيد في معنى الحمل ثلاثة احتمالات، أولها: أن المراد بالحمل مايضاد الوضع، ويكون كناية عن القتال به، والثانى: أن المراد حمله الإرادة القتال به لقرنية قوله «علينا»، والثالث: أن المراد حمله للضرب. ثم قال: وعلى كل حال ففيه. دلالة على تحريم قتال المسلمين والتشديد فيه(١). وأما قوله في الحديث ((فليس منا)) فاختلف العلماء في معناه على قولين، أحدهما: أن المقصود: ليس على طريقتنا، أو ليس متبعا لطريقتنا، لأن من حق المسلم على المسلم أن ينصره ويقاتل دونه، لا أن يرغبه بحمل السلاح عليه لإرادة قتاله أو قتله، وهذا في حق من لا يستحل حمل السلاح على أخيه المسلم بغير حق أو تأويل، فأما من استحل دم أخيه المسلم فإنه يكفر باستحلال المحرم. والثانى: إطلاق لفظ الخبر من غير تعرض لتأويله ليكون أبلغ في الزجر، وكان سفيان بن عيينة ينكر على من يصرفه عن ظاهره، ذكره ابن حجر ووصف بأنه الأولى عند كثير من السلف (٢). وأما المسألة الثالثة: فهى ماورد في رجلين قام كل منهما بالسلاح فقتل أحدهما الآخر يكون مصيرهما إلى النار، وأورد المؤلف تحت هذه المسألة عدة أحاديث، وفي جميعها مايدل على أنه مامن مسلمين تواجها بسيفيهما فقتل أحدهما الآخر إلا كانا في النار. ونقل ابن حجر عن العلماء في معنى كونهما في النار أنهما يستحقان ذلك، ولكن أمرهما إلى الله تعالى إن شاء عاقبهما، ثم أخرجهما من النار كسائر عصاة الموحدين، وإن شاء عفا عنهما فلم يعاقبهما أصلا))(٣)، أى أنهما تحت مشيئة الرب تعالى. (١) ذكره عنه ابن حجر في فتح البارى (٢٤/١٣). (٢) فتح البارى (٢٤/١٣)، وانظر أيضا شرح النووى لصحيح مسلم (١٠٨/٢). (٣) فتح البارى (٣٣/١٣)، وانظر أيضا شرح النووى لصحيح مسلم (١١/١٨). -٣٢٨ - وبالمناسبة أورد المؤلف بعض الأحاديث الدالة على تغليظ أمر الدماء، وشدة حرمتها = على الناس، ومنها حديث: «إن أول ما يقضى بين الناس في الدماء)»، فهو يدل على أن الدماء أول مايقضى فيه بين الناس يوم القيامة، وذلك لعظم أمرها وخطورة شأنها، وليس في هذا مايتعارض مع حديث أبى هريرة مرفوعا: ((إن أول مايحاسب الناس به يوم القيامة الصلاة)) (١) لأن هذا الحديث محمول على مايتعلق بما بين العبد وربه، وأما حديث الباب فهو محمول على مايتعلق بمعاملات الخلق فيما بينهم، ويؤيد هذا الجمع أن الخبرين رويا مقروناً من حديث ابن مسعود، أخرجه النسائى(٢)، وقد جمع بذلك بين الحديثين النووى وابن حجر (٣). (١) أخرجه أبوداود في سننه، كتاب الصلاة (٥٤٠/١ رقم ٨٦٤). (٢) أخرجه النسائى، كتاب تحريم الدم، باب تغليظ الدم (٨٣/٧)، وفي إسناده بعض الرواة متكلم فيه، ولكن له شواهد يبلغ بها درجة الصحة. راجع للتفصيل: الصحيحة للألبانى (٣٢٨/٤ - ٣٢٩ رقم ١٧٤٨). (٣) انظر: شرح النووى (١٦٧/١١)، وفتح البارى (٣٩٦/١١). - ٣٢٩ - ١٨ - باب قول النبي صلى الله عليه وسلم ((لا ترجعوا بعدي كفارا)» وقوله (( سباب المسلم فسوق وقتاله كفر)» ٩٧ - حدثنا عبد الرحمن بن مسافر البخارى(١)، قال: حدثنا علي بن محمد بن لؤلؤ، قال: حدثنا عمر بن أيوب السقطى، قال: حدثنا الربيع بن ثعلب، قال: حدثنا يحيى بن عقبة بن أبي العيزار، عن جعفر بن محمد(٢)، عن أبيه(٣)، عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ألا لا ترجعوا بعدي كفارا، يضرب بعضكم رقاب بعض»(٤). ٩٨ - حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله الهمدانى، قال: حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن شيبة(٥)، قال: حدثنا الفضل بن الحباب (٦)، (١) كذا ورد في الأصل ((البخارى))، ولعله محرف من ((البجّانى)) لأن الرجل من أهل بجانة، وهو عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد بن مسافر الهمدانى. (٢) هو المعروف بجعفر الصادق. (٣) هو محمد بن على المعروف بأبى جعفر الباقر. (٤) لم أجد من أخرجه من حديث جابر بن عبد الله، وهو ضعيف ضعفا شديدا من حيث السند لأنه يوجد فيه يحيى بن عقبة بن أبى العيزار، وقد قال فيه أبو حاتم الرازى: ((متروك الحديث))، وأما من حيث المتن فصحيح، لأنه مخرج في الصحيحين، كما سيأتى عند المؤلف بعده. (٥) لم أهتد إلى ترجمته. (٦) هو أبو خليفة الجحمى، مسند عصره بالبصرة .. قال فيه الذهبى: ((وكان ثقة عالما .. ))، وذكر بعض من تكلم فيه وردّ عليه، وحكى ابن = - ٣٣١ - قال: حدثنا هشام بن عبد الملك الطيالسى (١)، قال: حدثنا شعبة، حدثنا علي بن مدرك(٢)، قال: سمعت أبا زرعة (٢) يحدث عن جده جرير(٤) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استنصت الناس في حجة الوداع، ثم قال: ((لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض»(٥). حجر عن الخليلى أنه قال: ((منهم من وثقه، ومنهم من تكلم فيه، وهو إلى التوثيق أقرب)) ميزان الاعتدال (٣٥٠/٣)، لسان الميزان (٤٣٨/٤). (١) هو أبو الوليد البصرى، ثقة ثبت، مات سنة ٢٢٧ هـ. (٢) هو النخعى أبو مدرك الكوفى، ثقة، مات سنة ١٢٠ هـ .. (٣) هو ابن عمرو بن جرير بن عبد الله البجلى الكوفى، واختلف في اسمه فقيل؛ هرم، وقيل غير ذلك، ثقة. (٤) هو جرير بن عبد الله بن جابر البجلى، صحابى مشهور. (٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب العلم، باب الإنصات للعلماء (٢١٧/١ رقم ١٢١) عن حجاج، وكتاب المغازى، باب حجة الوداع (١٠٧/٨ رقم ٤٤٠٥) عن حفص بن عمر، وكتاب الديات، باب قول الله تعالى: ﴿من أحياها﴾ (١٢ /١٩١ رقم ٦٨٦٩) عن محمد بن بشار، حدثنا غندر، وكتاب الفتن، باب قول النبى صلى الله عليه وسلم: ((لا ترجعوا بعدي كفارا .. )) (٢٦/١٣ رقم ٧٠٨٠) عن سليمان بن حرب، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب معنى قوله صلى الله عليه وسلم: ((لا ترجعوا بعدى كفارا» (٨١/١ رقم ١١٨) عن ابن أبى شيبة ومحمد بن المثنى وابن بشار، عن محمد بن جعفر، وكذا عن عبيد الله بن معاذ، عن أبيه (رقم ١١٩)، كلهم عن شعبة، عن على بن مدرك به نحوه، وعندهما تصريح بأن النبى صلى الله عليه وسلم قال لجرير: ((أستنصت الناس)) وقد أخرج هذا الحديث غير البخارى ومسلم من أصحاب السنن وغيرهم، كما رواه من الصحابة ابن عمر وأبوبكرة وابن عباس. انظر للتفصيل: صحيح الجامع الصغير (١٤٣/٦ رقم ٧١٥٣، ٧١٥٤) وهو عند نعيم بن حماد في الفتن (ق ١/٤١ رقم ٤٣١، وق ٤٢ / ب رقم ٤٥٣) من حديث أبى بكرة مرفوعا مطولا ومختصرا. -٣٣٢ - ٩٩ - حدثنا محمد بن أبي محمد الفقيه(١)، قال: حدثنا(٢) وهب بن مسرة(٢)، قال: حدثنا ابن وضاح، عن الصمادحى(٤)، عن ابن مهدي(٥) قال: حدثنا شعبة، عن الأعمش، عن أبي الضحى(٦)، عن مسروق(٧)، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا ترجعوا كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض)»(٨). (١) هو ابن أبى زمنين. (٢) في أصول السنة ((حدثنى)). (٣) هو وهب بن مسرة بن مفرج بن بكر الأندلسى الحِجَارى المالكى، ذكره الذهبى، وقال: ((كان رأسا في الفقه، بصيرا بالحديث ورجاله مع ورع وتقوى .. وقد كان منه هفوة في القول بالقدر، نسأل الله السلامة»، توفي ببلده سنة ٣٤٦ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء (٥٥٦/١٥ - ٥٥٨). (٤) الصمادحى: نسبة إلى الصمادحية، مدينة بالأندلس، أفاد بذلك محقق السير، وهو أبو جعفر موسى بن معاوية المغربي الإفريقى، ذكره الذهبى، ونقل عن أبى العرب أنه قال: ((كان ثقة مأمونا، عالما بالحديث والفقه صالحا ... )). انظر: سير أعلام النبلاء (١٢ /١٠٨ - ١٠٩). (٥) هو عبد الرحمن بن مهدى، أبو سعيد البصرى، ثقة ثبت، حافظ عارف بالرجال والحديث، ت ١٩٨ هـ. (٦) هو مسلم بن صبيح الكوفي، ثقة فاضل، مات سنة ١٠٠ هـ. (٧) هو ابن الأجدع أبو عائشة الكوفى، ثقة فقيه عابد مخضرم، مات سنة ٦٢ هـ. (٨) انظر الحديث في أصول السنة (ص ٨٣١ رقم ١٥٧). وأخرجه أيضا الإِمام أحمد في كتاب الإيمان (ق ١٣٣/ ب) عن محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، والنسائى في سننه، كتاب تحريم الدم، باب تحريم القتل (١٢٧/٧)، عن إبراهيم بن يعقوب، قال: ثنا يعلى، كلاهما عن الأعمش به مثله، وعند أحمد زيادة في أوله ((وخطب الناس في حجة الوداع، فقال ... )). ورواه الإمام أحمد أيضا من طريق ابن نمير، عن الأعمش به، وكذلك رواه النسائى = -٣٣٣ - ١٠٠ - حدثنا محمد بن أبي زمنين، قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، قال: حدثنا أحمد، قال: حدثنا ابن وضاح، قال: حدثنا أبو بكر ابن أبي شيبة، قال: حدثنا جرير بن عبد الحميد(١)، عن منصور، عن أبي خالد(٢)، عن النعمان بن عمرو بن مقرن(٣) من طريق آخر عن أبى معاوية، عن الأعمش به نحوه، وزاد في آخره: ((لا يؤخذ الرجل بجريرة أبيه، ولا بجريرة أخيه)» وهو مرسل، وقد روي من طريق أبي الضحى مرفوعا متصلا. أخرجه النسائي (١٢٦/٧ - ١٢٧) بسنده عن أبى بكر بن عياش، وشريك، كلاهما عن الأعمش، عن مسلم (أبى الضحى) عن مسروق، قال الأول: عن عبد الله، وقال الآخر: عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم به بالزيادة المذكورة. وقال النسائى عقب هذه الرواية: ((هذا خطأ، والصواب مرسل»، أى أن رفعه من هذا الطريق خطأ. وأورده الألبانى في سلسلة الأحاديث الصحيحة (٦٢٣/٤ - ٦٢٤)، وقال: ((وهو مرسل صحيح الإسناد)». (١) في الأصل ((جرير بن عبد الله)) وهو خطأ، والتصويب من أصول السنة لابن أبى زمنين الذى روى عنه المؤلف هذا الحديث، وهو المذكور في مشايخ ابن أبي شيبة، وتلاميذ منصور بن المعتمر. انظر: تهذيب الكمال (١٣٧٦/٣،٧٣٢/٢). (٢) هو الوالبى الكوفى، اسمه هرمز، ويقال: هرم، مقبول، وفد على عمر، وقيل: حديثه عنه مرسل، توفي سنة مائة. انظر: تهذيب التهذيب (٨٣/١٢). (٣) اختلفت الأقوال في تحديد هذا الرجل، فذكر المزى في ترجمة النعمان بن مقرن الصحابى أنه يقال له: ((النعمان بن عمرو» يعنى أنهما رجل واحد، ومن العلماء من يفرق بينهما، وهذا هو الصواب، ولذلك قال الحافظ ابن حجر في ترجمة النعمان بن مقرن: ووهم من زعم أنه النعمان بن عمرو بن مقرن، وهو آخر، وهو ابن أخى هذا. وهو تابعى، تقريب التهذيب (ص ٣٥٩)، وانظر أيضا: تهذيب الكمال (١٤١٩/٣)، وتهذيب التهذيب (٤٥٦/١٠). - ٣٣٤ - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((سباب المؤمن(١) فسوق(٢)، وقتاله كفر ))(٣). ١٠١ - حدثنا ابن داود(٤)، قال: حدثنا محمد بن عبد الله (٥)، حدثنا محمد بن غالب(٦)، قال: حدثنا عبد الصمد بن النعمان(٧)، (١) في ع «المسلم» وهو الموافق لما ورد في أصول السنة. (٢) الفسق: في اللغة: الخروج، وفي الشرع: الخروج عن طاعة الله تعالى ورسوله، وهو في عرف الشرع أشد من العصيان، قال الله تعالى: ﴿وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان ﴾((سورة الحجرات الآية ٧، قال ابن كثير: ((أى وبغض إليكم الكفر، والفسوق: وهى الذنوب الكبار، والعصيان: وهى جميع المعاصى، وهذا تدريج لكمال النعمة)) تفسير ابن كثير (٤ /٢١٠) وانظر أيضا: فتح البارى (١١٢/١)، ولسان العرب (٣٠٨/١٠). (٣) انظر الحديث في أصول السنة (ص ٨٣٤ رقم ١٥٨)، وأخرجه أيضا البغوى، كما في الإصابة (٥٦٣/٣)، من طريق جرير، عن منصور، به مثله. وأخرجه ابن شاهين. كما في الإصابة (٥٦٣/٣) من طريق زياد البكائى، عن منصور، عن أبى خالد، عن النعمان بن مقرن .. )) وقال ابن حجر: والأول أصح. والحديث أخرجه أيضا الطبرانى في المعجم الكبير (٣٩/١٧ رقم ٨٠) من طريق آخر عن الأعمش، عن أبى خالد الوالبى، عن عمرو بن النعمان بن مقرن - مرفوعا -، وفي أوله قصة، والحديث - على قول ابن حجر - مرسل، وفي إسناده لين، لأن أبا خالد الوالبى لم يوثقه غير ابن حبان، ولكن الحديث صحيح لأنه رواه غير واحد من الصحابة، ولذلك أورده الألباني في صحيح الجامع الصغير (١٩٩/٣ رقم ٣٥٨٩) وقال: صحيح. (٤) هو سلمون بن داود القروى. (٥) هو أبوبكر الشافعى. (٦) هو أبو جعفر الضبى المعروف بالتمتام، قال فيه الدارقطنى: ((ثقة مأمون، إلا أنه كان يخطىء، وكان وهم في أحاديث»، توفي سنة ٢٨٣ هـ. انظر: تاريخ بغداد (١٤٣/٣ - ١٤٦)، وميزان الاعتدال (٦٨١/٣). (٧) هو أبو محمد البزاز البغدادى، مختلف فيه، قال فيه النسائى والدارقطنى: «ليس = -٣٣٥ - قال: حدثنا سليمان بن قَرَم(١)، عن زبيد(٢)، عن شقيق، عن عبد الله، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((سباب المسلم فسوق وقتاله كفر)» (9). ١٠٢ - حدثنا خلف بن إبراهيم بن محمد، قال: حدثنا عبد الواحد بالقوي»، ووثقه ابن معين في رواية، وقال في رواية أخرى: ((كان ممن يكذب»، ووثقه = العجلى وابن حبان، توفي سنة ٢١٦ هـ. انظر: تاريخ بغداد (٣٩/١١)، ولسان الميزان (٣٣/٤) (١) هو أبو داود، البصرى النحوى، ومنهم من ينسبه إلى جده، سيىء الحفظ، يتشيع. (٢) هو ابن الحارث بن عبد الكريم اليامى، أبو عبد الرحمن، الكوفى، ثقة ثبت عابد، مئات سنة ١٢٢ هـ. (٣) في هذا الإسناد بعض من تكلم فيه، ولكن الحديث روي من طرق أخرى صحيحة، فأخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان، باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر (١١٠/١ رقم ٤٨)، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب «سباب المسلم فسوق .. » (٨١/١ رقم ١١٦) عن زبيد به، مثله، إلا أن البخارى زاد في أوله: ((قال (أى زبيد): سألت أبا وائل عن المرجئة، فقال: حدثنى عبد الله .. » ثم ذكره. والحديث رواه عن أبى وائل غير زبيد أيضا، أخرجه النسائي في سننه، كتاب تحريم الدم، باب قتال المسلم (١٢٢/٧)، والإمام أحمد في مسنده (٤١١/١، ٤٣٩، ٤٥٤) من طرق عن شعبة، عن زبيد ومنصور وسليمان، كلهم عن أبى وائل به، واتهم أبو وائل بتفرده في رفع هذا الحديث، والصواب أنه لم ينفرد بذلك، بل تابعه في رفعه عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه مرفوعا، أخرجه الترمذى في سننه (٢١/٥ رقم ٢٦٣٤) بسنده عن عبد الملك بن عمير عنه به، نحوه، وقال فيه الترمذى: ((حديث حسن صحيح)). هذا وقد روي الحديث أيضا عن سعد بن أبى وقاص مرفوعا، ويأتى بعده، وبهذا انتفت دعوى من زعم تفرد أبى وائل برفعه. انظر: فتح البارى (١١٢/١). -٣٣٦ - ابن أحمد بن علي، قال: حدثنا الحسن بن عبد الأعلى (١)، قال: حدثنا عبد الرزاق، عن معمر(٢)، عن أبي إسحاق(٢)، عن عامر بن سعد، عن سعد(٤) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن سباب المؤمن(٥) فسوق، وقتاله كفر، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام)) (٦). (١) اليمنى الصنعانى البوسى صاحب عبد الرزاق، أبو محمد، قال فيه الذهبى: «ما علمت به بأسا)»، توفي سنة ٢٨٦ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء (٣٥١/١٣). (٢) في الأصل ((ابن معمر))، والصواب ما أثبته، كذا هو في مصادر التخريج، ومعمر هو ابن راشد. (٣) هو عمرو بن عبد الله أبو إسحاق السبيعى، مكثر ثقة عابد، اختلط بآخره، مات سنة تسع وعشرين ومائة، وقيل: قبل ذلك. (٤) هو سعد بن أبى وقاص مالك بن أهيب بن عبد مناف، أبو إسحاق الزهرى أحد العشرة المبشرة بالجنة. (٥) في ع («المسلم)). (٦) أخرجه النسائي في سننه، كتاب تحريم الدم، باب قتال المسلم (١٢١/٧)، والإِمام أحمد في مسنده (١٧٦/١)، والطبرانى في المعجم الكبير (١٠٧/١ رقم ٣٢٤)، من طريق عبد الرزاق به، إلا أن النسائى اقتصر على الشطر الأول من الحديث، ووقع عنده والطبرانى ((المسلم)) بدل ((المؤمن)) كما وقع في سند أحمد والطبرانى («عمر بن سعد)) بدل («عامر»، ووقع في سنن النسائى ((عمرو بن سعد))، وقال صاحب التعليقات السلفية (١٦٨/٢) بعد أن ذكر اختلاف النسخ في ذلك: ((الصحيح هو الأول)» يعنى عمر بن سعد، وهما (أى عامر وعمر) من أبناء سعد الذين رووا عنه، وقد روى هذا الحديث ابن له آخر وهو محمد بن سعد. أخرجه ابن ماجه في سننه، كتاب الفتن، باب سباب المسلم فسوق وقتاله كفر (١٣٠٠/٢ رقم ٣٩٤١)، والإمام أحمد في مسنده (١٧٨/١)، والطبرانى في المعجم الكبير (١٠٧/١ رقم ٣٢٥) كلهم بإسنادهم عن أبى إسحاق به مختصرا على الجزء الأول. -٣٣٧ - : ١٠٣ - (حدثنا ابن داود، قال: حدثنا الشافعى، قال: حدثنا محمد بن غالب)(١) حدثنا علي بن أبي بكر، قال: حدثنا أبو زيد المروزى، قال: حدثنا الفربرى، قال: حدثنا البخارى، قال: حدثنا عمر بن حفص، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا الأعمش، قال: حدثنا شقيق، قال عبد الله: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((سباب المؤمن فسوق، وقتاله كفر)) (٢). وقال أحمد شاكر في الرواية الأولى: إسناد صحيح، انظر تعليقه على المسند = (٦٢/٣)، وأما رواية محمد بن سعد فقال فيها البوصيرى: هذا إسناد صحيح، رجاله ثقات. انظر: مصباح الزجاجة (٢٨٧/٢ رقم ١٣٨١). (١) لعل مابين القوسين كتب في الأصل خطأ، لأن المؤلف يروى عن علي بن أبي بكر، وهو القابسى، مباشرة دون واسطة، فإما أن تكون الواو قد سقطت من الأصل قبل ((حدثنا علي بن بكر)) على أيدي بعض النساخ، وإما أن يكون الكلام قبله زائدا كتب خطأ، والأول أقرب. (٢) انظر الحديث في صحيح البخارى، كتاب الفتن، باب قول النبى صلى الله عليه وسلم: ((لا ترجعوا بعدي كفارا ... )) (٢٦/١٣ رقم ٧٠٧٦). والحديث أخرجه أيضا البخاري في صحيحه، كتاب الأدب، باب ماينهى عن السباب واللعن (١٠ /٤٦٤ رقم ٦٠٤٤) عن سليمان بن حرب، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب: ((سباب المسلم فسوق .. )) (٨١/١ رقم ١١٧) عن ابن أبى شيبة وابن المثنى، عن محمد بن جعفر، كلاهما عن شعبة، عن منصور، وكذلك عن ابن نمير، حدثنا عفان، حدثنا شعبة، عن الأعمش، كلاهما (أى منصور والأعمش) عن أبى وائل به مثله. ويروى هذا الحديث من الصحابة أيضا أبوهريرة، وعبد الله بن مغفل وغيرهما. راجع للتفصيل: صحيح الجامع الصغير (١٩٩/٣ رقم ٣٥٨٩). -٣٣٨ - التعليق: أورد المؤلف في هذا الباب حديثين كما أشار إليهما أثناء ترجمته للباب، أحد هذين الحديثين هو ماروي عنه صلى الله عليه وسلم ((لا ترجعوا بعدى كفارا ... » أورده من طرق عديدة. والثانى: هو ماروي عنه صلى الله عليه وسلم ((سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر)» ، وهو أيضا أورده من عدة طرق. فسب المسلم بغير حق حرام بإجماع الأمة، وفاعله فاسق كما أخبر به النبى صلى الله عليه وسلم، صرح به النووى(١)، وأما قتاله بغير حق فاختلف الناس في كونه كفرا على عشرة أقوال تقريبا، أورد النووى سبعة منها، وزاد عليها الحافظ ثلاثة أقوال أخرى، ويمكن ردها إلى ثلاثة بالإجمال. أحدها: أن المراد حقيقة الكفر، وهو قول الخوارج. والثانى: أن الكفر هنا بمعناه اللغوى، إلا أنهم اختلفوا في تعيين المراد من معانيه اللغوية، فقال بعضهم: ((إن الكفر لغة: الستر، والمراد ستر الحق، لأن حق المسلم على المسلم أن ينصره ويعينه، فلما قاتله كأنه غطى على حقه الثابت له عليه»، وقال بعضهم: إن المراد كفر الإحسان والنعمة، وقال بعضهم في حديث: ((لا ترجعوا بعدى كفارا»: إن المراد بالكفار المتكفرون بالسلاح، لأنه يقال: تكفر الرجل بسلاحه إذا لبسه. والثالث: التأويل، ثم اختلفوا في تأويله، فقيل: إن ذلك في حق المستحل بغير حق، وقيل: إن المراد أنه يقرب إلى الكفر ويؤدى إليه، وقيل: إنه فعل كفعل الكفار، لأن قتال المسلم من شأن الكافر. ووصف النووى هذا القول بأنه أظهر الأقوال، وهو اختيار القاضى عياض(٢)، وأما الحافظ ابن حجر فقرر أنه لم يرد حقيقة الكفر التى هى الخروج عن الملة، ثم قال : = (١) شرح النووى لصحيح مسلم (٥٤/٢). (٢) المصدر السابق (٥٥/٢)، وراجع أيضا مشكل الآثار (٢٦٦/١)، وغريب الحديث للخطابى (٢٤٩/٢). -٣٣٩ - أطلق عليه الكفر مبالغة في التحذير، معتمدا على ما تقرر من القواعد أن مثل ذلك ۔ لا يخرج عن الملة، مثل حديث الشفاعة، ومثل قوله تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به، ويغفر مادون ذلك لمن يشاء ﴾، سورة النساء: الآية ٤٨(١)، كما أنه مال أيضا إلى ماذهب إليه القاضى عياض والنووى، ويبدو ذلك من أسلوبه عند ما أعاد المسألة في أماكن أخرى من فتحه (٢) ويبدو لى أن الأنسب في هذه المسألة وغيرها مما يشبهها أن يقال: إن ذلك مالم يصحبه الجحود والعناد، أو يستحله المرء فهو من الكفر العملى، لا الاعتقادى الذى يضاد الإِيمان من كل وجه، فإن الكفر على مراتب، وهذا النوع من الكفر، أى الكفر العملى لا يخرج المرأ من الملة بالكلية، إلا أنه لا يمكن أن ينفى عنه الكفر بعد ما أطلقه عليه الشارع إذ من الممتنع أن يسمى الشارع مرتكب بعض الكبائر، مثل ترك الصلاة وقتال المسلم بغير حق، كافرا ولا يطلق عليه اسم الكفر، ويؤول بتأويلات بعضها بعيد جدا (٣) ومن هنا يجب إطلاق الكفر على من يقاتل المسلمين أو يقتلهم بغير حق كما جاء في الأحاديث الواردة في هذا الباب، ولكنه ليس مثل الكفر الاعتقادى الذى هو جحود وعناد، ويضاد الإيمان، بل هو كفر عملي لأن هناك كفرا دون كفر، وفسقا دون فسق، وظلما دون ظلم، كما جاء في كلام بعض السلف من الصحابة والتابعين، ويؤيده العديد من الآيات القرآنية، وإلى هذا انتهى تحقيق الحافظ ابن القيم أثناء بحثه عن الخلاف الذى وقع بين أئمة السلف فيمن يترك الصلاة عمدا غير جاحد لوجوبها، ووصفه بأن هذا هو مذهب أهل السنة والجماعة (٤؛ وكذلك انتهى إليه تحقيق شارح العقيدة الطحاوية أثناء بحثه عن الخلاف الذى وقع بين أهل السنة وغيرهم من الخوارج والمعتزلة والمرجئة في مرتكب الكبائر، والله أعلم. (٥) (١) فتح البارى (١١٢/١). (٢) انظر فتح البارى (١٩٤/١٢، ٢٧/١٣). (٣) ومن ذلك أن يقال: إن المراد بالكفار المتكفرون بالسلاح. (٤) انظر كتاب الصلاة لابن القيم (ص ٥١٥ - ٥١٨ ضمن مجموعة الحديث النجدية). (٥) انظر شرح العقيدة الطحاوية (ص ٣٦٢). - ٣٤٠ -